المسألة العربية
نبذة جغرافية – نبذة تاريخية – العرب والترك في الماضي – العرب والاتحاديون – ظهور الجمعيات العربية – المؤتمر العربي الأول – أعماله موقف – الاتحاديين إزاءه
* * *
تُعْرَف المسألة العربية بما عُرفت به المسألة الشرقية؛ لأنها فرع منها، فهي «نزاع شديد بين الترك الذين استأثروا بالسلطة في الماضي وعقدوا النية على الاستئثار بها في المستقبل أيضًا مع جهلهم وفقرهم وقلة عددهم من جهة، والعرب الذين يطلبون المساواة باسم الحق والقانون والقوة من جهة أخرى، واهتمام أوروبا بهذا النزاع ودخولها فيه سدًّا لأطماعها وتحقيقًا لأمانيها المتناقضة»، وقد كانت المسألة العربية من أهم أسباب الحرب، ولا سيما الحرب العثمانية؛ لأن أطماع ألمانيا في البلاد العربية بلغت حدًّا لم يسع إنكلترا وفرنسا وروسيا السكوت عنه، ولأن الاتحاديين الذين تآمروا على كيان العرب مع الألمان لم يروا بدًّا من دخول الحرب شدًّا لأزرهم ورغبة في انتهاز الفرصة لضرب الأمة العربية ضربة لا تقوم لها قائمة بعدها، فقد قال أحد زعماء الترك في هذا الشأن ما تعريبه: «لا أمل لنا بعد الآن بأن نحكم البلاد العثمانية كمستعمرة تركية، ولا سيما البلاد العربية التي فتحها أجدادنا بالسيف؛ لأن حكومتنا صارت دستورية لسوء الحظ، ولأننا نحن الأقلية في الدولة، فإذا خضنا غمار الحرب الأوروبية وحالفنا النصر قضينا على العناصر غير التركية أعظم قضاءٍ، وكفلنا الحكم لعنصرنا زمانًا طويلًا، وإذا انكسرت جيوشنا وضاعت بلادنا فلا نخسر شيئًا؛ لأن مستقبل الدولة ليس لنا، ولأن الحكم ذاهب من يدنا على كل حال، ومن بعدنا الطوفان.»
والمسألة العربية ظهرت في عالم الوجود بانقراض دولة العرب، وتعقدت بظهور غلاة الترك من الاتحاديين واستلامهم زمام الأمور وإيرادهم الدولة موارد الحتوف واحتقارهم للإسلام والعرب وجورهم واستبدادهم وطغيانهم.
(١) نبذة جغرافية
- سورية: وتُقَسَّم سورية الآن إلى ثلاث ولايات، وهي: حلب والشام وبيروت، ومتصرفيتين، وهما: القدس وجبل لبنان، وعدد سكانها من البدو والحضر لا يقل عن ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة.
- العراق: ويُقَسَّم العراق إلى ثلاث ولايات، وهي: بغداد والموصل والبصرة، وإلى متصرفية واحدة هي متصرفية الزور، ويشمل قسمًا من ولاية ديار بكر، وعدد سكانه من بدو وحضر يزيد على ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف نسمة.
- شبه جزيرة العرب: وتُقَسَّم شبه جزيرة العرب الآن إلى عشرة أقسام، وهي: الحجاز واليمن
وعسير ونجد وحضرموت وعمان والقطر والبحرين والكويت وبادية
الشام.
- (١) الحجاز: بلاد واقعة غربي جزيرة العرب بين اليمن وعسير، وأشهر مدنها: مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وليث وينبع، وأشهر أسرها وقبائلها الشرفاء، وهم سلالة الشريف أبي نمي القرشي، وقريش وهذيل وسبيع والبقوم وبنو مالك وابن الحارث والحجادلة وفهم وحرب وبنو سالم وبنو مسروح وعتيبة وسليم ومطير وثقيف وجهينة، وغيرهم.
- (٢) اليمن: تُقَسَّم بلاد
اليمن إلى قسمين: جبل وتهامة، فأشهر مدن جبل صنعاء ومناخة
وعمران وذمار، وأشهر مدن تهامة بيت الفقيه وباجل وزبيد، وفي
اليمن مواني عديدة أشهرها الحديدة.
وأشهر قبائل اليمن حاشد وبكير والعود والشعر وعمار وبنو الأهدل والجرايح والزرانيف وغيرهم.
- (٣) عسير: وبلاد عسير قسمان أيضًا: تهامة وجبل، فأشهر مدن تهامة صبيا وأبو عريش، وأشهر مدن جبل أبها ومحايل ورغدان والنماص، وفي بلاد عسير مواني عديدة أشهرها قنفده وجيزان، وأشهر قبائل عسير غامد وزهران وشمران وخثلم والمحلف ومعاوية وبنو سلول وبنو شهر وبنو عمرو وزبيد وقحطان وشهران وربيعة وكنانة وبنو قيس وبنو مروان وبنو عبس وبنو زيد وبنو شهاب وبنو حسن، وغيرهم.
- (٤) نجد: وتُقَسَّم نجد إلى ثلاثة أقسام: الأول العروض أو العارض أو الرياض؛ حيث إمارة ابن السعود، والثاني الجبل أو جبل شمر أو جبل طي وعاصمته حائل وهو إمارة ابن الرشيد، والثالث القصم وهو عبارة عن إمارتين؛ إمارة آل سليم وإمارة آل مهنا.
- (٥) حضرموت: بلاد واقعة بين اليمن وعمان، فالبلاد المجاورة لليمن عبارة عن سلسلة من الآكام أعلى قمة فيها ترتفع عن سطح البحر نحو ٢٤٠ مترًا، والبلاد المجاورة لعمان عبارة عن سهل واسع. وحضرموت بلاد خصبة وكثيرة المياه، أهم موانيها ومدنها المكلة والشحر وشبام وتريم ومريط وسجه، وأهم قبائلها آل أبو زيد وآل أبو رشيد وآل مرعي والعوامر والعوايثة وبنو تميم.
- (٦) عمان: بلاد واقعة إلى الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب، عاصمتها مسقط، وسلطانها تيمور بن فيصل، وتُقَسَّم إداريًّا إلى تسع مقاطعات؛ وهي: قطر وشرجة ورأس الجبل وباطنة وجبل أخضر — مسقط — وظهيرة وسور وجبلان وظفار، وعدد سكانها نحو مليونين، وأهم مدنها مسقط وسور والبيضاء وشوة ورستاق.
- (٧) القطر: بلاد واقعة إلى الشمال الشرقي من شبه جزيرة العرب، مساحتها السطحية ٤٣ ألف وخمسمائة كيلومتر مربع، وأهم مدنها البداع وكره، وأميرها الحالي عبد الله بن قاسم.
- (٨) البحرين: يُطْلَقُ هذا الاسم على بلاد واقعة بين عمان والأحساء، وعاصمتها هجر، وعلى جزائر في خليج العجم، أميرها الحالي الشيخ عيسى آل خليفة.
- (٩) الكويت: ميناء بحري على خليج العجم، وإمارة مستقلة، أميرها الحالي الشيخ جابر الصباح بن الشيخ مبارك الصباح المتوفى في أواخر سنة ١٩١٥.
- (١٠) بادية الشام: أو بادية
الشام والعراق، وتسكنها قبائل شتى، أهمها: الرولا وشيخها نوري
الشعلان، وأولاد علي وشيخهم رشيد بن سمير، وبنو صخر والمحلف
وغيرهم في بادية الشام، وعنزة وشيخهم الأكبر فهد بن عبد
المحسن، وطي وشمر وزبيد والإمارة وبنو لام وغيرهم في
العراق.
وفي شبه جزيرة العرب صحاري واسعة لا تزال مجهولة إلى الآن، ولا يعرف أحد بالتدقيق عدد العرب في شبه الجزيرة، ولكنهم على كل حال لا يقلون عن ٢٥ مليون نسمة.
(٢) نبذة تاريخية1
العرب من الأمم السامية «نسبة إلى سام بن نوح»، فمنهم أمم بادت بانقراض العصور الأول، وأشهرهم عاد وثمود وطسم وجديس، ومنهم أمم بقيت هم: بنو قحطان وبنو عدنان، فالقحطانيون — ويُسَمُّون بالعرب العاربة — هم بنو يعرب بن قحطان، الذي يُقَالُ إنه أول من تكلم بالعربية، واتخذ بلاد اليمن مسكنًا، أما العدنانيون فيُنْسَبُون إلى إسماعيل بن إبراهيم، وكان إبراهيم قد أنزل ولده إسماعيل مع أمه هاجر بمكة وبنى البيت الحرام، فكثر نسله هناك.
(٢-١) مدنية العرب قبل الإسلام
كان للعرب مدنية عظيمة قبل الإسلام في اليمن والحيرة والشام والحجاز؛ ففي اليمن كانت قاعدة الملك صنعاء، وكان المالكون فيها أفيال حِمْيَر، ومن ملوك حمير بلقيس، وكانت معاصرة لسليمان بن داود ملك بني إسرائيل بأورشليم.
وكان ببلاد اليمن قصور عظيمة، منها قصر غمدان بظاهر صنعاء، وله غرف شهيرة يسمونها المحاريب، وهو محكم البناء بديع الصنع.
وأما في الحيرة، فكان الملوك من لخم إحدى قبائل اليمن التي وصلت بعد سيل العرم، ومن أعظم ملوكهم جذيمة الأبرش والنعمان بن امرئ القيس، وهو الذي بنى قصر الخورنق وقصر السدير، وهما من أعظم المباني العربية.
أما في الشام، فكان الملك في آل غسان، وهم من قحطان، رحلوا من اليمن بعد سيل العرم، وأول من تولى الشام منهم جفنة بن عمرو، وهو الذي تُنْسَبُ إليه ملوك الغساسنة، فيقال آل جفنة.
وبَنَى جفنة بالشام مصانع عديدة، وتعاقب ملوك غسان على الشام وما والاها، واتسعت مدينتهم، وعظم عمرانهم.
أما في الحجاز فكان التقدم والرياسة لقريش، ولكنهم لم يكونوا يُسَمَّوْن ملوكًا.
وهكذا بقية القبائل العربية، فإنه لم يكن لهم ملوك، وإنما كان لهم رؤساء ومشايخ وقضاة، وكلما كان الرئيس أقدم محتدًا وأوسع ثروة كان احترامه أعظم.
وكان معظم العرب أميين لا يقرأون ولا يكتبون، بل يعتمدون على حافظتهم في حفظ الخطب والأشعار إلى أن أخذوا الخط من الأمم المجاورة، وآخر من وصل إليهم الخط عرب الحجاز، ثم ساعد الإسلام بعد ذلك على نشره بين الأفراد؛ ولذلك لم تكن للعرب في ذلك العهد علوم مدونة، وإنما كانت عندهم محفوظات يتوارثونها تقليدًا.
(٢-٢) العرب بعد الإسلام
سار العرب بعد الإسلام في خمسة عصور مختلفة بالنسبة إلى الانقلابات السياسية والاجتماعية التي مرت بهم.
عصر الخلفاء الراشدين
وهو يمتد من وقت ظهور الإسلام إلى سنة ٤١ﻫ، وفيهِ تهذبت اللغة بوجود القرآن الشريف، وما فيهِ من فصاحة وبلاغة، وكثرت مسمياتها واصطلاحاتها لاختلاط العرب بالأمم الأخرى التي افتتحوا بلادها وامتزجوا بأهلها، وأثر هذا الاختلاط في نفوسهم وآدابهم، ولكن ثمار هذا التأثير لم تنضج إلا في عصر الأمويين.
العصر الأموي
وهو من سنة ٤١ﻫ إلى سنة ١٣٢ﻫ؛ إذ كانت الدولة العربية في حوزة الأمويين بالشام منذ بُويِعَ معاوية بالخلافة سنة ٤١ﻫ، حتى قهرهم عليها العباسيون سنة ١٣٢ﻫ. وقد أحدث انتقال الدولة العربية إلى بني أمية انقلابًا عظيمًا في التاريخ العربي؛ فقد كانت في زمن الراشدين خلافة، فصارت في عهد الأمويين ملكًا، وكانت شوروية فأصبحت إرثية، وانتقلت بكرسي الخلافة إلى الشام، فأوجب ذلك احتكاكها بالدول الأخرى، فاقتبس أهلها تمدن الأمم المجاورة وعلومهم، وأوجدوا تمدنًا خاصًّا بهم، ووضعوا علومًا وآدابًا اقتضاها ذلك التمدن، وفي جملة ما وضعوه علم النحو؛ لأن الفساد كان قد تطرق إلى اللغة بمخالطة الأعاجم فوضعوا قواعد لضبطها، واهتموا لتدوين التاريخ في اللغة العربية، وأول ما شرعوا به كان التاريخ الأجنبي، وقصدهم به فائدة الخلفاء وإطلاعهم على أحوال الأمم الأخرى ليقتبسوا من أخبارهم كل محمدة.
وقد أزهر الشعر في زمن الأمويين، وارتقت الخطابة، وراجت سوق الأدب، وكثر الشعراء، ونظموا في كل باب.
وفي عصرهم وُضِعَ الفقه والتفسير والنحو، وفيهِ رسخت اللغة العربية، وضُبِطَ الخط، وفيهِ بُدِئَ بنقل العلوم الطبيعية إلى اللغة العربية.
العصر العباسي
وهو من سنة ١٣٢ﻫ إلى سنة ٦٥٦ﻫ؛ أي مدة خمسة قرون ونيف، وقد تقلبت الأحوال فيها على ما اقتضته السياسة والاجتماع.
ففي القرن الأول بلغت الدولة العربية قمة المجد والسيادة والثروة، وساعد خلفاؤها على انتشار العلم وإكرام العلماء والأدباء، فنبع عندهم النحاة واللغويون والمؤرخون والشعراء والفقهاء والمفسرون والمحدثون والفلاسفة والأطباء، وعلى الجملة فإن الدول العربية لم يكن لها مثيل في العالم قاطبة من حيث العدل في الأحكام والاهتمام لأمور المملكة، وتفاني الخلفاء في الحرص على رفاهية شعبهم وصيانة مصلحته وترويج العلم والأدب بين أفراده.
وجعل العباسيون عاصمة ملكهم بغداد على حدود بلاد الفرس الذين كانوا قد نصروهم في حروبهم، وجعلوا أكثر وزرائهم وقضاتهم ورجال حكومتهم من الفرس بعد أن كان كل رجال الدولة في أيام الأمويين من العرب، والفرس أهل مدنية قديمة، وكانوا يومئذ في نهضة علمية بدأت في زمن كسرى انوشروان، فكان البرامكة يساعدون أهل العلم، ويبدرون الأموال بسخاء استحثاثًا لقرائحهم، فكانت لهم بذلك أيادٍ بيضاء في نقل العلم القديم إلى العربية.
أما في القرن الثاني فقد تسلط الأتراك على أمور الدولة، واستبدوا بالأحكام، وقد بدأ استبدادهم في أيام المتوكل على الله الذي كان يكره الشيعة العلوية، وهم من الفرس فاستبد المتوكل فيهم وقرب الأتراك منه لينصروه عليهم، فطمعوا به، ثم اتفقوا مع ابنه المنتصر على قتله فقتلوه، وكان ذلك أول جرأتهم على الخلفاء، واستفحل أمر الأتراك بعد ذلك، وزادوا استبدادًا وبطشًا، وأصبح الخلفاء آلة في أيديهم.
وفي القرن الثالث دالت دولة العرب في الشرق، أما الأندلس فكانت في أوج الرقي والثروة، وقد راجت فيها سوق الأدب ونبغ العلماء والكتاب والشعراء والأدباء والفلاسفة والصناع الماهرون، وكان في قرطبة — عاصمة الملك في الأندلس — مكتبة عظيمة لم يكن في العالم مثلها، فقد ذكر ابن خلدون والمقري أنها كانت تحوي ٤٠٠٠٠٠ مجلد، ومتى كانت البلاد على مثل هذا الرقي العلمي فلا عجب أن بلغت المقام الأسمى من العمران والفلاح.
وكذلك مصر في عصر الدولة الفاطمية العربية، فإنها نالت حظًّا من الفلاح والرفاهية لم يكن لها مثله في زمن من الأزمان.
إلا أن الحال لم تكن على هذا المنوال في البلاد التي دخلها الأعاجم؛ حيث أخذ الفساد يتطرق إلى الأحكام بما بثته المنازعات والتحزبات من بذور الشقاق والتحامل، فتفرق رجال الأحكام شيعًا وأحزابًا، وكان من وراء تفرقهم أن استظهر عليهم أعداؤهم، فتضاءلت سلطتهم شيئًا فشيئًا، ودالت دولتهم، وانكمش ظل ملكهم في بقع صغيرة من الأرض بعد أن كانوا قد بسطوا سلطانهم على بلاد العرب وسورية جملة، ورفعوا أعلامهم من ضفاف الكنج شرقًا إلى شواطئ البحر الأتلانتيكي غربًا، ومن ضفاف نهر لورا شمالًا إلى أواسط إفريقيا جنوبًا، واحتلوا جانبًا من بلاد الروم، وانتشر أريج فتوحاتهم وانتصاراتهم في أنحاء الأرض شرقًا وغربًا.
وقد نتج عن ذلك تفرق العلماء والأدباء هربًا من الظلم والاستعباد للأعداء الذين قهروهم وأخذوا يصبون عليهم جام تعصبهم وانتقامهم، فخبا بذهابهم ضياء العلم، وأظلم وجه المدنية وتسرب اليأس إلى القلوب.
وفي القرن الرابع ظهرت الدولة السلجوقية، فلم تكتفِ بأن تكون فرعًا للدولة العباسية، بل ظهرت بمظهر الدولة المستقلة، وقد ساعدها على ذلك انقسامات الدولة العباسية، فاكتسحتها، وبلغ اتساع المملكة السلجوقية من حدود الصين إلى آخر حدود الشام، ودخلت بغداد في قبضة يدها سنة ٤٧٠ﻫ.
