أوروبا واستقلال العرب
إنكلترا والعرب – فرنسا والعرب – الحركة العربية والرأي الإسلامي العام – البلاغات والتلغرافات الرسمية – وفود المسلمين في مكة المكرمة – آراء صحف الغرب وأقوالها
* * *
وقع خبر استقلال العرب أعظم وقع في العالم كله، فماد له الإسلام طربًا، وقابله الحلفاء بابتهاج عظيم والمحايدون بالارتياح التام والجرمان بقلق واضطراب لا مزيد عليهما.
إنكلترا والعرب
منذ سنين والعرب المعذبون بسوء الحكم التركي ينتظرون اليوم الذي يتمكنون فيه من استرجاع حريتهم السابقة، وقد قاموا في الماضي بثورات عديدة ضد الاستبداد التركي في البلاد العربية.
وقد أدى سوء تصرف الحكومة الحالية في الأستانة وخضوعها التام لسلطة الألمان إلى دخول تركيا مضطرة في حرب مشئومة أوصلت الأحوال فيها إلى حد النهاية، فرأى شريف مكة وغيره من الزعماء في البلاد العربية.
أن الأوان قد آن لخلع النير التركي عن أعناقهم والمناداة باستقلالهم.
وكانت بريطانيا العظمى تعطف دائمًا على العرب، ولكن صداقتها التقليدية لتركيا اضطرتها في الماضي إلى البقاء على الحياد، أما الآن وقد انضمت تركيا إلى صف الدول الوسطى (ألمانيا والنمسا) فقد أصبحت بريطانيا العظمى حرة في إظهار عطفها على أولئك العرب الذين انخرطوا في عداد الحلفاء ضد العدو المشترك.
على أن بريطانيا العظمى ستبقى محافظة على سياستها السابقة في الابتعاد عن أية مداخلة في الشئون الدينية وعلى بذل غاية جهدها في إبقاء الأماكن المقدسة أمينة من كل طارئ خارجي.
ومن النقط المهمة التي لا تقبل التبديل والتغيير في سياسة بريطانيا العظمى هو أن تبقى هذه الأماكن المقدسة في أيدي حكومة إسلامية مستقلة.
ولا يخفى أن أحوال الحرب الحاضرة تلقي العقاب الكثيرة والأخطار في سبيل الذين يرغبون في القيام بفريضة الحج، ولكن العمل الذي قام به شريف مكة يجعل الأمر كبيرًا في اتخاذ التدابير اللازمة التي تمكن الحجاج في المستقبل من زيارة الأراضي المقدسة بسلام واطمئنان.
إن الأخبار التي نشرتها الصحف عما جرى في جزيرة العرب عظيمة الشأن جدًّا، ومن رأيي أنها داعية إلى الارتياح أيضًا، ومما يزيدها وقعًا في النفوس أنها حدثت على حين غرة وبلا انتظار؛ أما كونها خطيرة الشأن فلأن كل ما يختص بالمواطن المقدسة يثير اهتمام العالم الإسلامي كله تقريبًا، وأما كونها داعية إلى الارتياح فلأن في العمل الذي قام شريف مكة وسائر المشتركين معه دليلًا على ثقتهم التامة في الإعلان الذي أصابت حكومة جلالة الملك في نشره في أول الحرب، وهو أنها لا تنوي الدخول في شئون إدارة أهل الحجاز أو استقلالهم.
قلت إن هذه الحركة لم تكن منتظرة، ومع أن جزيرة العرب كانت في حالة ثورة مزمنة في السنين العديدة الماضية، فلو سئل المطلع على شئون الشرق لَنَفَى احتمال حدوث ثورة فيها، وقد كانت ظواهر الحال تدل على أن الفوز الذي أحرزه الأتراك (العثمانيون) في كوت الإمارة يكفي لخنق فكرة الثورة في بلاد العرب قبل اكتمالها، ولكن الحقيقة جاءت مناقضة لها، فكان لنا من ذلك عبرة جديدة تضاف إلى مئات من العبر التي تقدمها، وهي أنه يستحيل على الأوروبي أن ينبئ بما سيقع في الشرق؛ إذ جل ما نعرفه عنه هو أن نتوقع فيه حدوث غير المنتظر وما ليس في الحسبان.
وعقبه اللورد بريس، فسأل عن صحة ما روته الصحف من أن شريف مكة دمر قسمًا من سكة الحديد شمال المدينة المنورة، وقال: «إني أود الوقوف على أحوال بلاد العرب ولا سيما سورية، تلك البلاد التعسة التي حلت بها المجاعة وتفشت فيها الأمراض بسبب جور الحكومة الاتحادية وما ابتدعته من المظالم التي لم يسمع بمثلها من قبل.»
فأجاب المركيز كرو بما يأتي باسم الحكومة قال: «لا يسعني أن أزيد على ما نشرته الصحف عن سير الحال في جزيرة العرب شيئًا يُذْكَر سوى أن حكومة جلالة الملك لم تُؤْخَذُ بأخبار بلاد العرب على غرة، فقد كانت خطة الحكومة من أول الأمر إلى آخره وجوب المحافظة على الأراضي المقدسة في الحجاز والعراق العربي تحت سلطة إسلامية، على أنه لما ظهر أن الحكومة العثمانية أخذت تضيع منزلتها كالدولة الممثلة للدين الإسلامي والعالم الإسلامي الحقيقي بفعل النفوذ الأجنبي والسيطرة الألمانية، اتضح أن حدوث ثورة كالثورة التي جرت الآن لم يكن بعيد الاحتمال؛ فإن الحكومة العثمانية أخذت تضيع حقها كممثلة للإسلام منذ مدة طويلة؛ ولذلك لم يَبْقَ مجال للدهشة والاستغراب مما قام به قوم يعدون أنفسهم الممثلين الحقيقيين للدين الإسلامي.»
قال: «ولا يسع أحد منا أن يردع نفسه عن العطف والميل إلى أولئك الذين يفرغون قصارى جهدهم في نزع النير الأجنبي عنهم.
أما العامل الآخر الذي يحملنا على العطف على المساعي التي يبذلها العرب لتحرير أنفسهم من ربقة السيادة التركية، فهو أن هذه الحرب أثرت في موسم الحج تأثيرًا عظيمًا أوجبته الضرورة الحربية على كره منا، وقد كان ألوف وألوف من رعايا جلالة الملك يحجون من الهند وما ورائها شرقًا إلى المواطن المقدسة، ويُحْتَمَل أن ما جرى الآن يسهل إعادة موسم الحج الذي قضت الضرورة بالدخول في شأنه بسبب حصر الموانئ العثمانية على سواحل جزيرة العرب وينشطه تنشيطًا عظيمًا.
وليس عند الحكومة ما ينفي صحة خبر تدمير سكة حديد الحجاز، ولكن ليس لديها أخبار أو معلومات أخرى بهذا الصدد.»
واستطرد الكلام إلى سورية فقال: «إن عند الحكومة ما يؤيد صحة الأخبار عن حالتها المفتتة للأكباد، فإن الأتراك أطلقوا تحت جمال باشا عقال الجور فيها، ومدوا يد الشدة والقسوة إلى أعيان السوريين الذين وقعت عليهم الشبهة عند الحكومة الاتحادية، وقد أُعْدِمَ عشرون على الأقل من أصحاب المكانة والوجاهة ونُفِيَ كثيرون سواهم أو سُجِنُوا، وعلاوة على ذلك أن في سورية الآن تلك الحالة المرعبة التي أشار إليها اللورد بريس. فقد ضرب الأتراك نطاقًا محكمًا على لبنان وأخذوا يجوعون أهله بهذا الحصر ويحرمونهم من حاجيات المعيشة، وقد خاطبت الحكومة الأميركية الحكومة العثمانية — أو هي تخاطبها الآن — مشيرة إلى ما في هذا العمل من المخالفة للسير المعتاد الذي تجري عليه الحكومات المتمدنة.
