الاتفاق المزعوم بين العرب والترك
مظاهرات العرب في الأستانة – الخطب والولائم – وفد مؤتمر باريس وأعماله – الوفد الاتحادي – مهمة الزهراوي في الأستانة – تعيينه في مجلس الأعيان – قرار الشيبة العربية
* * *
إنه بالنظر إلى الضرورات واختلاف الأمزجة في الولايات العثمانية، وإلى وجوب ترقية البلاد، وإسعاد أهلها، وزيادة رفاهيتهم تقرر بعد الاتكال على الله ومفاوضة الولايات:
أن يعهد في إدارة الأوقاف الموقوفة على عمل الخير المحلي بحسب شروط الواقف إلى مجالس الجماعات في الولايات، وذلك بموجب قانون جديد يُنْشَر قريبًا.
أن تكون الخدمة العسكرية في زمن السلم في دائرة التفتيش إلا إذا رأت الحكومة لسبب ما حشد قسم من الجنود في جهة من الجهات، فترسل العساكر على الطريقة النسبية إلى الولايات البعيدة، كاليمن والحجاز وعسير ونجد.
أن يكون التدريس باللغة العربية في جميع مدارس الولايات التي تتكلم أكثرية سكانها هذه اللغة، وذلك لتوفير أسباب المدنية التي تحتاج إليها في الحال وفي الاستقبال. هذا ولما كانت هناك فائدة أساسية من التدريس باللغة العربية في جميع المكاتب، فيجب مباشرة ذلك الآن في المكاتب الرشدية والإعدادية، وتوفير أسباب التدريس العالي بلغة الأكثرية أيضًا بشرط أن يبقى التدريس باللغة التركية كما كان في المكاتب الإعدادية في حواضر الولايات، وذلك لتعميم اللسان الرسمي.
أن يُعَيَّن المأمورون من الواقفين على اللغة العربية علاوة على اللغة الرسمية، وأن يُنْظَر حين تعيينهم إلى هذا الشرط، وتعين الحكومة المركزية المأمورين الذين يقتضي لتعيينهم إرادة سنية، أما المأمورون الثنويون فَيُعَيَّنُون بمقتضى القانون الجديد، وقد أُبْلِغَ هذا القرار إلى وزارات الحربية والمعارف والأوقاف للعمل به، وكان قد تقرر استقدام مفتشين من الأجانب لكل ولاية من الولايات على قدر الحاجة؛ ولذلك جاء في قانون الولايات الجديد أن المصاريف المحلية ولا سيما عجز ميزانية المعارف والنافعة — الأشغال — تُضَافُ إلى ميزانية الولاية، وعلى الولاية أن لا تخرج عن دائرة الصلاحية الممنوحة لها في قانون الولايات، فيجب بذل الهمة … انتهى.
هذه هي الإصلاحات التي منحتها الحكومة الاتحادية للعرب، وقبل العرب بها حسمًا للخلاف، ولا يظنن القارئ أن الغموض الذي يراه في قرار الوزارة نشأ عن ركاكة الترجمة، فالغموض في الأصل التركي عينه، وقد تحريت في الترجمة ذلك الأصل جهد إمكاني، ومما يدلنا على أن الغموض كان مقصودًا ما جاء في ذلك القرار في شأن التعليم، فقد ورد فيه «إن التدريس يكون باللغة العربية في الولايات التي يتكلم سكانها هذه اللغة»، ثم حصر التدريس باللغة العربية «في المكاتب الرشدية والإعدادية» فقط، ثم اشترط «بقاء التدريس باللغة التركية كما كان لأجل تعميمها»، فهل فهمنا شيئًا من هذه القرارات المتناقضة؟ وهل علمنا بأية لغة تدرس إعداديات بيروت ودمشق وبغداد، لا سيما وأنه ليس في البلاد العربية مكاتب إعدادية إلا في حواضر الولايات.
ولم يرد ما يستحق الذكر في ذلك القرار فيما يتعلق بالمأمورين إلا شرط وقوفهم على اللغة العربية، ولكن هذا الشرط لا معنى له ولا فائدة منه؛ لأن الحكومة كانت تجد أناسًا لا يعرفون من اللغة العربية إلا «ظرب ظربوا»، وتقول إنهم واقفين على أسرارها وتعينهم في البلاد العربية «لتضلعهم من لغة سكانها»، وقد قالت طنين في هذا الشأن في عددها الصادر في ٣ أغسطس سنة ١٩١٣ «يجب أن لا نفتش الآن على مأمورين واقفين على كنه اللغة العربية وقوفًا تامًّا، بل يجب أن ننظر في القدمية والاستقامة والعفة قبل الوقوف على اللغة»، أما مسألة جعل الخدمة العسكرية إجبارية في دائرة التفتيش في نفس الولايات فكانت مرضية للعرب، ولكن الاتحاديين أكرهوا السلطان على رفضها ورفض ما يتعلق بالأوقاف أيضًا، فلم يبقَ في تلك القرارات بعد ذلك إلا ما ورد ذكره في قانون الولايات.
مظاهرات العرب في الأستانة
وقد كان لهذا القرار أحسن وقع في بعض الأندية العربية، ولا سيما في الأستانة؛ لأن جمعية الاتحاد والترقي وعدت زعماء العرب رسميًّا بأنها عزمت على إجابة كل مطالبهم، وأنها لم تشأ أن تعلن ذلك في الصحف لئلا تطمع سائر العناصر العثمانية بها، وتحذو حذو العرب معها، وفي الساعة الثالثة بعد ظهر الثلاثاء في ٥ أغسطس سنة ١٩١٣ قصد وفد من أبناء العرب الباب العالي، ليشكر للحكومة وعودها ويطالبها بالتعجيل في البر بها وتنفيذها، وقد تألف ذلك الوفد بعد عناء شديد — لأن فريقًا من أبناء العرب كان غير مرتاح إلى تأليفه:
يا صاحب الفخامة، أتشرف بالمثول بين يديكم بالأصالة عن نفسي والنيابة عن الشبيبة العربية للقيام بواجبين من أهم واجبات الإخلاص؛ فالواجب الأول هو تهنئة الحكومة العثمانية باسترجاع أدرنة من يد العدو، وشكر الجيش العثماني المظفر على هذا النصر الباهر.
