تفاقم الخطب
الاتحاديون وأقوالهم وخطتهم – جمال باشا السفاح – نكبة العرب – بيان جمال باشا تهم الاتحاديين – رد زعماء العرب – سورية التعسة
* * *
قال أحد عظماء الترك: «إن لم نعامل العرب كما نريد عاملونا بما نستحق.» فذهب قوله مثلًا.
إن المصلحة تقضي على حكومة الأستانة بإكراه السوريين على ترك أوطانهم، وأن بلاد العرب ولا سيما اليمن والعراق يجب تحويلها إلى مستعمرات تركية لنشر اللغة التركية التي يجب أن تكون لغة الدين، ومما لا مندوحة لنا عنه للدفاع عن كياننا أن نحول جميع الأقطار العربية إلى أقطار تركية؛ لأن النشء العربي الحديث صار يشعر اليوم بعصبية جنسية، وهو يهددنا بنكبة عظيمة يجب أن نحتاط لها من الآن.
لا يزال العرب يلهجون بلغتهم وهم يجهلون اللغة التركية جهلًا تامًّا، كأنهم ليسوا تحت حكم الترك، فمن واجبات الباب العالي في هذه الحال أن ينسيهم لغتهم ويجبرهم على تعلم لغة الأمة التي تحكمهم، فإذا أهمل هذا الواجب كان كمن يسعى إلى حتفه بظلفه؛ لأن العرب إن لم ينسوا لغتهم وتاريخهم وعاداتهم فإنهم سيعملون عاجلًا أو آجلًا على استرجاع مجدهم الضائع وتشييد دولة عربية جديدة على أنقاض دولة الترك.
هذه هي آراء الاتحاديين بالأمة العربية كما صرح بها فريق من زعمائهم، وهذه هي الغاية التي وضعوها نصب أعينهم منذ تقلدوا زمام الأحكام في البلاد العثمانية، وقد أدرك العرب مصيرهم من ذلك الحين، وعلموا أن الاتحاديين قرروا حسم المسألة العربية حسمًا نهائيًّا باتًّا بالطريقة التي ألفوها منهم، وهي مداواة العلل الاجتماعية بالسيف والمحافظة على سلامة دولة الترك ببتر الأعضاء التي يخشون أن يتطرق الفساد إليها، فنشأ عن ذلك أن العناصر العثمانية التي عمل الاتحاديون على سحقها واستئصالها لمت شعثها وجمعت كلمتها واستعدت للدفاع عن كيانها شأن كل ذي حياة في الوجود، واقتفى العرب أثر تلك العناصر، فألفوا الجمعيات التي أشرنا إلى بعضها في الفصول السابقة، وكان من شدة إخلاصها للدولة العثمانية ما أدى إلى ذلك الاتفاق المشئوم الذي أبرمه المرحوم الزهراوي مع عصبة الاتحاديين.
على أن تلك العصبة السفاحة لم تكن لتعدل عن الخطة التي قررت اتباعها مع العرب مهما أخلصوا لها، وما تظاهرها بالميل إلى بعض زعمائهم في بدء الأمر إلا خدعة قصدت منها اكتساب الوقت لإعداد ما ينقصها من المعدات لسحق الأمة العربية والتربص لأحسن فرصة تمكنها من ضرب العرب ضربة قاضية.
* * *
أُعْلِنَتْ الحرب الأوروبية في أوائل أغسطس سنة ١٩١٤، فقابلها الاتحاديون بحماسة عظيمة لا لثقتهم بانتصار ألمانيا التي قرروا خوض غمار الحرب في جانبها، بل لأنهم رأوا في انشغال الدول الأوروبية عنهم واهتمام الرأي المتمدن العام بسواهم خير فرصة ينتهزونها لتحقيق آمالهم وتنفيذ الخطة التي رسموها من زمن بعيد، فأعلنوا التعبئة العامة في البلاد العثمانية وجعلوا يقربون أحرار العرب منهم ويعينون زعماءهم وأدباءهم في أسمى المناصب الملكية والعسكرية ليكسبوا ثقة الأمة العربية بهم فتطمئن إليهم ولا تحتاط لهم، فينفذون خطتهم فيها على أهون سبيل.
وهذا ما وقع فعلًا، فإن الاتحاديين عينوا في بدء الحرب الأوروبية الفريق زكي باشا الحلبي — وهو من كبار ضباط العرب — قائدًا على الجيوش التي كانت مرابطة في سورية، وجعلوا معظم أعوانه ومساعديه والجنود التي كان يقودها من أبناء العرب، وعاملوا السوريين والعراقيين أحسن معاملة، فقلدوهم المناصب، وتظاهروا بالإخلاص لهم، وقالوا إنهم سيعملون معهم يدًا واحدة للدفاع عن كيان الدولة المشتركة بينهم، فصدق العرب هذه الأكاذيب، واندفعوا بعامل الوطنية إلى شد أزر الاتحاديين، وأجمعوا على وجوب تأييدهم وبذل كل غال ونفيس في سبيلهم، فخاض جنودهم غمار المعارك في معظم ميادين القتال، وأبلوا بلاءً حسنًا في القوقاس والعراق والدردنيل، وألغوا جمعياتهم وأحزابهم السياسية، وتناسوا كل المنازعات الداخلية، ودفعوا في سبعة أشهر من الضرائب والإعانات الحربية أضعاف ما ضُرِبَ على الأمة التركية وما تبرع به الترك منذ بدء الحرب إلى الآن. وقد ظلت الحال على هذا المنوال، والعرب درع الدولة المتين وموردها العظيم في المال والرجال إلى أن عُيِّنَ جمال باشا السفاح خلفًا للفريق زكي باشا الحلبي في منصب القيادة العامة في سورية.
جمال باشا السفاح
اشتهر جمال باشا من زمن بعيد بتفننه في طرق القتل والاغتيال وجرأته على سفك دماء الأبرياء، فهو مدبر مذابح الأرمن في أطنة بعد الدستور؛ إذ كان واليًا عليها، وهو منظم مؤامرات الاتحاديين ومدير فرع الجواسيس والفدائيين في جمعيتهم، وهو الذي قتل مئات من الأبرياء في الأستانة عقب اغتيال محمود شوكت باشا لا لجرم ثبت عليهم، بل لأنهم لم يكونوا من أنصار جمعية السفاحين، وقد اختارته جمعية الاتحاد والترقي لقيادة الجيوش العثمانية المرابطة في سورية؛ لأنها رأت فيه أقدر رجل على تنفيذ الخطة التي قررت اتباعها في البلاد العربية.
فلما تمكن من إبعاد الضباط والجنود العرب عن سورية والعراق وإقناع بعض أحرار العرب وزعمائهم وقادة آرائهم بقبول مناصب ملكية وعسكرية في خارج البلاد العربية؛ أماط اللثام عن حقيقة حاله، وقلب للعرب ظهر المجن؛ فنصب المشانق، وفتح أبواب السجون وطرق المنافي، وكان أول من شنق صديقه وصديق الاتحاديين المرحوم عبد الكريم قاسم الخليل الذي سعى إلى حتفه بظلفه، وساعد بإخلاصه وحسن نيته ذلك السفاح العظيم على ارتكاب ما ارتكبه من الفواجع والموبقات.
أمَّن الاتحاديون جانب العرب بعد التدابير التي اتخذها جمال باشا السفاح، فصبوا عليهم جام نقمتهم، ساقوا الزعماء والأدباء إلى المشنقة زرافات ووحدانًا، ونفوا النساء والشيوخ والأطفال إلى الأناضول، وجوعوا العرب في سورية والعراق؛ فأماتوا منهم الألوف ومئات الألوف، فمن نجا من ميادين القتال لم يَنْجُ من المشنقة، ومن نجا من هذه لم يَنْجُ من النفي أو الاغتيال أو الموت جوعًا.