ولكن يصعب أن نفكر بطريقة أخرى تمكننا من تفريج كربة هذا الشعب التعس.
ولا غرو إذا قلقنا أشد القلق لسوء المصير الذي يحيق بأهل سورية بعد الذي رسخ في الأذهان مما حل بأرمينية، وأن الفرنسويين الذين يهتمون بمصير مسيحيي سورية أشد اهتمام يهمهم مصير المسلمين السوريين أيضًا، ومن البديهي أن مستقبل سورية يشغل بال الحكومة جدًّا، ورجاؤها الوحيد أن الفوز الذي يمكن إحرازه في أنحاء العالم المختلفة من الوجهة الحربية قد يساعد على حل هذا المشكل.
وقد ظهر الآن أن الأتراك هاجموا كربلاء وأطلقوا النار على أحد مشاهدها، ويُسْتَنْتَجُ من ذلك أن الجانب الأكبر من العرب سكان تلك الشقة في العراق العربي معادٍ للحكومة التركية وناقم على حكمها.»
إن الخبر المدهش الذي أُذِيعَ اليوم عن أن عرب الحجاز طردوا الأتراك من مكة المكرمة وأعلنوا استقلال بلاد العرب سيكون له أعظم وقع في العالم الإسلامي، ويحدث هزة في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد استولى العرب أيضًا على جدة ميناء مكة، وسلمت حاميتها التركية إليهم، ودانت لهم مدينة الطائف الواقعة على مسافة سبعين ميلًا إلى الجنوب الشرقي من مكة وهي الآن في قبضة يدهم.
وحاصر العرب الآن المدينة ثاني الحرمين الشريفين؛ حيث قبر نبي المسلمين، والأدلة متوفرة على أن الثورة العربية أخذت تمتد وراء الحجاز ويتسع نطاقها.
وزعيم الحركة العربية الحاضرة سيادة شريف مكة، ولا نخطئ إذا استنتجتا أن لأنجاله الموصوفين بالمقدرة والكفاءة يدًا كبيرة فيها، أما «الشريف الأعظم» فهو أمير مكة الحقيقي، وقد كان له دائمًا نفوذ كبير وسلطة واسعة في غرب شبة جزيرة العرب وأوسطها، وهو سليل بيت إمارة متحدرة من نبي المسلمين، ووظيفته زمنية ومصطبغة بالصبغة الدينية. ومع أن سلطان تركيا كان يعين أشراف مكة في عقود السنين الأخيرة، فإن معظم هؤلاء الأشراف كانوا يتمتعون بشيء كثير من الاستقلال، والمسلمون يحترمون شريف مكة احترامًا عظيمًا؛ لأنه من عترة النبي وصميم قريش قبيلة النبي.
وعندنا أن الثورة التي شبت نارها في مكة تقدمتها فتنة مثلها في كربلاء بالعراق العربي، وهي مدينة يجلها الشيعة لاحتوائها على قبر الحسين سبط النبي، والمفهوم أن الأتراك طُرِدُوا كلهم منها.
وليست هذه أول مرة انتُزِعَتْ فيها الولاية على الأراضي المقدسة من يد الترك العثمانيين الذين ادعوا حق الولاية عليها منذ أربعة قرون فقط، فقد قام منذ مائة سنة الوهابيون الذين راموا إحياء شعائر الدين الإسلامي القديمة وطردوا الأتراك من الحرمين الشريفين وسائر شبه جزيرة العرب وكربلاء أيضًا.
واعترض للترك منذ حاولوا بسط سيادتهم على شبه جزيرة العرب فتن متوالية وثورات متعاقبة، اضطروا إلى قمعها وإخماد نارها بسوق الجيش وإراقة الدماء، ولم يتسن للترك غزوة ولاية اليمن إلا في سنة ١٨٧٢، ومع ذلك لم يتمكنوا من تدويخها، وقضوا تلك السنين الطوال يحاربون أهلها حربًا عوانًا لم تخمد لها نار.
وقام العرب في سنة ١٩١٣ على الحامية التركية في الحسا وطردوها من تلك الأنحاء ذليلة مهانة، فالتجأت إلى باخرة بريطانية كانت منحدرة في خليج العجم فنحت.
أما في بلاد العسير جنوبي الحجاز تمامًا فقد ثار السيد الإدريسي منذ سنة ١٩٠٩، وشق عصا الطاعة على تركيا ونادى باستقلاله.
ولا نعيد في هذا المقام ذكر الحوادث المتقدمة، وهي قليل من كثير مما جرى في بلاد العرب؛ إلا لنظهر أن ما يجري في مكة والمدينة الآن ليس إلا النتيجة الكبرى للأميال التي انقضى عليها زمن طويل، وهي تنمو وتتأصل في نفوس العرب وتتعاظم تدريجيًّا.
وقد أنبأت التيمس بحدوث هذه الحوادث في مقالة افتتاحية نشرتها في ٢٠ أغسطس سنة ١٩١٣ أشارت فيها إلى تجدد القوة العربية وملازمة الضعف للترك في شبه جزيرة العرب، وقالت إن طرق الحرمين الشريفين «باتت الآن تحت رحمة زعماء العرب المنصورين.»
وللثورة التي شبت نارها الآن في الحجاز عاملان؛ أحدهما كان يعمل منذ قرون عديدة، والآخر منذ سنوات، أما العامل الأول فهو أن العرب لم يذعنوا لحكم الترك ولا تمكن الترك من تدويخ بلاد العرب وإخضاعها إخضاعًا حقيقيًّا، ولم يمد عبد الحميد سكة حديد الحجاز إلى المدينة إلا توقعًا لقيام العرب يومًا وانتزاعهم الأماكن المقدسة من الترك مرة أخرى، فأنشأ هذه السكة ليتمكن من نقل الجنود بها إلى الحجاز على جناح السرعة وبأعظم عدد ممكن.
أما العامل الثاني وهو الأهم، فهو أن جماعة المتآمرين الذين استبدوا بالحكم في تركيا جحدوا الدين الإسلامي وارتدوا عنه، فلما اشتد ساعد عصابة الغجر الغرباء والملحدين المسيطرين على الجمعية الاتحادية ثبت حينئذ أنه لا بد للمسلمين الحقيقيين في بلاد العرب الذين أكبر زعمائهم شريف مكة من طرد الترك من مكة المكرمة.
ولما رأى الناس في الخريف الماضي أن تركيا زال كيانها كدولة، وأن أنور باشا وزملاءه باعوا البلاد للألمان وقبضوا ثمنها ذهبًا وهاجًا، وأن الضباط البروسيين صاروا الوراثين الحقيقيين للسلطة التركية وقد استأثروا بالسيادة كلها؛ اتضح لهم أن آخرة تركيا دَنَتْ وأجلها قرب.
وكان لتركيا مقام في العالم الإسلامي واحترام في نفوس المسلمين لما كانت متمتعة باستقلالها، ولكنها بعدما صارت ولاية ألمانية وصار وزراؤها يتلقون الأوامر من برلين جهارًا أضاعت سلطتها وهيبتها وقضت على نفسها بنفسها.
