إخلاص العرب للاتحاديين
موقف أمراء العرب – كتاب للعبرة والتاريخ خطة الأحزاب العربية قبل الحرب الأوروبية وبعدها كتب سياسية سرية من زعماء العرب المشنوقين
* * *
أخلص العرب أمراؤهم وأحزابهم للاتحاديين قبل الدستور وبعده، وأخلصوا لهم بعد الاتفاق الذي أبرموه معهم في أواخر سنة ١٩١٣، وبعد إعلان الحرب الأوروبية أيضًا، والأدلة على ذلك عديدة ذكرت بعضها في الفصول السابقة، وأذكر منها الآن ما يزيده إيضاحًا وجلاء فلا يرده راد ولا ينقضه ناقض.
(١) إخلاص أمراء العرب
لم تَحُلْ أعمال الاتحاديين وفظائعهم دون إخلاص أمراء العرب لهم في زمن من الأزمان، فالحملات التي أرسلوها على أمراء العرب والدماء التي أراقوها في شبه جزيرة العرب لم تقطع تلك الصلة التي رغب العرب في المحافظة عليها حبًّا بالإسلام ورغبة في المحافظة على كيانهم القومي، فإن سيادة الإمام يحيى أبرم معهم ذلك الاتفاق الشهير بواسطة عزيز بك علي، ونفذ كل بنوده بإخلاص عظيم، فخدم حكومة الأستانة خدمًا جلى لا تزال تجني ثمارها إلى اليوم، واتفق الأمير ابن السعود مع حكومة الاتحاديين بواسطة السيد طالب بك النقيب، وقبل على أثر ذلك أن يعين قومندانًا عثمانيًّا على الأحساء، ولا يزال بعض القبائل العربية في العراق مواليًا لها إلى الآن مع كل الفظائع التي اقترفتها في بلادهم، وقد خدمتها تلك القبائل خدمًا عظيمة في هذه الحرب ولولاها لما بقي للاتحاديين أثر في العراق. ولم يكن سيادة شريف مكة جاهلًا لما ينويه الاتحاديون له ولبيته الكريم ومع ذلك فإنه ظل محافظًا على ولائه لهم إلى أن طفح الكأس وتفاقم الخطب وعم البلاء.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن علي الإدريسي إلى جناب المولى الذي هو بالمحامد أولى2 الإمام يحيى حميد الدين، أشرق الله شموس سعده، وأعلى مراتبه على سنن جده، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد تقديم تحيات بين يدي نجوى هذه السطور تهديها إليكم نسمات الوداد ونفحات الإخلاص على أطباق النور، فقد وردت كتبكم الكرام آخرها ما هو بصحبة السادة الأجلاء العلماء الأعلام السيد العلامة صفي الإسلام الصنو أحمد بن يحيى بن قاسم عامر والصنو العلامة العزي محمد بن علي بن أحمد بن حسين الذاري والصنو العلامة الوحيد عبد العزيز بن يحيى بن المتوكل والصنو العلامة العزي محمد بن محمد السرعي الحولي، وقد سرنا وصولهم وشريف قدومهم، وانشرح البال من لطائف علومهم وظرائف فهومهم وتذاكرنا في أبحاث شتى.أما مادة الصلح بيننا وبين الحكومة، فمن أول يوم وما ندعو إليه هو الوفاق، وكلما أرادوا عقد ذلك نقضوه، وكفى بما كان في هذه المدة الأخيرة، فإن المذاكرة حصلت بيننا وبينهم في هذا الموضوع ثلاث مرات، بل أربع — مرات — بعد وصول رسلهم إلينا، فإذا أجبنا بما فيه الوفاق أعرضوا تيهًا وكبرًا واحتقارًا لنا.
فأولى المرات بواسطة محمد توفيق في مجيئه الأخير، فأجبناهم ذاكرين مواد بسيطة؛ لأن في ذلك الوقت لم يكن قد وقع بيننا وبينهم سفك دماء، وتلك المواد هي أن نكون في جهاتنا آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، ضابطين للبلاد من الفساد، مع بقاء مراكزهم، وإليهم تُساق الحاصلات، وعليهم القيام بما يلزم من معاش القضاة والمترددين في مصالح البريات، وأن يبقوا «جازان» برتبة المعتاد، وأن لا يحدثوا زيادة من القوة في البلاد، وأن يفك أمير مكة صالح بن حسن وصاحبه من الحجاج، وأن نتوسط فيما بينكم وبينهم من الصلح، وهذه المواد مما يُضْحَكُ منها؛ لأنها لبساطتها لا تكاد أن تكون مطالب، ولكن أدانا إلى ذلك حب الراحة للبلاد والعباد.
فما كان الجواب إلا بنقيض ذلك، فساقوا تلك القوة التي يقدمها محمد راغب بك ومحمد علي باشا على جازان، وملأوه بالآلاف، وازدادوا عدوانًا على طلب الحجاج لحبسهم، كما وقع في حبس بعض رجال «ألمع» في حج هذا العام، وأشعروا أن العسيري تابع لإمارة حسين بن عون،3 وأرسلوا إلينا بطريق مصر في حين وصول القوة العامة برفق عزت4 أني إن أردت السلامة أفتح لهم الطريق إلى الأمام التي تمر على طرف البلاد التي بيدنا، ففوضنا الأمور إلى الله واستعنا به في مدافعتهم وبحمد الله قد كان ما كان. ثاني المرات بواسطتكم عندما وصل إليكم عزيز،5 ووافقناكم، فكان منهم الجواب بالتعليق على ما هو في حكم المستحيل، وهو إجابتنا لحضور الأستانة، وقد تحقق لكم من هذا نهاية الإعراض، مع أنكم قد بذلتم الجهد، كما أخبر عزيز عند وصوله مصر لبعض أصدقائنا بذلك، وبما كررتموه من المراجعة فيما هنالك، ومنع عزت وأخذ في تجهيز نحو تسعة وثلاثين طابورًا إلى أن حال بيننا وبينهم الله بما تداركنا به من رحمته الأخيرة، فكشف عنا الغمة ونجانا، كما هو سنته مع عباده المؤمنين، وعكس عليهم القضية، وسلط عليهم عبادًا له أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولًا.ثالثها كان بواسطة السيد الشراعي مع بعض إخواننا فأجبنا، فكان الجواب منهم بالسكوت.
