وصية شهيد وتحية مجاهد
يا بني يعرب، ويا سلالة قحطان، يا نسل الأركام الأماجد، ويا خلف الأشاوس الصيد الذين دوخوا العالم بعزمهم وملكوا الدنيا بعدلهم، يا ذوي الهمم الشماء والنفوس العصماء والمآثر الغراء، يا أباة الضيم، ويا حماة الذمار وحافظي العهود، يا أيها الإخوان المنتشرون في جميع أنحاء العالم المعمور وأقطاره سلام.
أوجه خطابي هذا إليكم، وأنا على شفير هاوية الموت، وبين براثن الوحش التركي الذي خرب بلادكم، ودمر بيوتكم، ويتم أطفالكم، ورمل نساءكم، وأذل أخواتكم، وامتهن حرمتكم، وحبس ملاك الحياة وقوامها عن أطفالكم المعولين وأولادكم الصارخين؛ ليقدمها طعامًا لأطماعه وليقيت بها أبناء عنصره الخبيث. أوجه إليكم خطابي هذا من بادية الشام، من بين مضارب إخوانكم الأعراب الأسود الذين عليهم المعول الأكبر في إنقاذ البلاد، ودك عرش الظلم والبغي والجور وكل فاحشة ومنكر.
وقد لا يصلكم كلامي هذا قبل وصول منعاي؛ لأن الأتراك الظالمين الكفرة قد أصدروا أحكامهم الجائرة عليَّ وعلى عشرات غيري من خيرة أبناء سورية، وبعدما أفلت من أيديهم وأصبحت حرًّا — حيث تتجلى الحرية بأسمى مظاهرها بين خيام الأسود ومضارب الظباء — أرى الواجب عليَّ يدعوني إلى نواحي الشام، وإني مبكر غدًا بعد أن أعهد إلى أخي في الجهاد … النجدي في إبلاغكم خطابي بالطريقة التي يراها، فإن تيسر لي الخلاص والإفلات مرة ثانية أتممت الواجب، وإلا فحسبي أنني خدمت أمتي وبلادي حتى آخر نقطة من دمي، ولست بالفدائي الأول الذي يموت اليوم في سبيل القومية العربية، فالرفاق كثروا، والغاية النبيلة التي نقوم بها وندعو إليها تقتضي ضحايا كثيرة؛ لأن أركان الحرية والاستقلال لا تثبت إلا على الدماء الزكية، ولا تُصَان بغير النفوس الأبية، فلا تيأسوا إذا بلغكم غدًا أن مئات من نخبة رجال الأمة العربية قُتِلُوا، فالغد يتلوه غد أيضًا، وبعد غد فرج إن شاء الله.
ستسمعون — وربما سمعتم — بما ترتعد له الفرائص وتقشعر له الأبدان من الفظائع التي يمثلها أبناء جنكيز خان المغولي وسلالة تيمورلنك الوحش الضاري في الأمة العربية النجيبة؛ لأنهم قد قرروا إفناء الشعب السوري برمته حتى الأطفال، وهم منذ أشهر عاملون على احتكار الأقوات تحت سلطتهم العسكرية، وقد قرروا أيضًا محق العراقيين الأباة، ولكنهم في العراق أقصر يدًا مما هم في سورية.
ربما خلت سورية من ثلثي سكانها الحاليين؛ لأن من ينجو من المشنقة يميتونه تجويعًا وهزالًا، ومن كُتِبَ له عمر في دفتر القدر ينفونه إلى الأناضول والروملي، فيندغم هناك في العنصر التركي ويصبح تركيًّا بعد قليل من الزمن لا يذكر أحفاده أصلهم الشريف، وقد باشر هؤلاء الكفرة الذين رفع العرب مجدهم وصانوا عرشهم إذلال العرب وإبادتهم؛ فأعملوا السيف والمشنقة، ونفوا عائلات كثيرة من سورية ولبنان المحبوبين، وأخذوا يعدون معدات الهلاك ويفرغون البيوت ويخلون القرى والمدن — في سورية المفداة — من سكانها لكي يسكنوا مهاجري الأكراد والأتراك، ويعيدوا بواسطتهم تمثيل المأساة المفجعة التي مثلوها بالعنصر الأرمني الشريف الباسل بالأمة العربية الكريمة.
لقد حاولوا قتل لغتنا، وجربوا أن يميتوا عاطفتنا القومية، وبذلوا الجهد في تتريكنا، فلم يفلحوا. كل هذا ونحن صابرون صبر الكرام، أما وقد باشروا إبادتنا وإجلاء من يبقى من المزارعين والعمال عن البلاد السورية إلى حيث يفقد جوهر عنصره الشريف فلا صبر على هذا ولا طاقة.
