الصدمات الأولى
توقيف عزيز بك علي ومحاكمته – الحال في البلاد العربية بعد الاتفاق الانتخابات النيابية – خطب نواب العرب في مجلس المبعوثان حالة العدلية – المعارف – وسائر مصالح الحكومة
* * *
ظن الاتحاديون أنهم فرقوا بدسائسهم بين الأحزاب والجمعيات العربية وقضوا على اتحادها وحماستها وأنهم خدعوا العرب كما خدعوا بعض زعمائهم وأخمدوا الحركة نهائيًّا في بلادهم، فرغبوا في انتهاز الفرصة للقضاء على فكرتهم القومية، ورسموا تلك الخطة الفظيعة التي جعلوا يعدونها منذ شهر فبراير سنة ١٩١٤ ولم يتمكنوا من تنفيذها قبل سنة ١٩١٦ في البلاد العربية.
زعموا أن استياء الشبيبة من المماطلة بتنفيذ الإصلاح نشأ عن استياء ضباط العرب منه، وأنهم إذا قتلوا الفكرة القومية في الجيش سهل عليهم قتلها في الشبيبة وفي سائر الأحزاب العربية، فأرسلوا الفرق العربية التي كانت في بولاير إلى جهات حلب وأبعدوا في أسبوع واحد أكثر من أربعمائة ضابط عربي عن الأستانة إلى الأناضول وتراقية وشبه جزيرة غليبولي؛ حيث قلدوهم وظائف اسمية سامية، فلما انتهوا من عملهم هذا وظنوا أنفسهم في أمن من انتقاض العرب عليهم في الأستانة قرروا الفتك بزعماء العرب الذين فيها من عسكريين وملكيين، وابتدأوا بالضابط العربي الكبير عزيز بك علي بطل برقة.
(١) القبض على عزيز بك علي
أصدرت الحكومة الاتحادية أمرها بتوقيف عزيز بك علي صباح الإثنين في ٩ فبراير سنة ١٩١٤. فبينما كان خارجًا من فندق توكتليان بعد ظهر ذلك اليوم دنا منه ثلاثة من رجال البوليس الملكي بكل احترام، ودَعَوْهُ إلى دائرة البوليس في اسطنبول، ولما ذاع الخبر في الأستانة قام له أبناء العرب وقعدوا، وذهب كثيرون منهم إلى مركز البوليس مستعلمين عن السبب، فقابلهم مدير الأمن العام بكل بشاشة وتلطف، وقال لهم إن عزيز بك لم يوقف، ولكنه يُسْتَوْجَبُ عن أمور لا دخل له فيها، وسيُطْلَق سراحه في المساء. وقصد المرحوم الزهراوي منزل طلعت بك ليقف منه على حقيقة الحال، فقيل له إنه ليس في منزله، والحقيقة أنه لم يرغب في مقابلته كما اتضح بعدئذ.
ولما أزفت الساعة العاشرة مساءً ولم يخرج عزيز بك من دائرة البوليس قصد أحد الضباط العرب المرحوم عبد الحميد الزهراوي في فندق كركور، وطلب منه باسم الضباط العرب أن يبحث عن السبب ويخبره به في اليوم التالي، وأبلغه استياء العرب ملكيين وعسكريين من تلك المعاملة؛ لأن عزيز بك لا دخل له في سياسة الأستانة وشئون أحزابها، إلى أن قال: «أبلغ الحكومة أيها الأستاذ أن دماءنا نحن العرب يجب أن تُحْفَظَ للدفاع عن الوطن، فلا تضطرنا إلى إراقتها في سبيل الأفراد.»
وفي ١٠ فبراير عقد مندوبو الأحزاب العربية اجتماعًا مهمًّا للوقوف على الأسباب التي أدت إلى القبض على عزيز بك، وإجراء ما تقتضيه الحال، ثم قابلوا جمال باشا وطلعت بك وغيرهما، فسمعوا منهم كلهم جوابًا واحدًا، وهو أن عزيز بك أخوهم وحبيبهم وأن وزارة الحربية تحقق معه في بعض الشئون العسكرية التي تتعلق بأمر الدفاع عن الدولة، وأن الحكومة قررت تعيينه واليًا على البصرة!» ولكن العرب لم ينخدعوا بكذب الاتحاديين هذه المرة، فقاموا بمظاهرات عديدة في الأستانة، وطلبوا من الحكومة أن تعجل في محاكمة عزيز بك، وأن يُضَافَ إلى المجلس العسكري الذي يتولى أمر هذه المحاكمة لجنة من أركان الحرب وكبار الأمراء العسكريين الخبيرين بالشئون الحربية، فلم تفعل شيئًا من ذلك، وألفت المجلس العسكري من بعض صنائع أنور باشا وعبيده وبعض الذين لا يخالفون له أمرًا.