رابعها مع سليمان متصرف عسير، لما أتانا جوابه بعد أن قامت عليهم فتنة الطليان يدعونا فيه إلى الوفاق، وأن نكون إخوانًا ونهجر الشقاق، فأجبنا عليه بالترحيب والتسهيل، فأرسلنا بعض خلص أصحابنا إلى أن وصل بقرب معسكرهم، وخاطبه بحضوره لأجل المذاكرة فيما يجمع الشأن، فكان يساجل إلى أن تمكن من أرزاق ومعاش؛ لأنه في ذلك الوقت كان عادمًا، فلما رأى أنه استغنى تكبر وأجاب بالغلظة وإعداد الطوابير الجملة للمخالفين فرجع صاحبنا بذلك.
ثم في هذه المدة مع ما رأيناه من فتك الطليان بهم أخذنا العطف، فأمسكنا كل حركة، وكتبنا لمن في مفرزة «ميدي» إن دهمكم شيء فلكم مناعون، فكان منهم أن محمد علي6 مر بطريق القنفدة، وليته لما مر قصر اشتغاله بمصلحة العسكر، بل أخذ يحرق ما وجد في طريقه من بيوت السادات العلماء؛ لأن هذا الرجل أكبر عداوته لأهل الدين؛ لأن ما ناله من الشرف في الأستانة (كان) بأسباب شنقه لعالم في أطنة أيام تنازع وقع بين المسلمين والنصارى هناك، ولما قدم جازان بالعساكر لم يختر لهم «خسته خانه» إلا جامع تلك البلدة، ولا يهمه أن تلوث بالنجاسة، وتعطلت إقامة الجمعة فيه.وكأنه يظن أن هذه هي الأسباب في ارتزاقه النياشين والرتب من باب «من رزق من شيء فليلزمه»، وهذا هو السبب في تجهيز ما وجهناه من الجند إلى جهة الشام7 لأجل مدافعة هذا الطغيان، والمحافظة على مراكز أهل الدين والإيمان.وقد حصلت المذاكرة بيننا وبين هؤلاء الإخوان في هذه الأحوال إلى أن ساق بنا الكلام إلى مفرزة «ميدي» وأخبرناهم أن الطليان قد ضرب قلاع الدولة ومراكزها من باب المندب إلى جدة، وهد تلك الحصون بمدافعه المُسلَّطة، ولم يبقَ إلا هذه القلعة، مع أن شيخ البلدة التي فيها قد سبقت له جناية مع الطليان بواسطة شهادة سبنوك طال الخلاف بين الترك والطليان فيه وتوقف الأمر على شهادة هذا الشيخ وتهددته الدولة بالشهادة لها فشهد، فإذا قصد الطليان هذه المفرزة لا يقتصر عليها، بل يتعداها إلى تلك البلد؛ لما جناه شيخها عليهم، وسابقًا قد ضربوا هذه البلدة كما عرفته.
ومن المشاهد أن هذه العساكر كجملة من في كل موضع إذا ضرب الطليان المواقع هربوا من مواقعهم تلك إلى محلات العامة، ولم يدافعوا ولا يضرب مدفع واحد، وقد ضُرِبَتْ هذه القلعة من نحو شهر وخرجوا منها كما ذكرنا، وهذا مما أوقع الناس في العجب، فإن الدولة لما عجزت عن إصلاح الداخلية كان يرجى منها حفظ الخارجية أو القيام بالمدافعة عن الرعايا ممن قصدهم بسوء، فعجزت الدولة الآن عن هذا وهذا، فما بقي لهم إلا أن يسعوا الناس بحسن الخلق لو كانوا يعقلون.
ثم إنه قد اشتد الخطب من الطليان بمحاصرتهم للحديدة إلى حالة يُخْشَى معها أن تحتل الحديدة، فتكلمنا مع العسكر الذين في القلعة بأن بقاءهم بها ضرره على الإسلام والمسلمين؛ لأن الحديدة إذا احتلت يتبعها ملحقاتها، ومن ذلك هذه القلعة، ومن المعلوم حسب أصولهم أنه إذا احتلت الحديدة وجاء المحتلون ببوابيرهم لاستلام هذه النقطة تبعًا للمركز ومعهم الإذن بالتسليم من كبراء الترك، فإن من في هذه النقطة لا يلتفت إلى الإسلام ولا إلى المسلمين ولا يهتمون بأمر الوطن، بل حالًا يعملون الترتيب اللازم في التسليم إلى المحتلين، ولو بطريق الحرب مع أهل الوطن بأن يضربوا من القلاع وتضرب البوابير من الساحل حتى يتصلوا بالمحتلين ويدفعوا لهم موقع الحرب، ويسلموا أهل الوطن إلى الأسر، كما فعلوا في بني غازي، إحدى متصرفيات طرابلس، فإن أهلها عشية احتلال الطليان لما رأوا بوابير الطليان بالساحل أسرعوا إلى مركز الحكومة ليستعدوا للقتال ويودعوا أهاليهم وأموالهم في محل مكين، فمنعهم الأتراك وألزموهم الطمأنينة، فرجعوا إلى بيوتهم، فلما جن الليل لم يشعروا إلا والمتصرفية بأجمعها صارت عساكر طليانية، فقاموا للدفاع ولم يمكن الخروج من المنازل إلا للرجال دون النساء والذرية، وهم الآن تحت قبضة الطليان، واشتهر أن هذه المعاملة من العساكر بأسباب ما أخذه كبراؤهم من الطليان خفية، وبأسباب ذلك استقال الصدر، فتبين أن بقاءهم حينئذ في المواقع الحربية لا للدفاع وحماية الثغور كما هو اللازم لمن يتولى إمارة المسلمين بل للأغراض الفانية، وبيع البلاد للمصلحة الشخصية، فمن ينع الإسلام فلينعهِ من الترك، ومن يندب الدين فليندبه مما لهم من اختلاق الإفك، فلما خاطبناهم في النزول معنا ليبقوا مع العساكر العربية جنبًا بجنب حتى إذا احتلت الحديدة يكون موقع المفرزة الميدية بأيدي المسلمين يؤدون فيه ما أوجب الله عليهم وإن امتنعوا فلا إلزام، وإن أرادوا اللحاق بكبرائهم فلهم ذلك، فأبوا هذا وهذا «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.»
والعجب من هؤلاء الناس يذكرون أننا السبب في تركهم للمدافعة كما روى عنهم السادة الواصلون، فليت شعري من أي وجه؟ وأي قرب بيننا وبينهم في المسافة أن يقولوا نخشى أن نصلى بنارين؛ إذ في الأقل بيننا وبين الحديدة ثمانية أيام، ولو سلم هذا فما يكون جوابهم في احتلال الطليان لطرابلس؟ وما المانع من المدافعة هناك مع أن أهل تلك الجهة من المخلصين للحكومة، بل هم قائمون بالقتال للمحتلين من الآن، ومن العجاب أن الحكومة قبل أن يحتل المحتلون رفعت الأسلحة والوالي والعسكر إلا شيئًا قليلًا، وبعد ذلك لم تمد المجاهدين ولا بدرهم أو نفر، وفي عهدي أنا عرفناكم سابقًا أن في صبح ليلة خروج الأتراك من جازان وفي اليوم الذي بعده جاءت بوسطة بطريق البحر فوقعت بيد المجاهدين، فإذا بعض رسائلها يحتوي ترجمتها على إعلان حرب إيطاليا لهم، وأنه يلزم مآميرهم هنا العناية برعايا الإيطاليين وحفظهم، فتعجبنا من حسن معاملتهم هذا لمن ناوءوهم بالعداء الأكبر، وإذا حصل منا معاشر المسلمين أدنى شيء معهم قامت القيامة، وبينما نحن في هذا الموضوع؛ إذ ورد كتاب كريم، فتلقيناه بالترحيب والتكريم، وسنوفي كل بحث مما أشرتم إليه حقه إن شاء الله.
أما ما أشرتم إليه من قولكم: «والدولة العثمانية وإن كان أمراؤها كما عرفتم، فإنه عند الشدائد تذهب الأحقاد — إلى أن قلتم — أما ما كان سابقًا مما ذكرتم من تباعد العثمانية عن الصلاح، فإنه لا يغرنا الآن الإنصاف.»
وقد أنصف الغارات من راماها، فلا يخفاكم أي حقد عندنا؟ ولما جاءني كتاب سليمان (باشا) يجنح إلى السلم في وقت قيام الطليان وافقت وأجبت بما صدرت إليكم صورته وأرسلت من أخصاء إخواننا من يقوم بحل هذه المشاكل، كما قد أشرنا لكم في أول الجواب، ولم نلتفت إلى ما سبق منهم من الإبعاد بأنواع المهالك حتى بشق بطون الحوامل، فلما جاء جواب سليمان لذلك الأخ — يعني مندوبه — بالتهديد وإعداد الطوابير للتربية تعجبنا من ذلك وما زلنا نتوقف عن عمل أي حركة رجاء أن يهتدوا إلى الصواب، فما كان بعد ذلك إلا مرور محمد علي (باشا) في شهر ذي الحجة يحرق بيوت السادات والعلماء وأفاضل الناس، كما قد ذكرنا لكم أول الكتاب، فيا ليت شعري! ما نصنع بعد هذا؟ وهل فيه إنصاف أعظم من هذا الإنصاف؟ حتى من كان لنا بالأمس عدوًّا لدودًا أصبحنا نتقرب إليه بالمودة لا لشيء، بل كان حبًّا للصلاح مزيدًا! وهل من العقل بعد ذلك أن نرمي بأنفسنا إليه ولو على المهالك؟ وهل هذا من الدين؟ كلا! وأصدق القائلين يقول: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ثم إن ما أشرتم إليه هو لم يَزِدْ عن كونه من قبلكم، ولم نَدْرِ ما هم عليه؛ إذ لم يَرِدْ من كبرائهم وأعيانهم من تحسن المخاطبة معه في ذلك وفي كيفية مواصلة الخطاب إلى الأستانة؛ لأن ولاية اليمن صارت الآن منقطعة عن الولاية العثمانية للحيلولة بالقوة الإيطالية.
أما ما أشرتم إليه «أن لو اقترن ما بيننا وبينهم بصلح ما بينكم وبينهم» فاعلم أيها الإمام أني عندما أتلو ذلك أجد خاطري ينكسر مما هنالك؛ لأنه حين أرادوا أن يغتنموا الفرصة فيَّ، وإن كنتم — جزاكم الله خيرًا — كررتم التوسط في الصلح، لكن لا على طريق الشرطية بخلاف الآن لما كان الصلح لمصلحتهم أوفق، فآثرتموهم عليَّ، مع أني الصاحب القديم، والخل الذي هو على العهد إلى الممات مقيم:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأولومنازل في الأرض يألفها الفتىوحنينهُ أبدًا لأول منزلوأما ما ذكرتموه «أن الملل الكفرية — كما عرفنا — فوقت سهام انتقامها على الدين القويم، وفعلت بالمسلمين أقبح الأفاعيل … إلى آخر ما شرحتموه»، فلا يخفاكم أن هذه الأمة قد أخذت هذه الأزمان الطويلة، وهي في اطمئنان بال، وسكون الأحوال؛ لما كان سلاطين آل عثمان قائمين بحماية الشرع الشريف، ولا مظهر لهم إلا أنهم نواب الأمة الإسلامية في حقوق دينهم الحنيف، ولا شك أن أهل الملل المختلفة لا يتجاسرون على هدم هذه السياسة؛ لأنها تستدعي الثورة العامة بين المسلمين وغيرهم في جميع الأقطار الشاسعة، ولا أضر على الأجانب من هذه الحرب الدينية، وبها كان يتهددهم السلطان السابق عند المشاكل الدولية، فيجنحون إلى الموافقة، فلهذا عشنا وعشتم طول النشأة لم نسمع في الخارج بمشاقة، بل كان في آخر المدة الأخيرة ما رفع الدولة لأعلى مكان؛ حيث ظفرت باليونان، واحتلت عاصمة ملكهم بقوة عظيمة القدر والشأن، فلما جاءت هذه النشأة الأخيرة من الأتراك تظاهروا بالحرية ليرضوا أهل الملل الأخرى، وقد أرسل جنابكم إلينا تلك الرسالة المؤلفة لشيخ الإسلام سري زاده محمد صاحب، ونبهتم — عافاكم الله — على ما فيها من الإلحاد وجزاكم الله خيرًا بتلك الإفادة، فحينئذ حدث أمران: ضج أهل الإسلام من رغبة الأتراك عنهم، وطمع أهل الملل في الأتراك لنفور الجمعية الإسلامية منهم، فأخذوا في انتهاب البلاد منهم، فاستقلت ولاية البلغار، بعد أن كان ملكهم في زمن السلطان السابق برتبة ياوران، وبيعت ولايتا البوسنة والهرسك علنًا وطرابلس خفية، وصُدِّقَ لفرنسا على تبعية تونس، وحينئذ قامت الأجانب يغار بعضهم من بعض، فمدوا أيديهم إلى احتلال البلاد العثمانية لهذه الأسباب ولغير العثمانية بطريق أولى كتبريز وفاس — كما ذكرتم — مع أن فاس هذه من أعوام قريبة سعى السلطان السابق في استقلالها، فتغيرت في هذه الأيام السياسة الإسلامية من أهلها، فكان ما كان في مسافة ثلاث سنوات، وهذه الرابعة أقبلت فيها تتداعى الشدائد من كل الجهات، وكل فريق يمد يده إلى ما شاء من النواحي المختلفات.
وقد عرفناكم بمنشأ هذه الأحوال، لتعرفوا من هم السبب في محاق البلاد الإسلامية والاضمحلال، فهم الأحق بالملامة والتقريع والتوبيخ وسلب الكرامة.
ويا ليت شعري! ما المراد منا في الرابطة التي أشرتم إليها، فإن كان لقصد التسكين المجرد إلى أن توافق معهم الأمور ثم يثبوا كأن لم يكن بيننا وبينهم صداقة، كما كان بالعام الماضي؛ إذ قدمنا لهم عشرة آلاف عود للسك، وأَمَّنَّا لهم الطرق، وتعهدنا لهم بالإصلاح حتى صاروا دولة حقيقية يروحون ويغدون بكل شرف؛ فما كان منهم إلا تدبير الحيلة في الهجوم للقبض علينا فنجانا الله وآل الأمر إلى ما هم فيه من الإهانة والحيرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أوَلا توافق الأمور كما هو المنتظر إن لم يستعطفوا خواطر المؤمنين واشتد الحال أن آل إلى سقوط البلاد بأيدي الغير يسلمها الأتراك لهم ولا يلزمنا إلا قبول ما حلوه وأبرموه، فما في هذه إلا إقامة الحجة علينا من الله، وما المعذرة في ذلك المقام الإلهي، وما كان القصد أن نكون نحن وهم شركاء في المواقع بدون خداع في الحال والاستقبال، شركاء في الدفاع عن الدين، شركاء في الرأي حتى نعلم ما يُرَادُ بنا، ونؤدي ما أوجب علينا ربنا، ولا نكون ألعوبة للأتراك يسلموننا إلى الغير متى شاءوا والعياذ بوجه الله، بل نكون على أمن من ذلك كله، فأهلًا بالوفاق وسهلًا.
وفي الحقيقة الحقير إن هو إلا رجل قام بتأييد الله في هذه البرية القفراء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشريعة التي لا حرز لنا دونها ولا عصمة، إن كنا ممن يحتفلون بتعاليمها الإلهية ويخدمونها.
فقامت هذه النشأة الجديدة من الأتراك، وحشدوا العساكر المصحوبة بالمدمرات والسيوف البواتر، وشاع وذاع أنه صدرت إرادة سلطانية، وإشارة من لدن الجمعية، باستئصالنا، ولا يعلمون أن الأمر بيد الله، وهو أكرم الأكرمين، لا يضيع من منَّ عليه من بريته، وكساه من الإيمان بحلل كرامته، بل ينصره وينتقم ممن عاداه كما وعد في كتابه العزيز، وعد الله حقًّا، ومن أصدق من الله قيلًا! فقال عز وجل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وقال عز وجل: فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وإني والله عند هذه الآيات أعلم من أين أُخِذَتْ هذه الدولة، فتداعت عليها الأهوال من كل جانب جملة واحدة على غير أسلوب معروف، ولا تقدير في الحساب مألوف وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ.