وقد صبغ الاتحاديون فظائعهم بصبغة قانونية على طريقتهم، فألفوا مجلسًا عرفيًّا في عاليه «بلبنان» جعلوا مهمته التوقيع على أحكام الإعدام التي تصدرها جمعيتهم في الأستانة، فأبدى هذا المجلس من الجرأة على ارتكاب الفظائع والسرعة في تنفيذ أوامر الأستانة ما أدهش الاتحاديين أنفسهم، فلم يَمْضِ على تأليفه بضعة أشهر حتى قضى على الأمة العربية في سورية أعظم قضاء، ولم يبقِ فيها رجلًا من ألف رجل يحسن القراءة والكتابة، ولا عجب في ذلك ما دام الرئيس الحقيقي لعصبة الاتحاديين في سورية جمال باشا السفاح حفيد جنكيز وتيمورلنك وهولاكو هذا العصر.
* * *
بنى المجلس العرفي الذي ينفذ إرادة جمال باشا أحكام الإعدام على أمرين؛ أولهما: الانتساب إلى إحدى الجمعيات العربية التي كانت أشد إخلاصًا للدولة العثمانية من كل من يدعي الإخلاص لها كما يتضح للقارئ من مراجعة برنامجها وخلاصة أعمالها في هذا الكتاب، وثانيهما: رسائل سياسية اختلق الاتحاديون بعضها، وعزوا البعض الآخر إلى زعماء الأحزاب العربية. أما الرسائل التي اختلقوها فلم ينشروا صورتها بالزنكوغراف كما فعلوا بالرسائل الأخرى؛ لأنها مكتوبة بخط يدهم وبلغة تركية أكثر منها عربية، وأما الرسائل التي عزوها إلى بعض زعماء الأحزاب العربية، فينتهي تاريخها إلى ما قبل إعلان الحرب الأوروبية بأعوام، وقد نشروا صورتها الفوتغرافية في صحف سورية، ولكنهم حذفوا منها كل ما يظهر حقيقة رأي الكاتب مدعين أن ما حذفوه يمس حلفاء الدولة، وقد عملوا فيها حذفًا وتحريفًا وتشويهًا ومسخًا بحيث لم يتركوا إلا عبارات متقطعة لا رابطة بينها ولا هي تفيد المعنى المقصود متحدين في الحذف والتحريف طريقة الشاعر العربي القائل:
لما جرى القصاص على بعض الأشخاص المنتسبين إلى الحزب المتشكل في مصر والممالك العثمانية تحت تمويه عنوان «حزب اللامركزية»، والذين حُوكِمُوا في ديوان الحرب العرفي بعاليه؛ كنت كتبت في البيان الذي نشرته في أوائل أغسطس سنة ١٣٣١ أن التحقيقات جارية بصورة دقيقة بحق أعوانهم الأشرار الذين لم يكن قُبِضَ عليهم قبلًا.
إن الوثائق السياسية التي عثرنا عليها واعتراف عبد الغني العريسي صاحب المفيد الذي أُلْقِيَ القبض عليه أخيرًا بعد أن ذكرنا في البيان خبر فراره واعتراف سيف الدين الخطيب عضو محكمة بداية حيفا السابق، ورفيق رزق سلوم ضابط الاحتياط ورفقائهم الآخرين؛ قد نُوِّرَ المسألة من جميع أطرافها، وسِيقَ إلى ديوان حرب عاليه الأشخاص الذين ظهر أن لهم علاقة في هذه المسألة بدرجات متفاوتة مع من تبين أن لهم دخلًا في المساعي الخائنة بتنفيذهم ترتيبات الجمعية وتشبثاتها وأعمالها، وفي ختام التحقيقات والمحاكمات التي أجراها الديوان العرفي في عاليه صدرت الأحكام المقتضاة بحق المظنون فيهم من الموقوفين والفارين كلٌّ على حسب اشتراكه في ترتيبات هذه الجمعية التي غايتها ومقصدها سلخ سورية وفلسطين والعراق عن راية السلطنة العثمانية وجعلها إمارة مستقلة، فحُكِمَ على: شفيق بن أحمد مؤيد العظم، والأمير عمر بن الأمير عبد القادر، وعمر بن مصطفى حمد، ورفيق بن موسى رزق سلوم، ومحمد بن حسين الشنطي، وشكري بن بدري علي العسلي، وعبد الغني بن محمد العريسي، وعارف بن محمد الشهابي، وتوفيق بن أحمد البساط، وسيف الدين بن أبي النصر الخطيب، والشيخ أحمد بن حسين طبارة، وعبد الوهاب بن أحمد الإنكليزي، وسعيد بن فاضل عقل، وبتروباولي، وجرجي بن موسى الحداد، وسليم بن محمد سعيد الجزائري، وعلي بن محمد بن حاجي عمر، ورشدي بن أحمد الشمعة، وأمين لطفي بن محمد حافظ، وجلال بن سليم البخاري؛ بالإعدام؛ لثبوت اشتراكهم في هذه التشبثات بالدرجة الأولى وبصورة فعلية. وعلى من تبين دخولهم في الدسيسة بصورة فرعية: سالم بن مصطفى مظلوم بالاعتقال بالقلعة خمس سنين. وتوفيق بن محمد الناطور، ويوسف بن مخيبر سليمان بعشر سنين. وحسين بن خليل حيدر بخمس عشرة سنة. وعلى رياض بن رضا الصلح بنفي مؤبد. وعلى الأمير طاهر بن أحمد الجزائري بعشر سنين في الكريك. وعلى الذين مع كونهم لم يفهموا المقصد والتشبث الحقيقي وثبت وجود مساعٍ لهم مع هذه الجمعية بصورة محسوسة، إما بسائق الجهل أو التصاف، وإنما لم يوجد عليهم وثائق تنور وجدان الهيئة الحاكمة وتثبت مجروميتهم واشتراكهم، وهم: رضا الصلح، وأسعد حيدر؛ بإعادتهما إلى منفاهما، وأُعْطِيَ القرار بمنع محاكمة وبراءة كل من محمد أفندي كامل الهاشم، إبراهيم القاسم، سامي العظم، الشيخ جمال الدين الخطيب، عبد الحميد معلم الرسم، محيي الدين فريحة، البيطار حسين صبري، رشدي الغزي، عاصم بسيسو الغزي، عزت الأعظمي، مصطفى الكيلاني، عبد الرحيم حنون، الدقتور حسام الدين، نجيب شقير، الشيخ فتح الله، الدقتور أحمد قدري، سليم الطيارة، جميل الحسيني، المفتي سعيد أفندي الباني، سليم الشمعة، سليم البخاري، فائز الخوري، رشيد الخشيمي، عمر الأتاسي، البكباشي علي رضا، الدقتور أمين قازما، سعيد عدرة، الدقتور عبد الحفيظ، اليوزباشي جميل، فريد باشا اليافي، عثمان العظم.
ومن الذين صدر بحقهم حكم الإعدام، وهم: شفيق المؤيد، الأمير عمر، شكري العسلي، عبد الوهاب الإنكليزي، رشدي الشمعة، رفيق رزق سلوم؛ جرى إعدامهم هذا الصباح في الشام، والآخرون جرى إعدامهم في بيروت. وسائر المجرمين صار سوقهم إلى منفاهم وحبوسهم، وعلى هذه الصورة تقرر إذن في سورية وفلسطين السكون والأمن المحتاج إليهما إلى الأبد.