أما الواجب الثاني، فهو شكر فخامتكم وسائر أركان الوزارة الكرام على تقديرها الإصلاح في البلاد العربية حق قدره، وعلى وعودها بإعطاء الحقوق المدنية والسياسية للأمة العربية وإشراكها في أمور الحكومة، فالشبيبة العربية تشكر لكم هذا العمل العظيم الذي تعده فاتحة سعادة ورفاه لهذا الملك المحبوب، فلتطمئن فخامتكم وهيئة الوكلاء الكرام؛ لأن الأمة العربية التي تقدر هذه القرارات حق قدرها تسعى جهد طاقتها وتبذل جميع مساعيها لرقي هذا الوطن المشترك وسعادته ونجاحه؛ ولهذا أرجو من صميم الفؤاد تنفيذ قرارات الإصلاح بأقرب ما يمكن، ولكن أتجرأ على أن أشرك شكري بذكر بعض ما تتمناه الأمة العربية مستميحًا العفو من لدن فخامتكم.
إن بقاء الإدارة العرفية في بيروت منذ سنتين يدعو إلى الأسف، وإننا نلتمس رفعها ونرجو رفع المنع عن الصحف المصرية، والسماح بنشر الجرائد المحلية المقفلة؛ لأننا لا نشك في إخلاصها لهذا الملك، وذلك رغبة في تعميم الشكر وانتقاله من قلوب الناس إلى أعمدة الصحف، ولأنها بإيفاء وظيفتها الوطنية تسهل وظيفة الحكومة كثيرًا.
وهناك مسألة ثانية، وهي مسألة بيع الأراضي المدورة — الجفالك — في البلاد العربية، ولا سيما فلسطين؛ لأن دخول الأجانب إليها وحرمان أهاليها من مواردها مما لا ترضونه فخامتكم، فألتمس من حنان الحكومة السنية اتخاذ قرار قطعي موافق في هذا الشأن.
وفي مساء ذلك اليوم أولمت الشبيبة العربية وليمة شائقة في فندق توكتليان لخمسة وأربعين مدعوًّا من عظماء الترك والعرب، منهم: طلعت بك، وجمال باشا، وأنور باشا، وخليل بك، وسليمان أفندي البستاني، والشريف جعفر، والشريف حيدر، والشريف محيي الدين، والشريف مجيد، وغيرهم. وقبل توزيع الحلوى نهض المرحوم عبد الكريم الخليل، وشكر للمدعوين إجابتهم دعوة الشبيبة العربية، وأعرب عن سروره بإزالة سوء التفاهم بين العرب والترك وطلب مساعدة الحاضرين من أركان الوزارة وجمعية الاتحاد والترقي للتعجيل في تنفيذ قرار الإصلاح.
وتكلم طلعت بك، فقال إنه هو وجمعيته وزملاؤه الوزراء يخدمون العرب بإخلاص من زمن بعيد، واستشهد على ذلك بالشريف حيدر، وأنكر وجود سوء التفاهم، ونسب كل مساعيه الإصلاحية إلى جمعيته، ثم طلب من فتحي بك سكرتير جمعية الاتحاد والترقي في ذلك الحين — وسفير الدولة في صوفيا اليوم — أن يتكلم باسم الجمعية، فوقف فتحي بك وشكر للشبيبة العربية بالأصالة عن نفسه والنيابة عن الاتحاديين تكرمها بدعوتهم إلى العشاء، وأعرب عن رغبة الجمعية في الإصلاح وعن عزمها على إنجاز ما وعدت به، وتلاه بابان زاده إسماعيل حقي بك وزير المعارف في ذلك الحين، فحث العناصر على الائتلاف والاتحاد.
وخطب سليمان أفندي البستاني ناظر الزراعة والمعارف حينئذ، فاستهل خطبته بهذا البيت:
ثم تكلم بالنيابة عن الحكومة التي هو عضو منها، وصرح بأنها عزمت على إجراء الإصلاح الحقيقي عزمًا أكيدًا، وأنها ستنيل العرب أمورًا لم يفكروا فيها بعد؛ لأنها تعرف ما هو الواجب وتريد إصلاح الحال.
وفد الإصلاح في الأستانة
وعلى أثر ذلك أبرق المرحوم عبد الكريم الخليل إلى باريس يدعو أعضاء المؤتمر العربي إلى الحضور لمراقبة تنفيذ الإصلاح، فأوفد المؤتمر ثلاثة من أعضائه، هم: سليم أفندي سلام، والمرحوم الشيخ أحمد طبارة، والمرحوم مختار بك بيهم، فوصلوا إلى الأستانة الساعة الواحدة بعد ظهر الجمعة في ١٥ أغسطس سنة ١٩١٣، وجرى لهم استقبال لم تشهد الأستانة أعظم منه، وبعد أن زاروا المنتدى الأدبي واستراحوا هنيهة فيه، اجتمعوا بمعتمدي الجمعيات العربية، وبسطوا المهمة التي جاءوا من أجلها، فقالوا إنها إيضاح المبهم في الاتفاق الذي أعلنته الحكومة ومفاوضتها في تعيين بعض زعماء الأحزاب العربية في مناصب الدولة وحملها على الاعتراف رسميًّا بالاتفاق السري الذي أُبْرِمَ بين جمعية الاتحاد والترقي والمؤتمر العربي.
