الملك في العرب
الوزارة العربية – مجلس الشيوخ الأعلى – الحسين بن علي ملك العرب البيعة العامة
* * *
حضرة العالم الكامل الشيخ عبد الله سراج
إنه لما كانت مصالح الرعايا وانتظام شئون المجتمع وتوفر أسباب العمران لا بد لها من دواوين يتوزع عليها النظر في الحكومة، وما هو في معنى ذلك من المصالح العامة والخاصة، ويتعين بها أساس الوظائف الذي تُبْنَى عليه المسئولية وتكوين حكومة لبلادنا المحروسة، وبالنظر إلى ما تحققناه فيكم من الكفاءة والاستقامة؛ عزمنا بعد الاستعانة بالله — عز وجل — على توجيه منصب قاضي القضاة لعهدتكم وتعيينكم وكيلًا عن رئيس الوكلاء العظام، وقد اخترنا لبقية الوكالات حضرات الذوات الآتية أسماؤهم؛ وهم: ولدنا عبد الله بن الحسين لوكالة الخارجية، ويكون وكيلًا عن وكيل الداخلية، وعبد العزيز بن علي رئيس أركان حرب ووكيل رياسة الجند مع ترفيع درجته عن رتبته الحاضرة، والشيخ علي مالكي وكيلًا للمعارف، والشيخ يوسف بن سالم رئيس البلدية سابقًا وكيلًا للمنافع العمومية، والشيخ محمد أمين مدير الحرم الشريف سابقًا وكيلًا للأوقاف مع بقائه في نظارة أمور الحرم وكل ما يتعلق بوظيفته الشريفة، والشيخ أحمد بن عبد الرحمن باناجة وكيلًا للمالية؛ وذلك لما توسمناه من درايتهم واستعدادهم للسهر على مصالح البلاد وأهلها على ما يرضي الله، وإننا ننتظر منكم المبادرة إلى تأسيس الدوائر والدواوين الرسمية وتعيين العمال والموظفين لها، وأرجو الله — سبحانه — أن يجعلنا مظهر توفيقه وهداه في كل ما يحبه ويرضاه.
في ٧ ذي الحجة الحرام سنة ١٣٣٤شريف مكة وأميرهاالحسين بن علي
بما أننا قد استنسبنا تعيين هيئة أطلقنا عليها اسم «مجلس الشيوخ»، وجعلنا وظيفة هذا المجلس النظر في كل ما يتعلق بمنافع البلاد والمراقبة على أعمال الدواوين والدوائر الرسمية وإبداء الرأي فيما تعرضه الدوائر على مقام وكيل رئيس الوكلاء، وسيقرر فيما بعد صلاحية هذا المجلس العالي. وقد جعلنا رئيسًا له جناب الفاضل الأجل فاتح بيت الله الحرام الشيخ محمد صالح الشيبي، وأعضاءه حضرات الأفاضل الأجلاء: مفتي الشافعية السيد عبد الله بن محمد صالح الزواوي، ومفتي المالكية الشيخ عابدين حسين، والشيخ عبد القادر بن علي الشيبي، ونائب الحرم السيد إبراهيم بن علي، ووكيل شيخ السادة السيد محمد بن علوي السقاف، والشيخ عبد الله علي رضا، والشيخ علي بن عبد الله الشرباصي، والشيخ أبو بكر بن محمد خوقير، وذوي السيادة والشرف حمزة بن عبد الله الفعر، وفتن بن محسن، وسليمان بن أحمد بن سعيد، وناصر بن شكر. ولتبليغهم ما ذُكِرَ اقتضى تحريره في ٧ ذي الحجة سنة ١٣٣٤.
شريف مكة وأميرهاحسين
هذا ولم تعين الحكومة العربية إلى الآن معتمدين لها في عواصم دول الحلفاء والدول المحايدة، ولعلها تفعل ذلك قريبًا. أما معتمدها الحالي في القاهرة فشاب من خيرة شبان العرب وأشرف الأسر العربية في العراق، جاء مصر في أوائل سنة ١٩١٦، فخدم العرب فيها خدمًا عظيمًا بما أوتيه من الفطنة والإخلاص والتفاني في سبيل المصلحة العامة، وقد سافر إلى الحجاز قبيل إعلان الثورة العربية، فتفاهم مع القائمين بها، ثم عُيِّنَ وكيلًا لجلالة ملك العرب في القطر المصري، فما لبث أن عاد إليه بعدما أقام في الأقطار الحجازية أسبوعًا وبعض الأسبوع.
فليحيَ ملك العرب
بايع العرب صاحب الجلالة الهاشمية الحسين بن علي بالملك عليهم يوم الخميس في ٦ محرم سنة ١٣٣٥ هجرية الموافق ليوم ٦ أكتوبر سنة ١٩١٦ مسيحية، فما أزفت الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم حتى كان جلالة الملك المعظم قد جاء من القصر الملكي إلى مدرسته الملاصقة لبيت الله الحرام، فدخلها يحف به آل البيت وعلماء الشرع ووجوه الأمة. ولما استقر بهم المقام سلم حضرة صاحب الفضيلة نائب رئيس الوزارة عريضة أهل الحل والعقد إلى حضرة الشيخ عبد الله الخطيب ليتلوها على مسامع من لم يسمعها من رجال الأمة، فصعد حضرة الخطيب على دكه أُقِيمَتْ أمام رواق الحرم الشريف، وقرأها على الجماهير، فقابلوها بسرور لا يُوصَف، ثم أقبل حضرة قاضي القضاة على يد صاحب الجلالة الهاشمية ملك البلاد العربية فبايعه بالملك، وتبعه حضرات الأشراف والسادة ورجال الدولة والعلماء والأعيان ووفود البلاد فجماهير الأمة على اختلاف طبقاتها، وكان رجال الشرطة يحافظون على النظام بكل دقة وانتباه، وقد رأى حضرة قاضي القضاة بعد أن تشرف بضعة ألوف من الناس بشرف المبايعة السعيدة أن الوقت لا يتسع لاستمرار الألوف الكثيرة في ذلك، فطلب منهم أن يجيزوه في أخذ البيعة عنهم، فأجازوه إجازة إجماع عام مطلق، فبايع عنهم على مسمع منهم، ثم صعد حضرة الشيخ عبد الملك مرداد على الدكة فتلا دعاءً بليغًا خشعت له القلوب وأمنت عليه الألسنة، وعند ختام الدعاء عاد جلالة الملك المحبوب إلى المدرسة، فلبث فيها برهة ثم سار في موكبه الفخم إلى الديوان الهاشمي العالي، وجماهير الأمة تهتف له بالنصر والعز والتأييد، وتلاميذ المدارس مصطفة تحت الأعلام العربية المنصورة تنشد أناشيد الحماسة والاستبشار بالمستقبل الباهر السعيد. ولما وصل الموكب الفخم إلى القصر الملكي العالي أقبلت ألوف الناس من العظماء والأعيان والتجار ومن في طبقتهم للتشرف بالأعتاب الهاشمية، وأخذ الخطباء والشعراء يتبارون في بيان عواطف الأمة بهذا العيد الأعظم للعرب والإسلام.
وأبلغت وزارة الخارجية العربية خبر مبايعة صاحب الجلالة الهاشمية بالملك إلى وزارات الخارجية في دول الحلفاء وفي الدول المحايدة، طالبة منها الاعتراف بجلالة الملك حسين ملكًا على العرب واسترداد ملك العرب من الترك مغتصبيه.
ولقد رأى جلالة ملك العرب أن يبدأ ملكه السعيد الجد الميمون الطالع بالذكر الحسن والأثر الخالد، فأمر بأن تُوَزَّعَ خمسة وعشرون ألف جنيه من جيبه الخاص على ذوي الحاجة، تفريجًا للكرب وإزالة لأسباب الضيق والضنك، وصدرت إرادته السنية بأن تُؤَلَّفَ لجنة من الكبراء والعظماء تتولى توزيع تلك النقود وتسوية مشاكل الأجور والرهون والديون تسوية ترضي الخاصة ويقبلها العامة، فتم الأمر على ما يُرَام، وأُزِيلَ الضيق، وسُوِّيَ كل خلاف بين المؤجر والمستأجر والمدين والدائن، فشكر العرب لصاحب الجلالة الهاشمية كرمه الذي عم وشمل جميع المحتاجين منهم وما كان من عظم اهتمامه بشئونهم.
وكان لعقد البيعة بالملك لصاحب الجلالة حسين بن علي سرور عام في البلاد العربية من أقصائها إلى أقصائها، فأتت وفود العرب مكة المكرمة من كل حدب وصوب يحدوها الإخلاص وصدق الولاء داعية لجلالته بالعز والتأييد ولجيشه الباسل بالفوز والنصر.