وسيُنْشَرُ كتاب حاوٍ جميع الوثائق على حدة، مع اعترافات المجرمين المهمة، وتاريخ صغير لهذه المسألة.
ومن إمعان النظر في الوثائق يفهم؛ أولًا: أن هؤلاء الأشخاص قد ضحوا بلا تردد جميع ما لديهم من المقدسات الدينية والوطنية لقاء منافعهم الخسيسة والمادية. إن هؤلاء الأشخاص قد أشركوا في مساعيهم ونفوذهم وقدرتهم أعداء الدولة، وسعوا في إعداد الطاعة في الداخل تجاه تجاوزات الأعداء في الخارج.
ومما هو جدير بالتقدير أن إدارة هذه التشبثات لم تتسع بالنظر لما جُبِلَ عليه العنصر العربي النجيب من الصداقة والطاعة والصلابة الدينية العارية عن شوائب الظنون والشكوك بأسرها، بل حُصِرَتْ بين بعض أشخاص مسلمين ومسيحيين لا أهمية لهم ولا يكاد يتجاوز عددهم المائتين من المحكوم عليهم حديثًا وقديمًا وجاهًا وغيابًا.
وبناءً على الصلاحية التي تخولني إياها المادة الثانية من القانون المؤرخ في ١٤ مايو سنة ١٣٣١ المتضمن التدابير التي ينبغي للجهة العسكرية التوسل بها في وقت النفير العام ضد الخارجين على الحكومة وإجراءاتها؛ فإني ساعٍ في إبعاد أولئك الأشخاص الذين يتخذون حقوق الدولة ومقدساتها ملعبة في سبيل منافعهم الشخصية مع من لهم علاقة معهم من أسرهم وعائلاتهم من قريب أو بعيد إلى بعض ولايات الأناضول. وقد اتخذت الأسباب الكافلة لإعاشة هذه العائلات ورفاهيتهم في المحال التي يُنْفَوْنَ إليها تحت عناية الحكومة السنية وعاطفتها، وسيُعْطَوْنَ هناك أراض وأملاكًا قيمتها تعادل أملاكهم وأراضيهم التي يملكونها في سورية، وإني أوصي جميع الأهلين في سورية وفلسطين بالسكينة والطمأنينة، على أنه من الآن فصاعدًا لم يبقَ محل لإجراء التعقيبات والإبعاد إلى الولايات العثمانية في حق أحد مطلقًا ما لم تظهر وثائق قوية تدل على خيانته.2قومندان الفيلق الرابع وناظر البحريةأحمد جمال
هذا هو بيان جمال باشا السفاح، وقد رأينا أن نترك الكلام في الرد عليه إلى بعض زعماء الأحزاب العربية؛ قال زعيم كبير من زعماء العرب: «نشر جمال باشا السفاح بيانًا يبرئ فيه عمله الفظيع وجريمته التي أجرمها في سورية بقتل الأبرياء واضطهاد المسالمين، ويظهر أن الدافع له على كتابة ذلك البيان هو شعوره بسوء فعله، وبما كان له من الوقع السيئ في جميع البلاد العربية، وقد ذكر فيه أسماء الذين وقع عليهم ظلمه من الشهداء والمعتقلين، ولم يرد في هذا البيان وبيناته إلا ما عرفناه في هذه العصابة السفاكة من العمل بالهوى وانتحال الأسباب التي لا يبني عليها حكمًا إلا الجهلة والسفاحون، ألا وهي المحاسبة على ما في النفوس والمعاقبة على ما في النيات إن كان هناك شيء مما ذكره في بيانه في نفوس أولئك الشهداء استحقوا من أجله العقاب، وما مثله في هذا إلا مثل قاضٍ أحمق جاءه رجل وقال له إني اعترف لك أني أنوي سرقة بيت فلان، فحكم عليه بأقصى عقوبة السارقين.
هكذا زعم جمال باشا في بيانه أنه ثبت له مما اعترف به بعض الشهداء أنهم ينتسبون إلى جمعية غايتها سلخ سورية والعراق عن راية السلطنة، وجعلهما إمارة مستقلة، فاستحقوا من أجل هذا عقوبة القتل، ولم يأتِ في بيانه بدليل واحد يدل على أدنى عمل عدائي ظهر من بعض أولئك الأفراد أو كلهم يبرر حكمه بمثل تلك العقوبة.
لو صح أن نية الاستقلال أو مطلق الرغبة فيه تستوجب عقوبة القتل لأُبِيدَتْ كل الشعوب التي فقدت استقلالها وهي ترغب فيه، ولكن قضاة جمال باشا لم يتعلموا أمثال هذه النظريات الفلسفية التي تحتاج إلى تحكيم العقل والوجدان والرحمة، بل تعلموا أن يعملوا بما يؤمرون به وأن يسألوا سؤالين أو ثلاثة ويقولون «حكمت»، ثم ينظم رئيس عصابتهم أسباب الحكم «وحيثياته» أو يكون قد وضعها من قبل.
والحقيقة التي لا ريب فيها أن نقمة الاتحاديين التي حلت بأهل سورية اليوم ترجع أسبابها إلى أمرين؛ الأول: أنه منذ أُعْلِنَ الدستور الصوري أرادوا أن يجعلوا وسيلة لاستئثارهم بأمور السلطنة، فقامت في وجوههم الجمعيات والأحزاب، كحزب الأهالي والحزب الحر وحزب الائتلاف، فطاردوها أشد مطاردة، وشردوا زعماءها في أطراف البلاد، وقتلوا بعضهم شر قتلة.
والثاني: تصميمهم على أن «يتركوا» العناصر ولو بالقوة، وأن يمحوا من البلاد كل صبغة غير تركية، ولما شعرت الأمة العربية بما في ذلك من الخطر على كيانها وجنسيتها ولغتها، وهي أمة ذات مدنية وتاريخ لا تسمح بأن تصبح وإياهما أثرًا بعد عين باندماجها بعنصر آخر؛ هب علماؤها وأدباؤها وذوو الرأي فيها إلى مقاومة هذه الفكرة الاتحادية بالطرق القانونية والوسائل الدستورية، فألفوا الجمعيات والأحزاب؛ كجمعية الإصلاح البيروتية، وحزب اللامركزية، وجمعية شبان العرب بالأستانة، وكلها ترمي بمبادئها إلى غرض واحد، وإن اختلفت في التفاصيل، وهو الحصول على نوع من الاستقلال الإداري، ومن مقتضى هذا النوع من الحكم أن يكون التعليم منوطًا بالحكومة المحلية، وأن تكون معاملات الحكومة كلها بلغة البلاد، وكان المراد من هذا أن تبقى لغة العرب وجنسيتهم مصونة في بلادهم من عبث الاتحاديين الأغرار، ولم يكن يدور في خلد أحد من القائمين بهذه الحركة التحدث بالانفصال عن راية السلطنة قط، بل إن فكرة الاستقلال الإداري نفسها لم تكن لتطرأ على بال أحد منهم لو لم يبادئهم الاتحاديون بما في نفوسهم من الغرض وما يضمرونه للعرب من الشر.