وجعل وفد مؤتمر باريس يفاوض رجال الحكومة وأهل الحل والعقد منذ ثاني يوم وصوله، وفي ٢٣ أغسطس قابل أعضاؤه السلطان، فأعربوا له عن تعلق العرب بالعرش العثماني، ورجوا منه أن يأمر الحكومة بتنفيذ الإصلاح على جناح السرعة؛ لأن الإصلاح هو الطريق الوحيد لترقية البلاد وإنماء ثروتها وإسعاد سكانها. فشكرهم ووعدهم خيرًا.
وفي ٢٧ أغسطس زار أعضاء الوفد ولي العهد، فقابلهم بكل سرور وارتياح، وخطب حضرة سليم أفندي سلام بالتركية معربًا عن تعلق العرب بسموه لما يسمعونه عن محبته لهم. وعقبه المرحوم عبد الكريم الخليل، فتكلم بالمعنى نفسه، ثم خطب المرحوم الشيخ أحمد طيارة بالعربية، فاستهل خطبته بهذه العبارة: «أخاطب سموكم بلسان عربي مبين، لسان القرآن الكريم والنبي العربي العظيم القائل: من أحب العرب فبحبي أحبه.» وقال إن ما سمعه عن حب سموه للعرب قد تحققه بنفسه، وتمنى لو يزور سورية. فشكر سموه للوفد هذه العواطف شكرًا جزيلًا ووعدهم بأن يفرغ قصارى جهده لإصلاح الحال في البلاد العربية.
وأولمت جمعية الاتحاد والترقي في مساء ذلك اليوم — الأربعاء في ٢٧ أغسطس — وليمة شائقة باسم الشبيبة العربية، دعت إليها وفد الإصلاح وكل الوزراء العثمانيين وبعض عظماء الترك والعرب في الأستانة، ولما فرغوا من الطعام وقف فتحي بك فتكلم باسم جمعية الاتحاد والترقي، فقال ما معناه:
«في اجتماع مضى كهذا الاجتماع تُبُودِلَتْ عواطف السرور بالاتفاق الذي تم بين العرب والترك، فأعيد الآن ما أبديته من السرور في ذلك الاجتماع أمام أعضاء وفد المؤتمر العربي المؤلف من سليم أفندي سلام والشيخ أحمد طبارة ومختار أفندي بيهم، وأشكر لهم مساعيهم الحميدة وغيرتهم الصادقة، وأرجو أن يكون هذا الاتفاق مقدمة عهد سعيد للأمة والدولة.»
ينشرح صدري ويسر فؤادي كلما رأيت مثل هذه الاجتماعات التي تضم الترك والعرب معًا؛ لأنها واسطة لتوقيف الأخ على أفكار أخيه وأمياله وعواطفه، فبمثلها تحتك الخواطر وتسطع أنجم الحقائق فيندفع كل من الأخوين على أخيه ويتعانقان بكل شوق وحنان؛ إذ يتبين لكل منهما أن الغاية واحدة وطريق الوصول إليها واحدة فيتصافيان، وفي تصافيهما قوة للمجموع العثماني تزود عن بيضة الملك في معترك الحياة، وعلى ذلك فإننا مديونون لجمعية الاتحاد والترقي المركزية لقيامها بمثل هذه الحفلات.
نعم، إن سرورنا بهذه الحفلات لعظيم؛ لأنها تحل المعضلات، وتزيل عقد المشكلات، فقد كانت مسألة العرب والترك بالأمس ذات خطر وخوف، وقد جعلها أهل التمويه والأغراض أعقد من ذنب الضب، فتيسر حلها بمثل هذه الاجتماعات حلًّا ملائمًا للعنصرين العربي والتركي، فبعدما كادت هذه المسألة تقضي على كيان الدولة صارت اليوم بحسن التفاهم بين العنصرين مادة حيوية فيها سعادة الدولة وفلاحها، فإن سعادة الذين كشفوا الستار عن حقيقة المسألة العربية تحاكي اليوم تعاسة الذين رغبوا في تشويهها وإنكار أهميتها، ولما كان أهل بيروت أصحاب الغيرة والحمية — هنا هتف طلعت بك قائلًا: فَلْتَحْيَ بيروت — هم أول الذين تجسم لهم خطر المسألة وهبوا للقيام بما أوحته إليهم ضمائرهم الحية، فأنا أشكرهم باسم الشبيبة وباسم الأمة العثمانية، وأسدي أيضًا مزيد الشكر إلى سائر جمعيات الإصلاح التي أُلِّفَتْ في أقطار العالم، وأخص بالذكر جمعيات مصر وباريس وأميركا، وأشكر أيضًا لحضرات الأعيان الذين أتوا من أرجاء البلاد العربية كلها لعقد المؤتمر العربي في باريس، وقاموا بواجبهم المقدس بكل حكمة وفهم وقوة، وأشكر لهيئة الاتحاد والترقي المركزية وأركان الحكومة السنية نظرهم إلى الحقائق التي اكتشفها لهم القائمون بالإصلاح نظر الغيرة والاهتمام وإقدامهم على اتخاذ التدابير اللازمة غير مبالين بذوي الأغراض والغايات.
حيا الله هذا الجمع الشريف، وأحياه، وبارك في هذا الاتفاق وأنماه.
أيها السادة …
يقول حكماء العرب في أمثالهم: «صديقك من صَدَقَك لا من صدَّقك.» وهي لعمري حكمة بالغة يجدر بكل عاقل أن يضعها نصب عينيه، وأن يجعلها نبراسًا يستضيء به في حياته الاجتماعية، فإن دولتنا العلية — أيدها الله — باتت في أشد الحاجة إلى رجال يصدقونها في أقوالهم وأعمالهم، لا أن يصدِّقوها في كل شيء نافعًا كان أو ضارًا، وحسبنا ما تجرعناه من مرارة هذه السياسة الخرقاء قبل الدستور وبعده.