(٢) محاكمة عزيز بك
قال سليمان العسكري: «إن فكرة عزيز بك تناقض المصلحة العثمانية؛ فقد سعى وهو في طرابلس الغرب في بث الفكرة العربية بين الأهلين، وفي إنشاء دولة عربية مستقلة يتولى هو إدارة شئونها وكاد ينجح في سعيه لولا معاكستي أنا وبعض الضباط الأتراك له.»
وقال رمزي أفندي: «إن عزيز بك اجتمع بالإيطاليين أثناء الحرب اجتماعًا مهمًّا، ولكني لا أعرف ما دار بينهم من الكلام.»
وقال ضيا أفندي: «إن عزيز بك عدو للأتراك عمومًا، وعدو لأنور باشا خصوصًا، فهو خائن للدولة التركية.»
وقال نور الدين أفندي: «إن عزيز بك اتفق مع الإمام يحيى على نهج خطة واحدة، الغرض منها ضم اليمن إلى مصر، وكان يسعى وهو في بنغازي إلى تنفيذ هذه الفكرة، وجعل بنغازي واليمن دولة عربية واحدة.»
وقال رشيد أفندي: «إن عزيز بك أعرب أمامي عن سروره وارتياحه إلى ما أصاب المسلمين في البلقان، وأنه ذبح بعض العرب في بنغازي ودفن عشرات من العرب أحياء.»
وفي ٤ أبريل عُقِدَتْ جلسة ثانية لسماع شهادة العبد الماس «الذي قُبِضَ عليه في السودان في العام الماضي» وشخص آخر يُدْعَى قاسم كان قهوجيًّا عند عزيز بك في برقة، فقال العبد الماس: «سمعت في برقة أن عزيز بك استلم من الإيطاليين مبلغًا من النقود لا يقل عن ١٥ ألف ليرا مقابل تسليمهم البلاد.»
وقال القهوجي قاسم: «إن سمو خديوي مصر أوفد إلى عزيز بك رجلًا اسمه حسن بك حمادة لمفاوضته في تسليم البلاد إلى الإيطاليين.» واستشهد على صحة ذلك بمقابلة عزيز بك لسمو الخديوي السابق أثناء مروره في مصر.
هذه هي التهم التي وجهها الاتحاديون إلى بطل برقة، وهذه خلاصة أقوال الشهود الذين شهدوا عليه.
وقد كان قصد الاتحاديين أن يعدموه بلا محاكمة، ولكن اهتمام الرأي العربي العام به اضطرهم إلى العدول عن ذلك، ولما انتهت المحاكمة ورأوا أن هياج العرب لم يخمد بل كان يزداد شدة يومًا فيومًا قرروا اغتياله في السجن، فبلغ الخبر زعماء العرب من أحد المصادر الاتحادية في الأستانة، فاجتمعوا وتداولوا في الأمر ثم عرضوا المسألة على الصدر الأعظم والمرشال فون ساندرس باشا، وعلى سفراء الدول العظمى طالبين منهم باسم العدل والقانون منع الاتحاديين من اقتراف جريمتهم الفظيعة، وكانت بريطانيا العظمى قد اهتمت اهتمامًا خاصًّا بمسألة عزيز بك علي، وفاوضت الحكومة العثمانية مرارًا في شأنه، وأقنعتها ببراءته ووجوب إطلاق سراحه، فلم يتمكن الاتحاديون إلا إجابة هذا الطلب، لا سيما بعدما أدركوا أن إعدامه يؤدي إلى ثورة عظيمة في البلاد العربية.
وبدهي أن محاكمة عزيز بك لم تكن قانونية على الإطلاق؛ لأن التهم التي عزوها إليه تهم صبيانية مختلقة، ولأنها إما أن تكون قد وقعت قبل معاهدة لوزان وإبرام الصلح مع إيطاليا أو بعدهما، فإن كانت قبلهما كان الواجب على أنور باشا القائد العام حينئذ أن يحاكمه عليها، وإن كانت بعدهما فلا شأن للحكومة العثمانية في التعرض له بسببها؛ لأن البلاد أصبحت بعد الصلح إما عربية أو إيطالية، وخرجت عن السلطة العثمانية، فإن حسبها الاتحاديون عربية فإن عزيز بك كان أميرًا مستقلًّا فيها ولا صلة له بحكومة الأستانة، وإن حسبوها إيطالية فكان من الواجب تسليمه إلى حكومة إيطاليا التي يحق لها محاكمته دون سواها.