وهذا ما أدى بالعرب أيضًا إلى عقد مؤتمرهم الذي لم يكن الغرض منه إلا رفع صوتهم عاليًا لدى العالم أجمع بأنهم لا يسمحون بلغتهم وجنسيتهم أن تكونا هدفًا لأغراض الاتحاديين، وقد وافق على هذا المؤتمر وقراراته سائر عقلاء الأمة العربية والمتنورين فيها في كل أنحاء البلاد، ولو كان للعرب يومئذ غرض بالانفصال عن تركيا أو نية سيئة نحو إخوانهم الأتراك لكان لهم مندوحة عن أمثال هذه المؤتمرات بالقيام في وجه الاتحاديين بقوة السلاح، وقد كانت تركيا خارجة من حرب البلقان مضعضعة القوة فاقدة الحول، ولكن للعرب من طول أناتهم وشرف نفوسهم ورجاحة عقولهم ما يمنعهم من إتيان مثل ذلك الأمر، وهم عنه راغبون وبالقليل من حقوقهم مقتنعون.
ولما هال الاتحاديين أمر هذا المؤتمر وعلموا أن الأمة العربية لا تؤخذ على غرة، ولا تسمح بوجه من الوجوه أن تتجرد من جنسيتها، وأن أساس كل نهضة في الأمم وحياة في جسم الشعوب مبني على كواهل المتعلمين والعقلاء والنابغين فيها، وأن الفكرة التي حاولوا تنفيذها في بلاد العرب لا تتم إلا بالقضاء على هذه الطبقة المتنورة وهدم ذلك الأساس المتين؛ أخذوا يدارون رجال هذه النهضة وشبانها وعقلاءها، فوعدوا الإصلاحيين مواعيد كثيرة، وأخذوا بعضهم إلى الأستانة، ووسدوا إليهم بعض المناصب، كالزهراوي — رحمه الله، وتقربوا من بعض أعضاء الجمعية الإصلاحية في بيروت، وأخذوا يحبذون في دمشق نشاط شبان العرب؛ كل هذا ليأنسوا بالاتحاديين، ويأمنوا إليهم، فلا يفلت منهم أحد إلى خارج البلاد، وذلك كله تحيُّنًا للفرص التي تمكنهم من رقاب هذه الطبقة من المتنورين كافةً؛ ليستأصلوها استئصالًا، وربما كانوا عارفين بأنهم سيدخلون في حرب عامة في صف الألمان، وأن البلاد ستُقْفَل أبوابها من كل جهة، والقوة الذاتية التي في البلاد سيُقْذَفُ بها إلى أقصى ميادين الحرب، فتكون الفرصة سانحة لهم لتنفيذ خطتهم الشنعاء التي أدمت قلوب العرب اليوم.
جاءت الساعة وأُعْلِنَتْ الحرب ودخلت حكومة الاتحاديين فيها، فماذا كان من العرب؟ كان منهم إن كفوا عن كل طلب من مطالب الإصلاح، واندفعوا كجسم واحد لخدمة الجيش والدفاع عن دولة الترك، ولم يكونوا يعلمون ما خبأه لهم أولئك الغادرون الماكرون الذين بعدما فرقوا الجنود السورية، وأقفروا البلاد من شبانها وأهلها الأقوياء أخذوا يقبضون على كل من تنسموا منه ريح الحرية، وكل من كان يطالب مع المطالبين بالإصلاح من شبان البلاد ومتنوريها، ويقدمونهم إلى المشانق جماعات جماعات؛ فقبضوا على أعضاء جمعية الشبان، وعلى أعضاء جمعية الإصلاح البيروتية، وعلى بعض المنتسبين إلى حزب اللامركزية، وعلى أفراد كثيرين من الذين لا علاقة لهم بحزب من الأحزاب العربية، ولا سبب للقبض عليهم إلا نبوغهم أو ذنوب قديمة لهم، هي معارضتهم للاتحاديين معارضة شديدة لما كانوا أعضاء في مجلس المبعوثان؛ مثل: رشدي بك الشمعة، وشفيق بك المؤيد، وشكري بك العسلي … وغيرهم. فهؤلاء لم يكن لأحدهم أدنى دخل في الجمعيات والأحزاب العربية، وما قُتِلُوا إلا لأن عصابة الاتحاديين حكمت عليهم بالإعدام منذ كانوا في مجلس النواب وناقشوا حكومة الاتحاديين الحساب في القروض التي اقترضتها باسم الدولة ولم تنتفع منها الدولة بشيء؛ يدلك على هذا أن المرحوم شفيق بك لما أُعْلِنَتْ الحرب انقلبت عواطفه نحو الاتحاديين انقلابًا غريبًا جدًّا حتى استوجب لوم بعض أخصائه وأصدقائه، ولما قبضوا عليه وزجوه في السجن قابل صديقه الدكتور … أحد أذناب جمال باشا، وقال له إني أستغرب قبض إخوانك على شفيق بك وحبسه وعواطفُهُ نحوكم ومساعدته لكم على ما تعلم، فقال له إن لشفيق بك ذنبًا قديمًا ستر كل حسناته، وهو إهانته لطلعت بك لما كان عضوًا في مجلس المبعوثان، ولا بد أن يُقْتَلَ بهذا الذنب قتلًا، وقد كان.
ثم إن هناك أشخاصًا آخرين لم يكونوا في سورية منذ بضع سنين، ولم يكن لهم علم ولا دخل في كل ما هو حاصل فيها، مثل المرحوم سليم بك الجزائري البكباشي أركان الحرب، فإنه كان يقيم في الأستانة ثم في أزمير منذ أكثر من خمس سنين، وقد جِيء به من أزمير وقُتِلَ، ومثله المرحوم عبد الوهاب بك الإنكليزي، فقد كان مفتشًا في أنحاء الأناضول، وجيء به إلى الأستانة ثم إلى سورية وقُتِلَ، وغيرهما من الذين لم تحضرني أسماؤهم، وقُتِلَ أناس آخرون من اللبنانيين مثل المرحومين الشيخ فريد والشيخ فيليب الخازن وغيرهم من الذين لا علاقة لهم أبدًا بالآخرين.
وقد كان كلما حُكِمَ على جماعة من هؤلاء بالقتل ينشر جمال باشا بيانًا ينتحل فيه سببًا من الأسباب لقتلهم؛ فأعضاء الجمعية الإصلاحية انتحل لهم سببًا، وما السبب الحقيقي إلا أنهم من مؤسسي جمعية الإصلاح وأعضاء المؤتمر العربي. وأعضاء جمعية الشبان انتحل لهم سببًا، واللامركزية كذلك، والأسباب كلها ترجع إلى أصل واحد، وهو عزم الاتحاديين على استئصال العلماء والمفكرين من سورية وبلاد العرب عامة، لكي يتسنى لهم تتريك البلاد العربية على أهون سبيل، يدلك على ذلك أن تلك العصبة السفاحة بعدما فرغت من إزهاق النفوس البريئة في سورية مدت يدها إلى العراق، فجاءت منها إلى مجزرة جمال في عاليه بلبنان بجماعة من علماء بغداد وأدبائها كالعلامة شكري أفندي الألوسي، والسويدي، وشلبي، وغيرهم من الذين لم نقف على أسمائهم بعد، وكان في عزمه أن يمد يده إلى الحجاز أيضًا لو لم يقف دونها صد من الحديد والنار كما يعلم القراء.