وقد أنبأ أغا خان بما سيقع من الحوادث في رسالته التاريخية إلى مسلمي الهند وسائر الأملاك البريطانية لما شبت نار الحرب مع تركيا، فقال إنه إذا فازت ألمانيا فتركيا تصبح خاضعة لألمانيا ويصير «المقيم» النائب عن إمبراطور ألمانيا الحاكم الحقيقي لتركيا والمشرف على إدارة شئون الحرمين الشريفين، ثم قال: «أما الآن وقد جعلت تركيا نفسها آلة بيد الألمان، فإنها لم تخرب نفسها فقط، بل أضاعت ما كان لها من الزعامة على الإسلام، ولا بد أن يدركها الشر.»
فطرد الأتراك من مكة الآن هو ما قصده أغا خان وعناه بكلامه الآنف الذكر، فقد أنكر العرب الذين نقموا للإسلام ثأروا له ما يدعيه الترك لأنفسهم من حق السيادة وخدمة الحرمين الشريفين.
والواجب علينا أن لا نغفل الوجهة الزمنية من هذه الثورة الغريبة، فإن للعرب أسبابًا عديدة عظيمة الشأن للشكوى، فقد عوملوا في سورية أخيرًا معاملة تقشعر منها الأبدان وعلى آخر طرز ابتكرته القرائح الألمانية من أساليب الجور والفظاعة، وعلاوة على ذلك أن الأتراك عكفوا في كل مكان دخلوه في بلاد العرب على ضرب الضرائب الباهظة وجمعها وابتزاز أموال الناس، ولم يحسنوا حكمه ولا أعاروا إدارة شئونه أقل التفات، فالحركة العربية القومية ليست إلا نتيجة مباشرة لسوء الحكم والعسف، والمرجح أن الذين قاموا بها اغتنموا فرصة فوز الغرندوق نقولا في أرمينية فهبوا إلى الثورة.
إن زعماء العرب موصوفون بالفطنة والحصافة، وآراؤهم السياسية صحيحة، وأحكامهم فيها بوجه الإجمال صائبة سديدة، فلم يُخْدَعُوا بانسحابنا من الدردنيل ولا بالحادث المشئوم الذي اتفق لنا في كوت الإمارة، بل رأوا النبوءة بقرب زوال تركيا مسطورة على لوح القدر، فاتخذوا لذلك عدتهم، وعمدوا إلى التدابير التي أقروها منذ زمن طويل لمثل هذا الأوان.
وإذا نظرنا إلى ما جرى في الحجاز حتى الآن من الوجهة الزمنية ألفيناه من شئون العرب البحتة ومسائلهم الداخلية، أما إذا نظرنا إليه من الوجهة الدينية فإننا نراه يهم العالم الإسلامي أيضًا، ولكنه لا يتعداه إلى سواه.
وقد أعلن الحلفاء في أوائل سنة ١٩١٥ إعلانًا قاطعًا فاصلًا أنهم لا يدخلون في المسائل الإسلامية التي تكون مصطبغة بالصبغة الدينية البحتة، فأحسنوا صنعًا؛ لأن مثل هذه المسائل التي تؤثر في أمر الولاية على المواطن الإسلامية المقدسة قد تؤدي إلى مشاكل عويصة عظيمة الشأن.
ولا بد لنا في الختام من التنبيه إلى أمرين؛ أولهما: أنه وإن يكن العرب قد استولوا على مكة فقد بقي عليهم أن يحافظوا عليها، فإن للأتراك عددًا كبيرًا من الجنود المحشودة في فلسطين، ثم إن قبائل العرب كانت تنقصها روابط التآزر والاتحاد في القرون العديدة الماضية، وعليها أن تبرهن الآن على اجتماع كلمتها وشدة اتحادها وتآزرها ونبذ عوامل التفريق بينها.
أما الأمر الثاني: فهو أن الواجب على صحف هذه البلاد — بريطانيا العظمى — أن تراعي الحذر والاحتراس وعدم الاندفاع في ما تعلقه على الأخبار التي تصل إليها من بلاد العرب، فلا تحاول أن تؤول البلاغات والأنباء بأكثر مما تتضمنه حقيقة أو تسوغه الحال في هذا الأوان؛ لأن كل كلمة لا يُعْنَى بكتابتها العناية التامة يصل صداها إلى الشرق وتترك فيه أثرًا في الأذهان.
فرنسا والعرب
أبشركم بسرور لا مزيد عليه بوصول الوفد الإسلامي الفرنساوي المؤلف من ملكيين وعسكريين، فقد استقبله الأهالي استقبالًا فخيمًا يليق بمقامه، فأهلًا ومرحبًا به، وإنا لنشكر من صميم الفؤاد الذين أوفدوه إلينا، ونعرب للأمة الفرنسوية عن إعجابنا بعملها في هذا الوقت الذي تدافع به هي وحلفاؤها عن المدينة وحقوق الأمم، وما خلا ذلك فإن التاريخ لأكبر شاهد على العواطف الكريمة التي أظهرتها الأمة الفرنسوية للإسلام والمسلمين؛ لهذا أتمنى من صميم فؤادي دوام هذه العواطف، وأعرب لحضرتكم عن أخلص عواطفي لشخصكم الكريم وللأمة الفرنسوية.
حسين
عن قصر الإليزه في باريس
إلى صاحب العظمة الحسين بن علي شريف مكة المكرمة وأميرهاإنني أشكر لعظمتكم تفضلكم بذاتكم بإخباري عن وصول الوفد الذي ندبته إلى عظمتكم حكومة الجمهورية الفرنسوية، ولم يكن عندي أدنى شك بالمقابلة الودية التي أقمتموها له، وليكن لعظمتكم تمام الثقة بأن الأمة الفرنسوية تتمنى بمنتهى الإخلاص النصر المبين لجيوشكم، وإني أشاطرها بنفسي هذه العواطف، وأتمنى لعظمتكم الفوز.
رايمون بوانكاره
إن الفوز الجديد الذي أحرزته جنود الشريف حسين1 وسع الدائرة التي قامت على أسس ثورة مكة، معيدة استقلال العرب. ولم يعترف أمراء مكة بسلطة الحكومة العثمانية إلا رغبة منهم بتعزيز شأن الإسلام؛ لذلك أبوا اليوم أن يخضعوا لنفوذ حركة تركية بيعت للأجنبي يديرها أناس أصحاب بدع وزندقة، فلما رأى الشريف الأعظم الذي يسميه العرب «ابن النبي» الواقف على مجاري السياسة في العالم ضغط يد الألماني على الأستانة، وأن هذه اليد تزداد عليها ضغطًا يومًا فيومًا؛ بدأ يحاذر المطامع الألمانية التي استكشفها تحت ستار مواثيق الحاج غليوم2 الكاذبة، فبدأ منذ ذلك العهد الجديد الذي حمل إمبراطور ألمانيا شيخ إسلام الأستانة عليه، ولكنه بدأ ضد الأتراك عبيد ألمانيا وأذلائها لا ضدنا.إن الحركة العربية التي بدأت في مكة ذات شأن على رغم كونها محلية إلى الآن، والفوز الذي يؤيد هذه الحركة التي قام بها شعب مظلوم ويدعمها ينزع من يد سلطان الأستانة النفوذ الذي أكسبه إياه بسط نفوذه على أرض الحجاز، فالسلطنة العثمانية التي كُسِرَتْ في أرمينيا والتي ستُقْطَعُ صلاتها غدًا بأوروبا أخذت منذ اليوم تتهدم في جهة الجنوب من بلادها، فالثورة تتمخض اليوم في صدور العرب الأبية بعد أن لبثت منذ قرن مضى؛ أي منذ ثورة الوهابيين تظهر للوجود حينا بعد حين في ثورات اليمن المتوالية.