والحقيقة أن الاتحاديين لم يقرروا توقيف عزيز بك لمحاكمته، بل قرروا ذلك لقتله بطريقة من الطرق للسبب الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو رغبتهم في قتل الفكرة العربية بقتل القائمين بها.
(٣) من هو عزيز بك؟
هذا كان جزاء عزيز علي بك على خدمه الباهرة للوطن العثماني، فإن حياته قبل الدستور وبعده كانت حياة جهاد دائم في سبيل الحرية، وكانت صلاته بجمعية الاتحاد والترقي قوية متينة، بل كان يدها اليمنى في مكدونية؛ حيث أعلن الدستور قبل أن أعلنه نيازي ببضعة عشر ساعة، وقد اعترفت له جمعية الاتحاد والترقي بخدمه العظيمة وأحلته موضعه من الاحترام والإكرام، ولكنه انفصل عنها بعد إعلان الدستور، لاعتقاده أن سياسة تتريك العناصر التي اتبعتها لا تُؤْمَنُ عقباها ولا يُحْمَدُ منتهاها، فنصح لرفقائه الأتراك بأن ينيلوا العناصر العثمانية حقوقها، ويمهدوا السبيل إلى ارتقائها بلا فرق ولا تمييز، وإن كان لهم عنها مشاكل وشواغل لا يخلصون منها، فأنكروا عليه نصحه واتهموه بالمروق والخيانة، وقالوا إنه يبث الفكرة العربية في الجيش العثماني، وجعلوا يفسدون عليه طرقه ويقيمون العثرات في سبيله. واغتنم عزيز بك فرصة إقامته في الأستانة سنة ١٩١١؛ فاستدعى فريقًا من العثمانيين وأصحاب الرأي السديد إلى منزله، وقال إن اتفاق العناصر العثمانية أمر لا بد منه لإعلاء شأن الدولة، وعرض عليهم آراءه، فاستحسنوها إلا واحدًا روسي الأصل قربته منافعه إلى الترك فتزلف إليهم وهو في الحقيقة أبعد الناس عنهم، وكانت معارضة هذا الرجل سببًا في إلقاء النفور بين عزيز بك وجمعية الاتحاد والترقي، وبالتالي بين الفكرتين العربية والتركية.
ولما شبت نار الثورة في اليمن وانغلبت العساكر العثمانية في معركة جيزان بالعسير، وفقدت أكثر من ثمانية وعشرين ألف مقاتل بين ضابط وجندي بالجوع والحرب، وانقطعت عنهم المئونة والذخيرة بسبب الحرب الطرابلسية رأى عزيز بصائب رأيه أن يصالح سيادة الإمام يحيى، فعقد معه صلحًا حسنًا لا تزال الدولة إلى اليوم تجني ثماره، فشق عمله هذا على فريق من حساده ومبغضيه، واتهموا بالمروق في الوطنية بحجة أنه قدم مصلحة العرب على مصلحة الدولة العثمانية.
ثم دفعته وطنيته الصادقة إلى طرابلس الغرب؛ حيث تمكن على قلة جنوده ونفاد يده من المال أن يوقف الإيطاليين على الساحل زمنًا طويلًا، وقد شهد له أعداؤه بالبسالة والمقدرة والتفوق في ميادين القتال، وكانت معركة ١٦ يوليو التي انتصر فيها من أعظم المعارك من الوجهة الحربية، حتى إن بعض صحف الغرب شبهتها بمعركة «كان» الشهيرة التي انتصر فيها هنيبال على الرومانيين.
إلى وزارة الحربية الجليلة
لقد تركت الجيش العثماني من هذا التاريخ، ولكن حياتي العسكرية الماضية لا تزال تربطني به برباط متين لا تقوى الأيام على فصمه، فإذا شبت حرب واحتاج الوطن إلى أبنائه فلتطلبني وزارة الحربية الجليلة من القومسيرية العثمانية بمصر محل إقامتي، على أن تعين لي الفرقة التي أقودها.