أنا إن رأيت الخطر محدقًا بصديق تهمني حياته، فالمروءة تقضي علي أن أنبهه إليه، وأن أسعى لإنقاذه منه حرصًا على حياته العزيزة، أما إنكاري للخطر وأنا أراه فلا يلتئم مع الصداقة والمروءة في شيء، فنحن نعتقد أن العرب والترك إخوان صنوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، وأن حياة هذا الملك تتوقف عليهما، فمن مصلحتهما ومصلحة الدولة أيضًا أن لا يكون بينهما سوء تفاهم على الإطلاق، فإنكار سوء التفاهم مع وجوده مضرٌّ بهما معًا، ومنكره غير محب لهما معًا، وإنما المحب هو الساعي إلى إزالة سوء التفاهم بين الفريقين، وتوثيق عرى المحبة والوداد بينهما هو أساس نجاح الملك، هو الثقة بين الأمة والحكومة، وعلى قدر هذه الثقة يكون حظ الملك من التقدم والنجاح. وأساس الثقة هو عدم الاستئثار بشيء وإعطاء كل ذي حق حقه، على هذه القاعدة الأساسية بنينا طلبنا للإصلاح حفظًا لهذا الملك بعدما رأينا العيون شاخصة إليه والأطماع حائمة حوله، فكنا في طلبنا هذا أكثر حبًّا له من الذين كانوا يقولون إن الوقت غير مناسب للإصلاح مع أن الإصلاح ليس له وقت معين، بل كلما اشتد المرض على المريض كان استقدام الطبيب له ألزم وتناول العلاج له أحوج وأكفل.
لقد صرحنا بملء أفواهنا ونصرح الآن وفي كل زمان ومكان أننا نشأنا تحت ظل الهلال العثماني (تصفيق)، ونريد أن نعيش تحت ظله ونموت تحت ظله (تصفيق)، وأعني «بنحن» العرب، وأعني بالعرب كل ناطق بالضاد لا فرق في ذلك بين المسلم وغير المسلم (تصفيق)، لا نرضى من دولتنا العلية بديلًا، وإننا نفديها بأرواحنا وأموالنا (تصفيق)، وإنما نطلب لها الحياة السعيدة والعيشة الراضية لنعيش وإياها في سعادة وهناء ورضاء على قاعدة الاشتراك في الحكم وتبادل الحقوق.
ولا نحتاج في هذا المقام إلى زيادة إيضاح بعدما حصحص الحق وبان، وظهر الصبح للعيان، وصرح فخامة الصدر الأعظم وحضرة ناظر الداخلية وغيرهما من كبار رجال الدولة بأمور خطيرة الشأن، وقدروا أهمية القائمين بالإصلاح حق قدرها وأثنوا على وطنيتهم أطيب ثناء، على أن هؤلاء يعتقدون أنهم إنما فعلوا ما يفرضه عليهم الواجب والصداقة والإخلاص لدولتهم ووطنهم وأمتهم.
لقد سُرَّ جميع العقلاء من العرب والترك بالاتفاق الذي تم بين عنصريهما، وبات الكل ينتظرون تنفيذه ليجني الوطن ثمره النافع، ولا سيما بعدما أكد لنا فخامة الصدر الأعظم وحضرة ناظر الداخلية تأكيدًا ما وراءه زيادة لمستزيد أن هذا التنفيذ واقع لا محالة في القريب العاجل، وأن الدولة لا تقف بالإصلاح عند هذا الحد، بل تزيده وتعززه كلما سنحت الفرصة.
ونحن نعتقد أن هذا الاتفاق النافع لا تنحصر فوائده في العرب، بل في العرب والترك معًا، وأن القائمين به عربًا كانوا أو تركًا إنما هم يعملون لسعادة الفريقين معًا وسعادة الملك العثماني؛ لأنه على قدر ارتقاء العرب في سلم الحضارة والعمران يكون ارتقاء هذه الدولة ونجاحها.
من أجل ذلك أهنئ الترك والعرب معًا بهذا الاتفاق السعيد المبني على الحقوق المدنية والسياسية، وأضرع إلى الله — سبحانه — أن يجعله فاتحة عصر جديد مجيد للدولة العلية، وأن يوفق رجالها إلى كثير من الإصلاحات الحقيقية التي يحيا بها الوطن العثماني حياة سعيدة راقية، وأشكر للساعين فيه غيرتهم الوطنية، و«أول الغيث قطر ثم ينهمل.»
ويتساءل فريق من الناس أيها السادة قائلين: أتظهر الحكومة هذه الإصلاحات من حيز الوعود إلى علم الوجود؟ فالذي أراه أنه ليس من مصلحة الدولة البر بالوعد والوفاء فقط، بل أن تسبق أعمالها أقوالها من الآن، وأن تعتمد على الله وعلى نفسها وعلى الأمة في إنجاح الوطن، فتصبح الأمة العثمانية على اختلاف مذاهبها يدًا واحدة في إنهاض الوطن وإسعاده، ولنا في عظم استعداد أبنائنا خير كفيل للنجاح في أقرب آن.
وفي الختام نسأل الله أن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه خير الدولة وسعادة الوطن، وأن لا يجعل للأغراض الذاتية سلطانًا علينا، وأن نرى في النوائب الأخيرة خير واعظ لنا؛ لأننا إن لم نعتبر بها فلا حياة لنا بعدها، وكثيرًا ما تكون النوائب سببًا في الفوائد والله ولي التوفيق.
ولكن الحكومة الاتحادية التي تظاهرت بالإخلاص للعرب، كانت في الباطن تضمر لهم الشر، وتدبر لهم مكيدة في السر؛ فقد استدعت بعض صنائعها السوريين إلى الأستانة، وكلفتهم معاكسة أحرار العرب، والمجاهرة بأن البلاد العربية لا تحتاج إصلاحًا، وكان في جملة هؤلاء المذبذبين النفعيين عبد الرحمن بك اليوسف والأمير شكيب أرسلان ومحمد باشا العظم والشيخ أسعد شقير، وغيرهم من اللائذين بها والمرتزقين من وظائفها أو من نهب الفقراء بواسطتها. فما وصلوا إلى الأستانة حتى حملوا حملة شديدة على القائمين بالإصلاح، فصرح أحدهم لمحرر تصوير أفكار بأنهم لم يأتوا إلى الأستانة من تلقاء أنفسهم، وأن الحكومة استقدمتهم إليها لمشاورتهم في أمر الإصلاح، وقال إن العرب يأسفون جدًّا لانخداع الحكومة ومسالمتها لشبيبة عربية ليست على شيء من الوطنية، غايتها تسليم البلاد إلى الأجانب والقضاء على الدولة والإسلام والمسلمين.