لقد استعادت أرض الحجاز المقدسة استقلالها، وتبادل الأمير حسين الشريف الأعظم الرسائل البرقية مع رئيس حكومة الجمهورية، وهي توازي الاعتراف بهذه الحكومة الإسلامية الجديدة صديقة فرنسا، فقد شكر الشريف حسين رئيس الحكومة على إرسال البعثة الإسلامية الملكية العسكرية التي ذهبت لتحييه ولتعرب له عن صداقة فرنسا للعالم الإسلامي وإخلاصها له. ويستطيع المسلمون اليوم زيارة مكة المكرمة أحرارًا بعد أن ارتفع عنها نير الاتحاديين. ففرنسا مسرورة في الإعراب عن صداقتها لهم بمساعدتهم على الحج، وفي تحية الشريف حسين تحية الرئيس الديني والمدني الذي أعاد إلى قلب بلاد العرب حكومة عربية مستقلة، لا تزعجها أية مداخلة أجنبية وأي نفوذ خارجي.
وأنشأت الطان مقالة أخرى بعنوان «مذابح سورية واستقلال الحجاز» قالت فيها ما خلاصتُه:
«طلبت اللجنة الخارجية في مجلس النواب الفرنسوي من حكومة الجمهورية أن تتخذ التدابير الفعالة لتوقيف الفظائع التي جعل الأتراك يرتكبونها في سكان سورية، في حين أن عرب الحجاز قاموا على الترك وضربوهم ضربة شديدة، وخلعوا النير العثماني عن عاتقهم. فبينما العرب العثمانيون يُضطهدون ويموتون جوعًا ويُشْنَقُون في لبنان ودمشق، نراهم بين جده والمدينة المنورة يعمدون إلى القوة دفاعًا عن حقوقهم. وهاتان الحادثتان مهما اختلفت أسبابهما تعرضان أمامنا الخطة السياسية التي اتبعناها في تركيا، فإن فرنسا التي راعت التقاليد أكثر من العقل والمنطق نهجت في البلاد العثمانية خطتين متناقضتين قبل الحرب، فكانت تدافع عن الأمم المحكومة من جهة، وتعمل على تقوية مركز الاتحاديين المالي من جهة أخرى، ثم إنها جعلت حمايتها لتلك الأمم دينية محضة مراعاة للتقاليد، فرمت بسياستها إلى الدفاع عن لبنان وهي تجهل أحوال سورية وبالتالي أحوال بلاد العرب أكثر من سورية.
ولقد كانت هذه الحماية مذبذبة وغير فعالة، فأدت إلى إيقاع الأمة التي تود حمايتها في المشاكل من غير أن تعمل على توقيتها سياسيًّا واقتصاديًّا، وكنا في تلك الأثناء نوالي عقد القروض مع الاتحاديين الذين أخذوا عن عبد الحميد سياسة اضطهاد العناصر غير التركية التي كانت ولا تزال سببًا في الحروب الداخلية والخارجية أيضًا، فلما أُعْلِنَتْ الحرب الأوروبية أسفنا على الملايين التي أقرضناها للترك، ولكن سبق السيف العذل.
قام الشريف اليوم وأعلن الثورة في الحجاز، فقلقت حكومة الترك لذلك قلقًا شديدًا؛ لأن غاية هذه الثورة الدفاع عن حقوق أمة مضطهدة.
أما السوريون ولا سيما اللبنانيين منهم فلم يساعدهم الحظ على إظهار كفاءتهم في هذه الحرب، وكل ما أصابهم منها أنهم حُوصِرُوا واضطهدوا ونالوا نصيبهم من مصائبها وويلاتها، ومما زادهم شقاء من الوجهة الاقتصادية الحصر البحري الذي اضطر الحلفاء إلى إعلانه لأسباب حربية، فعضهم الجوع بنابه قبل أن يُلْقَوا في غياهب السجون، وقد كان في طاقتنا — على ما يُظَن — أن نخفف ويلاتهم ومصائبهم بواسطة الدول المحايدة أو بمساعدتهم على الخروج من بلادهم بطريق البحر.
وقد صار اليوم المفكرون اللبنانيون وأعيان العرب في دمشق عرضة لما يسمونه بالعدل التركي؛ فتوالت حوادث النفي والشنق بلا انقطاع، وساد حكم الإرهاب البلاد.
زار أنور باشا سورية وبرحها بعدما أصدر أوامره القطعية إلى حكامها بدليل ما نراه فيها اليوم؛ إذ الفعل ينم على فاعله، فلماذا لم نسلح السوريين؟ سؤال كان يحتمل الأخذ والرد يوم كنا نخشى أن تقع الشبهات عليهم، أما اليوم فيجب أن نفكر في إنقاذهم فقط.
إن الحالة في سورية حرجة، وإنكار هذه الحقيقة يدل على التشيع، وقد كان في إمكاننا أن نمنع عن السوريين قسمًا كبيرًا من المصائب التي نزلت بهم لو فكرنا في ذلك قبل الآن؛ إذ لا يكفي أن نقول للعرب إننا نحبكم، بل يجب أن نساعدهم ونشد أزرهم في الدفاع عن كيانهم ومستقبل بلادهم.»
وأنشأ المسيو هربيت الكاتب والسياسي المشهور فصلًا في جريدة «ايكو-دي باري» بمناسبة إرسال البعثة الإسلامية إلى الحجاز قال فيه: «إن فرنسا لا تحاول أن تستعمل حول الأماكن الإسلامية المقدسة أدنى نوع من النفوذ السياسي أو الديني، وأنها ترى لسيادة شريف مكة الحق في الاستقلال التام، وتترك للمسلمين أمر انتقاء الرجل الذي يحق له أن يكون خليفة.»
العرب والدول الأوروبية الأخرى
وقع خبر استقلال العرب أعظم وقع في أوروبا؛ فأعرب القائد الروسي لجيش القوقاس عن سرور جنوده المسلمين بحركة العرب، وأصدرت حكومة بتروغراد أمرها بمعاملة الأسرى العرب العثمانيين معاملة خاصة، وأعربت إيطاليا وسائر دول الحلفاء عن عطف شديد على العرب.
أما المحايدون فقد قابلوا خبر استقلال الشريف الأعظم بارتياح عظيم، واعترفوا بما للعرب من المزايا التي تؤهلهم للاستقلال وتكفل لهم تجديد مجدهم المندثر.
واستولى القلق على الألمان والترك وحلفائهم من جراء الحركة العربية، فقال أحد رجال الترك إن هذه الحركة أكبر ضربة على تركيا أصابت منها مقتلًا. وأنشأ الكاتب الألماني الشهير الهرمكسميليان هاردن فصلًا سياسيًّا خطير الشأن، تكلم فيه عن ثورة العرب فقال: «إذا تمكن الأمير حسين شريف مكة من استمالة العرب إليه، فإن إرادته تصبح أمرًا مطاعًا لا يُخَالَفُ ولا يُنَازَعُ في سورية والعراق وطهران وأصفهان وأفغانستان، ويقضي على نفوذ ألمانيا في الشرق القضاء المبرم.»