إن قائد الفيلق الرابع جمال باشا الجاسوس الأكبر قد عرقل بحيله مساعينا، وأخر قيامنا، فإنه بعد خيبته بغزوة مصر واسترجاع القطر الشقيق إلى العبودية تظاهر بالميل إلى العرب، وأسرَّ إلى عشرات من كبار الشعب السوري أنه يريد الاستقلال بسورية، وقد ألمع مرات في الولائم الخاصة التي كانت تُقام له إلى استقلال سورية، وحث المتنفذين على النهوض والقيام وشق عصا الطاعة على الحكومة، فوثق كثيرون منا به، ولكن البعض الآخر منا لم يأمن غدره ولا تغافل عن تنبيه إخوانه إلى الحذر من الوقوع في حبائل مكره، وقد تمكن بهذه الأساليب الخداعة والأكاذيب السياسية من اكتشاف بعض دخائل السوريين، فأعمل فيهم السيف، وأمعن فيهم قتلًا، ولكن سيفه ومشنقة دواوينه العسكرية وأحكامه الجائرة ومنكراته الفظيعة هذه كلها كانت أكبر مساعد لنا على دعوتنا وأعظم منشط لنا في جهادنا، وهي وإن تكن أُخِّرت أو آن القيام بهِ إلا أنها وطدته وثبتته ودعتنا إلى التحفظ والتعقل والروية والتفكير.
نحن الآن نطلب حياتنا من براثن الموت، إن خطتنا منظمة كما يجب، وستجود سورية بالمبشرين بدين الاستقلال العربي، والفرج معقود على أسنة الأسل ومكتوب على شفار بيض الظبي، الفرج يأتي من البادية، والجذوة الميمونة المتقدة الآن في الحجاز هي فاتحة البركات للبلاد العربية جمعاء.
لا تلبث نجد أن تثور والأسد العراقي أن يثب عندما تصل إليه الأمداد، والشبل السوري الضعيف المحبوس في قفصه الحديدي، ستهبهُ النخوة القومية وتكسبه الغيرة الجنسية قوة وعزمًا، فيكسر قضبان سجنه الفولاذي ويحطم بقوائمه رأس مقيده، وقد لا ينقضي الخريف وتهب عواصف الشتاء إلا وتثور زوابعنا وتنقض صواعقنا على هامات الظلام الأوغاد الأجلاف العلوج.
فيا إخواني الأعزاء المهاجرين في الأصقاع البعيدة عن مظالم الأتراك وجورهم، أطلب إليكم باسم القومية الشريفة التي ننتمي إليها أن لا تتقاعسوا ولا تتقاعدوا ولا تتصاموا عن نداء الوطنية والحرية والاستقلال العذب الذي يدعوكم إلى الاتفاق إلى الاتحاد إلى التعاضد إلى الوئام إلى الانضمام والالتفاف؛ لما فيه خيركم وخير بلادكم ونجاة ذويكم وحريمكم وأعراضكم من الدمار والفناء والموت والانتهاك والدنس.
اعلموا أن إخوانكم هنا يقدمون أرواحهم، ويضحون نفوسهم في سبيل القومية، فلا تضنوا أنتم بالاتحاد والاتفاق. ألتمس منكم أن لا تفترقوا فرقًا وطوائف، فاليوم لا مسيحي ولا مسلم ولا يهودي ولا درزي ولا وثني، بل الجميع عرب وفي العرب وللعرب، لا لبناني، ولا بيروتي، ولا شامي، ولا حلبي، ولا حمصي، ولا حموي، فحظ بيروت هو حظ لبنان وحظ الشام وحلب وفلسطين والعراق والحجاز واليمن.
إني لعلى ثقة مما أقول فلا تشكوا، وحدوا جمعياتكم، وحدوا أفكاركم، وحدوا آرائكم، وفقوا بين مشاربكم وأذواقكم ومساعيكم.
أدعوكم أيها الإخوان المحبوبون أينما كنتم وحيثما اجتمع منكم عشرة أن تبادروا إلى تأليف جمعيات باسم سورية، تتعارفون بها وتتفاهمون وتكرسون مما رزقكم الله من خيراته وبركاته ونعمه وأمواله لأجل سورية الجديدة لأجل سورية المستقلة.
أما المجاهد فهو الشاعر العربي فؤاد الخطيب الذي كان أول من حيا استقلال العرب في الحجاز بقصيدة شائقة كتبها بمداد الوطنية والإخلاص وهي:
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *