انفجار البركان
العرب في محنتهم – منقذ العرب – فاتحة النهضة – الاستقلال منشور الشريف الأعظم
* * *
تكاثفت غيوم المصائب حول العرب فحجب عنهم نسيم الحياة، وتركتهم بين لهوات الموت ومخالب الفناء، ولكنها لم تفقدهم رشدهم ولا أضاعت صوابهم، فما لبثوا أن لموا شعثهم وصحوا مما أصابهم من الذهول، حتى وثبوا وثبة الأسود دفاعًا عن كيانهم وكيان أمتهم مفضلين الموت في سبيل الحياة على الموت أذلاء مهانين.
* * *
وتمكن في تلك الأثناء بعض أعضاء الجمعيات العربية الذين نجوا من مذابح جمال باشا السفاح من ترك سورية والعراق إلى شبه جزيرة العرب وإلى خارج البلاد العثمانية، فتم التفاهم بواسطتهم بين زعماء العرب وجمعياتهم وبعض المقامات العالية، وقر القرار على إعلان الثورة في الحجاز، وقد اختاروا الحجاز للقيام بحركاتهم التمهيدية لأسباب سياسية وحربية؛ أهمها: أن صاحب الكلمة النافذة فيه أشرف العرب نسبًا، وأن بلاد الحجاز بعيدة عن مركز القوات التركية وقريبة من البحر في آن واحد، فضلًا عن وعورة مسالكها وحر صيفها، وتعذر وصول العدو إليها، وسهولة قطع سكة الحديد التي تصلها بسورية. وقد رأى العرب أن يكتفوا في بدء الأمر بقوة تلك البلاد لانتزاعها من يد الترك وجعلها بمأمن من كراتهم عليها، ريثما يكملون استعدادهم فيها فيتخذون خطة الهجوم ويقومون قومة واحدة لطرد عصبة الاتحاديين من البلاد العربية التي لا تزال تئن من جورهم وطغيانهم.
فاتحة النهضة
بدأ القتال بين العرب وجيوش الاتحاديين في الحجاز في (٩ شعبان سنة ١٣٣٤ / ١٠ يونيو سنة ١٩١٦) قُبَيْلَ الفجر، فهجم العرب على الثكنات العسكرية في مكة المكرمة، وحصروا الجنود التركية فيها، ولما أدرك قائد ثكنة «جرول» عجزه عن مقاومتهم طلب من سيادة الشريف الأعظم أن يعرف أسباب الحركة، فذهب قائمقام الإمارة حينئذ إلى الثكنة، وأبلغ قائدها أن البلاد أعلنت استقلالها، وأن المسألة لا تُحْسَمُ إلا بخروج الترك من الثكنات وتسليمها للعرب بكل ما فيها من الذخيرة والسلاح، فرفض الترك ذلك واستؤنف القتال بأقصى شدة إلى أن دخل الليل.
وفي صباح اليوم التالي أي يوم الأحد (١٠ شعبان/١١ يونيو سنة ١٩١٦) هجم العرب على «باش قره قول» الواقع حول الصفاء، واستولوا عليه عنوة.
وفي يوم الإثنين (١١ منه/١٢ يونيو) حمل العرب حملة شديدة على «الحميدية»؛ حيث كان وكيل الوالي، واستولوا عليها عنوة، وأسروا من فيها. ولما وصل وكيل الوالي مع الأسرى إلى دار الإمارة واطلع على حقائق الأمور أرسل كتابين بخط يده؛ الأول إلى قائد ثكنة جرول، والثاني إلى قائد قلعة جياد، يخبرهما بما كان من أمره وأمر جنوده، ويطلب منهما أن يسلما للعرب حقنًا للدماء؛ فرفضا ذلك. وجعلت القلعة تشدد إطلاق القنابل والرصاص على المنازل والمسجد الحرام، حتى تعطلت العبادة فيه تمامًا، وتعذر على المصلين الدخول إليه، وكان في هذه القلعة أربعة مدافع جبلية وكل مهمات المدفعية في فرقة الحجاز، فأطلق الترك منها قنبلتين على الكعبة الشريفة فوقعت إحداهما فوق الحجر الأسود بنحو ذراع ونصف والثانية تبعد عنه نحو ثلاثة أذرع، فالتهبت بنارهما أستار البيت حتى هرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج والنحيب، واضطرهم الحال إلى فتح باب البيت والصعود إلى سطحه للتمكن من إطفاء اللهيب، وما انتهى أمر الترك بهذا؛ بل عززوا الاثنتين بثالثة على بيت إبراهيم — عليه السلام — وهذا عدا ما وقع منها في بقية المسجد الذي اتخذوه هدفهم الوحيد في غالب مقذوفاتهم بالقنابل والرصاص، وما زالوا يقتلون الثلاثة والأربعة في نفس المسجد كل يوم حتى تعذر على العباد القرب منه. ولا يخفى أنه لا يقدم على مثل هذه الأعمال المنكرة التي وقعت أسوأ وقع في نفوس المسلمين قاطبة إلا الجبان من الأعداء.