وقال كاتب كبير مقيم في سويسرا: «وصلت الأخبار إلى هنا — سويسرا — بأن جمال باشا أصبح في وجل وخوف لا مزيد عليهما من النهضة الحجازية، خصوصًا بعدما يئس من مساعدة الأستانة له بالجيش، فقد طلب عشرين ألف جندي للمحافظة على سوريا، فجاء الجواب برفض طلبه؛ لأن الأستانة لا تستطيع أن تستغني عن جندي واحد، ولأن الذخيرة والمدافع قليلة جدًّا.
وقد بحثت مع كثير من الاتحاديين الموجودين في سويسرا، ومن جملتهم جاويد بك وأحمد رضا بك ورفعت باشا، فوجدتهم مقدرين أهمية الحركة العربية وعالمين بأنه لا يقف شيء في طريق وصول العرب إلى الاستقلال.»
المسلمون واستقلال العرب
إن المسلمين الهنود يرقبون سير ثورة العرب في الحجاز باهتمام لا مزيد عليه، وهم يرجون أن يتمكن سيادة الشريف الأعظم من تأمين طريق الحج، والمسألة التي تشغل بال المسلمين الهنود هي: هل يفوز الشريف حسين ببسط سيادته الزمنية على البلاد؛ لأن مسلمي الهند يحترمون السلطة الزمنية كالسلطة الروحية.
نحن شبان البوسنة والهرسك المسلمين راضون بالإجماع عن عمل الشريف حسين أمير مكة المكرمة، ونبرر قيامه على الاتحاديين الذين سببوا خراب البلاد الإسلامية وهلاك أهلها في سائر الأنحاء باتخاذهم سياسة عوجاء تضر بمصالح الإسلام والمسلمين، وقد رأينا من الواجب إظهار اعتمادنا وموافقتنا لجميع الوسائل التي يتخذها سيادة الأمير لتحقيق شعائرنا الدينية وحفظ كيان الإسلام الذي يتلاعب به فتيان الترك، ونرى أن ما عمله الاتحاديون الملاحدة المارقون لشد أزر الدولتين التوتونيتين عار علينا وعلى الإسلام.
وليس لتركيا أدنى عذر تبرر به تهورها بإعلان الجهاد في مصلحة الدولتين الجرمانيتين اللتين تُحْسَبَان عدوتين للإسلام، فهي إذن مسئولة عن سياستها العوجاء أمام سيادة الشريف والعالم الإسلامي، ونحن نعلم الأساليب التي تحكم بها الحكومة الجرمانية رعاياها، ونعرف تلاعبها بأمورنا الدينية.
ولا يسعنا إلا الهتاف للأمة العربية التي نهضت للدفاع عن حرمة الدين القويم ولإغاثة المسلمين. نسأل الله أن يوفق الشريف حسين وجميع الأبطال القائمين لنصرة كيان الدين. فعليه نرى من الواجب إظهار إخلاصنا وعواطفنا للذين يبذلون أثمن ما عندهم للدفاع عن مبادئ حرية الأديان والشعوب.
سيدي، إني أرفع لجنابكم العالي بالله ما أمرني به جلالة أميرنا المؤيد سلطان المغرب مولانا يوسف ابن السلطان مولانا الحسن: بعد التهنئة لمقامكم الرفيع الجليل، وتأدية التحيات اللائقة بمنصبكم الأسمى الملحوظ بعين الاحترام والتبجيل:
فإني بحسب النيابة عن جنابة الشريف أعرب لكم بلسان العجز عما داخله من السرور باسترجاع السيطرة العربية إلى مقرها الأصلي، باستقلالكم التام، مجددًا الروابط الودية والتذكار فيما سلف لسلفه الطاهر مع سلفكم الطاهر من المصاهرة.
فأرجو من حضرتكم قبول احتراماتي وتشكراتي لجنابكم في الإشارة بما يناسب في النظر في الوقف الذي عزمت الحضرة الشريفة على إبرامه وفق ما تشيرون به بعد المفاوضة فيه مع جنابكم الشريف ورئيس الوفد والخديم.
وها كتاب مولانا — أيده الله — مزفوف لسيادتكم بكل سرور، فاقبلوا هديته المباركة، ولكم مزيد الشكر ودوام الجود.
أيها الأمير الخطير
لقد كان لاستقلالكم رنة عظيمة بين جميع طبقات المسلمين بأفريقية، وقد أسرع سمو مولانا — دام عزه وعلاه — سيدنا ومولانا محمد الناصر باشا باي صاحب المملكة التونسية بتبليغ واجب التهاني. وأصدر للعاجز إذنه المطاع في تأسيس حبس من خزينته الخاصة على بيت الله الحرام، وأرى نفسي من السعداء لمباشرة هذا المشروع المحمود، وأرجو من حضرتكم السامية ومن همتكم الهاشمية أن تأمروا من يرشدنا لما عسى أن نحتاج إليه من الإرشاد حتى يحصل المراد.
فأجاب سيادة الشريف الأعظم أعضاء الوفد الكرام بخطبة مرتجلة قال فيها:سيدنا ومولانا الأمير
مما يحق أن يُذْكَر فيُشْكَر ويُحْمَد أمره ولا يُنْكَر ما نهضت به حضرة سيدنا الأمير الموفق المنيف شريف مكة المشرفة الجامع بين كمال السياسة الدينية والدنيوية بإتقان معرفة مولانا الحسين الذي أقر الله به للإسلام العينيين — دامت راياته بالنصر خافقة، وآياته باهرة باهية متناسقة — وذلك بنهضته في الحجاز لحفظ شعائر الإسلام واتخاذ الوسائل في تأمين البلد الحرام.
وإن أجل من اعترف لحضرته بهذه الفضيلة التي قام بها أحسن قيام وسلك من الطرق فيها ما يبلغ المسلمين المرام بحفظ سيطرة الأمة العربية ذات النفوس الأبية؛ هم رجال الدولة الفرنسوية الفخيمة التي هي أم المدنية والإنسانية.
وقد شرفنا فخامة رئيس جمهوريتنا بالمثول بين يديكم الكريمتين مع بقية الوفد الذي بمعيتي للتشرف بملاقاتكم الفخيمة؛ لتبليغ مراسم التهاني الصادرة من صميم الأفئدة الدالة على خلوص المودة القلبية في استرجاع حقوق أسلافكم الكرام إليكم في منابعها الأصلية.
وإن نهضتكم المشكورة والإعلان باستقلال حضرتكم المبرورة قد أخلا سرورًا كبيرًا على دولة فرنسا؛ حيث رأت في ذلك حسم مواد المظالم الفادحة التي ارتكبها ذوو الأغراض من حزب فتيان الأتراك الذين استحوذ عليهم حزب الشيطان وغرهم، حتى نبذوا وراء ظهورهم الإيمان، ونظروا للعرب أينما كانوا بعيون البغض، وأملوا محو اللغة العربية ونفي أهلها من كل أرض، وما قصروا بالعتو في تخريب القصور والديار، وفتكوا بأجلة أحرار أبرار، ومدوا يد التعدي لكل عائلة محترمة مع هتك الحرمات المعظمة، مثل عائلة الأمير عبد القادر الجزائري بشنق بعض أفاضلهم، وعدم توقير ضريحه، وغير هذه الفعال الشنيعة التي يأباها الدين وتمجها الإنسانية والمدنية إلى يوم الدين.