الإمضاء: عزيز علي
(٤) الاتحاديون وعهودهم
(٤-١) مسألة الانتخابات
أَجَّلَتْ الحكومة الانتخابات النيابية في العراق لتتمكن من اتخاذ التدابير اللازمة لفوز مرشحيها، فالبغداديون يرغبون في انتخاب هادي باشا الفاروقي رئيس أركان الحرب في الجيش العثماني سابقًا والميرلوا عبد الفتاح باشا والميرلوا محمد علي باشا، والثلاثة من أكبر قواد الجيش الذين أحيلوا على التقاعد من عهد قريب، وأما الحكومة فتريد أن تنتخب صلاح الدين أفندي من أتراك كركوك وفؤاد أفندي من الشبان الأتراك نزلاء بغداد وخالد بك شقيق المرحوم محمود شوكت باشا، وكل من الثلاثة دون الثلاثين من العمر. وقد أرسلت الحكومة خمسة وثلاثين ضابطًا برتبة بكباشي إلى بغداد، وتسعة وعشرين بكباشيًّا أيضًا إلى سائر أنحاء العراق، وعينت مبعوثًا تركيًّا عن الموصل، ولم يُنْتَخَب عن حلب إلا اثنين من العرب، وانتخب بعض الترك نوابًا عن الحديدة في اليمن؛ حيث كانوا موظفين، وخرج مبعوث تركي عن لواء ماردين … إلخ، إلخ.
ولم تَكْتَفِ الحكومة الاتحادية بذلك كله، بل كمت أفواه العرب، ولا سيما الإصلاحيين منهم، ووضعتهم كلهم تحت المراقبة الشديدة، وبالغت في احتقارهم كما كانت تبالغ في احترامهم وإكرامهم، ثم رغبت في عدم قبول نوابهم — وخصوصًا نواب البصرة — في مجلس المبعوثان، وكادت تنجح في ذلك لولا خوفها من زعماء العرب وأحزابهم، ولا سيما السيد طالب بك النقيب الذي كان قد استقل تقريبًا في القسم الجنوبي من العراق.
(٤-٢) الحالة في البلاد
أما حالة البلاد العربية بعد الاتفاق التركي العربي — كما سماه الترك أنفسهم — فأكتفي بأن أذكر عنها ما قاله نواب العرب في خطبهم في مجلس المبعوثان نقلًا عن جريدة «تقويم وقايع» وهي الجريدة الرسمية العثمانية.
(٤-٣) العدل في البلاد العربية
حينما يسمع المرء اسم نظارة العدلية يتصور منبع العدل والقانون، ويقول إن المكان الذي يُقَامُ فيه العدل لا يعرف غير الاستقامة والقانون ديدنًا وطريقًا، في حين أن ذلك المكان الذي تصورناه منبع العدل لا يخالف القوانين العادية فقط، بل القانون الأساسي عينه، ولا سيما في البلاد العربية.
فالمادة ٨١ من القانون الأساسي تقول إنه لا يجوز عزل الحكام إلا لأسباب، ولكن وزارة العدلية تعزلهم من غير سبب ولا موجب، وقد أرسل أحد مأموري العدلية الذين عُزِلُوا تلغرافًا إلى الوزارة يحتج فيه على عزله، ويطلب أن يُؤْذَن له في المجيء إلى الأستانة للدفاع عن حقوقه، فردت عليه النظارة بالتلغراف التالي: «جهنمة كيت.» أي: اذهب إلى جهنم.
إنا نعرف كثيرين من أبناء العرب يستحقون الترقية، ولكنهم عُزِلُوا، فإذا كانت وزارة العدلية — الحقانية — التي هي منبع العدل تعامل المأمورين بما يخالف القانون، فإلى من نشكو أمرنا إذن؟!
تعلمون أن الواجب يقضي بأن يكون المأمورون واقفين على اللغة المحلية أو ملمين بها احتفاظًا بحقوق العباد، ولكننا نرى الأمر على الضد من ذلك، ولرب قائل يقول: وهل ينبغي أن يتعلم إخواننا الترك اللغة العربية؟ فنجيب بأنه لا ينبغي أيضًا أن يُوَظَّفُوا كلهم في البلاد العربية.
لقد صدرت الإرادة السنية في ٢٢ أغسطس سنة ١٣٢٩ موجبة المحاكمة باللغة العربية في البلاد العربية، فسر الجميع بذلك وابتهجوا، ولكننا نرى والأسف ملء صدورنا أن المحاكمة لا تزال تجري في العراق مثلًا باللغة التركية، وليس بين أهل العراق واحد في المائة يفهم هذه اللغة.