وفي تلك الأثناء سقطت جدة بعد قتال ستة أيام، فأسر العرب فيها ١٣٤٦ أسيرًا تركيًّا، وغنموا عشرة مدافع ميدان وأربعة مدافع جبلية وأربعة مدافع من مدافع المتراليوز ومستودع السلاح والذخيرة وكل المهمات الحربية التي كانت للترك فيها من غير أن يتلف منها شيء، ثم نقلوا المدافع التي غنموها إلى مكة المكرمة، ونصبوها أمام قلعة جياد، وهجموا عليها بعدما دمروا جانبًا منها، فاحتلوها عنوة، وأسروا كل حاميتها، وغنموا منها مدفعين من المدافع الكبيرة وثلاثة مدافع جبلية ونحو ثمانية آلاف بندقية ومقدارًا كبيرًا من القنابل والرصاص والبارود، وكان ذلك يوم الثلاثاء في (٤ رمضان المبارك سنة ١٣٣٤ / ٤ يوليو).
وبعدما فرغ رجال المدفعية من مهمتهم في قلعة «جياد» انضموا إلى الجيش العربي الذي كان يحاصر ثكنة «جرول» وأصلوها نارًا حامية من مدافعهم، وكانت حاميتها تحاول بين حين وآخر أن تخدع العرب برفع العلم الأبيض لتتمكن من الاستراحة وترميم ما دُمِّرَ من الثكنة، ولكن العرب لم ينخدعوا أكثر من مرة بهذه الحيلة الدنيئة التي زادتهم احتقارًا لرجال الحامية، فهجموا عليهم بالسلاح الأبيض، وأكرهوهم على التسليم، وكان ذلك يوم الأحد في (٩ رمضان المبارك/٩ يوليو) بعد غروب الشمس، وبلغ عدد الأسرى الذين أسرهم العرب من حامية هذه الثكنة ثلاثين ضابطًا و١١٢٠ جنديًّا.
ثم استولى العرب على ثغري ليث وأوملج على البحر الأحمر، وكان سقوط أوملج يوم الثلاثاء في ١٦ شوال و١٥ أغسطس.
وفي (٢٤ ذي القعدة/٢٢ سبتمبر) أعلن الأمير عبد الله نجل سيادة الشريف الأعظم وأحد قواد الجيوش العربية سقوط الطائف في قبضة يده بتلغراف أرسله إلى سيادة والده في مكة المكرمة، وقال فيه ما خلاصته: «حضر غالب باشا والي الحجاز وجميع الضباط إلى المعسكر العربي، وسلموا أنفسهم عند منتصف الليل، وانصرف جيشي حينئذ إلى احتلال ثكنات الجنود ومرابطهم في المدينة، فسلمت القوات التركية سلاحها، وخرجت منها، وطوق الفرسان العرب المدينة. وكان جميع السكان يجهلون ما هو جار إلا الذين كان لهم دخل في المفاوضات، وعند الصباح دخلنا المدينة واحتللناها.
وقد بلغ مجموع الأسرى الذين أسرناهم في الطائف ٨٣ ضابطًا و١٩٨٢ جنديًّا و٧٢ موظفًا. وغنمنا عشرة مدافع «ما عدا مدفعًا كنا قد غنمناه منذ أيام»، ووجدنا في مخازن الجيش أكثر من ١٧٠٠ بندقية و٨٠٠ قنبلة وقذيفة و١٦٠٣١٠٨ رصاصة من رصاص موزر.»