ولكن جرت عادة الله في الخلق بالانتصار لأهل الحق من أحياء وأموات على طول الأوقات، فكان الانتقام من هؤلاء الأحزاب المعتدين بما مد الله به حضرتكم السامية من النصر المكين والفتح المبين.
وقد أثرت هذه النهضة الجنسية في نفوس الملايين من المسلمين الساكنين بإفريقيا الذين تحت ظل حماية هذه الدولة الموقرة للأمة الإسلامية والمحترمة للعوائد الدينية، بما جبلت عليه من المدنية والإنسانية سرورًا وحبورًا ما عليه من مزيد.
وهؤلاء المسلمون كلهم كانوا في كدر خشية حدوث حادث في هذه الديار المقدسة مما تقتضيه الظروف الحربية، وقد نشطوا وفرحوا واستبشروا وانشرحوا بنهضتكم القويمة التي تحقق فيها تحرير القطر الحجازي بوجودكم من كل مداخلة أجنبية.
والشاهد على ما حصل لهم من السرور الذي انشرحت به الصدور:
- أولًا: ما شاهده مولانا من مثول أعيان هذا الوفد بين يديه لأداء حقوق التهاني المبنية على أقوم المباني.
- ثانيًا: أن جمًّا غفيرًا من أعيان مسلمي قطر الجزائر وتونس والمغرب الأقصى ممن تحت ظل حكم الدولة الفرنسوية قد تاقت نفوسهم إلى حج بيت الله الحرام والتشرف بالوقوف بين الركن والمقام؛ فأعلنوا للحكومة بمطلوبهم، فسُوعِدُوا منها في الحين بكمال مرغوبهم؛ فهيأت لهم المراكب الحسنة، ووقفت معهم أتم وقوف على طريقة مستحسنة؛ لما لها من الاحترام لعقائد المسلمين وديانتهم والاهتمام بإدخال السرور عليهم في عادتهم وعبادتهم، وسيرد في الأثر هؤلاء المسلمون في كمال ونشاط وارتياح، وقد أُخْبِرْتُ أمس أنهم حلوا جدة المحروسة بسلامة حلول احتلال وكرامة.
ولا بأس أن نقول في الختام لسيدنا الأمير الهمام بأنه في قريب بحول الله يشاهد النصر النهائي في الحالة الحاضرة، بجانب الدول المتمدنة المتحدة المؤيدة للإنسانية بالحقوق الخفية والظاهرة المادية يد المساعدة للمسلمين الضاربة على يد من صير المغرور منهم في ضلال مبين. ولا شك أن الباغي باغر وسوف على الباغي تدور الدوائر.
ونسأل الله لمولانا الشريف التأييد المبين على ممر السنين، ويمد في عمره البركة، ويديم سلامته في كل سكون وحركة.
آمين آمين لا أرضى بواحدةحتى أضيف لها آلاف آمينًا
أكرر الآن الترحيب بالوفد وموفديه، وأشكركم على تجشمكم العناء في القدوم إلينا، ثم أقول: «إن نهضتنا التي أشرتم إليها إنما قامت لتأييد الحق ونصرة العدل وإعزاز كتاب الله وإحياء سنة رسوله ﷺ، ولم أرد لنفسي زيادة جاه وثروة في هذه الدنيا بعد أن كنت حاصلًا على كل شيء من ذلك، ولو أردت الدنيا مع المسايرة في إغماض العين عما يستلزمه حق الإنسانية والإصلاح لما امتنع عليَّ شيء منها، وها إني أشهدكم وأشهد الله بأني مستعد لأن أضع يدي في يد كل من يرى فيه المسلمون الكفاءة للقيام بأعباء هذا الأمر.
وإني لم أكن أخشى شيئًا غير أن يسيء أحد من المسلمين الظن بهذه النهضة لعدم وقوفهم على حقيقتها فيفسروها بغير الواقع، ولكن أقوالكم السديدة قد طمنتني من هذه الجهة، فاستبشرت بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن النية الخالصة لا تخفى على أحد مهما أراد أعداء الحق إخفاءها.
فالغضب للحق والغيرة على سلامة البلاد وأهلها هو الذي حملني على الجهاد بالنفس والولد والقوم؛ لصيانة كل ما يزيدنا قربًا من رحمة الله ورضاه مما أمرنا الله باتباعه وأوصانا سلفنا الصالح بالتزامه.
من هذا ترون أن أعظم غاياتنا المحافظة على كياننا الديني والقومي، كما صرحت بذلك في منشوري الذي أعربت فيه بالاختصار عن أسباب هذه النهضة ومقاصدها. وإننا سنبذل كل ما نستطيعه للحصول على هاتين الغايتين ومقاومة كل من يحول بيننا وبينهما، وإعداد الأسباب المالية والوسائل الشريفة السامية التي تخلد للمسلمين عامة والعرب خاصة العزَّ والمنعة.
وإننا لا ننسى مزايا الحكومة الفرنسوية الفخيمة ومحاسن أمتها الموقرة وحسن معاضدتها للإنسانية ومؤازرتها للإسلام والمسلمين كما شهد لها التاريخ بذلك في أوقات الشدة والضيق؛ لذلك لا يُسْتَنْكَرُ عليها إذا تلقت نهضة العرب الحديثة بما تستحقه من التعضيد والتأييد كما أشرتم إلى ذلك في خطابكم، وتلك منقبة جديدة لها تُذْكَرُ فتُشْكَر، وإن أعظم دليل حسي أتخذه على ذلك إيفادها حضراتكم إلينا بما تحملونه من عبارات الود والوفاء والنفائس الكريمة، وذلك كما صرحتم لمحض المعاضدة والمؤازرة لحكومتنا الإسلامية، فبلساني ولسان قومي خاصة وبلسان كل من يعرف هذا من المسلمين عامة أعترف لها بهذه اليد اللاحقة لعواطفها السابقة نحو المسلمين، ولتكن حكومتكم على ثقة من ثقتنا بها وبحسن مؤازرتها.
وإننا معاشر العرب والمسلمين قد فُطِرْنَا على أن نمد يدنا إلى كل من يمد يد المصافحة والمصادقة لنا، فنقابل الحسنة بأعظم منها على حسب استطاعتنا، ونعترف بالجميل لأهله مهما تقادمت عليه الدهور، وإذا كانت هذه خطتنا مع حلفائنا الدول الخارجية كما تقضي بذلك شريعتنا المطهرة، فإن سيرتنا مع رعيتنا وساكني ديارنا وأهل ذمتنا على اختلاف الأجناس والنزعات هي سيرة العدل والإحسان التي أمر بها شرعنا وسار عليها أسلافنا، فنال بها المسلمون والعرب في كل زمان حسن الأحدوثة وجميل الذكر.
هذا وإني أشكر لِحَضْرَتَي الأميرين العظيمين جلالة سلطان المغرب الأقصى المعظم وسمو باي تونس المحترم عنايتهما بنهضتنا واهتمامهما بتوثيق أواصر المودة والمحبة، وأحييهما في شَخْصَي حَضْرَتَي ممثليهما الفاضلين. وفقنا الله لما فيه الخير والصلاح والله ولي المصلحين.
هذا ومن مناسك الحج أن يقيم الحجاج في منى المجاورة لمكة المكرمة يوم العيد الأكبر وأيام التشريق الثلاثة بعده؛ لذكر الله وذبح الذبائح التي يهدونها لأهل الحرم، وهي تسمى الأضاحي في غير الحجاز من بلاد الإسلام.