وقال ثانٍ منهم إن الحكومة وضعت يدها بيد شبان مارقين خائنين لا يُعْبَأ بهم ولا يُحْسَبُ لهم حساب.
أما الثالث، فكان يسعى دائمًا إلى إقناع الرأي العام بأن الأمة العربية كافة في قبضة كفهِ وكف أصحابه، وقد أجمعوا كلهم على مطالبة الحكومة بإبقاء الحال على ما كانت عليه، حتى إن أحدهم الشيخ أسعد شقير قال لأحد محرري الصحف: إن بقاء اللغة التركية لغة رسمية في البلاد العربية في مصلحة العرب أنفسهم؛ لأنهم إذا كتبوا الاستدعاءات «العرضحالات» بالعربية وأرسلوها إلى الأستانة طالت مدة إقامتها فيها، وقد تظل السنين الطوال، فيكون العرب الخاسرين!
جئنا الأستانة لتحقيق مواعيد الإصلاح وطلب تنفيذها في أقرب آن، وقد سمعنا من جلالة السلطان وسمو ولي العهد وفخامة الصدر الأعظم وحضرة ناظر الداخلية وسائر رجال الحكومة وجمعية الاتحاد والترقي؛ وعودًا صريحة قاطعة لا نستطيع أن نظهر ارتيابًا فيها، وأكد لنا فخامة الصدر الأعظم وحضرة ناظر الداخلية غير مرة أن تنفيذ الإصلاح واقع لا محالة في القريب العاجل، وأن الدولة العلية لا تقف بالإصلاح عند هذا الحد، بل تزيده وتعززه كلما سنحت لها الفرص وساعدتها الأحوال، فرأينا من المصلحة أن نتظاهر بالرضى؛ لأن السياسة تقضي علينا بذلك، وعزمنا على السفر إلى بلادنا لعرض المسألة برمتها على مسامع الأمة وإعدادها لقبول الإصلاح إذا أبرت الحكومة بوعدها أو لاتخاذ التدابير اللازمة الفعالة للوصول إلى غايتنا الشريفة، وقد أفهمنا رجال الحكومة حقيقة الحال، وقلنا لهم إن هذه آخر مرة نرضى فيها بالوعود، فإن لم يبروا بها في أقرب آن كانوا هم وحدهم المسئولين عن تفاقم الأمر وسوء العاقبة.
ثم تركوا الأستانة بعدما أعربوا عن استيائهم من سياسة الاتحاديين واستخدامهم بعض صنائعهم في سورية للقضاء على فكرة الإصلاح في البلاد العربية.
على أن المرحوم عبد الكريم الخليل وبعض أنصاره من شبان العرب في الأستانة لم يقنطوا من الاتحاديين، ولم يفقدوا الثقة بهم، فواصلوا مفاوضتهم معهم، وكانت نتيجة ذلك أنهم خُدِعُوا مرة ثانية، فأقنعوا المرحوم عبد الحميد الزهراوي بإخلاص الاتحاديين للعرب والمجيء إلى الأستانة.
وفي يوم الثلاثاء ٢٨ أكتوبر سنة ١٩١٣ الساعة الواحدة بعد الظهر وصل المرحوم السيد الزهراوي إلى الأستانة على قطار الإكسبريس، فاستقبله في محطة السركجي أعيان العرب ونيف وسبعون ضابطًا من ضباطهم وجميع الشبان العرب ملكيين وعسكريين بحماسة عظيمة جدًّا. ولما وصل القطر وأطل سيادته من نافذته هتف الجمهور بصوت واحد «فَلْيَحْيَ الإصلاح، ولْيَحْيَ زعماء العرب، ولْتَحْيَ الأمة العربية»، فارتجت أرجاء المحطة من التصفيق والهتاف.
وقد استقل سيادته مركبة أُعِدَّتْ له، وسار المستقبلون في رتل من المركبات لا يقل عن خمسين مركبة كانت إدارة المنتدى الأدبي قد أعدتها لنقلهم إلى دارها في «قوم قبو»، وكانت حماستهم شديدة جدًّا.
ولما استقر بهم المقام نهض المرحوم الزهراوي، وشكر لطالبي الإصلاح حميتهم وتفانيهم في خدمة الدولة والأمة، وأثنى على اتحادهم المتين في المطالبة بالإصلاح، ثم سار من المنتدى الأدبي مع بعض أصدقائه إلى فندق الكونتيننتال في «بك أوغلي»، وبدأت مفاوضاته رسميًّا مع مدحت شكري بك سكرتير جمعية الاتحاد والترقي وبعض أعضاء الوزارة في ٣٠ أكتوبر سنة ١٩١٣؛ أي بعد وصوله إلى الأستانة بيوم ونصف.
المحرر: لقد حان الزمان أيها الأستاذ لأن توقف الرأي العام على بعض ما جرى في شأن الإصلاح فماذا تقول؟
– لا أعلم أكثر منك، ولا أعلم شيئًا جديدًا، فقد أتيت إلى الأستانة، وفاوضت فريقًا من رجال الحل والعقد في تنفيذ اتفاقهم مع مؤتمر باريس، فسمعت من وعودهم ما سمعه طالبو الإصلاح من قبل، ولكن ما الفائدة ونحن نريد أعمالًا لا أقوالًا؟! ولم يعد لي من الوقت متسع للإقامة في الأستانة، ويرى أصدقائي أن سفري منها أمر واجب، وفي كل يوم أتلقى كتبًا وتلغرافات تستحثني على التعجيل في السفر إلى مصر.