فاجأها القهر الإلهي بغتة، وانقطعت في مدافعته كل حيلة، فسبحان القائل وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ، وإني والله لأعلم بدواء تلك العلة، فهل من سبيل إلى أن أكون الطبيب الرباني، ولا تكاد تلبث هذه الدولة ساعة يشفيها الله في جميع الأنحاء، لكن إن رجعت سياستها إلى الصراط المستقيم الرحماني، وقد ذكرنا للسادة الواصلين تفاصيل الأمور وأبدينا لهم ما يصلح في المقام واكتفينا ببيانهم عن شرح ذلك هنا؛ لأن للكلام مقامات طويلة ومباحث مختلفة، كما سيوضحون لكم، وهم من أفضل عباد الله، وله الحمد أن جعل بيننا وبينهم التآليف وخالص الوداد في الله، ومثلهم يقوم بالبيان، وكونوا على يقين أن ما فيه صلاح المسلمين والإسلام وحفظ البلاد بدون خداع فإنا فيه على وفاق، وكذلك اكتفينا ببيانهم في مادة الحدود من «الشرق» إلى «بني جماعة»، وقد تحررت بذلك ورقة بخط العلامة المفضال بدر اللآلي السيد أحمد بن يحيى عامر. هذا وشريف السلام وأسناه يعمكم ومن بالمقام ورحمة الله وبركاته.
الإمضاء
ولم تكن سياسة الاتحاديين مع السيد الإدريسي غير سياستهم مع سائر أمراء العرب، فقد كانت سياسة خداع ونفاق وكذب واعتداء لم يألفها العرب في زمن من الأزمان، ولكنهم قابلوها من الاتحاديين بالصبر والحكمة واللين للأسباب التي ورد ذكرها في الفصول السابقة، وأشار إليها السيد الإدريسي في كتابه إلى الإمام يحيى، وأهمها رغبتهم في رفع منار الإسلام، والمحافظة على كيانهم القومي. نعم إن فريقًا من أمراء العرب حارب الدولة غير مرة في السنوات الأخيرة، ولكنه حاربها دفاعًا عن نفسه ولأسباب حيوية، كالأسباب التي ذكرها سيادة الإدريسي أو ما هو أهم منها، وكان دائمًا يهادنها أو يصالحها كلما دخلت في مأزق أو خاضت غمار حرب خارجية.
أما الأحزاب العربية فقد أخلصت للاتحاديين إخلاصًا عظيمًا، وكانت أعظم تساهلًا معهم من أمراء العرب في شبه الجزيرة، وأكبر دليل على ذلك ما سبق ذكره عن خطتها وأعمالها وقراراتها وأقوال زعمائها وما سأثبته في هذا الفصل من الكتب السياسية السرية التي تُبُودِلَتْ بين بعض الزعماء وأصحاب الرأي الذين أُعْدِمُوا في سورية والعراق وبعض أصدقائهم السياسيين الذين لم تصل إليهم يد الأشرار السفاحين، وهذه هي الكتب بنصها لم يُحْذَفْ منها إلا أسماء الأحياء، وما ليس له علاقة بالسياسة:
عزيزي …
لقد أخلصنا للاتحاديين، فلا مجال للشك في إخلاصهم لنا، نعم إن الاتفاق الذي أبرموه مع الزهراوي وعبد الكريم لا يسعدنا وليس فيه كل ما نحتاج إليه من الإصلاحات وإن زعم فريق من الأصدقاء أنه «كجراب الكردي» يحتوي على كل شيء ولكن ما العمل؟ أيجوز لنا أن نخطئ الزهراوي وننتقده على هذا الاتفاق؟ أنا لست على هذا الرأي؛ لأن الزهراوي لو لم يتفق مع الحكومة لكُنَّا الآن في أشد المآزق حرجًا، فإما أن نقوم بعمل يهدد استقلال الدولة العلية ويؤدي إلى عكس الغاية التي نرمي إليها، وهي نيل حقوقنا من إخواننا الترك ومشاركتهم في كل ما يئول إلى تقوية الدولة وإسعاد سكانها أو أن نخلد إلى السكينة بعد كل هذه «القرقعة» فيهزأ العالم بنا ويحتقرنا الاتحاديون أنفسهم ونصير مثلًا بين الناس.
إن الحال السياسية حرجة جدًّا أيها العزيز، فبقدر ما يسيء الاتحاديون إلينا الآن يجب أن نحسن إليهم حرصًا على كيان هذه الدولة المنكودة الحظ.
سليم الجزائري
أخي العزيز
يُخَيَّلُ إليَّ أن الحرب واقعة لا محالة بين الدولة العلية ودول الحلفاء، والأمل عظيم جدًّا بأن تكون حربًا قومية ظافرة تعيض الدولة من الخسارة التي مُنِيَتْ بها في السنوات الأخيرة، وترفع شأن العثمانيين في نظر العالم، وقد ألغينا أحزابنا السياسية وتناسينا اختلافاتنا الداخلية؛ لأن المصلحة المشتركة تقضي بذلك، وسوف يرى إخواننا الترك ولا سيما الاتحاديون من أعمالنا في هذه الحرب ما يظهر لهم عظم إخلاصنا للعرش العثماني وتفانينا في خدمة الوطن المشترك، ونحن الآن على أحسن ما يُرَامُ مع حزب الحكومة الذي أظهر وطنية عظيمة في هذه الأزمة الشديدة، وسنظل كذلك إن شاء الله إلى الأبد، فكن على ثقة بأن سورية ستكون في إبان الحرب أحسن منها قبلها، فلا يقع ما يكدر من جانب الأهلين ما زلنا أحياء.8مختار بيهم
أيها العزيز، أنا على وشك السفر إلى سورية؛ لأن التدابير التي اضطرت حكومتنا السنية إلى اتخاذها دواءً لخطر الحرب العظمى تقضي على كل عثماني مخلص لدولته وأمته أن يبذل جهده في سبيل تنفيذها على أحسن ما يُرَامُ، وستكون مهمتي في سورية جمع كلمة الأمة على شد أزر الحكومة والسعي لمنع كل ما يحتمل وقوعه من أسباب النفور بين العناصر العثمانية، وقد وعدتني الحكومة بأن تشد أزري في هذه المهمة وتجيبني إلى كل المطالب العادلة التي أطلبها منها باسم الأمة العربية أو باسم الأفراد من أبنائها، فلنكن كلنا يدًا واحدة لإنقاذ الدولة من عواقب الحرب الأوروبية وإظهار الوحدة العثمانية بأتم مظاهرها لنتمكن من منع اعتداء الدول الغربية علينا والخروج من هذه الأزمة الحرجة أرفع شأنًا وأعلى مقامًا.