وقد جرت العادة بأن تكون حفلة العيد الأكبر التي يهنئ بها الناس شريف مكة وأميرها بالعيد في أول أيام التشريف؛ لأنه يهبط يوم العيد مكة المكرمة لصلاة العيد وطواف الإفاضة وكسوة الكعبة المعظمة، وهذه الحفلة يحضرها في العادة أميرا المحملين الشامي والمصري وكبراء الحجاج من كل بلاد الإسلام، وكان يُتْلَى فيها الفرمان السلطاني المرسل لشريف مكة مع الأوسمة وغيرها من الهدايا، ففي هذه الحفلة العظيمة من الحج الأخير سنة ١٣٣٤ هجرية ألقى فضيلة الأستاذ السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار الإسلامية خطبة شائقة بين يدي سيادة الشريف الأعظم، جاء فيها على ذكر كثير من الحقائق السياسية التي تهم المسلمين عامة. وهذه خلاصة تلك الخطبة النفيسة:
«أيها المسلمون الكرام، من سكان حرم الله وحجاج بيته الحرام، إنكم تعلمون أن الإسلام دين سيادة وسلطة، وأن شريعته أُنْزِلَتْ ليقيم أحكامها أهله لقوله — تعالى أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ على التأويل المشهور للآية. وتعلمون أن الله — تعالى — قد جعل هذا الدين عربيًّا؛ إذ أنزل القرآن الذي هو أصله وأساسه باللغة العربية على لسان النبي الأمي العربي محمد — صلى الله عليه وآله وسلم. قد بين الله — تعالى — ذلك بقوله: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، فهذه الآية أخص من الآيات الناطقة بإنزال القرآن عربيًّا؛ لأنها مصرحة بأن حكم هذا الدين عربي، مع العلم بأن كتابة المُتَعَبَّد به عربي. وهذه البلاد العربية هي مهد هذا الدين ومهبط وحيه ومشرق نوره، وكان أهلها هم السابقين إلى تلقيه والاهتداء به، ثم تبعهم فيه غيرهم من عرب الحجاز، فسائر هذه الجزيرة العربية، ثم حمله العرب إلى سائر الأقطار، ونشروه فيها، فامتد في الجيل الأول منهم حتى عم نوره الشرق والغرب، وأروا الأمم بإقامة أحكامه من العدل والرحمة ما لم يعرفوا ولم يسمعوا له نظيرًا، كما اعترف بذلك المنصفون من الإفرنج وغيرهم.
طرأ الضعف على السلطة الإسلامية بتفرق الوحدة العربية الكافلة لها وتغلغل الأعاجم في الدول الإسلامية التي تعددت بسبب ضعف سلطة الخلافة، فبعد أن كانت الفتوحات الإسلامية في مد لا جزر معه صارت دول الطوائف الإسلامية بين مد وجزر وقوة وضعف، حتى وصلت الدولة العثمانية منها إلى درجة عالية ومكانة سامية من القوة الحربية وسعة الفتح والتغلب، فسر بها المسلمون، ورضي بعض حكامهم المستقلين بسيادتها طوعًا واختيارًا، كما دخل بعضهم تحتها اضطرارًا، وقد كان أمراء مكة العظام أهل بيت سيدنا هذا (وأشار الخطيب إلى جلالة الملك) في مقدمة من أيد هذه الدولة، واعترفوا بسلطتها وسيادتها؛ لأجل جمع كلمة المسلمين بها، وإعلاء شأن الشريعة الإسلامية بنفوذها (ها هنا قال جلالة الملك للخطيب: صدقت).
ثم إن هذه الدولة قد سرى إليها الضعف ودب إليها الوهن من زهاء ثلاثة قرون.»
وذكر الخطيب لمحة تاريخية سياسية عن الأدوار التي مرت بها الدولة العثمانية إلى عهد عبد الحميد. ثم قال: «وأما سيرة السلطان عبد الحميد فهي معروفة؛ لأن العهد بها قريب، وقد خلعته جمعية الاتحاد والترقي بقوة جند الدولة، واعتقلته، وتولت الجمعية السيطرة على الدولة بعده، فماذا كان من أمرها: هل كانت خيرًا من أولئك السلاطين العظام الذين لم يقدروا أن يصلحوا ملكهم الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم؟ كلا! إن زعماء هذه الجمعية الذين غلبوا الدولة على أمرها هم من الملاحدة المارقين قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بكيد عودتية سلانيك وشركائهم في النمسا وألمانيا أقوى أنصارهم؛ ولذلك نرى أكبر همهم جمع المال، فلا هم على دين هذه الدولة فيغارون عليه، بل هم يقاومونه ويهدمونه، ولا هم من أصل راسخ فيها فيكونون أحرص على حياتها من أبناء سلاطينها وأساطينها.
وإذا نظرنا إلى أعمالهم دون عقيدتهم وآرائهم نرى أنهم قد فعلوا في الدولة من الإفساد والتخريب ما لم يفعله غيرهم فيها منذ أُصِيبَتْ بالضعف إلى أن أصيبت بهم.
ثبت أنهم أخذوا من مال الدولة لنظارة الحربية خمسين مليون جنيه ليجددوا قوتها العسكرية، ثم رأينا دولة البلغار — التي كانت ولاية من ولايات الدولة، ولم يتم لها الاستقلال إلا في عهدكم — قد كسرت جيوش الدولة، وكادت مدافعها في شطلجة تمزق مسامع أهل الأستانة، وكان السبب الحسي لذلك قلة ما عند الجيش العثماني من المؤنة والذخيرة والدواب وسائر أسباب الحرب.
وقد خسرت الدولة في عهدهم المشئوم من الممالك ما لم تخسر مثله في عدة أجيال: خسرت البوسنة والهرسك ببيع الجمعية إياهما للنمسا، وطرابلس الغرب وبرقة ببيعها إياهما لإيطاليا، ومكدونيا وألبانيا وكريت وجزائر الأرخبيل. ونسكت عما خسرته في هذه الحرب من الولايات؛ فقد أضاعوا نصف الدولة في بضع سنين، وحملوها فيها من أثقال الديون ما لم تحمل مثله قبلهم في بضعة قرون، ثم عادوا إلى الأمة فأفقروها كما أفقروا الدولة. فهذا هو الإصلاح الذي خلعوا لأجل القيام به سلطان الدولة وخليفتها عبد الحميد وحجروا على خلفه من بعده!
فيا أيها المسلمون الغيورون المبصرون، إذا كان قد ثبت من تاريخ الدولة الرسمي بما ذكرته لكم من شواهده أنها كانت ضعيفة يُخْشَى عليها من الزوال قبل هذه الأرزاء والمصائب التي مُنِيَتْ بها بشؤم هذه الجمعية، فكيف يكون حالها الآن وقد اصطلت بنار هذه الحرب وتعرضت لعداوة أكبر دول الأرض؟!
إن سواد المسلمين الأعظم يغارون على هذه الدولة ويتمنون لها دوام الاستقلال وكمال القوة للسبب الذي بيناه في فاتحة الكلام، ولكن يقل في المسلمين من يعرف حقيقة حالها وكنه الخطر الحائق بها، ويقل فيمن يعرف ذلك من يسعى لتدارك ما يترتب على هذا الخطر إذا وقع؛ من فقد الإسلام لما بقي من أحكام شريعته، وحرمان المسلمين من آخر ما كان لهم من الاستقلال السياسي على علاته.