وفي هذا العصر أيضًا دالت دولة الأندلس، وانقسمت إلى إمارات صغيرة، فضعف العرب فيها، وجعل الإفرنج يغتنمون ضعفهم ويسترجعون بلادهم إلى أن ذهبت جميعها من أيديهم، وفر آخر ملك من ملوك الأندلس في سنة ٨٩٧ﻫ، وهو أبو عبد الله بن علي.
وعند سقوط دولة العرب بالأندلس كانت دولة الأتراك على أشد ما يكون من قوتها، وأبسط ما يمكن من سلطانها، فلم تأخذ بيد أولئك التعساء، بل وقفت مكتوفة الأيدي تنظر بارتياح إلى ما يجري من ثل عروشهم حتى يتفرد الأتراك بالسلطة والخلافة على المسلمين، ولا بأس من أن نورد في هذا المقام ما عاتب به الأتراك في مرثيته للأندلس أبو البقاء الرندي؛ إذ يقول:
وفي القرن الخامس تفاقم خطب العرب ولا سيما بعد الحروب الصليبية التي أثارها الفرنج على سورية وفلسطين.
وفي أوائل القرن السادس ظهر جنكيزخان القائد المغولي، وحمل على الممالك الإسلامية، وكانت حينئذٍ مقسومة إلى أتراك وعرب، فاكتسحها، وخرب أكثر مدنها، وأحرق مكاتبها، ومثَّل بأهلها تمثيلًا فظيعًا. وجاء من نسله هولاكو، ففتح بغداد، وقتل خليفتها المستعصم سنة ٦٥٦ﻫ، وفرَّ من نجا من العباسيين إلى مصر، فانتقلت الخلافة العباسية إليها.
العصر المغولي
وهو من سنة ٦٥٦–٩٢٣؛ أي نحو ثلاثة قرون، كان العالم الإسلامي فيها تحت حكم المغول والترك والعرب، امتدت سلطة المغول فيهِ من حدود الهند شرقًا إلى حدود سوريا غربًا، وحكم الترك من حدود سوريا شرقًا إلى حدود مصر غربًا، وساد العرب فيما وراء ذلك غربًا إلى شواطئ الأتلانتيك وفي اليمن.
وكانت مصر والشام حينئذ في حوزة المماليك، وهم أتراك وشراكسة ابتاعهم في أول الأمر السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وقربهم إليهِ ليكونوا له عونًا على أعدائه، فتكاثروا وعظم شأنهم رويدًا رويدًا، وأخيرًا استأثروا بالأحكام، وظل الملك في يدهم نحوًا من ١٣٢ سنة.
وكانت آسيا الصغرى في حوزة الترك، وكانت العراق وفارس في سلطة المغول.
وفي آخر هذا العصر دالت دولة الأندلس على ما قدمنا، وانحصرت سيادة العرب في اليمن والمغرب، وكانت اليمن إمارات صغيرة في زبيد وصنعاء وعدن، أما المغرب فتولتهُ دول صغرى في تونس والجزائر ومراكش بعضها عرب وبعضها بربر.
العصر العثماني
نشأت الدولة العثمانية بآسيا الصغرى في أثناء العصر المغولي، ولما قويت شوكتها فيها اجتاز العثمانيون البحر إلى أوروبا، ففتحوا القسطنطينية سنة (٨٥٧ هجرية/١٤٥٣ مسيحية)، واكتسحوا ممالكها وإماراتها حتى حاصروا فينا، ورفعوا أعلامهم على شبه جزيرة البلقان.
فلما اضطربت سياسة مصر وفسدت فيها الأحكام حمل السلطان سليم عليها وعلى الشام ففتحهما وألحقهما بالبلاد العثمانية سنة ٩٢٣ﻫ، واستوى سلاطين آل عثمان على عرش الخلافة من ذلك الحين.
وكانت الحكومة العثمانية من نوع الحكم المطلق أشبه ما يكون بحكم الطغاة، إرادة السلطان فيهِ فوق كل إرادة، فينقض ويثبت ما شاء من الأحكام وليس ثمت قيد ولا معارض.
ونشط سلاطين آل عثمان في بدء حكمهم إلى زيادة الفتوحات وتوسيع المملكة حتى سنة ٩٧٤ﻫ؛ أي إلى أواخر عهد السلطان سليمان الثاني، ومنه أخذت قوة العثمانيين تضعف بما كان منهم من القسوة في معاملة الأمة وقلة التدبر في تنظيم أحوال المملكة والجيش، فتألبت عليها القوات الأوروبية من جهة، ونخرت الفتن قلبها من جهة أخرى، فأصبحت حالها فوضى، وزاد استبداد السلاطين في الرعية، وجعلوا يتساهلون مع الدول الأجنبية بإعطائها بلادهم شطرًا شطرًا مقابل احتفاظهم بقسم من مملكتهم ولسان حالهم يقول: لندع الاهتمام لمن يأتي بعدنا، أما نحن فننعم بما في أيدينا.
كل ذلك والعرب يرون بأم عينهم بلادهم تتجزأ وخلافتهم تضعف، فلا يحركون ساكنًا مع أنهم أولى الخلق ببغض الأتراك وأحقهم بالانتقام منهم، كيف لا وهم مغتصبو ملكهم وخاربو ديارهم ومبيدو آثارهم والقاضون على لغتهم، ولكنهم أدركوا بعين بصيرتهم ما يتهدد بلادهم من الضياع وما يحيط بها من أطماع الدول الأجنبية، فبدلًا من أن يثوروا على الأتراك ويساعدوا على امتداد لهيب الفتن الداخلية التي تؤدي إلى إضعاف الدولة بحيث يسهل على الدول الأخرى ابتلاعها؛ جعلوا يعاونون الأتراك بإخلاص، ويعضدونهم بما وصلت إليه أيديهم وأفكارهم من قوة ومواهب، راضين من حظهم في حكومتهم بالاحتفاظ بدينهم، وما بقي من قوميتهم ولغتهم أن تتناوله أيدي الفناء.
ذلك كان السبب في صبر العرب على الأتراك قرونًا طويلة إلى أن استلم الاتحاديون زمام الأحكام، وبدأوا يتصرفون فيها على ما يرضي أهواءهم ومطامعهم، غير مكترثين لمصالح المملكة والأمة، فهاج هائج الغضب في صدور العرب حينئذ، وأخذوا يتدبرون فيما يجب عمله إنقاذًا لكيانهم من أنياب الكواسر.
ولحظ الأتراك منهم نظرات الانتقاد وعدم الرضى عن خطتهم، فأخذوا يضطهدونهم ويبطشون بأبطالهم الذين يخشون شرهم بغية أن تتوزع قوة العرب فلا يبقى عليهم ثمت خوف منهم.
على أن ذلك زاد العرب قوة وثباتًا في الدفاع عن كيانهم ورد غارة الإيذاء عن قوميتهم ولغتهم، وهكذا إذا كانت النفوس كبارًا، فكلما زيدت ظلمًا تمردت على الضيم واستبسلت في سبيل الذود عن حريتها واستقلالها.
(٣) العرب والترك «في الماضي»
إن البركان العظيم الذي انفجر في شبه جزيرة العرب فماد له الإسلام طربًا أخرج للعالم حادثًا جللًا في طليعة حادثات هذا العصر وقف التاريخ عنده ورمقه الدهر، ذلك أن أمتين شقيقتين من أعظم أمم الشرق افترقتا بعد اتحادهما الطويل افتراقًا سياسيًّا أبديًّا لا لقاء بعده إلا في ميادين القتال، فالأمة العربية صاحبة القرآن الكريم وحامية الكعبة الشريفة ودرع الإسلام المتين انفصلت عن الأمة التركية التي كفر زعماؤها بالقرآن واحتقروا الكعبة ولطخوا الإسلام بالعار بعد ما تصافتا قرونًا كان للترك غنمها وعلى العرب غرمها.
وليس ذلك الحادث ابن يومهِ، بل هو نتيجة انقلابات طرأت على الأفكار في السنوات الأخيرة فحررتها من قيود التعصب الديني، وجعلتها تنضم جملة تحت لواء الجامعة القومية والغيرة الوطنية، فغيرت بذلك كل اعتقاد سياسي واجتماعي، وأظهرت للعرب كافة أن اتفاقهم مع الترك كان شرًّا عليهم؛ لأنه لم يكن قائمًا على أساس القومية، فنشطوا لفصم تلك الصلات والظهور بمظهرهم الفطري، شعارهم الحرية، ورائدهم الاستقلال. ولا بدع؛ فالعرب باعتراف العالم المتمدن وشهادة التاريخ العادل قوم تفردوا بمكارم الأخلاق وطيب الأعراق ونبل الصفات وعلو الهمة والذكاء والشجاعة والشمم، يشهد لهم بذلك ماضيهم المجيد ومدنيتهم الزاهرة، فأمة هذه فطرتها ومزاياها لم تكن لتسقط إلى دركات الجهل والانحطاط ويُضْرَبُ المثل بضعفها وتفرق كلمتها لولا النير التركي الذي حملته عن طيبة خاطر إلى الآن باسم الوطنية والدين، فأرهقتها المظالم وغشيتها المغارم.