ومن الأدلة الناصعة على أن جمال باشا ينتحل لكل جماعة سببًا يبرر حكمه عليهم بالقتل قوله في بيانه عن الشهداء الذين وردت أسماؤهم في ذلك البيان إنهم منتسبون إلى حزب اللامركزية المؤلف في مصر والبلاد العثمانية، وأن غايتهم استقلال سورية والعراق، على أن الذي نعلمه ونتحققه أنه ليس بين هذه الأسماء سوى اسم واحد أو اسمين من هذا الحزب بشهادة سجلات الحزب نفسه التي سيأتي يوم تُنْشَرُ فيه صورته على الملأ بالفوتوغراف لتبرهن على قيمة أقوال عصابة السفاحين التي يموهون بها اليوم على عقول الشعب وبيناتها. وليت شعري كيف يتسنى لحزب قانوني جديد موجود في نفس البلاد العثمانية أن يعمل للانفصال عن الأتراك، وقد قال جمال باشا في بيانه إن كل الذين قُبِضَ عليهم وحُوكِمُوا وحُكِمَ عليهم بأحكام مختلفة لم يتجاوز عددهم مائتي نفس، وأنهم من جماعات مختلفة لا يجمعهم غرض واحد، وقد حكم عليهم لأسباب مختلفة أيضًا، فأية قوة وأية حول لدى هذا العدد القليل ليعمل لاستقلال سورية والعراق، وكيف جمع جمال باشا بين أغراض هؤلاء الجماعات المختلفة ليؤلف من مائتي شخص جيشًا عرمرمًا يقاتل في سبيل استقلال سورية والعراق.
إن الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أن الاتحاديين — كما قلنا — أرادوا اغتنام فرصة هذه الحرب ليبدأوا بتطبيق بيانهم العقيم باستئصال نوابغ الأمة العربية، وأخطأوا في تقديرهم قوة الحياة التي في هذه الأمة، فكان من هوسهم وتعجلهم في تنفيذ خطة التتريك ومحو كل أثر وكل صبغة عربية من البلاد ما يُضْحِكُ ويُبْكِي في آن واحد.
فما يُضْحِكُ أنهم عجَّلوا بصبغ البلاد بالصبغة التركية، فأول ما صنعوه هو أنه بينما كانت المشانق تُنْصَبُ في دمشق وبيروت كان أعوانهم يحطمون اللوحات التي توضع على المخازن والدكاكين؛ لأنها مكتوبة بالعربية، ويأمرون أصحابها باستبدالها بلوحات مكتوبة بالتركية حتى بلغ بهم الهوس أن أمروا الأطباء بتغيير لوحاتهم لتغيير حرف واحد هو الفارق بين التركية والعربية، وهو حرف الكاف من كلمة «دكتور» واستبداله بحرف القاف ليكون هكذا «دوقتور».
وأما المبكي فهو أنهم هدموا قبر المرحوم عبد القادر الجزائري، واستخرجوا رفاته، فذروها في الهواء؛ لأنه أمير عربي شهير كسب شهرته في سبيل الدفاع عن وطنه خمس عشرة سنة، وصار اسمه مُحْتَرَمًا ومُبَجَّلًا حتى عند الذين حاربهم كما يعرف ذلك كل قراء التاريخ.
وبعد، فإذا كان الرجال الأحياء متهمين بحب الاستقلال فَقُتِلُوا، واللوحات التي على الدكاكين متهمة بذلك فحُطِّمَتْ، والأموات متهمة بذلك فذروا رفاتهم في الهواء؛ فما ذنب النساء والأطفال؟! ما ذنب اليتامى والأيامى الذين قتلوا عائليهم؟ ما ذنب هؤلاء حتى يُسَاقُوا زرافات زرافات إلى بلاد الأناضول سوق الأغنام؟ وأي عدل أو أي قانون أو توحش وبربربة يسوغ لمثل أولئك الغلاظ القلوب إقفار البيوت من أهلها وانتهاك حرماتها، كما فعلوا في دمشق وغيرها!
إن المآزق التي زجوا أنفسهم ودولتهم فيها بأعمالهم الخرقاء وسياستهم العوجاء لمآزق ليس في استطاعة أمثال هؤلاء الخروج منها بهذه الدولة سالمة أبدًا، وستنالهم الندامة، ويلعنهم عند ظهور النتيجة حتى أشياعهم الذين يهللون اليوم لهم ويكبرون.»
كل ما احتج به جمال باشا لسفك الدماء وإجلائه الناس عن أوطانهم أباطيل، وقد قتل بعد من ذكرهم في بيانه عددًا ليس بقليل، منهم السيد عبد الحميد الزهراوي الشهير، وأول أباطيله تسمية القتل برأيه ورأي ديوانه العرفي قصاصًا، وإنما القصاص في شرع الله أن يُقْتَلَ الجاني بمن قتله بغير حق، ومعناه في اللغة المساواة والمماثلة.
ثم إنه يقول إن التهمة الموجبة للقتل والنفي هي الاشتراك في جمعية غايتها جعل العراق وسورية وفلسطين مملكة مستقلة بعد سلخها من راية الدولة، نحن نعتقد بطلان هذه التهمة بأدلة كثيرة؛ «منها»: أن الحزب الذي جعله موضعًا للتهمة التي رمى بها هؤلاء الناس له برنامج معروف مطبوع ينطق بكذب تلك التهمة، «ومنها»: أن هؤلاء الذين اعترف الباشا بقتلهم في هذا البيان لا يوجد فيهم إلا واحد أو اثنان من الداخلين في هذا الحزب، «ومنها»: أننا نعلم باختبارنا لبعضهم واختبار من نثق به للآخرين أنهم لا يجمعهم رأي ولا مودة ولا سكنى ولا معرفة، فكيف يتفقون مع ذلك على أمر عظيم كالذي اتُّهِمُوا به؟ وإنما الجرم الأكبر الذي يجمعهم وبه استحقوا العقاب هو أنهم من أذكياء العرب الذين يقولون بوجوب محافظة قومهم على لغتهم، وأن يكون لهم حظ من مشاركة الحكومة في إدارة بلادهم، وأن لبعضهم ذنوبًا سابقة لا يغفرها الاتحاديون كإهانة شفيق بك لطلعت بك، والسعي لعدم إقراض أوروبا للاتحاديين عشرات من الملايين، يضيعونها وتبقى البلاد رهينة بها للدائنين، وتوثيق أعضاء المنتدى الأدبي في الأستانة عرى الإخاء بين طلبة العرب في مدارس الحكومة فيها، وإهانتهم لصاحب جريدة إقدام التركية في نشر تلك المقالة التي قال فيها كاتبها إن الطريقة المثلى للتنكيل بعرب الجزيرة إغراء بعضهم بقتال بعض بالمال؛ «لأن العرب تبيع كل شيء بالمال حتى العرض والناموس.»
ثم إنه يصرح بأنهم أخذوا بالظن، فلم تثبت عليهم تلك التهمة باليقين، ولو ثبتت لما جاز قتل أحد منهم بها شرعًا ولا قانونًا؛ لأنها عبارة عن رأي سياسي لم يَدَّعِ قاتلهم أنهم شرعوا في تنفيذه بالخروج على الدولة في أثناء النفير العام الذي حاكمهم بقانونه، وكيف يعقل أن يقوم نفر قليل كهؤلاء بالخروج على الدولة والسواد الأعظم من قومهم يخالفهم فيه باعتراف جمال باشا نفسه والدولة تحكم بلادهم بالأحكام العرفية القاسية وجميع شبان الأمة وكهولها جنود مسلحون بين يديها؟ ويا ليت شعري! ما تلك المنافع المادية الخسيسة التي ضحى أولئك الأذكياء الفضلاء دينهم ووطنهم لأجلها، إن كانت ما ذكره من غاية جمعيتهم المزعومة، فتلك غاية سياسية عالية لا مادية خسيسة، وإن كانت غيرها فما هي؟
ونحن نعلن رسميًّا على رءوس الأشهاد أنه ليس بين الذين شُنِقُوا أو اضطهدوا من ضباط العرب والقائمين بالفكرة العربية من كان يفكر في الانضمام إلى دولة أجنبية أو الانفصال عن الدولة العثمانية. وقد ارتكب جمال باشا ما ارتكبه من الفظائع والموبقات من غير أن يبدر في البلاد العربية أقل بادرة تشتم منها رائحة العصيان، فلم يفعل جمال باشا إلا ما فعله من قبل تيمورلنك وجنكيزخان وهولاكو، وما يفعله الاتحاديون اليوم بقيادة عصبة من الأشرار السفاحين، لم يَخْشَ زعيمها طلعت بك أن يصرح على رءوس الأشهاد بأنه «ذبح المجرمين والأبرياء من الأرمن نساء وشيوخًا وأطفالًا مخافة أن يكونوا في المستقبل عضوًا فاسدًا في جسم الدولة العثمانية.