– وهل ترجو الانتهاء من هذه المسألة قبل سفرك؟
– لم أفقد الثقة بحسن نية الحكومة بعد، ومع ذلك فإن سير الأمور على منوالها الحالي يوهن عزمي، ويثبط همتي، ويمنعني من الرد على سؤالك.
– ولكن سفرك الآن يُعَدُّ بمثابة قطع الرجا من الحكومة بتاتًا.
– هذا ما أخشاه، وما أفهمته للحكومة، فلا عذر لها إذا تجاهلته في مستقبل الأيام.
– وما هو السبب في مماطلة الحكومة؟
– أظن السبب خلافًا قام في جمعية الاتحاد والترقي، فإن فريقًا من أعضائها يؤيد مطاليبنا، ويروم معاملتنا بالحسنى، وفريقًا يرفض مطاليبنا كل الرفض، ويشير باستعمال الشدة معنا، ولا نعلم أي الفريقين يرجح، فإن استطاع أولهما إقناع ثانيهما كان لنا ما طلبنا، وإلا ساءت العاقبة كثيرًا.
وقد وقع هذا التصريح أعظم وقع في الأستانة، فجاهر كثيرون من خيرة الترك علمًا وفهمًا في الأندية والمجتمعات وعلى صفحات الصحف أنهم مدركون حرج الموقف، وقد أعربوا عن رجائهم بأن الحكومة تجيب العرب إلى مطاليبهم، وقالوا إن تمزيق اتفاق باريس أو المطل بتنفيذه جناية لا تُغْتَفَر، وأنشأ الكاتب التركي الشهير علي كمال بك مقالة سابغة في جريدة بيام، أَلَحَّ فيها على الحكومة في إرضاء العرب وإشراكهم في الحكم، وهذا بعض ما قاله في هذا الشأن:
«اشتهر العثمانيون بطيب سريرتهم اشتهار حكومتهم بسوء سيرتها، وما من أحد ينكر أن الحكومة العثمانية تقول ولا تفعل، وتعد ولا تفي، ولو نهجت في الماضي غير هذا المنهج لأحسنت صنعًا، وفتحت أبواب النجاح والارتقاء للأمة والبلاد.
يعني الباب العالي اليوم بمسألتين تتوقف عليهما حياة الدولة ومستقبلها، المسألة الأرمنية والمسألة العربية.
فقد اتفقت الحكومة مع العرب وأعلنت اتفاقها هذا على رءوس الأشهاد، وصرحت بأنها لا تتوانى ولا تتأخر عن اتفاقها مع الأرمن، فإذا كانت الحكومة قد غيرت خطتها التقليدية ونبذت سياسة التسويف والوعد ظهريًّا، فالواجب عليها أن تنجز وعدها وتبدأ بالإصلاح فعلًا.
ومن يرغب في شيء لا تقف العقبات في وجهه ولا تحول دونه، فهمة الرجال تدك الجبال، والأرض ترتجف تحت أقدام أرباب العزم على ما قال شاعرنا التركي. وأما إذا أُرْغِمَ المرء على شيء وعمله مكرهًا من غير طيبة خاطر فلا تكون النتيجة إلا الخذلان.
علينا أن نعترف أن كل ما عملته الحكومة لإصلاح هذا الملك كان على الأكثر من الأمور الفرعية، فقد اعتبرت القشر دون اللباب والألفاظ دون المعاني، فبلغنا الحالة المؤلمة التي نشكو منها اليوم.
فالرجاء أن تعدل الحكومة عن خطتها الماضية التي لا يحسن اتباعها؛ لأن المصائب والفوادح التي نزلت بهذه الأمة المنكودة الطالع أيقظتها من سباتها العميق وأفهمتها حرج الموقف، فأول واجب على الحكومة هو أن تقرن أقوالها بالأعمال في المسألة العربية قبل أن يفوت الزمان فيندم أهل الحل والعقد. ولات ساعة مندم!
لقد أطرينا الحكومة، وقلنا فيها كل كلمة تسرها يوم اتفاقها مع العرب؛ لأنهم ركن الدولة المكين وسندها الأعظم، فعليها في هذه الحال أن تنفذ المطاليب التي اتفقت معهم عليها، وليس ذلك فقط، بل أن تشركهم في الحكم وتلقي قسمًا من المسئولية على عواتقهم.
لقد عشنا في الزمن الغابر غرباء عن العرب، وعاشوا هم غرباء عنا. إن بيننا وبينهم رابطة الدين ورابطة الاحتفاظ بالملك، فعلينا أن نشدها شدًّا، وأن نكون جميعنا عثمانيين، فلا يقال هذا تركي وذاك عربي، فعدم تفاهمنا معهم عار عظيم علينا وعليهم، ولكن اللوم الشديد واقع علينا نحن الترك وحدنا؛ لأننا نحن الذين ابتعدنا عن العرب كما ابتعدنا عن سائر العناصر.
عرف أهل الغرب ما للعرب النجباء من المدنية الزاهرة والآداب الباهرة، فاقتبسوا عنهم، وأما نحن فلم نفقه لذلك معنى، فإذا اشترك العرب في الحكم فبشر الدولة بالفلاح والنجاح؛ لأنهم يخدمونها جهد طاقتهم بما أوتوه من ذكاء وقوة وفهم وحكمة، ولا سيما حين يرون أن الوطن العثماني وطنهم والخلافة الإسلامية خلافتهم والسلطنة سلطنتهم. إنهم ينضمون إلينا وننضم إليهم؛ فنكون متحدين متآخين كالبنيان الثابت المتين.
