مستقبل العرب
إن المصائب التي نزلت بالعرب في مختلف الأزمنة كانت قاسية بتأثيرها، مُرة بنتائجها، ولكنها لم تقتل فيهم روحًا كبيرة عُرِفُوا بها، ولا أبادت منهم آمالًا طالما طمحت إلى العلى وذهبت بهم إلى المجد كل مذهب، فما ابتسمت لهم سوانح الفرص حتى انتهزوها، ونهضوا نهضة الأسد الرئبال لاسترجاع حقوقهم المهضومة واستعادة مجدهم المندثر، وها هم يسيرون الآن في طريق حياة جديدة إلى مدنية حية راقية.
لقد برهن العرب في إبان دولتهم على أنهم كبار بنفوسهم، كبار بأعمالهم، كبار بآمالهم، لا تأخذهم برقشة الظواهر، ولا ينخدعون بكذب المظاهر، قيمة المال عندهم قيمة ما يحتاجون إليه في تعزيز العلم ونشر لواء الحضارة، وقيمة الفرد بينهم قيمة النفع المرجو منه للأمة والبلاد، ومن راجع تاريخهم المجيد ورأى ما امتازوا به من الخلال الفريدة والخصال الجميلة والأخلاق السامية التي بلغت بهم ذروة المجد ولا تزال متأصلة في نفوس أحفادهم إلى الآن؛ استطاع أن يحكم بما سيكون لهم من عظم الشأن.
إن العصور التي مرت بالعرب كانت قاتلة بحوادثها؛ فمن اضطهاد واستعباد ونفي وقتل واغتيال إلى أمراض نفسية ولد جراثيمها الجهل الذي اندس في أساس المدنية العربية القديمة فأفسده، ثم جاءت التعاليم التركية وغير التركية فضربت على نغماتها ما يلائم مشرب كل منها، بحيث أصبحت الأمة العربية لعبة بيد الأجانب كما كانت لعبة بيد القدر وهدفًا لحوادثه الفظيعة. ومع أن كل عامل من هذه العوامل يكفي وحده لأن يقتل أمة مهما بلغت من القوة والمنعة، فقد اجتمعت كلها على الأمة العربية وصوبت نحوها سهامها القاتلة، فلم تَنَلْ من عزة نفوس العرب قلامة ظفر، ولا تمكنت من خضد شوكتهم والقضاء على قوميتهم، وجل ما فعلته أنها سدلت على عيونهم نقابًا كثيفًا من نسيج الجهل، فحجبت عنهم نور الهداية وتركتهم يتخبطون في دياجي الظلمة زمنًا انقضى الآن بتمزيق ذلك الحجاب، فبرزت من ورائه العروس العربية في أجمل ما عُرِفَتْ به من البهاء والجمال.
أجل برزت اليوم الأمة العربية إلى ميدان الحياة عروسًا في مقتبل العمر لها من حميتها ونشاطها واستعدادها ما يثبت قدمها ويدفعها إلى الأمام، كما أن لها في طريق الوطنية الصادقة التي سلكتها ما يكفل لها أسمى مقام بين الأنام؛ لذلك لا يُخْشَى عليها من العثار، لا سيما وقد علمتها الحوادث بمواقع الأخطار، فثقتنا عظيمة في هذه الحال بأن العرب سيسيرون في سبلٍ أمينة مهدتها اختباراتهم وروتها دماؤهم وظللتها أرواح شهدائهم.
ومما يقوي الآمال بنجاح الأمة العربية الكريمة أن فيها رجالًا زانهم الله بعقول ثاقبة، يقويها الإخلاص والتفاني في مصلحة الأمة، وطرق كل باب فيه خير البلاد وترقية العلوم والفنون والصنائع وتوفير موارد الثروة، وبذل كل وسيلة لإنهاض العرب ماديًّا وأدبيًّا.
ومتى وُجِدَ في الأمة رجال مفكرون أصحاب رأي وحجى سهلت قيادة مجموعها واستقامت سبلها، ولا سيما أن الأمة العربية الآن على فطرتها الطبيعية طفلة نقية الصفيحة لم تلطخها المظاهر الكاذبة ولم تشوهها التقاليد الفاسدة، فهي على استعداد لأن تنطبع فيها المبادئ الصحيحة على أقوم طريق تلائم حالها ومزاجها والغاية التي تتوخاها، ولنا من إجراءات العرب حتى اليوم ما يحقق ثقتنا بأنهم لا يهملون وسيلة صغيرة أو كبيرة لإنهاض الأمة ودعم الأساس الذي ستقوم عليه مدنية العرب الجديدة.