تربع الترك التورانيون في دست الأحكام بفضل العرب الذين سلموهم زمام الملك الإسلامي المترامي الأطراف، ونهضوا بهم من دركات الذل إلى مصاف الغزاة الفاتحين، واكتسحوا لهم الممالك، ودوخوا الأقطار، وامتلكوا باسمهم الأمصار، فلم يفقه الترك للحكم معنى إلا شن الغارات على الآخرين وتخريب مدنيتهم وإخضاعهم بالسيف، وقد قام الإسلام على أساس العدل والمساواة والعلوم والآداب في عهد العرب، فلما جاء الترك تغيرت الحال، فساد الجهل وعم الفساد؛ قتلوا الفنون والآداب الشرقية والغربية، وقضوا على مدنية الأمم التي حكموها، فما أبقوا لمدينة العرب أثرًا ولا عينًا، ومحوا العلوم حتى العلوم الإسلامية، فراجت السخافات والشعوذات في دولتهم، وصار العالم والتقي يُعْرَفَان في بلادهم بطول اللحية وكبر العمة.
* * *
فَقَدَ العرب باتحادهم مع الترك استقلالهم السياسي ومدنيتهم الزاهرة، وكادوا يفقدون قوميتهم ودينهم ولغتهم بعدما نُهِبَتْ أموالهم وخربت ديارهم، وأقفرت بلادهم وضرب الجهل أطنابه بينهم، فصار اسمهم محتقرًا ودينهم مهانًا. ونظر الغرب إلى ما حل بالشرق في عهد الترك، فألقى تبعة ذلك على الإسلام والعرب معًا، وقال: «إن الإسلام عقبة في سبيل الحضارة والارتقاء، وأن العرب اليوم ليسوا عربًا، بل هم رفات العرب البالية.»
هذا قسط العرب من الشركة العثمانية، وذلك قسط الترك منها، وشتان بين القسطين، فلا عجب والحالة هذه من انفصال العرب عن الترك، بل العجب كل العجب من عدم انفصالهم عنهم حتى الآن إن لم يكن من أجل العرب فمن أجل الإسلام على الأقل، وقد قال ﷺ: «إذا ذلت العرب ذل الإسلام.»
وليس موضوعي الآن درس المسألة العربية درسًا تاريخيًّا دقيقًا وإيقاف القارئ على الأدوار التي مرت بها منذ سلم العرب زمام الملك الإسلامي إلى الترك، فذلك ما يطول شرحه ويحتاج إلى مجلدات، وإنما غايتي الوحيدة البحث في الدور الأخير الذي مرت به هذه المسألة بحثًا تاريخيًّا إجماليًّا لإظهار الأسباب الخطيرة الشأن التي اضطرت العرب إلى الانفصال عن الترك، وإعلان الحرب على دولة الاتحاديين.
إن المسألة العربية قديمة العهد، وكره الترك للعرب معروف عند الخاص والعام في كل زمان ومكان، كما يظهر للقارئ من مراجعة التواريخ، ولا سيما تواريخ العرب وكتبهم وأشعارهم القديمة والحديثة، ولكن العرب أخلصوا للترك كل هذه القرون مع علمهم بما يضمرونه لهم من الشر لأسباب جوهرية، أهمها رغبتهم في رفع منار الإسلام والمحافظة على كيانهم القومي، وقد كانوا — والحق يُقَال — حتى الزمن الأخير متمتعين بحرية القول واستقلال العمل في بلادهم وغير شاعرين بسلطة الترك عليهم إلا بصورة اسمية، فكانت لغتهم وعاداتهم وتجارتهم وكل ما له صلة بحياتهم الاجتماعية حرة مستقلة، وظل زعماؤهم ورؤساء الأسر القديمة فيهم يحكمونهم ويديرون شئونهم في زمن الحرب والسلم إلى أواسط القرن الماضي، فجاء عالي باشا الصدر الأعظم المشهور حينئذ ودبر مذابح سنة الستين رغبة منه في حمل أوروبا على الدخول في الأمر دخولًا فعليًّا، يمكن حكومة الأستانة من القضاء على نفوذ زعماء العرب وإدارة شئون بلادهم كمستعمرة تركية، وقد نجح في دسيسته نجاحًا باهرًا، فما ابتدأت المذبحة وأنزلت فرنسا جيشًا في سورية حتى قامت الدولة وتعهدت لأوروبا بمعاقبة المجرمين عقابًا صارمًا، وكانت النتيجة أنها شنقت أعيان الشام وذلت الأشراف فيها، فغيرت نظام البلاد، واستأثرت بالحكم، فأدركت الغاية التي كانت تتوخاها.
وجاء بعد ذلك عبد الحميد، فاستمال فريقًا من العرب إليه بتعيين بعض العرب في مناصب عالية في الدولة، وكان الفريق الآخر أو فريق الأحرار شريدًا طريدًا خارج البلاد العثمانية مع بعض أحرار الترك، فتفاهم أحرار العرب والترك وأسسوا جمعية «تركيا الفتاة»، وكان أحرار العرب يعتقدون أن حكومة عبد الحميد بؤرة كل فساد في المملكة العثمانية، وأن إعلان الدستور يبعث في هذه المملكة حياة جديدة ترفعها إلى مصاف الدول الحية الراقية، فوجهوا كل عنايتهم إلى هذه الغاية وتناسوا كل شيء في سبيل تحقيقها.
(٤) العرب والاتحاديون «بعد الدستور»4
كانت الأمة العثمانية قبل إعلان الدستور العثماني على مستوى واحد من حيث الظلم الذي كان ينالها من الحكومة المطلقة، لا فرق بين مسلمها ومسيحيها وتركيها وعربيها، ومن شأن الحكومات المطلقة أن تساوي بين رعاياها في الظلم، كما أنه من شأن الحكومات الدستورية أن تساوي بين شعبها بالعدل. فالأمة العثمانية كانت سواء بالشكوى قبل الدستور، ولم تكن سواء بالشكر بعده.
إن الاستبداد من طبيعته تخدير القوى الجامعة وتقطيع وشائج الصلة بين أبناء الوطن الواحد؛ لكي تهن الأمة عن مناهضة السلطة المطلقة وتذل لعباد الشهوات من زعماء هذه السلطة، كما أن سلطة الأمة من طبيعتها تنبيه القوى الجامعة وربط أواصر الإخاء الوطني وبث روح الأنفة في النفوس لتساق إلى مستوى التكامل العام القائم على أساس الحرية والإخاء والمساواة.
تحققت طبيعة الاستبداد في الأمة العثمانية على عهد الحكومة المطلقة، ولم تتحقق طبيعة سلطة الأمة في عهد الحكومة الدستورية، فلم يستبدل الضعف والتقاطع والتخاذل والذل والرضوخ لسلطة الفرد بالقوة والاتحاد والعزة وتحقيق سلطة الأمة والتكافل العام على توطيد دعائم الحكومة الدستورية حكومة العدل والحرية والإخاء، فنشأ عن ذلك يأس عظيم من الإصلاح وسوء ظن متبادل بين العناصر العثمانية، ولا سيما العنصرين الكبيرين العرب والترك.
(٤-١) أسباب سوء الظن بالعرب
والغريب في الأمر أن شبان الترك أنفسهم هم الذين جعلوا الترك يسيئون الظن بالأمة العربية، ولا سيما الطبقة العالية فيها؛ ذلك أن هؤلاء الشبان الذين لجأوا إلى مصر على عهد مجيء مراد بك الداغستاني إليها (سنة ١٣١٤ هجرية) دبروا مع بعض المقامات العالية مكيدة لإرهاب عبد الحميد، وحمله على إعادة القانون الأساسي. وتلك المكيدة هي تخويفه من خلافة عربية، وتصوير تلك الخلافة له في صورة الحقيقة، فلم تنجح معهم هذه المكيدة، ولم تزده إلا وساوس فوق وساوسه.
وكان من أثر شيوعها بين الناس أن جعلها ذوو الأغراض وسيلة للاستفادة من وساوس عبد الحميد، فكرروها على المسامع إلى أن أحدثت أثرًا سيئًا في الأمة التركية حتى في الذين اختلقوها أنفسهم؛ إذ صار مثلها ومثلهم كمثل أشعب الذي ضايقه الصبيان مرة في الشارع، فتخلص منهم بأن قال لهم «فلان يوزع الآن نقودًا على الجمهور»، ثم ما لبث أن قال في نفسه بعد ذهابهم «ما أدراني أن هذا الأمر صحيحًا»، ثم اندفع وراءهم راكضًا ليأخذ نصيبه.