لقد عرف العرب كافة من مسلمين وغير مسلمين، وأيقنوا تمامًا أنهم يستطيعون أن يعيشوا إخوة مع الترك في ظل العلم العثماني، فلنقوِّم ما اعوج من أمرنا معهم، ونصلح ما فسد من ماضينا في معاملتهم، ولا يكون ذلك إلا بأن نشركهم في الحكم معنا، وننيلهم حقوقهم في مجلس المبعوثان وفي دوائر الحكومة كلها، وليكن نصيبهم من مناصب الدولة الكبيرة والصغيرة جزاءً وفاقًا طبقًا لأحكام الدستور، وإذا نزلت بنا فادحة بعد ذلك لا تدفع مقلة التركي وحده، بل يشاركه العربي في بكاه ويجاهد في الدفاع عنه. لقد آن لنا أن نفهم أن التركي اليوم غيره بالأمس، فلا هو سيد ولا العربي مسود، فإذا فهمنا ذلك اشتد أزرنا بالعناصر العثمانية، ولا سيما العنصر العربي الكريم، كما يشتد أزر إنكلترا بالإنكليزي وفرنسا بالفرنسوي وألمانيا بالألماني.»
إلى أن قال:يا لقومي من التواني! اجروا؛ أي بيان إصلاحي استحسنته الحكومة أو وافقت عليه ولو كان فيه معايب كثيرة، فكل ما هو أوروبي يشير إلينا الآن من طرف خفي. إن مسألة الإصلاح لم تَعُدْ تحتمل إبطاءً ولا تخاذلًا، إن أوروبا تحبذ الإصلاح وتصفق له؛ لأنها تعلم أن في إجرائه تأمينًا لمصالحها، ولكن كلامنا فيه أصم الآذان فأين العمل؟ ألا تعلمون أن الأرمن بلغت شكواهم عنان السماء؟ ألا تعلمون أن الدول العظمى ولا سيما اللواتي يردن بلع «اللقمة الجديدة» أصغين إلى الأرمن وأصابت مطاليبهم منهن هوى في النفس؟ لقد صحت عزيمة الحكومة على إجراء الإصلاح فعلًا، فما بالها تمطل. إن مسألة الإصلاح صارت في نظر أوروبا كالمسألة الشرقية أهمية وشأنًا، فإذا لم تُحَل بالعقل والحكمة حلًّا يرضي العناصر العثمانية ويقنع أوروبا كانت خطرًا على المملكة لا يُصَدُّ ولا يُدْفَعُ.
ابدأوا بالإصلاح في كل قطر وصقع، ولا تقولوا إننا لم نستعد بعد ولا أعددنا ما يلزم لكل ولاية أو قضاء في البلاد، فقولكم هذا يؤخذ حجة على ضعفكم، وعلى أنكم لا تستطيعون عملًا ولا ترومون إصلاحًا.
لا يغرنكم من الصحف الأجنبية لين ملامسها، ألا ترون بين تضاعيف سطورها آصارًا مفزعة. لم يبقَ لنا وقت للتردد والجمود، فطبيعة العمران لا تقف جامدة، إن كل توانٍ اليوم نُحَاسَبُ عليه غدًا؛ لأنه ينزل بنا مصائب أليمة، فاسمعوا وعوا.
قررنا أن نستقدم مفتشين أجانب ليراقبوا أعمالنا، واستحسنا أن يكونوا إنكليزًا، وقلنا إنهم متى رأوا بعيونهم ما نجريه من الإصلاح كتبوا عنه إلى صحف بلادهم، فتكون كتابتهم خير معين لنا … إلى آخر ما قررناه وقلناه. ولكنني علمت — والأسف ملء صدري — أن حكومتنا لم تفاوض أوروبا — حتى إنكلترا وألمانيا — في شيء من هذا.
ألا فليعلم القائمون بالأمر فينا أن حالنا حال غير طبيعية، وأن للطبيعة سننًا لا بد من التمشي عليها …
فإذا كنا نحن نرى هذا الضعف والأود فينا، فما الذي يراه المراقبون لنا الطامعون فيما بقي من ملكنا؟! إنه بينما الحكومة تذيع أنها تريد أن تعين مفتشين أجانب، فيطير البرق عزمها هذا إلى عواصم أوروبا، وبينما هي مريدة خلع الثوب القديم ورفع أثقال الحكومة المركزية عن عاتقها نرى طائفة أو طوائف من الجهال البهال الذين لا يدركون أسباب ارتقاء الأمم يقولون إن استقدام المفتشين الأجانب ومباشرة الإصلاح مضيعان للاستقلال ومهينان لأبناء الوطن. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
إن أولئك الضالين أو المضلين يكتبون إلى الصحف ما لا يقيمون له وزنًا، ويعلقون عليه قائلين إن الرأي العام مستاءٌ من ذلك، وبعد أيام يكترون قومًا من بائعي ذممهم ووطنيتهم، فيستكتبونهم تلغرافات تبكي وتضحك؛ الجهول يبكي لها، والثكول يضحك منها.
ومن المؤلم جدًّا أن رجال الحكومة لا يقرأون هذا الهذيان حتى تخور عزائمهم، وترتخي قوتهم، وتضعف إرادتهم، فيختبئوا وراء ستار مترقبين ما تحمله الأقدار. إن تاريخنا القديم وتاريخنا الحديث مملوءان بهذه الأحوال والحوادث العجيبة الغريبة.
إن الدولة لا تأمن على موقفها، وقد بلغ الغاية من التحرج والخطر إذا ظل أهل الحل والعقد مترددين تارة يحجمون إحجامًا حقيقيًّا، وتارة يقدمون إقدامًا وهميًّا، فقد سئمت أوروبا هذه الحال التي لا يُسْأَلُ عنها أحد ولا يُعْرَفُ من المسئول عنها.
عجلي أيتها الحكومة في إجراء الإصلاح، فقد عيل صبر طلابه في الداخل وفي الخارج، وباتت البلاد على شفا جرف هار. أتريدين أن يكون مصير الأناضول كمصير الروملي؟ أتريدين أن يكون مصير آسيا العثمانية كمصير أوروبا العثمانية؟ أيجدينا بعد ذلك نوح الباكين أم ترنم الشادين؟!