على أننا لا نجهل أن في بعض الجهات العربية أنحاء غُرِسَتْ فيها بزور مدنية لا تلائمها، ونمت بين أفراد لم يستعدوا للتغذي بها؛ فثقلت على معدهم الضعيفة وأورثتهم من سوء الهضم سقمًا في أخلاقهم وانحرافًا في نظرهم، فباتوا من جرائه يتخبطون في فيافي الضلال، عكازهم تقليد خلاب، ونبراسهم في ظلماتهم سراب، على أن لنا من اهتمام الدولة العربية الجديدة بشئون العرب على اختلاف نزعاتهم وأميالهم ما يكفل إصلاح الخلل ومداواة العلل، كما أن لنا من حزم العربي ومحكم رؤيته وصدق وطنيته وما سيراه من عدل حكومته واعتنائها بشئونه؛ ما يستميلهُ على عجل إلى السبيل السوي.
* * *
كان العرب في القرون الأخيرة أقوامًا مشتتين لا وطنية تجمعهم فيلجأون إليها، ولا حكومة تعنى بهم فيتكاتفون على خدمتها، ولا مدنية خاصة بهم فيرتبطون بها، ولا آلات تستخرج كنوز تربتهم فيعملون بها ويرتزقون من خيراتها؛ فلا عجب والحالة هذه إذا هجروا أوطانهم العزيزة وتجنبوا حكومتهم الظالمة، وخجلوا بجنسيتهم المستعارة؛ لما يلقون من انحطاطها في نظر الأمم الراقية.
ولكنهم متى رأوا مناعة ملكهم واعتزاز شأن أمتهم وعدل حكومتهم عادوا إلى أوطانهم فرحين، وانضووا تحت العلم العربي الجميل مهللين وهاتفين بصوت واحد: «فليحيَ العرب، ولتحيَ الأمة العربية.»
كل إنسان في العالم يود أن تكون له دولة قوية يعتز بها وأمة راقية يفاخر بالانتساب إليها، ولا مشاحة في أن العرب على اختلاف نحلهم وتباين درجات أفهامهم وأحوالهم سينضوون تحت ظل العلم العربي ويكونون جميعهم قلبًا واحدًا ويدًا واحدة في العمل لخير أمتهم وإنهاض بلادهم وتجديد مدنيتهم.
ومما يقوي فينا هذه الآمال شكل الإدارة التي تُدَارُ بها البلاد العربية. فالأحزاب العربية التي ساعدت على استقلال العرب في الحجاز كانت ترى في عهد الترك أن خير الطرق لإدارة بلاد مترامية الأطراف مختلفة العادات والأخلاق كالبلاد العثمانية إنما هي الإدارة اللامركزية الواسعة؛ فقد جاء في المادة الثانية من برنامج حزب اللامركزية: «أن القصد من تأليف هذا الحزب بيان لحسنات الإدارة اللامركزية والمطالبة بكل الوسائل المشروعة بحكومة تُؤَسَّسُ على قواعد اللامركزية الإدارية في جميع ولايات الدولة العثمانية.»
فعلى هذا المنوال يسير العرب في سياستهم الداخلية متوخين إنهاض البلاد وإسعاد العباد وإعلاء شأن الأمة ماديًّا وأدبيًّا.
وستقوم سياستهم الخارجية على الصدق في القول والإخلاص في العمل والانتصار للحرية والمدنية اليوم وفي مستقبل الأيام. وقد قالوا في بيان سياسي نُشِرَ في مصر في ١٨ شوال سنة ١٣٣٤ و١٧ أغسطس سنة ١٩١٦: «ولا نرمي في سياستنا الخارجية إلى أكثر مما يمكننا الحصول عليه»، وهو تصريح على جانب عظيم من الأهمية؛ لأنه لا يترك أقل مجال للخلاف في المستقبل.
هذا وإذا كان مستقبل الأمة يتوقف على صدق وطنية أفرادها وثروة بلادها الطبيعية فمستقبل العرب مجيد باهر، وقد أظهر رجال العرب من صدق الوطنية وبعد النظر والتفاني في سبيل المصلحة العامة ما يحملنا على الإيقان بأنهم يحسنون الانتفاع بمواهبم العظيمة ويعنون باستثمار موارد بلادهم التي هي من أغنى بلاد العالم فينهضون بها إلى أسمى درجات المتعة والمجد.