(٤-٤) المعارف في البلاد العربية
تكتفي وزارة المعارف بأن تقول عندي مدارس سلطانية كذا ومدارس إعدادية كذا. ولكنها لا تفكر في حال هذه المدارس. خذوا أيها السادة مسألة تعيين المديرين والمعلمين والمعلمات مثالًا للتطبيق والكلام، إنها تعين لتدريس اللغة العربية الشريفة أناسًا ليست معارفهم بها بأكثر من معارف العوام، بل هي تعين مديرين تبرأ الإدارة إلى الله منهم، تحدث الوزارة وظيفة في المعارف، فتقلدها من تشاء بغير حساب؛ فتارة تتبع هواها وإرادتها، وتارة تمتحن، ولكن بلا قاعدة ولا أصول إلا الشفاعة والالتماس والانتساب إلى رجل كبير. كل هذه الأسباب جعلت مدارسنا الرسمية في الانحطاط الذي تعرفونه، هذه مدرستنا السلطانية في بيروت تأسست منذ ٣٠ سنة، ولا يبلغ عدد طلابها مائتي طالب، في حين أن عدد الطلبة في الكلية الأميركية ألف ومائة طالب، وفي كلية اليسوعيين في بيروت سبعمائة طالب، وفي مدرسة الفرير سبعمائة أيضًا. ولعلكم تقولون إن الثقة بمدارس الأجانب هي التي سببت هذا الإقبال عليها، نعم إنها الثقة، ولكن الثقة لا تُكْتَسَبُ من غير جد وعمل، ولولا رغبة الأهلين في الانتظام بسلك الوظائف لما دخل أحد من أبنائنا مكاتب الدولة، وذلك ظاهر للعيان، أرأيتم حتى الآن متخرجًا من مدارس الحكومة يتعاطى التجارة أو الصناعة أو الزراعة، كلَّا ثم كلَّا، فإن جميع الذين يتعاطونها من خريجي المدارس الأجنبية أو الأهلية لا المدارس الرسمية.
يحزنني أن أبلغكم أن مدارسنا الرسمية باتت معامل لصنع الموظفين مع أن المدارس لم تُنْشَأ إلا لكي تُخْرِجَ للوطن رجالًا يعيشون بكدهم وجدهم، رجالًا ينفعونه بثمرة عقولهم.
تلك حال مدارس الصبيان في بلادنا العربية، أما مدارس البنات، فماذا أقول فيها؟ ماذا تريدون مني أن أقول يا نواب الأمة؟ إنها لفي الدرك الأسفل!
المرأة قوام الحياة الأدبية، وركن الهيئة الاجتماعية، فما دامت منحطة فالأمة تظل منحطة أيضًا، إن مدرسة البنات العثمانية في بيروت لم تتخرج فيها منذ إنشائها إلى الآن تلميذة واحدة جديرة بالاحترام العلمي، بخلاف مكاتب البنات الأجنبية التي يتخرج منها كل سنة عدد كبير من الفتيات الراقيات.
وخلاصة القول أن حال مدارس الصبيان والبنات في البلاد العربية توجب الأسف الشديد والعجب العجاب، وأن وزير المعارف المحترم واقف على أحوال المعارف في سورية، ومع ذلك فهو يتقاعد عن إصلاح الحال.
وإنه ليحزننا جدًّا أن تهمل وزارة المعارف واجباتها، ولا سيما في سورية؛ حيث المصلحة السياسية تقضي عليها بمزاحمة الأجانب.
لجمهورية فرنسا أيها النواب الكرام مدارس في سورية فيها ٤٣ ألف تلميذ، ولروسيا مدارس فيها ٣٥ ألف تلميذ، ما عدا المكاتب الإيطالية والألمانية والأميركية وغيرها، فإذا علمتم أن عدد تلاميذ المدارس الرسمية دون ذلك العدد الكبير بكثير أدركتم الخطر الذي يتهدد البلاد.
هذا بيان موجز عن مكاتبنا الرسمية وتواكل وزارة معارفنا وإهمالها بلادنا العربية، ولم تكتفِ بهذا الإهمال فقط، بل تعمدت هضم حقوق العرب بإرسالها مئات من الترك على نفقة الأمة إلى أوروبا، فقد سعيت كثيرًا لأعلم أَبَيْنَ هؤلاء الطلبة عربي واحد، فما وجدت واحدًا في المائة، فضلًا عن أن عدد المدارس في كل البلاد العربية يقل عن نصف عدد المدارس التي أنشأتها الحكومة في الولايات التركية سنة ١٩١٣ فقط بمال الأمة العثمانية كلها.