فهذه الشكوك وأمثالها التي خالجت الترك في نيات العرب والعناصر العثمانية الأخرى جسمت للاتحاديين صورة الخطر على سيادة عنصرهم، فأوجسوا خوفًا واستعجلوا في القيام على عبد الحميد تخلصًا من شره، وإنقاذًا للسلطة من يديه.
وقد وُفِّقُوا لنيل هذه الأمنية بمساعدة زعماء العرب وضباطهم وأحرارهم والمخلصين للدولة العثمانية من أبناء العناصر الأخرى.
* * *
أُعْلِنَ الدستور في (١٠ تموز/٢٣ يوليو) فقابله العرب بحماسة عظيمة، وتناسوا كل شيء حتى قوميتهم في سبيله، وانضموا إلى الترك قلبًا وقالبًا، اعتقادًا منهم بأنه لم يبقَ في الدولة عرب ولا ترك ولا أرمن ولا كرد، بل صاروا كلهم عثمانيين متساوين في الحقوق والواجبات، واتجهت أنظارهم إلى جمعية الاتحاد والترقي اتجاهًا لم يُعْهَدْ له مثيل في تاريخ الانقلابات.
فماذا جرى بعد ذلك العطف الشديد والسرور العام من صنيع جمعية الاتحاد والترقي وإجماع العناصر العثمانية كلها على الوفاق وتناسي الأحقاد الماضية ليسيروا في طريق حياتهم الجديدة، حياة الإخاء والحرية والمساواة؟ ماذا جرى حتى انقلب هذا كله إلى انشقاق وافتراق وتنافر وشحناء وجلبة واستياء؟ وكيف لم تحسن الجمعية الانتفاع بتلك القوة الهائلة قوة عطف العناصر عليها وتعاونهم على تعضيدها تأييدًا لمبادئ الحرية التي نادت بها يوم إعلان الدستور؟!
إن الأمة العثمانية صارت كلها كتلة واحدة مع الاتحاديين لما أظهروا أنهم معها، ولكن لما انفردوا عنها فارقتهم وعادت إلى الانقسام على نفسها بأشد مما كانت عليهِ في عصر الاستبداد.
انفصل الاتحاديون عن الأمة وصاروا في شق وهي في شق آخر منذ تظاهروا بالنعرة الجنسية، وأعلنوا ما كانوا يضمرونه من الاستمساك بمبدأ سيادة الترك لسائر العناصر العثمانية، فنبهوا بذلك العصب الحساس في العثمانيين كافة، فابتعدت قلوبهم عنهم، وعادت روح الجنسية إلى صدورهم، وهبت ريح التنافر والشقاق على البلاد العثمانية من تخوم أوروبا إلى شواطئ البحر الأحمر.
هذا الخطأ مع ما أضيف إليه من الأغلاط التي صدرت من حزبهم، ولا سيما استعمال سياسة الشدة والعنف مع الشعوب العثمانية الأخرى كان السبب الثاني لاضطراب الجامعة العثمانية؛ لأن هذه الشعوب شعرت بتغير مسلك الاتحاديين تغيرًا غير منتظر من حزب كان يعد نفسه حامي الحرية ومقدر سلطة القانون وهادم أركان الاستبداد، فأخذ سوء الظن يعود إلى النفوس والثقة المتبادلة تضعف وتزول.
بدأ ذلك منذ جعلت الحكومة الاتحادية القوة قاعدة لإصلاح الشعوب العثمانية، وأخذت تعقد القروض في أوروبا وتنفقها على الجيش لتضرب به العناصر غير التركية، ولا سيما العرب والألبان والكرد الذين كانوا أخلص العناصر لها وأشدهم تمسكًا بها، ولم يُعْهَد في تاريخ من تواريخ الأمم والحكومات إصلاح بغير طرق الإصلاح القانونية ونواميسهِ المدنية، وأهمها نشر العلم وتعميم المعارف ووضع قواعد العدل على أساس وطيد الأركان وإنماء موارد الثروة العمومية بالإنفاق على الأمور النافعة وحماية التجارة وتنشيط أهلها، وغير ذلك من ضروب الإصلاح التي هي أصل ترقي الأمة وسعادتها ومجدها وعلة التفافها حول حكومتها وتفانيها في سبيل الذب عنها.
أما هذا الضرب من الإصلاح — أي الإصلاح بالسيف، وجعل المملكة ميدانًا لسفك الدماء — فلم يُعْرَفْ في تاريخ من التواريخ، وإنما كان ميراثًا ورثه الاتحاديون عن أجدادهم التورانيين، فأساءت الدول المتمدنة الظن بهم من ذلك الحين، ورفضت أن تقرضهم المال بغير مراقبة أجنبية على مالية الدولة.
وهذه الأغلاط الكبيرة في سياسة حزب الاتحاديين انتقدتها الأحزاب البرلمانية كلها حتى جماعة من الاتحاديين أنفسهم، كالدكتور رضا توفيق المعروف بالفيلسوف، وغيره، ومما قاله الدكتور رضا توفيق في هذا الشأن سنة ١٩١٠ لمحرر جريدة بروجره دي سلانيك: «أنا على اتفاق تام مع الجمعية على أن البلاد في حاجة إلى حكومة قوية، ولكني أخالفها في استخدام القوة، وإذا كان وجودي في المجلس قضى عليَّ بأن أحمل على طلعت بك الممثل الأكبر للجمعية في الوزارة وصديقي ورفيقي منذ الساعة الأولى في جمعية الاتحاد والترقي، فذلك لاعتقادي بأن الواجب عليَّ أن أفعل ما فعلت، ولو سكت كغيري لكان ذلك خيانة لا يغتفرها الوطن لي. إن الدستور لا يكون إلا كلمة لا معنى لها إذا لم تحترم الحرية السياسية والحقوق الأساسية وحرية القول والكتابة والخطابة وإذا لم تعامل العناصر كلها معاملة واحدة بمقتضى أحكام الدستور.»
(٤-٢) شروع الاتحاديين بمناهضة العرب
علمنا مما سبق أن سياسة الاتحاديين هي التي نبهت الفكرة القومية في العناصر العثمانية، وأن جمعية الاتحاد والترقي إذا انتحلت عذرًا لسوء ظنها ببعض العناصر ولا سيما العناصر المكدونية، فلا عذر لها على سوء ظنها بالعرب الذين أخلصوا لها قبل إعلان الدستور وبعده، ولكن هذه الجمعية بدأت باضطهاد العرب قبل كل الشعوب العثمانية، فضربت بذلك أول معول في أساس الوحدة العثمانية والجامعة الإسلامية.
ذلك أن العثمانيين هبوا بعد إعلان الدستور كمن أفلت من عقال وأُطْلِقَ من سجن مظلم، فما لبثوا أن رأوا نور الحرية حتى جعلوا يؤلفون الجمعيات والمنتديات لبث روح التعاون في الأمة، فألف الألبان جمعية في الأستانة، وعقبهم الشركس والكرد، وكان للروم والأرمن جمعيات منظمة سرية، فجعلوها قانونية واقتفى العرب أثرهم، فألفوا جمعية «الإخاء العربي العثماني» في الأستانة وافتتحوا ناديًا بهذا الاسم.
فما نُوهِضَ قوم من أولئك الأقوام بهذا العمل الجليل إلا العرب، حتى إنهم اضطروا في النهاية إلى حل جمعيتهم، وإقفال ناديهم بأمر الاتحاديين، وكان هذا العمل أول بادرة من بوادر سوء الظن صدرت من جمعية الاتحاد والترقي، فسرت إلى العرب وأخذ الخطب يتفاقم من ذلك التاريخ.
هذا ولم تقف الشكوى حينئذ عند حد مناهضة الاتحاديين لجمعية «الإخاء العربي العثماني» بل تعدته إلى أمور أخرى أعظم شأنًا، منها استدعاء ضباط العرب من أوطانهم إلى الأستانة ومنعهم من الالتحاق ببعثة الضباط العلمية إلى ألمانيا، وعدم إدخال العرب المنتسبين إلى جمعية الاتحاد والترقي في اللجنة المركزية لهذه الجمعية وعزل موظفي العرب ودعوة أعضاء جمعية الاتحاد والترقي لكل زعماء العناصر العثمانية إلى مفاوضتهم في الشئون الداخلية، وعدم الاكتراث بزعماء العرب إلى غير ذلك من الأمور التي تؤلم العواطف وتؤثر في رابطة الوحدة العثمانية.
- أولًا: إقصاء عدد كبير منهم عن الوظائف التي كانوا فيها في الأستانة، ولا سيما في وزارتي الخارجية والداخلية بحكم قانون «التنسيق» — أي تغيير المأمورين — بحيث تناول هذا «التنسيق» كل المأمورين من أبناء العرب عمدًا، فكان الاتحاديون يكتبون في جداول التنسيق حرف ع — أي عربي — أمام اسم كل مأمور من أبناء العرب ليعرف «المنسقون» جنسيته.
- ثانيًا: عدم دعوة أبناء العرب إلى أي اجتماع غايته التأليف بين العناصر العثمانية.