وشفع الشريف عبد الله هذا البلاغ المرفوع إلى سيادة والده بقوله: «وإني ألتمس من سيادتكم أن تتفضلوا بالتجاوز عن الضرر الذي لحق بنا من جراء عملهم حتى يوفقنا الله في جميع أعمالنا، كما أني أسأل سيادتكم أن يُعَامَلَ الأسرى بكل لطف؛ فإن العالم الإسلامي كله ينظر إلينا.»
* * *
هذا وقد طهر العرب قسمًا كبيرًا من بلادهم، وبدأوا يعدون المعدات الحربية فيه ليواصلوا زحفهم إلى الأمام. ولما كان احتلال البلاد لا يؤثر كثيرًا في نتيجة الحرب رأوا أن يصرفوا همهم إلى تنظيم جيوشهم وجعلها قادرة على القيام بالمهمة العظيمة التي أخذوا قضاءها على عاتقهم، وهم لا يحسبون للترك اليوم أقل حساب في البلاد التي صارت في قبضة يدهم؛ لأنهم دمروا سكة الحديد الوحيدة التي تصل شبة جزيرة العرب بمركز القوات التركية، ولأن جميع أمراء العرب وجمعياتهم وزعمائهم وقادة أمورهم يحبذون هذه الحركة ويستعدون للاشتراك فيها، فقد جاهر السيد الإدريسي وأمراء العرب في جنوب الحجاز بصداقتهم لسيادة الشريف الأعظم، ونهجوا خطة العداوة مع الترك، وكذلك الأمير نوري الشعلان. أما الإمام يحيى وابن السعود فأحوالهما الخصوصية ومصالحهما القومية تقتضي بأن يتحدا مع سيادة الشريف والجمعيات العربية عاجلًا أو آجلًا؛ لأن ابن السعود عهد في تنظيم جيوشه إلى بعض المنتسبين إلى تلك الجمعيات، وجعل يعد معداته لتحقيق آمال العرب قاطبة، ولأن معظم قبائله من بني حرب الذين يجلون سيادة الشريف الأعظم ويشدون أزره.
وبديهي أنه كان في طاقة العرب أن يفعلوا أكثر مما فعلوا إلى الآن، ولكن سيادة الشريف الأعظم أبى سفك الدماء في الحجاز، فأصدر أوامره المشددة إلى قواد جيوشه بتضييق نطاق الحصار على الجنود التركية وإرغامها على التسليم واجتناب سفك الدماء جهد الإمكان، وهو مهتم من جهة أخرى بإعداد جيوشه وتنظيمها وجعلها — كما تقدم — قادرة على القيام بالمهمة التي أخذت على عاتقها قضاءها.
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَكل من له إلمام بالتاريخ يعلم أن أمراء مكة المكرمة هم أول من اعترف بالدولة العلية من حكام المسلمين وأمرائهم؛ رغبة منهم في جمع كلمة المسلمين وتحكيمًا لعرى جامعتهم لتمسك سلاطينها «من آل عثمان» العظام طاب ثراهم وجُعِلَ دار الخلد مثواهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله — صلوات الله عليه — وتفانيهم في إنفاذ أحكامهما. ولنفس تلك الغاية السامية الرفيعة ما زال الأمراء المشار إليهم يحافظون عليها، حتى إنني حملت بالعرب على العرب بذاتي في سنة ١٣٢٧ ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين لفك حصار «أبها» محافظة على شرف الدولة. وفي السنة التي تلتها جرت عين هذه الحركة تحت قيادة أحد أبنائي … إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى كما هو مشهور ومعهود، إلى أن نشأت في الدولة جمعية الاتحاد والترقي، وتوصلت إلى القبض على إداراتها وكافة شئونها، فكانت نتيجته انتقاصها من الممالك ما قوض عظمتها مما عرفه أفراد العالم، وخصوصًا بخوضهم غمرات الحروب الحاضرة وإلقائهم إياها في موقف الهلكة التي لا تحتاج إلى بيان.