وقد قامت الضجة في المجلس حينئذ، واشتد الجدال، ورغب النواب الاتحاديون في إكراه الخطيب على النزول عن منبر الخطابة، فعُطِّلَت الجلسة مؤقتًا.
(٤-٥) مصلحة البريد والتلغراف
إن بعض المكاتيب يُفْتَحُ في البلاد العربية ولا يُرْسَلُ إلى أصحابه إلا بعد الاطلاع عليه، وفي الأكثر أنه لا يُرْسَلُ، وكنت أسمع في دمشق مثلًا إشاعة كذا وكذا عن العاصمة، فسألت عن منبع هذه الإشاعات، فكان الجواب أن تلغرافًا في هذا الموضوع أُرْسِلَ من الأستانة إلى إحدى الجرائد المصرية، فمر بمكتب التلغراف. إن صون أسرار الناس السياسية والخصوصية من أهم واجبات البريد والتلغراف وأقدسها.
وكثيرًا ما ترد التلغرافات غير واضحة، والسبب في ذلك أن المأمورين غير عارفين اللغة المحلية، فالمأمور الذي يجهل اللغة العربية في الشام مثلًا يجعل الكلمة كلمتين أو الكلمتين كلمة واحدة، فيتعذر على المُرْسَل إليه فهم المراد، وقد تلقينا كلنا تلغرافات على هذا الشكل، فاضطررنا إلى مراجعة مرسليها والاستفهام منهم عن فحواها، وفي ذلك من ضياع الوقت والخسارة ما فيه، فلماذا لا يكون موظفو التلغراف من الواقفين على اللغة المحلية؟ أليس بين أبناء العرب من يصلح لهذه الوظائف؟!
وقد كانت كل دوائر الحكومة وأعمالها في البلاد العربية بعد الاتفاق المزعوم بين العرب والاتحاديين عرضة لانتقاد أشد من هذا الانتقاد في مجلس النواب عينه، فكاد يتفاقم الأمر لولا أن خليل بك — رئيس المجلس في ذلك الحين — منع النواب من الكلام في مثل هذه المواضيع بحجة «تخديش الأذهان»، وبديهي أن ما صرح به نواب العرب الكرام عن حالة بلادهم كان دون الحقيقة بمراحل؛ لأن حريتهم كانت محدودة، ولأنهم كانوا دائمًا مهددين بالمشنقة أو بالاغتيال إن هم أعربوا عن آرائهم بصراحة ووضوح.
هذه أول نتيجة من نتائج ذلك الاتفاق المشئوم الذي أظهر فيه العرب، ولا سيما المرحوم الزهراوي وغيره من سلامة النية والإخلاص للعرش العثماني ما ورط الاتحاديين بهم وجرأهم على احتقارهم والحنث بالعهود التي قطعوها معهم. وقد كافأ أحد كبار الاتحاديين المرحوم الزهراوي على مساعيه العظيمة للاتفاق مع الترك بقوله عنه في نادي «السركل دوريان» بعد قبوله منصب الأعيان ببضعة أيام: «بوزهراوي زهراوي دن كلير» أي: «إن هذا الزهراوي — أي المرحوم عبد الحميد الزهراوي — مشتق من زهراوي؛ عملة عثمانية قيمتها نحو فرنك» فأثبت بذلك صحة قول القائل:
هذا وقد تعمدنا في هذا الكتاب عدم الإشارة إلى احتقار الترك ولا سيما الاتحاديين للأمة العربية الكريمة؛ لأن في ذلك ما يؤلم القراء من أبناء العرب، فلم نذكر لهم أن الترك يسمون الكلب الأسود «عرب»، وأن من أمثالهم الشهيرة قولهم عند ترفعهم عن الدنايا: «بوني يا بارسه م عرب اوله يم» أي إن فعلت هذا أكون عربيًّا، ولم نعرب المقالات التي كتبها مندوب جريدة أقدام في البلاد العربية، وقال فيها «إن العرب يبيعون كل شيء حتى أعراضهم بالمال» ولا النشرة التي وزعها الاتحاديون في البلاد التركية، وجاء فيها «إن العرب هم بلية علينا، وأن حصان التركي خير من أي نبي ظهر في العالم» إلى غير ذلك من الأمثال والأقوال والكتابات التي يعرفها كل من زار الأستانة والأناضول في السنوات الأخيرة.