- ثالثًا: عدم إدخال عربي من أعضاء الجمعية الاتحادية في اللجنة المركزية في سلانيك حتى الضباط العرب الذين كانوا أول من أعلن الدستور.
- رابعًا: عدم قبول أي عضو عربي من أعضاء الجمعية في المذاكرات السياسية التي كانت الجمعية تجتمع لأجلها في الأستانة.
- خامسًا: عدم قبول عربي في اللجان المركزية الاتحادية، وتحويل جمعية الاتحاد والترقي من جمعية عثمانية إلى جمعية تركية بحتة.
- سادسًا: انتزاع وزارة الأوقاف من وزير عربي وإسنادها إلى وزير تركي، بحيث لم يبقَ أحد من أبناء العرب في الوزارة.
- سابعًا: استبدال الولاة والمتصرفين والقضاة من أبناء العرب بولاة ومتصرفين وقضاة من الترك وعدم تعيين موظف عربي أو عارف باللغة العربية في سورية والعراق.
- ثامنًا: معارضة الاتحاديين لكل مشروع علمي أو أدبي في البلاد العربية، مثال ذلك أنهم عملوا على حل جمعية «النهضة السورية» الأدبية التي تألفت في دمشق، وألغوا الشركة التي تألفت في نابلس لإنشاء مدرسة منظمة فيها … إلخ.
- تاسعًا: مناهضتهم للغة العربية مناهضة غريبة في بابها، فقد نشر سفير الدولة في واشنطن سنة ١٩٠٩ إعلانًا حظر فيه على العثمانيين المقيمين في أميركا مخاطبة السفارة بغير اللغة التركية، مع علمه بأن الجالية السورية هناك لا يقل عددها عن نصف مليون، وأنه ليس بينها رجل واحد يحسن اللغة التركية.
وكان القائمقامون وبعض رؤساء المحاكم في سورية والعراق في ذلك الحين يتفاهمون مع الأهلين بواسطة الترجمان. وقد قال أحد المستشرقين النمساويين في حديث له مع جودت بك صاحب جريدة أقدام إنه سمع بأذنهِ شكوى أحد اليمنيين إلى الوالي بواسطة المترجم فعكسها المترجم عكسًا؛ أي إنه جعل الحنظل عسلًا، إلى غير ذلك مما يعرفه القراء ولا حاجة بنا إلى تعداده.
ولا ريب في أن هذا الخلاف كان يسهل حسمه في تلك الأثناء لو أظهر الاتحاديون أقل إخلاص للعرب؛ لأن حقوق العرب لم تكن كلها مهضومة كما صارت بعد سنة ١٩١٣، ولأن استياء الأمة العربية نشأ معظمه بعد ذلك عن شدة حب الاتحاديين للاستئثار بالسلطة وتورطهم في النعرة الجنسية تورطًا أدى إلى مناهضة العرب وإقصائهم عن المراكز السياسية والإدارية وغل يدهم في الأعمال النافعة والعمل على القضاء على لغتهم ومدنيتهم وعاداتهم.
* * *
وفي أواخر سنة ١٩٠٩ دعا بعض ضباط العرب وزعمائهم أصحاب الرأي من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى اجتماع طويل في الأستانة للبحث في التدابير التي يجب اتخاذها لحسم هذا الخلاف بين العرب والترك حسمًا نهائيًّا، وكاد هذا الاجتماع يسفر عن نتيجة مرضية لولا دخول بعض غلاة الترك — كأحمد أغايف بك ويوسف أقشورة بك وغيرهما — في الأمر وتفوههم بما يمس العرب ويزيد نفورهم منهم ويقضي على آمالهم فيهم.
وكانت الحال ساكنة في السنوات الأولى التي عقبت ثورة ٣١ مارس، وظلت كذلك إلى أن ظهرت نيات الاتحاديين لبعض زعماء العرب واضحة جلية بإرسالهم الحملة تلو الحملة على البلاد العربية، ولكن تلك الحوادث المؤلمة لم تؤثر كثيرًا في الرأي العربي العام لما أبداه الاتحاديون من الدهاء في ذلك الحين، فقد عينوا المرحوم سامي باشا الفاروقي قائدًا للحملة التي أرسلوها على حوران ليرضوا العرب بهذا التعيين ويقنعوهم بأنهم لا يضمرون لهم شرًّا، ولكنهم من جهة أخرى أحاطوا هذا القائد العربي الكبير بضباط معظمهم من غلاة الترك، فغلوا يدهُ بهم ونفذوا خطتهم باسمهِ ثم تنصلوا أمام العرب من تبعة الأعمال التي عزوها إليه، وكان هو بريئًا منها.
وعينوا عزت باشا قائدًا للحملة التي أرسلوها على اليمن وعزيز علي بك في أركان حرب تلك الحملة، وأولهما محبوب من العرب، والثاني من صميمهم وكبار زعمائهم، فلم يرَ العرب في ذلك ما يسوءهم، لا سيما وأن عزيز علي بك تمكن من حقن الدماء بما أبداه من المهارة وحسن السياسة، فأبرم اتفاقًا مع سيادة الإمام يحيى جاء في مصلحة الفريقين، ولا تزال الدولة تجني ثماره إلى الآن.
ولم تكن حالة العرب في تلك الأثناء قد ساءت كثيرًا، فكان نوابهم في مجلس المبعوثان من أفاضل النواب وكلمتهم مسموعة فيه وحالة بلادهم هادئة وصلاتهم بالاتحاديين حسنة في الظاهر؛ لأن فريقًا من زعمائهم لم يكونوا قد انفصلوا رسميًّا عن جمعية الاتحاد والترقي في ذلك الحين، ولأن هذه الجمعية كانت في حاجة ماسة إلى من يؤيدها ويستميل العناصر العثمانية إليها، فتمسكت بأحرار العرب وتظاهرت بالميل إليهم تحقيقًا لآمالها.
على أنه لما استتب الأمر للاتحاديين ورأوا نفوذهم في البلاد العثمانية عظيمًا أماطوا اللثام عن حقيقة حالهم، فأعلنوا خطتهم الجديدة على رءوس الأشهاد وعدلوا برنامج جمعيتهم تعديلًا جعلها تركية بحتة، فانفصل عنها حينئذ كل أحرار العرب والألبانيين والأرمن وبعض الترك الغيورين على مصلحة وطنهم، وجاهروا بمقاومتها بعدما استلم زمامها شبان من غلاة الترك لا خبرة لهم ولا وطنية ولا دين، وأنشأ أحرار الترك جمعية «الحرية والائتلاف» التي كانت غايتها منح الولايات العثمانية استقلالًا إداريًّا وإدارة شئون المملكة على أساس اللامركزية، فانتظم في سلك هذه الجمعية عظماء الترك ككامل باشا والبرنس صباح الدين وصالح باشا ورضا نور ولطفي فكري وعلي كمال وصادق بك وغيرهم، ومعظم مبعوثي العرب والأرمن والأروام والألبانيين وفريق كبير من القواد والضباط، وكان ذلك في إبان ثورة ألبانيا، فقامت هذه الجمعية بمظاهرة ثورية في الأستانة أسفرت عن سقوط وزارة الاتحاديين وحل مجلس المبعوثان وتعيين وزارة ائتلافية برئاسة مختار باشا ثم برئاسة كامل باشا، فسر العرب بهذا الانقلاب ورأوا فيه خيرًا لهم ونفعًا للبلاد.
وكانت الأزمة الخارجية شديدة جدًّا في تلك الأثناء؛ فحرب مع إيطاليا، وثورة في ألبانيا، واتحاد في البلقان، ومؤامرات واستياء في الداخل، وفراغ في الخزينة، وارتباك في الإدارة، وفساد في الجيش، كل ذلك من الإرث الذي تركه الاتحاديون لوزارة الائتلافيين في سنة ١٩١٢، فتفاقم الخطب واتسع الخرق على الراقع. ولكن الوزارة الائتلافية الجديدة لم تستسلم لليأس والقنوط، بل جعلت تعمل بهمة لا تني وعزم لا يفتر على إصلاح الحال الداخلية والخارجية.
ولما رأى البلقانيون أن الباب العالي نهج في سياسته الداخلية والخارجية منهجًا قويمًا قد يفقدهم ثمرة المعاهدات التي أبرموها بينهم بعد عناء عظيم انتهزوا الفرصة السانحة، وطلبوا من الحكومة العثمانية مطاليب عديدة في شأن مكدونية ثم عززوا ذلك بتعبئة جيوشهم وحشدها على حدود الدولة، وقد قرَّ قرار الباب العالي بعد مفاوضات طويلة مع الدول العظمى على أن يسوي مسألة مكدونية على ما يوافق مصلحة سكانها ويرضي الدول البلقانية ويحفظ حقوق الدولة العثمانية ومنزلتها اجتنابًا لحرب لم تكن الأمة على استعداد لها، وقبل أن يبلغ قرارهُ هذا إلى الدول العظمى قام الاتحاديون بمظاهرات عظيمة في شوارع الأستانة وأمام الباب العالي طالبين إعلان الحرب في الحال، وقابل وفد منهم مختار باشا الغازي الصدر الأعظم في ذلك الحين، فقال له «لقد حاربت يا باشا وصرت غازيًا، فدعنا نحارب نحن أيضًا، فإما أن نصير غزاة أو شهداء.» وكان من تشديد جمعية الاتحاد والترقي وفروعها وأنصارها من ضباط وملكيين على الوزارة الائتلافية أنها اضطرت إلى محاربة البلقانيين رغبة في تسكين الخواطر واجتنابًا لحرب داخلية مع علمها بسوء حالة الجيش وحاجة الأمة إلى السكينة والإصلاح.