هذا لمحض غايات معلومة تأبى إحساساتنا البحث فيها، وتستدعي تفطر قلوب مسلمي المعمورة أسى وحزنًا على دولة الإسلام وتمزيق ما بقي من سكان ممالكها مسلميهم وذمييهم؛22 فريق منهم بالصلب وأنواع الإعدام، وفريق بإجلائه عن وطنه وعلى الصورة المعهودة والحالة المشهودة، علاوة على ما أُصِيبُوا به في أموالهم وأنفسهم من آفات الحروب، ولا سيما هذه الأخيرة التي كان للأرض المقدسة منها النصيب الأعظم، كما يُعْلَمُ بالإجمال من اضطرار الكثيرين حتى أبناء الدرجة الثانية من الأهالي إلى بيع أبواب دورهم ودواليبها وأخشاب سقفها بعد بيعهم لجميع ما يملكون؛ وذلك للحصول على سد الرمق.كل هذا وكأن جمعية الاتحاد لم تَرَهُ كافيًا لغرضها، كما يظهر من تجاوزها وإقدامها على إخلال الرابطة الوحيدة بين السلطنة السنية العثمانية وجميع مسلمي المعمورة: ألا وهي التمسك بالكتاب والسنة؛ فقد وصفت إحدى صحفها الموسومة «بالاجتهاد» الصادرة في دار السلطنة السنية سِيَرَهُ — صلوات الله عليه وسلامه — بشر السير (نسأل الله العافية)، وهذا بمرأى ومسمع من وزير الدولة الأعظم وشيخ إسلامها وسائر علمائها ووزرائها وأعيان رجالها.
وشُفِعَتْ هذه الجرأة بإلغاء قوله — تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فساوت بينهما في الميراث، وعززتهما بالطامة الكبرى، وهي هدم أحد أركان الإسلام الخمس: وهو صوم رمضان؛ إذ أمرت الجنود المقيمين بالمدينة المنورة أو مكة المكرمة أو الشام مثلًا بالإفطار في رمضان للمساواة بينهم وبين الجنود الذين يقاتلون في حدود الروس، ولفقت لهذا أقاويل لمعارضة صراحة قوله — تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ … إلى غير ذلك مما يمس بأساسات الإسلام؛ من الإقدام على المنكرات المعلومة أحكام مرتكبيها من الدين بالضرورة، بعد أن ضربت على يدي شوكة السلطان المعظم وسلبته حتى حق الاقتدار على انتخاب رئيس كتاب (ما بين) سلطنته الشريفة أو رئيس خاصته المبجلة المنيفة، فضلًا عن النظر في أمور المسلمين ومصالح البلاد والعباد، وما في هذا من إسقاطهم لشروط الخلافة التي يطالب بها المسلمون. فوجوب البراءة منهم والحالة هذه مما لا مشاحة فيه، ومع هذا ما زلنا نتناول صحة هذه الجرأة هربًا وحذرًا من نسبة تهمة التفرقة وبواعث الاختلاف، حتى ظهر الخفاء وانكشف الغطاء واتضح أن الدولة أصبحت في يد أنور باشا وجمال باشا وطلعت بك؛ يحكمون فيها بما يشاءون، ويفعلون بها ما يريدون. وأبسط دليل على صحة هذا الأمر الذي ورد أخيرًا لقاضي محكمة مكة الشرعية بأن لا يحكم إلا بالشهادة التي تحررت في محكمته وبين يديه، ولا يلتفت إلى الشهادات التي يكتبها المسلمون فيما بينهم غير مبالين بما في آية البقرة؛ هذا كله من جهة، ومن الأخرى صلبهم في آن واحد لكثير من عظماء أفاضل المسلمين وكبراء نوابغ العرب23 من «قبل ومن بعد «كالأمير عمر الجزائري، والأمير عارف الشهابي، وشفيق بك المؤيد، وشكري بك العسلي، وعبد الوهاب بك، وتوفيق بك البساط، وعبد الحميد الزهراوي، وعبد الغني العريسي»، ولا ريب أنه يصعب حتى على ذوي القلوب القاسية إزهاق أنفس الجماعات الكثيرة في آن واحد، ولو كانت من بهائم الأنعام.