عبد الكريم الخليل
وقال المرحوم محمد المحمصاني إلى بعض أصدقائه الذين نصحوه بالبقاء في مصر بعد إعلان التعبئة العامة في الدولة العثمانية: «إن الوطن في حاجة إلى كل فرد من أبنائه في هذا الأوان العصيب، فمن الخيانة أن لا نقوم بالواجب علينا نحوه.»
كنت قد فصلت لكم إذ جئت باريس كيف وجدت أمر مؤسسي فكرة المؤتمر فوضى، وكيف تعبنا في ستر الأمر وإيجاد المؤتمر مرونقًا بتوفيق من الله — تعالى — فوق المأمول، وبعد انقضاء المؤتمر تفرق الجمع الذي لفق تلفيقًا، ثم بعد قليل نفد صبر البيروتيين، فذهبوا إلى بلادهم عن طريق استانبول، وبقيت يا عزيزي وحدي أمثل الفكرة، وبقي خليل زينيه وأيوب ثابت وهما لم يرشفا من مشرب الجامعة العربية ولا قطرة واحدة، حتى ولا من الجامعة السورية، وإنما همهما بيروت وحدها لا شريك لها، ولكن لأنهما متعلمان سايراني وسايرتهما وتوادينا جيدًا حتى سفري، ولم يكن مثل هذا التواد ولا ربعه بينهما وبين رفقتهما البيروتيين المسلمين.
لو عجلت تلك الأيام ورجعت على الفور إلى مصر لبقيت المسألة مقطومة بتراء، فيكثر استهزاء الأفراد والجماعات والأقوام بأشخاصنا وبجماعتنا وقومنا، لكن الله — عز وجل — سلمني من هذا، وقدرني على الصبر هناك ممثلًا للفكرة مدة خمسة أشهر — وما هي بالقليلة ولا الكثيرة — ونعمت المدة كانت، وُفِّقْت فيها على كثير، وعظم فيها اختباري لأوروبا، وما أحوجنا إلى مثل هذا الاختبار.
جئت بعد ذلك إلى استانبول لأرى ما جدَّ فيها؛ لأن المعرفة بالقديم لا تغني، والمعرفة عن بعد كثير من مآخذها غير صحيح، وما أضر العلم المبني على مأخذ غير صحيح!
بعد وصولي بقليل عرفت كثيرًا من الأحوال الحاضرة هنا، وبعد مدة أخرى عرفت أكثر، وكدت أظنني اكتفيت وأحطت كل الإحاطة، ولكن الآن تبين لي أنه لولا الصبر والتأني اللذان مكنني الفاطر — سبحانه — منهما لرجعت بمعرفة غير كافية؛ ولذلك أصبحت لا أجسر أن أقول تمت إحاطتي، وإنما أقول أصبحت يجوز لي أن أفصل وأشرح بشيء من الطمأنينة، وأن تأخير هذا التفصيل والشرح كان أنفع وجاء اليوم في وقته.
الشرح ها هنا يتعلق بثلاثة مواضيع — أو موضوعات: (١) أوروبا والعثمانية (٢) الاتحاديون وغيرهم (٣) رجال الإصلاح الحقيقي وأبناء العرب هنا وفي الجهات الأخرى. وإني أبدأ لكم بالأول لقصر البحث فيه، وأشفع بالثاني، وأخرت الثالث لطوله، وطوَّلته لتوقف التفاهم وكثير من أعمالنا على الإحاطة بهذه الحقائق المشروحة فيه:عبد الحميد الزهراوي
- أوروبا والعثمانية: لقد كشفت أوروبا آخر ستار من ستر السياسة في المسألة العثمانية، وقررت التداخل في سائر شئونها، وإنما لا يزالون مختلفين بعض الاختلاف في كيفية هذا التداخل وكميته وصورة توزيعه فيما بينهم، وليس في أوروبا اليوم موضوع مُقَدَّم على هذا الموضوع، ولا يمضي ثلاثة أشهر حتى تتمخض الليالي فتلد ذلك الشكل الجديد الذي يتفقون عليه، والذي أظنه أن الدولة ستبقى بعد ذلك وتعيش أحسن مما كانت عائشة لأن بعض التداخل طب، ولست مغاليًا إذا ذهبت إلى أن الموت أقرب إليها مع عدم التداخل البتة منه مع شيء من ذلك، فإنا إذا قلنا بعدم التداخل البتة فحينئذ تخلق كل واحدة سببًا لإنشاب الحرب عليها، فتُؤْخَذ بداء السكتة دفعة واحدة.