(٤-٣) ظهور الأحزاب العربية
عقبت الحرب البلقانية الحرب الطرابلسية، فأشرفت الدولة العثمانية على الهلاك، وكثرت الأطماع في بلادها، وعُرِضَتْ المسألة الشرقية على بساط البحث في الصحف الأوروبية والأندية الرسمية وغير الرسمية، فرأى زعماء العرب أن الخطر على الدولة أقوى وأسرع مما كانوا يخشون، وأن الدولة التي عجزت عن حفظ الروملي وهو سياج الأستانة وحصنها أمام البلقان ستعجز بالأولى عن الدفاع عن البلاد العربية إذا هجمت عليها دولة قوية؛ إذ ليس فيها حصون ولا سلاح، وكان هذا الأمر منبهًا لكثير من أصحاب الوطنية من أبناء العرب إلى ما سبقهم إليه بعض أذكياء الترك، وهو الدعوة إلى وجوب جعل إدارة الدولة على أساس اللامركزية؛ لأن ذلك أدعى إلى عمران كل قطر واستعداده للدفاع عن نفسه حين الحاجة، فألفوا الأحزاب المعروفة عند القراء والجمعيات التي لا يعرفها إلا قليلون منهم لقلة انتشارها وانحصارها في فئة مخصوصة من شبان العرب، وهذه الأحزاب هي: حزب اللامركزية ومركزه مصر القاهرة ورئيسه سعادة الوطني الكبير رفيق بك العظم، وجمعية الإصلاح البيروتية وقوامها نخبة من أعيان سورية، والمنتدى الأدبي وقوامه خيرة شبان العرب، وجمعية البصرة الإصلاحية ورئيسها الزعيم الكبير السيد طالب بك النقيب … وأحزاب وجمعيات أخرى ملكية وعسكرية تأسست عقب فظائع الاتحاديين، ولا سيما الفظائع الأخيرة التي اقترفوها في سورية والعراق.
حزب اللامركزية
- المادة الأولى: أُلِّفَ حزب سياسي باسم «حزب اللامركزية الإدارية العثماني.»
- المادة الثانية: القصد من تأليف هذا الحزب بيان محسنات الإدارة اللامركزية في السلطنة العثمانية للشعب العثماني المؤلف من عناصر ذات أجناس ولغات وأديان وعادات مختلفة، والمطالبة بكل الوسائل المشروعة بحكومة تؤسس على قواعد اللامركزية الإدارية في جميع ولايات الدولة العثمانية.
- المادة الثالثة: ليس هذا الحزب خفيًّا، وليس فيه ما يُعَدُّ من الأسرار، فهو ينشر مقصده المبني على المطالبة باللامركزية الواسعة جهرًا وعلانية دون الخشية من أحد لاعتقاده يقينًا أن الدولة لا تبقى في العالم السياسي إلا إذا بُنِيَتْ حكومتها على أساس اللامركزية الإدارية.
- المادة الرابعة: إن الدخول في حزب اللامركزية مباح لكل عثماني بلغ العشرين من العمر، على شرط أن يكون أولًا: من المتمتعين بجميع الحقوق المدنية، ثانيًا: غير محكوم عليه بحكم مخل بالشرف، ثالثًا: غير مشتهر بسوء السيرة، رابعًا: أن يقبل القواعد المبينة في برنامج الحزب.
- المادة الخامسة: يكفي لمن يريد الدخول في الحزب أن يكون دليله أحد أعضاء الحزب مع موافقة لجنة الإدارة المحلية على ذلك، ولا يجوز قبول عضو ما دام من حزب يخالف هذا الحزب في المبدأ والغاية.
- المادة السادسة: للمنتمي إلى الحزب أن يستقيل من عضويته في أي وقت شاء.
- المادة السابعة: على العضو أن يدفع إلى الفرع المسجل فيه اسمه راتبًا شهريًّا أقله قرشان، ويقبل الحزب التبرعات، ويعفي الفقراء من الراتب.
- المادة الثامنة: لا يقيد الحزب أعضاءه بشيء غير قواعد البرنامج السياسي الذي وُضِعَ لأجله.
- المادة التاسعة: على النواب «المبعوثين» المنتمين إلى الحزب أن يسعوا بكل ما في وسعهم لتنفيذ قواعد برنامج الحزب في المجلس.
- المادة العاشرة: لا يسوغ لأحد من المنتمين إلى الحزب مراجعة الحكومة باسم الحزب من تلقاء أنفسهم، وإذا ثبت على أحد الأعضاء مثل هذا السلوك يُمْحَى اسمه من سجل الحزب.
- المادة الحادية عشرة: أن مركز الحزب العام في مصر القاهرة، ويجوز لكل بلد أو قرية اجتمع فيها عشرة من أهلها على مبدأ اللامركزية الإدارية أن يؤسسوا فرعًا له، ويخبروا المركز العام بذلك.
- المادة الثانية عشرة: تتألف اللجنة العليا للحزب من ٢٠ عضوًا يُنْتَخَبُ منهم رئيس، ونائب رئيس، وسكرتير، ومساعدان له، وأمين للصندوق، ويجوز لهذه اللجنة أن تضم إليها من ترى فيه فائدة للحزب.
- المادة الثالثة عشرة: إذا غاب الرئيس ونائبه يرأس الجلسة أحد أعضائها.
- المادة الرابعة عشرة: كل فرع من فروع الحزب يتبع المادتين ١٢ و١٣ في تأليف لجنته الإدارية وانتخاب الرئيس والسكرتير وأمين الصندوق.
- المادة الخامسة عشرة: يعقد كل فرع مؤتمرًا فرعيًّا محليًّا في شهر يونيو (حزيران) من كل سنة يحضره جميع أعضاء الفرع، وتعقد اللجنة العليا مؤتمرًا حزبيًّا عامًّا في مصر القاهرة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل سنة يحضره أعضاء اللجنة العليا وأفراد الحزب في المركز العام ومندوبون ترسلهم اللجان الفرعية.
- المادة السادسة عشرة: يرسل كل فرع للمؤتمر العام مندوبًا من قبله.
- المادة السابعة عشرة: تنتخب كل لجنة إدارية رئيسها وسكرتيرها وأمين صندوقها من أعضائها بالاقتراع السري، وتعرف المركز العام في القاهرة بنتيجة الاقتراع.
- المادة الثامنة عشرة: على اللجان الإدارية الفرعية أن تسعى بكل الوسائل المشروعة لنشر مبادئ الحزب وتعميمها بين الناس وتكثير أفراد المحازبين، والاجتهاد في سبيل انتخاب نواب لمجلس المبعوثين وللمجالس العمومية والإدارية والبلدية من الأكفاء الذين على مبدأ الحزب.
- المادة التاسعة عشرة: اللجنة العليا تضع تعديل القوانين واللوائح للحكومة اللامركزية، وتسعى مع سائر اللجان والأفراد إلى إقناع الشعب والحكومة بها.
- المادة العشرون: على اللجان الإدارية الفرعية أن تتخذ دفاتر لقيد قراراتها وأسماء الأعضاء وموظفي فروع الحزب وأمواله.
- المادة الحادية والعشرون: تجتمع اللجان كلما قضت الحال بدعوة من الرئيس أو نائبه، والعضو الذي لا يحضر الاجتماع أربع مرات متواليات من غير عذر يُعَدُّ مستقيلًا من عضوية اللجنة.
- المادة الثانية والعشرون: على السكرتير وأمين الصندوق في كل لجنة أن يقدما إلى تلك اللجنة في آخر كل سنة كشفًا ببيان إيرادات الفرع ونفقاته عن تلك السنة، وعلى كل لجنة أن ترسل صورة من هذا الكشف إلى اللجنة العليا.
- المادة الثالثة والعشرون: لا تعد مذكرات اللجان قانونية إلا إذا اجتمع نصف أعضائها على الأقل، وإذا كُرِّرَتْ الدعوة اكْتُفِيَ بمن حضر.
- المادة الرابعة والعشرون: للجنة كل فرع الحرية التامة في أعمالها إلا ما قيدتها به قرارات اللجنة العليا أو المؤتمر العام.
- المادة الخامسة والعشرون: على لجان الفروع أن ترسل إلى اللجنة العليا كل ثلاثة شهور كشفًا يحوي أسماء الذين دخلوا في خلال هذه المدة في الحزب، وأسماء الخارجين منه، وسبب خروجهم، والمتنقلين من مكان إلى مكان، وكشفًا آخر يحوي بيان أعمالها في المدة المذكورة.