* * *
وهب أن هؤلاء الأبرياء استحقوا الإعدام بغيرتهم على الوطن المشترك، فما هو ذنب نسائهم وأطفالهم وذوي قرباهم الذين نُفُوا إلى الأناضول؟ وإذا كان لهؤلاء المساكين ذنب، فما هو ذنب رفات ذلك العربي الكبير الأمير عبد القادر الجزائري التي أُخْرِجَتْ من قبرها وبُعْثِرَتْ ودِيسَتْ بالأقدام وذرتها الريح؟ وإذا كان لتلك الرفات الطاهرة ذنب، فما هو ذنب النساء والأطفال والشيوخ من أبناء سورية والعراق الذين يموتون اليوم جوعًا في أخصب بقاع الأرض؟
لقد أذنب كل هؤلاء في نظر الاتحاديين، ولكن ما هو ذنب المدارس التي أقفلوا أبوابها والجوامع والكنائس والمقابر التي انتهكوا حرمتها والآثار التي دمروها ونهبوها والأرض التي منعوا العالم من استغلالها والبلاد التي ساعدوا على نشر الأوبئة فيها، ونهبوا أموالها وغلالها وأقفروها من سكانها وجعلوها قاعًا صفصفًا ينعق فوقه البوم ويأوي إليه الغربان؟
المصائب لا تأتي فرادى
عانى العرب في سورية على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم من مسلمين ومسيحيين ودروز ونصيرية ويهود وغيرهم من الاضطهاد والشدة والضيق والجوع والفقر ما لم يسبق له مثيل في غابر العصور، فمصائب سنة الستين لم تكن شيئًا يُذْكَر في جانب مصائب هذا الحين، وتاريخ سورية الذي لا يضاهيه تاريخ في ويلات حروبه وضيقاته وشدائده لم يرد فيه في غابر الزمان نظير لما قاساه أهل سورية ويقاسونه هذه الأيام، كما روى بعض الرواة الصادقين الذين رأوا رأي العين ما حل بتلك البلاد التعسة من الفظائع والأهوال، وها نحن نثبت في هذا الكتاب خلاصة ما رواه بعض أولئك الرواة ريثما يُتاح لنا الوقت لنشر كل فظائع الاتحاديين على الرأي العام في أربعة أقطار المعمور.
أخبرني الصديق الذي وصل أخيرًا من سورية أن ابنة المرحوم رشدي بك الشمعة كانت مصابة بالحمى المعوية قبيل صدور الحكم على والدها، فأمر جمال باشا بإبعادها مع بقية أفراد العائلة قبيل التنفيذ بنحو أسبوع، ولكن الطبيب استرحم وأظهر ما في هذا الأمر من الخطر على حياتها، إلا أن أحمد جمال باشا «المسلم الصراح» الذي لا تشوبه شائبة أصر على رأيه وأصدر الأمر بنفي أسرة رشدي بك الشمعة مهما يكن مرض كريمته خطرًا، فحُمِلَتْ على ظهور الرجال، وسِيقَتْ هي ووالدتها وإخوتها إلى محطة البرامكة ومنها إلى محطة رياق؛ حيث أطل أخوها الصغير من الشباك عرضًا، فرأى أباه في قطار بيروت آتيًا من عاليه ليُشْنَقَ في دمشق مع من سيُشْنَق في ذلك اليوم، فصرخ الولد صراخ الفطيم عندما يرى مرضعه الحنون، وصار ينادي «أبي! أبي!» ومدت مريضتنا رأسها من الشباك لتتحقق هذا الحلم بنفسها، فرأت والدها يبتسم في وجه ولده ابتسام المحروق على تقبيله، فصاحت من شدة الانفعال، وأرادت أن تخاطبه وتودعه الوداع الأخير وتطلب رضاه، ولكن الجندرمة الموكول إليهم حماية «المؤمنين» في هذا «الجهاد المقدس» لكموها على وجهها، فسقطت على المقعد أمام عيني أبيها الذي بقي مبتسمًا ابتسامة الاحتقار، وما أمسى المساء حتى فارقت الحياة قبيل وصولها إلى حماة، وهي تشير بيديها وفمها من غير وعي، كأنها تقبل الأيدي التي طالما حملتها في صغرها.
وقد عرف المشنوقون صدور الحكم عليهم بالإعدام قبل التبليغ بأربعة أيام، وكان وداع الشاب الضابط جلال البخاري لوالده الشيخ المسن الأستاذ سليم البخاري الذي كان مسجونًا مثله يفطر القلوب، وقد شجع الشاب أباه تشجيعًا مؤثرًا؛ فقال له «يا أبت، لا تخف، ولا تجزع، إن لي إخوة يعزونك عن فقدي، وإذا مت أنا فإن أمتي ما ماتت ولن تموت، والذي أرجوه لك وحُرِمَتْ نفسي منه أن يطيل الله عمرك حتى ترى بعينيك مصرع الباغين وعاقبة أهل الظلم والفساد»، فسقط الوالد المسكين فاقدًا صوابه، ولم يعد إليه رشده إلى الآن.
ونُقِلَ الذين شُنِقُوا في بيروت بالأتوموبيلات من عاليه إلى مدينة بيروت، وكان منظرهم يفتت الأكباد، وظلوا ينشدون الأناشيد الحماسية طول طريقهم، ويترنمون بالأهازيج القومية كمن شعر بقيامه بواجبه، وعرف أن دمه سيكون سببًا لتشديد عرى الرابطة القومية وتحرير البلاد من الأشرار. أما الذين شُنِقُوا في دمشق، فقد سيقوا إليها في قطار الركاب الاعتيادي الذي يسافر بين بيروت والشام مرتين، ولما وصل القطار إلى محطة الزبداني نزل منه المرحوم الأمير عمر الجزائري والمرحوم عبد الوهاب المليجي (الإنكليزي) لإراحة الجسم من عناء الجلوس والتمتع بآخر نظرة من رُبا «بلودات» فرآهما في المحطة صديق لهما، وقال لهما «خير إن شاء الله»، فأجابه عبد الوهاب بك بأن وضع يده على عنقه وضمها كمن يخنق شيئًا إشارة إلى المشنقة التي ستُنْصَبُ لهما ولرفقاهما تلك الليلة. وقد وصل المحكوم عليهم بالإعدام إلى دمشق في مساء ذلك اليوم، وأُنْزِلُوا في الثكنة العسكرية في البرامكة، وفي منتصف الليل سيقوا إلى ساحة المرجة؛ حيث أُعِدَّتْ لهم السدد حوالي العمود التذكاري الحميدي، وأتى جمال باشا إلى نزل أميركا المطل على تلك البقعة ليمتع نظره بمشانق علماء سورية وأفاضلها ويشفي غلته من الأمة العربية.