لم نر أحدًا من زعماء المسلمين وكبرائهم قدر الحال الخطرة التي وصل إليها الإسلام قدرها وانبرى لتداركها، إلا هذا الرجل العظيم (وأشار إلى جلالة الملك)؛ فإنه رأى أن الدولة — وهو أعلم أهلها بحالها — قد أمست على شفا جرف، وأن ملاحدة الاتحاديين قد اتخذوا الأحكام العرفية والقوة العسكرية ذريعة للتنكيل بالأمة العربية بتقتيل رجال الفكر والعمل، ومصادرة أموال أهل الثروة؛ حتى لا يبقى فيها رجاء في عامل ولا عمل، فانتدب لتدارك الخطب ومصارعة الخطر بنفسه الكريمة وأنفس أنجاله النجباء، ولو استطاع أن ينقذ الدولة نفسها من الخطر لفعل ولو بذل في ذلك دمه ودم هؤلاء الأنجال الكرام (هنا قال جلالة الملك للخطيب: صدقت).
لكن العمل لإنقاذ الدولة نفسها من الخطر قد أصبح فوق طاقته وطاقة غيره (صدقت)، فرأى أن يبدأ بالمستطاع وهو إنقاذ الحجاز مهد الإسلام ومشرق نوره مما نزل به من البلاء والشقاء، ثم إنقاذ غيره مما يمكن إنقاذه من البلاد العربية؛ ليكون ذلك بيئة لحفظ الاستقلال الإسلامي وعدم زواله بما يُخْشَى ويُتَوَقَّعُ أن يحل بالدولة العثمانية والعياذ بالله — تعالى.
ولا يخفى على ذي بصيرة أن الاتحاديين ما حشدوا الألوف من جيوشهم في الحجاز إلا بنية سيئة؛ لأنهم يعلمون كما نعلم أن أعداءهم من الحلفاء لا يحاولون الاستيلاء على الحجاز ولا يحاربون أهله، فكان من المعقول أن يرسلوا تلك الجيوش إلى قتال أعدائهم الروس وإنقاذ ما فتحوه من الولايات التركية، ولكن التنكيل بالعرب أهم عندهم من دفع الروس عن عقر دارهم، ولو تم لهم ما أرادوا لرأينا من فظائعهم في الحجاز ما هو أشد من فظائعهم في الشام (تصديق).
نعم إن الحلفاء لا يحاربون الحجاز، ولكن وجود الجيوش الاتحادية فيه ألجأهم إلى ضرب الحصر البحري على ثغوره، فضاقت المعيشة على أهله حتى باعوا حليهم وأثاثهم وأبواب بيوتهم وخشب سقفها، ولو طال عليهم أمد ذلك سنة أخرى لأكلتهم المجاعة وما يتبعها عادة من الأوبئة (تصديق).
أعلن سيدنا هذا استقلال العرب في الحجاز، والحاجة قد اشتدت إليه حتى وصل إلى حد الضرورة، وما كان ليوجد في الأمة العربية ولا الأمة الإسلامية كلها من آتاه الله من البصيرة والشجاعة والثقة بالله والتوكل عليه ما ينهض به للقيام بهذا العبء العظيم، ولولا ثقته بالله وتوكله عليه لما تجرأ على ذلك؛ لأننا كلنا نعلم أنه لا يوجد في الحجاز قوة عسكرية ولا ثروة مالية يعتمد عليها في مثل هذا العمل (تصديق).
كلنا نعلم أنه لا يوجد في الدنيا كلها مكان يصلح لتأسيس دولة إسلامية تخلف الدولة العثمانية إذا وقع بها ما نخشاه عليها إلا جزيرة العرب وما يتصل بها من البلاد العربية لما خص الله — تعالى — به هذه البقعة وأهلها من الخصائص، ولا يعقل أن يُحْفَظَ استقلال الإسلام في مثل بلاد الأفغان إن هو زال من مهده وموطن نشأته ومحل إقامة شعائره. انفردت هذه البقاع الطاهرة المقدسة بأنها أجدر بقاع العالم الإسلامي لإقامة استقلاله، وكذلك انفرد سيدها وأميرها في هذا العصر للنهوض بما يجب من العمل والاستعداد لتجديد هذا الاستقلال، فكان له بعمله أكبر منه في أعناق أهل هذه البلاد وفي أعناق جميع المسلمين الذين يشعرون بأن أمر هذا الاستقلال هو أهم المصالح العامة الدينية والاجتماعية، ولكن منهم من فقد هذا الشعور.
أيها الحجازيون، إن من يكفر لهذا الرجل المصلح المنقذ هذه النعمة فهو أكفر الناس للنعم. أيها المسلمون، يجب أن تعلموا أن هذا العمل أعظم خدمة للإسلام في هذا الزمن؛ فإن الدولة العثمانية إن سلمت من السقوط وحُفِظَ استقلالها لم يكن استقلال العرب في الحجاز وغيره مانعًا من ذلك، ولا من تعاضد العرب والترك مع حفظ حقوق كل منهم، وإن سقطت وفقدت استقلالها لم يكن هذا الاستقلال هو السبب فيه، ولكنه يكون سبب حفظ استقلال الحكم الإسلامي في أشرف بقاع الإسلام. هل يغيب عن أذهانكم أنه لولا إعلان هذا الاستقلال لترتب على سقوط الدولة العثمانية وقوع حرم الله — تعالى — وحرم رسوله ﷺ غنيمة في أيدي الدول الفاتحة، فإن تركوها بعد ذلك لنا كان لهم مِنَّةُ التصدق بهما علينا، وإلا كانا تحت سيادتهم والعياذ بالله — تعالى. وبهذا يتبين لكم أن هذا العمل العظيم الذي قام به هذا الزعيم العظيم قد أنقذ الحرمين الشريفين وما حولهما من الخطر الجسيم، ووضع أقوى أساس لحفظ الاستقلال الإسلامي بإنشاء دولة جديدة له، فله بهذا أكبر منة على جميع المسلمين، وما أقول هذا تملقًا له ولا مدحًا شعريًّا، وإنما الحقيقة البيضاء الناصعة بينتها لكم بالإيجاز الذي يحتمله المقام. والسلام.»
وقد أثنى جلالة الملك على الخطيب ثناء عاطرًا؛ لأنه عبر عن حقيقة أفكاره وآرائه ثم قال: «إن وجودنا السياسي مكفول لنا بالاستقلال التام الذي لا تشوبه شائبة، وإني لواثق بالله — سبحانه وتعالى — من حسن النتيجة وماضٍ في سبيلي، ولو أن هذا العمل الذي أعتقد فيه كل الصلاح لقومي وبلادي وديني يعترضه أحد بسوء ولو كان أحد أولادي لصلبته بيدي غير آسف عليه؛ لأني أحب قومي وبلادي وديني أكثر من كل شيء في هذا الوجود، ولولا هذه المحبة لما نهضت هذه النهضة، وسأبقى مستمرًّا في خطتي غير متزعزع فيها ولا متحول عنها حتى يقضي الله أمره. ولينصرن الله من ينصره.»
ثم أكد سيادته ولاءه لحلفائه ولكل من يساعده على الخير وقال: «إن هذه النهضة عربية تشمل كل عربي كائنًا من كان، على شرط أن يكون صادقًا لوطنه مخلصًا لقومه.»