- الاتحاديون وغيرهم: الاتحاديون معروفون، فمن غيرهم؟ لا يُوجَدُ الآن حزب سياسي آخر إلا أن يكون خفيًّا، ولم أشم شيئًا من هذا، وحينئذ لا نجد مقابل الاتحاديين إلا جماعات الأجناس كجماعات الروم وجماعات الأرمن وجماعات العرب.
نعرف أن للروم جماعات وللأرمن جماعات، فهل للعرب مثل هذا؟ هلَّم ننظر:
- أولًا: الروم كلهم جماعة واحدة يرأسهم البطرك، ولكي لا يستبد ربطوه بمجلسين روحاني وجسماني، وهكذا الأرمن، أما العرب فليس لهم مثل ذلك.
- وثانيًا: الروم والأرمن لهم جمعيات سياسية منظمة مرتبة غنية، وليس للعرب مثل ذلك، اللهم إلا جماعتنا في مصر وجماعتنا في بيروت، إذن غير الاتحاديين هم الروم والأرمن وجماعتنا في مصر وجماعتنا في بيروت.
فالاتحاديون هم أولياء الأمر مباشرة، وهم اليوم يتسلحون بعزائم شديدة ماضية، وناوون نية قاطعة أن يجددوا شباب الدولة بقدر ما تسمح الظروف، ويشتهون أن يخلص إليهم العرب ويساعدهم فضلاؤهم في هذا السبيل، ويعترفون بخطيئاتهم الماضية ويودون أن لا يعودوا إلى مثلها بقدر الإمكان، أنا مؤمن بنيتهم وأقوالهم هذه كل الإيمان لأدلة كثيرة ظهرت لي، ولكنني مرتاب من جهة قابليتهم لتطبيق العمل على النية، وعلى كل حال أرى أن عدم تركهم وحدهم خير من تركهم، ويُرْجَى به أن تقوى قابليتهم، فإن شئتم أن تخطئوني بتحسين الظن إلى هذه الدرجة — كما أشرتم إلى ذلك في كتاب … فإني لا أخطئكم بالتخطئة؛ لأني أجل رأيكم أكثر من رأيي، وإنما أرجو أن يكون في خطأي شيء من البركة، أرجو ذلك من مصداق قوله — سبحانه: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.هذا وصف الاتحاديين بما هم عليه اليوم، أما الروم فقد قلوا في المملكة وقصاراهم أن يحافظوا على ما بيدهم من امتيازات البطركية وحق المبعوثية وسيقل الالتفات إليهم، وأما الأرمن فهم اليوم آلة بيد روسية، وسيتم لهم في المبعوثية حظ قريب مما يأملون، وأما نحن معشر العرب فإن أخاكم الآن يُعْتَبَرُ ممثل جماعتنا، وقد فصلت ما تم على يدي في الكتاب الذي أرسلته إلى الأخ الرفيق في البريد الماضي، وها هنا سأزيد.
- رجال الإصلاح الحقيقي وأبناء العرب هنا وفي الجهات الأخرى: ما أظنكم — أستغفر الله — ما أعتقد أنكم في حاجة إلى بيان أن رجال الإصلاح الحقيقيين غير كثيرين، وما أعتقد أنكم تعرفون منهم أكثر من ثلاثة أو أربعة، وأعني برجال الإصلاح الحقيقيين من جمعوا في موضوع الإصلاح بين صدق النظر وصدق العمل، من كثرت تجاربهم ومرنت رويتهم وصحت عزيمتهم وشهد لهم ماضيهم، من كثر اختلاطهم بمختلف الطبقات، ووقوفهم على متباين النزعات، وصبرهم على متنوع العقبات، من امتزجت روحهم بحب النظام الذي يحبه الله وكره الفساد الذي يكرهه الله، وامتزجت سيرتهم بأخبار معامع الجهاد الإصلاحي، ومن أشربت أفكارهم فهم معنى الرابطة وأفئدتهم محبتها وتعشقها، فنحن لقلة هؤلاء واقعون أمام حاجتين عظميين؛ الحاجة إلى تكثيرهم، والحاجة إلى اشتغال هؤلاء مع من ليس من جنسهم وطبعيتهم، ثم نحن مع قلتهم وصعوبة اشتغالهم مع غيرهم أمام مشكلين عظيمين؛ الأول السبات الذي الأمة فيه، والثاني الجشع الذي أوروبا فيه.
أترك تفصيل هذا الإجمال لحكمتكم، وحسبنا هي في كل موضوع، وآخذ الآن بحكاية حال أبناء العرب هنا لأنكم علقتم الأمل مرارًا على صنف منهم ها هنا.
العرب هنا ثلاثة أصناف: متاجرون، ومتعلمون، ومأمورون. فالصنف الأول لا في العير ولا في النفير من جهة السياسة والإصلاح، ثم هو في غاية القلة، والصنف الثاني أولاد في ناشئة العمر لا يليقون للسياسة ولا تليق لهم،10 والصنف الثالث أربعة أقسام: الضباط، والمأمورون المنصوبون في بعض الوظائف، والمأمورون المتقاعدون المقيمون هنا، والمأمورون المعزولون الذين جاءوا لينصبوا؛ فأما الضباط فلا تجربة لهم في هذه المسالك البتة والأولى عدم دخولهم فيها، فإن هذه التجربة القليلة التي سأقصها الآن زهدتني في كل سياسة يشترك فيها الضباط منا: ذلك أن … ناقم اليوم على الحكومة، فيشتهي لأجل هذا زعزعة الدولة ونسفها نسفًا، وهو لأجل ذلك ناقم على ائتلافنا مع الحكومة ومضاد له؛ لأنه على زعمه يؤخر حركات العرب، ولا أدري ما هي حركات العرب وأين تسير وأين ترسي، وهذا يجتهد أن يجمع حوله بعض أولئك الأولاد وينفرهم منا ومن صنيعنا،11 ولكن لا ينجح بحوله — تعالى — ومن جهة أخرى هو يحافظ على ظاهر الصداقة بيننا، وقد أردت اختباره فوجدته يجنح إلى مصالحة أولياء الأمور، وحينئذ يرضى عن كل شيء، فانظر يا عزيزي إلى الذين يعدون أنفسهم في مصاف رجالنا.وأما المأمورون المتقاعدون فمثلهم كمثل العجائز لا يرضيهن شيء ولا يستطعن عمل شيء، وأما المأمورون المنصوبون فلا هم لهم إلا حفظ المنصب.