هذا نموذج مما كان يقوله عقلاء الترك وينصحون الحكومة به، ولكن الاتحاديين غلبت عليهم النعرة الجنسية والرغبة في الاستئثار بالسلطة، فصمموا على رفض كل إصلاح حقيقي للبلاد، وعملوا على القضاء على الأمة العربية بتحقيق آمال بعض الأفراد واتباع سياسة اللين والخداع والمكر والتسويف مع زعماء العرب وقادة آرائهم.
ففي أواخر شهر دسمبر سنة ١٩١٣ صدرت الصحف الاتحادية وفي مقدمتها طنين وتصوير أفكار مزينة برسم المرحوم السيد الزهراوي، وإلى يمينه رمز للجيش العثماني وإلى يساره رمز للأسطول وتحته رسوم صغيرة لأنور باشا وطلعت بك وجمال باشا مع العبارة التالية بحروف كبيرة: «بمثل هؤلاء الأبطال يعتز الملك، وعلى مثل هذا الاتحاد تشيد الدولة العثمانية مستقبلها العظيم.»
وفي صباح الأحد في ٤ يناير سنة ١٩١٤ صدرت الإرادة السنية بتعيين المرحوم عبد الحميد الزهراوي وعبد الرحمن بك اليوسف ومحمد أفندي بيهم ويوسف أفندي سرسف ومحيي الدين أفندي النقيب وأحمد أفندي الكخيأ أعضاء في مجلس الأعيان العثماني. فوقع هذا الخبر وقوع الصاعقة في البلاد العربية، ولا سيما في الشبيبة التي رأت في قبول السيد الزهراوي بمنصب الأعيان أكبر ضربة على الإصلاح الذي لم يكن نفذ منه شيء على الإطلاق. فأظهرت عدم ارتياحها إلى عمله، وتبرأت منه، وألقت عليه وحده تبعة الحوادث التي كانت تتوقعها.
وقد أدرك — رحمه الله — في الحال عظم الخطأ الذي ارتكبه، فأبلغ الشبيبة أنه مستعد لتقديم استعفائه إذا أصرت على ذلك، وأنه لم يقبل بهذا المنصب إلا لمساعدة الحكومة على تنفيذ الإصلاح بالسرعة اللازمة مع بعض زعماء العرب الذين قرَّ القرار على تعيينهم قريبًا في مناصب عالية، فأجابته الشبيبة قائلة إنها قطعت كل صلاتها السياسية معه، وأن حزب اللامركزية هو المسئول عن أعماله، فإذا شاء أن يقرر الاستعفاء أو عدمه فما عليه إلا أن يستشير ذلك الحزب الذي عُيِّنَ باسمه عضوًا في مجلس الأعيان.
ورأت الشبيبة من جهة أخرى أن المرحوم عبد الكريم الخليل لم ينهج منهجًا يلائم خطتها في مفاوضتهِ مع الحكومة، فاستدعته لاستيضاحه عما جرى في أمر الإصلاح إلى ذلك التاريخ وعن موقفهِ إزاء الحكومة والجمعية وعدم ممانعته في قبول المرحوم الزهراوي بمنصب الأعيان، فوافاها إلى دار المنتدى الأدبي في الموعد الذي ضربته له، وكان بانتظاره هناك ما يزيد على ألف رجل من أعيان العرب وأدبائهم وشبانهم، وبعد المداولة في الأمر أعلن — رحمه الله — أنه لا يستطيع أن يبوح بأسرار سياسية تتعلق بالمسألة العربية أمام مئات من الناس، فقرَّ القرار حينئذ على انتخاب نجيب بك شقير صاحب جريدة بيام التركية والمرحوم سيف الدين الخطيب وأسعد أفندي داغر والمرحوم جلال أفندي البخاري وصبحي بك حيدر ليجتمعوا به في جلسة سرية ويقفوا على مجرى الأحوال السياسية، فإذا وجدوا ما تم في جانب الأمة العربية فبهِ، وإلا أعلنوا عدم اعتماد الشبيبة له.
اجتمعنا نحن الموقعين أسماءنا أدناه بمعتمد الشبيبة العربية عبد الكريم أفندي الخليل اجتماعًا طويلًا في جلسة خصوصية، وبعد المفاوضة معه وجدنا مبادئ الإصلاحات العمومية الأولى حسنة على ما يظهر، ولكن أمر التنفيذ لم يصل إلى الدرجة المطلوبة وليس فيه ما يوجب السرور، ولكننا نرى أن الوقت الحاضر لا يساعدنا على إظهار الاستياء من سير الأحوال؛ لأن ذلك يشوش على المصلحة العامة، وربما يقف عقبة في طريقها، فلا يجوز الآن عدم اعتماد عبد الكريم أفندي، بل يجب انتخاب لجنة استشارية من أربعة أشخاص تشد أزره، ويرجع هو إليها ويستشيرها في مفاوضاته استشارة خاصة، ولا صلة لهذه اللجنة بالحكومة، وإنما صلتها بعبد الكريم أفندي الذي يبقى الرسول الوحيد بين الشبيبة والوزارة وجمعية الاتحاد والترقي؛ لأن ذلك أقرب إلى المصلحة العامة.
الإمضاءات
وإذا فر العرب منا، فإننا نتمسك بهم، ونلتزمهم، ونضمهم إلى صدورنا، ونصافحهم مصافحة الأخ لأخيه.
ولما ظن الاتحاديون أنهم فرَّقوا بين الجمعيات الإصلاحية بإرضائهم بعض أفرادها وأخمدوا الحركة في البلاد العربية غيروا خطتهم فجأة، وتمسكوا ببعض زعماء العرب — كما قال طلعت بك — ولكن لإعدامهم لا لمصافحتهم مصافحة الأخ لأخيه.