وهب أننا التمسنا لهم عذرًا وانتحلنا لهم مسوغًا في قتل هؤلاء الأفاضل، فما المسوغ لنفي عائلاتهم البائسة البريئة من كل ذنب وفيها من الأطفال والشيوخ وربات الخدور من تنفطر لهم القلوب وتذهب الأنفس حسرات عليهم، ولإذاقتهم أنواع العذاب فوق ما قد جرعوه من سم المصيبة بقتل عميدهم الذي خربت بفقده منازلهم، والله — تعالى — يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؟!24 وإذا انتحلنا لهذه مسوغًا أيضًا، فما الذي يسوغ لهم مصادرة أملاكهم وأموالهم التي يأوون إليها ويعيشون بها بعد أن قضوا على عزيزهم وسلبوا من أيديهم أسباب عزهم؟! وإذا تعامينا عن هذا كله أيضًا وقلنا ربما كان لهم مسوغ سوغه لهم فكيف يمكن أن ننتحل مسوغًا لجرأتهم على قبر الأمير الأبَر والمجاهد التقي الزاهد مولانا الشريف عبد القادر الجزائري الحسني وإهانته وتحقيره؟!هذا بعض ما أبدوه من الأعمال، أتينا به مختصرًا تاركين الحكم فيه للعالم الإنساني عمومًا والعالم الإسلامي خصوصًا، وحسبنا برهانًا على ما تكنه صدورهم للدين الإسلامي والعرب رميهم للبيت العتيق الذي أضافتهُ العزة الأحدية لذاتها السبحانية في قوله — تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ، وهو قبلة المسلمين وكعبة الموحدين؛ بقنبلتين من قنابل مدافعهم التي بحصن جياد أثناء قيام البلاد بالمطالبة باستقلالها، وقعت إحداها فوق الحجر الأسود بنحو ذراع ونصف، والثانية تبعد عنه بمقدار ثلاثة أذرع التهمت بنارهما أستار البيت، حتى هرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج والنحيب، واضطروا إلى فتح باب البيت والصعود إلى سطحه للتمكن من إطفاء اللهيب، وما انتهى أمرهم بهذا حتى عززوا الاثنتين بثالثة على مقام إبراهيم عدا ما وقع منها في بقية المسجد الذي اتخذوه هدفهم الوحيد في غالب مقذوفاتهم بالقنابل والرصاص، وما زالوا يقتلون الثلاثة والأربعة في نفس المسجد كل يوم حتى تعذر على العباد القرب من البيت، وفي هذا من الاستخفاف والازدراء بالبيت وتعظيمه وحرمته ما نترك القول والحكم فيه أيضًا لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، «نعم» نترك الحكم في هذا الاستخفاف والازدراء للعالم الإسلامي ولكنا لا نترك كياننا الديني والقومي ألعوبة في أيدي الاتحاديين، وقد يسر الله — تبارك وتعالى — للبلاد نهضتها كما وفقها بحوله وقوته لأخذ استقلالها وتكليل مساعيها بالفوز والنجاح بعد أن ضربت على أيدي موظفي الاتحاديين بيننا ورجال حامياتهم، فاستقلت فعلًا، وانفصلت عن البلاد التي لم تزل تئن تحت سلطة المتغلبين من الاتحاديين انفصالًا تامًّا مطلقًا بكل معاني الاستقلال الذي لا تشوبه شائبة مداخلة أجنبية ولا تحكم خارجي، جاعلة غيتها ومبادئها نصرة دين الإسلام والسعي لإعلاء شأن المسلمين قائمة في كل أعمالها على أساس أحكام الشرع الشريف الذي لا يكون لنا مرجع سواه ولا مستند غيره في جميع الأحكام وأصول القضاء وفروعه، مع استعدادها لقبول كل ما ينطبق على أصول الدين ويلائم شعائره من أنواع فنون الترقي الحديث وأسباب النهضة الصحيحة، باذلة كل ما في الجهد والطاقة لإعزاز العلم وتعميمه بين الناس على اختلاف الطبقات وعلى حسب الحاجة والاستعداد.
هذا ما قد قمنا به لأداء الواجب الديني علينا، راجين من إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يؤدوا كذلك ما يرونه واجبًا لنا عليهم من أحكام روابط الإخاء الإسلامي، رافعين أكف الضراعة لرب الأرباب ومتوسلين برسول الملك الوهاب، أن يتولانا بالتوفيق ويمدنا بالهداية إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، والاعتماد على الله العلي الكبير، وهو حسبنا ونعم النصر.
شريف مكة وأميرهاالحسين بن علي