تقدموا كلهم إلى المشانق برباطة جأش نادرة المثال، وكان في مقدمتهم شفيق بك المؤيد، وهو أكبرهم سنًّا، فألقى خطبة بليغة مختصرة بيَّن فيها الغاية الشريفة التي كان يسعى إلى تحقيقها رجال العرب والإصلاح الأساسي الذي كانوا ينشدونه للبلاد العثمانية، ثم طلب أن يكون الختام قراءة الفاتحة الشريفة، وسُمِعَ شكري بك العسلي يقول على سدة المشنقة — وهو آخر كلام نطق به — وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، ولما أُزِيحَ الكرسي من تحت أقدام المرحوم السيد الزهراوي لم يحمله الحبل، فانقطع به، فرُفِعَ مرة ثانية وشد من رجليه شدًّا قويًّا.
هذا ما نقله «الرحالة» عن شاهد عيان، وقد نقل إلينا أحد الذين حضروا المشانق الأولى في بيروت أخبارًا تفتت الأكباد عن طريقة الشنق والقسوة التي عُومل بها أولئك الشهداء السعداء ونتفًا من الخطب التي ألقوها قبل صعودهم إلى المشنقة، فقال إن المرحوم الشيخ أحمد طبارة ألقى وهو على شدة المشنقة قصيدة حماسية كان نظمها في الطريق بين عاليه وبيروت، وأن المرحوم محمد المحمصاني صعد إلى سدة المشنقة بعدما ودع أخاه محمودًا الذي شنق معه بيوم واحد، فقال: «كنت في السجن أعرب تاريخ استقلال إيطاليا التي تحررت بدماء أخوين شهيدين، فما أسعد حظنا أنا وأخي محمود إذا كان موتنا حياة للأمة العربية.» ثم هتف «فليحي العرب» وأزاح سدة المشنقة من تحته.
إني أعرف السبب الحقيقي الذي شنقني جمال باشا من أجله، وسيعرفه التاريخ أيضًا.
وتقدم جميع المشنوقين إلى المشنقة بقدم ثابت وجأش رابط، وألقوا كلهم خطبًا بهذا المعنى لا سبيل إلى نشرها الآن، وستُنْشَرُ قريبًا مع سائر كتاباتهم وأقوالهم في السجن وفي الديوان العرفي.
ولا يعلم أحد عدد الذين شُنِقُوا من أبناء الأمة العربية في سورية والعراق، ولكنهم على كل حال يعدون بالألوف، فضلًا عن الضباط والجنود العرب الذين أُعْدِمُوا في الجيش.
ولو اكتفى الاتحاديون بإعدام الأفراد لهان الأمر، ولكنهم عمدوا إلى النفي والتجويع لقتل الأمة شيوخها ونسائها وأطفالها؛ فنفوا أسر الذين أُعْدِمُوا أو حُكِمَ عليهم بالإعدام مع أصدقائهم وذوي قرباهم ومعظم أصحاب النفوذ من السكان وكل الذين لم يؤيدوا جمعية الاتحاد والترقي في الماضي، وبديهي أن النفي طريقة من طرق الإعدام في تركيا، وأن ما حل بالذين نُفُوا من الأرمن يحل الآن بالعرب السوريين والعراقيين.
أما المجاعة فحدث عنها ولا حرج، فقد قدرت الصحف عدد الذين ماتوا جوعًا في لبنان فقط بخمسة وثمانين ألفًا في خلال ثلاثة أشهر، ووصف أحد الثقات الذين فروا من سورية الحال الاقتصادية في تلك البلاد كما يلي؛ قال:
«إذا وصل المسافر إلى بيروت وفاز بالدخول إليها بسلام، فأول ما يستوقف بصره فيها التغيير العظيم الذي طرأ عليها بعد إعلان الحرب، فحركة الأخذ والعطاء فيها ساكتة، ووجوه الناس قاتمة شاحبة، وأبدانهم هزيلة، وبطونهم خاوية، والأسواق التي تُبَاعُ فيها الكماليات كسوق الطويلة وغيره خاوية تقريبًا خالية، والأسواق التي تُبَاعُ فيها الحاجيات من مأكل وملبس لا تحوي إلا بضائع يسيرة بعدما كانت مملوءة بالبضائع الكثيرة.
وقد ارتفعت الأسعار ارتفاعًا هائلًا، فأسعار البضائع التي ترد من الخارج زادت أضعافًا مضاعفة، حريرية كانت أو قطنية أو كتانية أو حديدية أو خشبية أو غيرها، وامتنع الناس عن شراء الكماليات، فكل إنسان يقتصر على ما عنده، ومن النادر أن يفصل أحد بدلة جديدة، وأقفل الخياطون والتجار دكاكينهم ومخازنهم، وصار الخياط الذي يقصده زبون واحد في الشهر ليخيط ثوبًا جديدًا يعد نفسه سعيدًا.
ولو اقتصر الأمر على الكماليات لهان؛ لأن الإنسان يراعي مقتضى الحال، ولكن غلاء الأسعار عم الحاجيات كالكماليات؛ فالقمح وسائر الحبوب قلت جدًّا لانقطاع وسائل النقل بعدما صادرت الحكومة الخيل والبغال وغيرها من الدواب لقضاء حاجات الجيش، فارتفعت الأسعار حتى صار الناس يطلبون الخبز فلا يجدونه إلا بقدر، وهذا الخبز أسود قذر تعاف النفوس رؤيته، ومع ذلك فثمن الرطل الشامي ١٧ غرشًا، وإذا سعى موسر وفاز بشراء كيس من الدقيق فلا يجترئ أن ينقله إلى منزله خوفًا من أن يهجم الناس عليه ويتخاطفوه كما جرى مرارًا.
فكيف جُلْتَ ببيروت وأين أدرت نظرك رأيت رجالًا وأطفالًا ونساءً عراةً حفاةً يشكون من ألم الجوع جهارًا، ويقفون أمام كل من يدخل مطعمًا من المطاعم القليلة الباقية مفتوحة ليأكل فيه ويغبطونه على كل لقمة تدخل إلى فمه.
ومما زاد بلية ارتفاع الأسعار شدة على شدة سطو الجراد على سورية في سنة ١٩١٥، فالتهم جانبًا من الزرع في داخل البلاد، وذهب بمحصولات شتى.
واللبيب الذي يتدبر بلايا الجراد وبلايا حكومة الاتحاد والترقي لا يستغرب بعدها أن البلاد التي عُرِفَتْ منذ قديم الزمان بأنها بلاد تفيض لبنًا وعسلًا، واشتهرت باليسر والرخاء في الأقطار وعُرِفَتْ شرقًا وغربًا بقرى الضيف وإيلام الولائم؛ تمسي بلادًا خيم العسر والضيق عليها، وضرب الفقر والجوع أطنابه فيها، حتى صار فقراؤها يتزاحمون على قشور الليمون والبرتقال ومصاصة قصب السكر لكي يقتاتوا بها بعدما بارت فيها التجارة ووقف دولاب الصناعة وقلت الأيدي العاملة في الزراعة.»