وأما طلاب المأموريات فجياع مساكين لا يفهمون من الإصلاح إلا المأمورية، إن جاءت فقد جاء الإصلاح، وإن لم تجئ فقد مُنِعَ الإصلاح، ومن هذا التفصيل يظهر لك أن العاصمة في حالتها الحاضرة ليس فيها عرب تستطيع جماعتنا أن تعتمد على أحد منهم، أو أن تعمل صلة ورابطة مع أحد منهم، اللهم إلا أن يكون «فلان وفلان»، وكل ما أخبركم عنه «فلان» وهو سراب بقيعة جاءه أخوكم الظمآن فلم يجده شيئًا، وبعض أولئك الأولاد يحسدون الشاب عبد الكريم، وبعضهم لم يتمكن من إنالتهم إربًا لأبيهم أو أخيهم أو ابن عمهم مثلًا، فمن ها هنا أكثروا عليه من قيل وقال، وكله هراء وهواء.
وأما العرب في الجهات الأخرى فهم أهل سورية وأهل العراق وأهل الجزيرة الخلص؛ فالسوريون والعراقيون حضرٌ قد ألفوا الذل وتعودوا الاستخذاء والاستكانة، لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا، لا يساعدون ولا ينوون أن يساعدوا، لا يهبون ولا يروق لهم أن يوقظوا، وأما أهل الجزيرة الخلص فهم الأهل وقاهم الله الخير وشد سواعدهم، أولئك يجب وصل الرابطة بهم من غير أن نقطعها مع الحضر على قلة غنائهم، قد فهمت من كتاب الأخ «فلان» كثيرًا واستنبطت كثيرًا، ولو كان في وسع البشر أن تتوزع أرواحهم على أمكنة متعددة لكان روحي أوزاعًا على اليمن وعسير والحجاز ونجد وحضرموت، ولكن نظرية الصوفية في هذا الباب لا يمكن تطبيقها.
انظر يا عزيزي أنا لازم لهناك كما تشير ولازم إلى هنا، فإن هنا محل عمل ليس بقليل، فإني أرجو أن يكثر بوجودي هنا عدد رجالنا الذين يُعْتَمَدُ عليهم، فإن رضيت عن هذا الرأي فعليك عملان معجلان وعمل يمشي مع الزمان وأنا معك فيه على بعد المقر، فالأول من المعجلين تبشيري بتلغراف عن رضائك خاصة وهو الأهم، ورضاء الرفاق عامة وهو مهم، والثاني منهما حملك الرفاق على تقديم تلغراف للصدارة يحبذون فيه هذا التعيين ويجعلونه دليل إقدامهم على تنفيذ الرغائب كلها بعبارة رقيقة تشويقية، أما الثالث فهو ما بيننا من أمر إيجاد الرجال الذين يُعْتَمَدُ عليهم وتوزيعهم بقدر ما يساعد الزمان والمكان لبث الإصلاح العلمي والعملي.
وإن لم ترضَ عن هذا الرأي، فاكتب إليَّ مفصلًا ومبينًا كل جهة من جهات الموضوع، وأنا من عهدت من يدع رأيه أخيرًا إلى رأي وليه.
هذه هي الخلاصة المفصلة، وإليك خلاصة الخلاصة، وهي أن اليأس لا يجوز بحال من الأحوال، ولكن الأمة في كل أطرافها ليست بحالة يُعْتَمَدُ عليها في شيء، وأنه مع هذا لا يجوز إهمالها، وكذا لا يجوز إهمال من بيدهم أمر المملكة وتركهم وحدهم، وأنه لا بد لنا من رجال ها هنا، وأن أكثر ما يتصرف به الرواة من الأخبار غير صحيح، وإني منتظر أمركم بسرعة، وإن شوقي عظيم.
هذا بعض ما فعله العرب العثمانيون، أما أمراء العرب في شبه الجزيرة وجنوبي العراق وسورية، فقد مدوا إلى الدولة يد المساعدة بإخلاص وتناسوا خلافهم معها، وتطوع عدد كبير من رجالهم في جيشها، وأرسلوا إليها ما تحتاجه من الجمال، وشدوا أزرها في ميادين القتال ولا سيما في العراق والقنال وجهات عدن، وكانوا يعملون بهمة لا تني على خوض غمار الحرب في جانبها بكل ما عندهم من الرجال.
ثم أشكر لكم ما أظهرتموه من النجدة والهمة في الإخلاص والطاعة للدولة وبذل الأنفس والأموال والثمرات لها والكف عن طلب الإصلاح منها، وتقديركم الحال الحاضرة قدرها، حتى إنكم ساهمتم في هذا أرقى أمم الأرض التي سكتت عن جميع مطالبها ومنازعاتها الداخلية … إلخ.
ونشر غيره من رؤساء الدين وزعماء الأحزاب العربية الذين أُعْدِمُوا أو حُكِمَ عليهم بالإعدام في محاكم الاتحاديين بيانات عديدة في هذا المعنى، أثبتت للعالم كله عظم إخلاص العرب للحكومة الاتحادية وعزمهم على بذل كل غالٍ ونفيس في سبيلها.