وبيروت أحسن حالًا بكثير من سواها — ولا سيما لبنان — فإن الضيق الذي يحيق به والجوع الذي يقاسيه أهله، رأى أحد القادمين إلى القاهرة بعيني رأسه آثاره، فقال إنه كان لا يسير قليلًا في طريقه بين بيروت وطرابلس حتى يلتقي بأناس خائري القوى نحيلي الأبدان، ونساء وأطفال قد رقت أجسامهم حتى صارت كالخلال، وهم يشكون ويتألمون من الجوع، ورأى اثنين قد وقعا في الطريق خائرين، فأدركهما على آخر رمق، ومات أحدهما جوعًا أمام عينيه، وأخبره قائمقام قضاء في شمال لبنان أن عنده ٦٠٠ نفس يتضورون جوعًا، وقد ضاقت به الحيل في تدبير طعام يحفظ به رمقهم، قال: وما نبتت البقول في الحقول حتى انتشرت النساء والأولاد فيها لجمع الأعشاب البرية وجذور الشجر التي يقتاتون بها الآن.
وقد نفد الفحم في سورية، وقطعت الحكومة أشجار الغابات في لبنان وولايتي بيروت ودمشق، فصارت البلاد جرداء، ولم تقتصر مصائب سورية في هذه الحرب على تعطيل المتاجر والصنائع والحرف والمهن على اختلاف أنواعها، وانقطاع أسباب الرزق على اختلاف أبوابها، وغلاء أسعار الحاجيات والكماليات على تباين أصنافها، وزوال وسائل النقل على تعداد أشكالها، والتهام الجراد لكثير من المحصولات، وسلب الحكومة الاتحادية للمال القليل الباقي عند الناس بنقودها الورقية حتى اشتد الضيق على الناس وثقلت عليهم وطأة الفقر وأضناهم الجوع، بل دهمتهم الأمراض القتالة أيضًا لتساعد الجوع على قتلهم؛ فتفشت بهم حمى التيفوس في أماكن مختلفة، وانتشرت من حلب إلى حمص وحماة وطرابلس حتى اتصلت بدمشق وما جاورها، وقد خلت البلاد من الأطباء بعدما أرسلتهم الحكومة مع جنودها إلى ساحات الحرب، وخلت الصيدليات من الأدوية بعدما أخذت الحكومة ما كان فيها لمداواة جنودها، وخلت البلاد كلها من الاحتياطات الصحية وممن يهتم باتخاذ الاحتياطات الصحية، اللهم إلا إذا استثنينا الأطباء القليلين في المدرسة الكلية الأميركية وبعض الأطباء الباقين في المدن المختلفة لتقدمهم في السن وعجزهم عن تحمل مشقات الحرب ومرافقة الجيوش.
وقد اتصل بقادم آخر من سورية أنه توفي ثمانية آلاف نفس بالتيفوس في ولاية حلب، وأنه مات في طرابلس يوم مفارقته لها ستون مصابًا بالتيفوس أيضًا، وقِسْ على ذلك سائر البلاد الموبوءة.
هذا ولو فرضنا أنه بقي في البلاد رجال قادرون على إغاثة الأهالي المساكين، فالاتحاديون يمنعونهم من ذلك كرهًا إن لم يمتنعوا عنه طوعًا، والشاهد على ذلك أن الأميركيين كانوا يجمعون الإعانات من المحسنين في بلادهم ثم يوزعونها على الفقراء أجرة لعملهم في إصلاح طرق المدن ونحو ذلك من الأعمال النافعة التي كانوا يستأجرونهم لها حتى يأكلوا خبزهم بعرق جبينهم من جهة، وحتى تنتفع بلادهم بتعبهم من جهة أخرى، فمنع الاتحاديون الأميركيين من ذلك أولًا في بر الأناضول وأخيرًا في بر الشام، وقد نقل إلينا ثقة أن أميركيًّا التفت إلى الموظف الاتحادي الذي كان يمنعه عن إغاثة العثمانيين المرهقين في بر الأناضول، وقال له: إذا امتنعنا عن إغاثة هؤلاء المساكين ماتوا جوعًا. فغضب الموظف الاتحادي عند سماع كلامه، وقال له: «وهذا عين ما نقصده.»
وقال طبيب أميركي ذو مقام، عاد من سورية في صيف سنة ١٩١٦: «كنت أرى في طوافي في شوارع بيروت وبعض القرى اللبنانية الأولاد والنساء والرجال يلتقطون قشر البطيخ والليمون من الأوحال ويأكلونه، وشاهدت بأم عيني التراب وقشر الليمون في معد كثيرين ممن أجريت لهم العمليات الجراحية في أحد المستشفيات في بيروت، وقد استولت الحكومة على جميع الغلال في سورية ولبنان حتى التين والعنب والزيتون، وأخذت توزع على كل بلد تقريبًا ثلث ما تحتاج إليه من المأكولات، حتى إن تلاميذ الكلية الأميركية كانوا يفضلون البقاء في المدرسة على الذهاب إلى بيوتهم لعدم وجود الأكل الكافي فيها، ثم تفشت الأمراض في جميع البلدان، وقلما شفي أحد منها؛ لنفاد الأدوية والعقاقير الطبية ولقلة الأطباء والجراحين، وارتفعت أسعار الحاجيات والمأكولات ارتفاعًا فاحشًا حتى إن صندوق البترول بلغ سعره خمس ليرات، وقطعت السلطة التركية أشجار الزيتون، واستعملتها لمد سكة الحديد، وفرضت على كل قرية من قرى لبنان عشرة جنود، ولربما كان ذلك مقدمة لتجنيد الباقين في قيد الحياة من اللبنانيين، ولا يقبض أصحاب الحوانيت والمكلفون بتوزيع الحنطة عملة الورق إلا بثلث قيمتها الذهبية، مما يدل على أن الترك احتكروا الغلال ليملأوا جيوبهم من الأموال المغموسة بدماء الأبرياء.»
وقالت سيدة أميركية: إن عشرات الألوف من السوريين يموتون جوعًا كل يوم، وإن الأصحاء لا يكفون لدفن الموتى.
وروى جميع الذين فروا من سورية روايات تفتت الأكباد وتسيل العبرات، خلاصتها أن الأمهات يمتن جوعًا على قارعة الطريق ضامات أطفالًا ناحلين إلى صدور نضب لبنها وتقوست عظامها، والرجال هائمون على وجوههم في الحقول والغابات، يحاولون انتزاع جذور الأشجار ليسدوا الرمق بما أبقى عليه الجراد، والجميع يرون المشانق منصوبة وأبواب السجون مفتوحة، والناس تُسَاقُ زرافات إلى المنفى في داخل الأناضول، فمن لم يمت من السوريين في ساحات الحرب مات شنقًا، ومن لم يمت شنقًا مات في السجن أو المنفى، ومن بقي حيًّا إلى الآن يتجرع الغصص ويتضور جوعًا إلى أن يموت موتًا بطيئًا في منزله المقفر وحقله القاحل بعدما يقاسي من العذاب والآلام أشكالًا وألوانًا.
وقد ألفت المراقبة الاتحادية هذه الحال في سورية، فلم تعد تعبأ بما يكتب عنها في الصحف السيارة، وأغرب ما قرأناه في هذا الموضوع قصيدة نُشِرَتْ في جريدة البلاغ البيروتية في مدح جمال باشا وتهنئته بحلول شهر رمضان المبارك؛ لأنها تشف عن حقائق لم يتمكن الشاعر من إخفاء مرارتها، ففاض مداد قلمه بها، وسمح الرقيب بنشرها لأنه رآها دون الحقيقة، وإلى القراء بعض أبيات من تلك القصيدة:
ومنها:
ومنها:
ومنها:
هذا وليست الحالة في العراق أحسن منها في سورية إلا في الأماكن التي تقلص منها ظل الترك والبلاد التي تقطن فيها القبائل.