- المادة السادسة والعشرون: على اللجنة العليا أن تراقب سير أعمال لجان الفروع وحسن تنفيذ قوانين الحزب.
- المادة السابعة والعشرون: على اللجنة العليا أن تهيئ لائحة عامة عن الحزب وأحواله، بناء على ما يرد عليها من اللوائح والكشوف من لجان الفروع، وترفعها إلى المؤتمر العام.
- المادة الثامنة والعشرون: تجتمع الجمعيات العمومية والمؤتمر العام في مواعيدها المقررة حسب المادة (١٥)، ويرأسها في كل مكان رئيس اللجنة الإدارية، وأما المركز العام فينعقد برئاسة اللجنة العليا.
- المادة التاسعة والعشرون: تنظر كل جمعية عمومية في نتيجة الحسابات، وفي بيان لجنة الإدارة عن أعمالها في السنة الماضية، وتصادق على الحسابات الختامية، وتقرر ما يجب العمل به في السنة المقبلة، وتنتخب نصف أعضاء مجلس الإدارة، وتُفَضُّ بعد انتهاء عملها.
- المادة الثلاثون: على سكرتير كل لجنة إدارية أن يقوم بضبط المحاضر ومقررات الجمعية العمومية، وعلى سكرتير اللجنة العليا ومساعديه أن يقوموا بضبط أعمال المؤتمر العام.
- المادة الحادية والثلاثون: من خصائص المؤتمر العام الاطلاع على بيان اللجنة العليا عن أعمال الحزب في السنة الماضية ورؤية حساباتها والتصديق عليها والمذاكرة في كل ما يُرْفَع إليه عن أعمال السنة المقبلة وتقريرها.
- المادة الثانية والثلاثون: كل تغيير وتبديل في برنامج الحزب السياسي الأساسي من حقوق المؤتمر العام، ولا يتم ذلك إلا بطلب تحريري من اللجنة العليا أو لجنة من لجان الفروع ويُعْمَل بغالبية الآراء.
- المادة الثالثة والثلاثون: على اللجنة العليا ولجان الفروع تنفيذ ما يقرره المؤتمر العام كل منها فيما يخصه.
الجمعية الإصلاحية البيروتية
- مادة أساسية: الحكومة العثمانية حكومة دستورية نيابية.
- المادة الأولى: تُقَسَّم إدارة الولاية إلى قسمين: القسم الأول هو المشتمل
على الأعمال المتعلقة بكيان السلطنة وشئونها الأساسية، وهي
المسائل الخارجية والعسكرية والجمارك والبوستة والتلغراف وسن
القوانين ووضع المكوس.
والقسم الثاني هو المشتمل على الأعمال المحلية المتعلقة بشئون الولاية الداخلية الخاصة.
فكل ما يتعلق بالقسم الأول منوط تقريره وإجراؤه بالحكومة المركزية، وكل ما يتعلق بالقسم الثاني منوط تقريره بمجلس الولاية العمومي.
- المادة الثانية: للوالي صفتان قانونيتان: الأولى تمثيل الحكومة المركزية،
وبهذه الصفة يتولى إجراء جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الأول
طبقًا لقرارات الحكومة المركزية.
والثانية تمثيل حكومة الولاية التي يرأسها، وبهذه الصفة يتولى تنفيذ جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الثاني طبقًا لقرارات المجلس العمومي. أما حقوق الوالي ووظائفه فهي: أولًا: تنفيذ قرارات المجلس العمومي. ثانيًا: الاعتراض على قرارات المجلس العمومي، على الشروط الآتي بيانها في باب «الوالي والمجلس العمومي». ثالثًا: الاطلاع على لوائح المشاريع التي تعدها «لجنة المجلس العمومي» لإبداء ملحوظاته عليها قبل تقديمها إلى المجلس. رابعًا: تعيين المتصرفين والقائمقامين والمديرين بعد عرض أسمائهم على الحكومة المركزية وفقًا لنظام يضعه المجلس العمومي. خامسًا: تعيين الطلاب الممتحنين الذين تعرض عليه لجنة الامتحان أسماءهم لأجل التوظيف. سادسًا: دعوة المجلس العمومي في الميعاد المعين لاجتماعه، ويمكنه دعوته لاجتماع فوق العادة بمصادقة لجنة المجلس أو «مجلس المستشارين».
- المادة الثالثة: يؤلف في الولاية مجلس عمومي من ثلاثين عضوًا يُنْتَخَبُ
نصفهم من المسلمين، والنصف الآخر من غير المسلمين لمدة أربع
سنوات، وهم ينتخبون منهم رئيسًا لهم بالاقتراع السري «أما سائر
الانتخابات العمومية فتُبْنَى على قاعدة التمثيل النسبي العددي
في دوائر الانتخابات.»
أما حقوق المجلس العمومي ووظائفه، فهي: أولًا: تقرير جميع أعمال الولاية الداخلية، والمذاكرة فيما يُعْرَض عليه من قبل الوالي أو لجنة المجلس أو عشرة من أعضائه. ثانيًا: وضع الأنظمة الداخلية بشرط أن لا تمس شئون السلطنة الأساسية. ثالثًا: عقد القروض التي لا تتجاوز قيمتها نصف الواردات المختصة بالولاية، أما القروض التي تتجاوز قيمتها هذا المبلغ فيلزم لها مصادقة الحكومة المركزية. رابعًا: إعطاء رخص لتأليف شركات مساهمة (آنونيم) عثمانية للمشاريع العمومية النافعة للتجارة والصناعة والزراعة وسائر الشئون العمرانية داخل الولاية على شرط أن لا تتضمن امتيازًا. أما المشاريع التي تتضمن امتيازًا، فيجب مصادقة الحكومة المركزية عليها، وتخول هذه الشركات الشخصية المعنوية، بمعنى أن يكون لها حق التملك. خامسًا: تقرير الضمائم الكسورية على المكوس المقررة. سادسًا: تقرير رواتب موظفي ومستشاري الدوائر التي هي بإدارة حكومة الولاية. سابعًا: حق استيضاح الوالي وطلب عزله، ولا يتداخل المجلس العمومي في الشئون السياسية العامة مطلقًا.
- المادة الرابعة: قرارات المجلس العمومي نافذة ما لم يعترض عليها الوالي بمصادقة مجلس المستشارين في خلال أسبوع من تاريخ تبليغه إياها، فيعيد المجلس النظر في قراره، وإذا أصر عليه بأكثرية ثلثي الأصوات يكتسب القرار الصفة القانونية القطعية، وعلى الوالي تنفيذه.
- المادة الخامسة: ينتخب المجلس العمومي بالاقتراع السري لجنة من أعضائه واحد
منهم من كل لواء واثنان من مركز الولاية لمدة سنة واحدة،
فتجتمع بإدارة مستشار المجلس العمومي.
أما وظائف اللجنة فهي: أولًا: مراقبة تنفيذ قرارات المجلس. ثانيًا: درس المشاريع اللازمة للولاية وإعداد لوائحها. ثالثًا: تعيين مهندسين اختصاصيين للاستعانة بهم في أعمالها. رابعًا: حق الاعتراض على الممتحنين الذين تقدم إليها «لجنة الامتحان» أسماءهم قبل عرضها على الوالي. خامسًا: دعوة المجلس العمومي لاجتماع فوق العادة باتفاق ثلثي أعضائها ومصادقة مستشار المجلس.
- المادة السادسة: الوالي وحاكم الشرع في مركز الولاية والدفتردار وباشمدير
الرسومات وباشمدير البوسطة والتلغراف وقومندان الجندرمة
وضباطها؛ تعينهم الحكومة المركزية على شرط معرفتهم اللغة
العربية معرفة تامة، ويُسْتَثْنَى من هذا الشرط والي الولاية
لمدة خمس سنوات من تاريخ وضع مواد هذه اللائحة موضع
الإجراء.
أما بقية الموظفين فينبغي أن يكونوا من أهالي البلاد، ويجري تعيينهم على الوجه الآتي بيانه:
«يمتحن طالبو الوظيفة أمام لجنة مؤلفة من مستشار ورئيس الدائرة التي يطلبون الدخول فيها فتقدم لجنة الامتحان اسمي الممتازين منهم إلى لجنة المجلس العمومي، وبعد مصادقتها يُعْرَضَان على الوالي فيعين أحدهما. ولدى تعيينه يبلغ الوالي اسمه للنظارة المنسوب إليها، فيقيد في سجلها محافظة على حقوق ترقيته وتقاعده، وأما رؤساء العدلية فيعينون وفقًا لنظام يضعه المجلس العمومي.
الموظفون المعينون من قبل الولاية عدا رؤساء العدلية تُكَفُّ يدهم بناء على طلب المستشار ورئيس الدائرة المنسوبين إليها معًا، وأما رؤساء العدلية فتُكف يدهم بناء على طلب المستشار ومصادقة مجلس المستشارين. وقرار كف اليد في كلا الحالين ينفذه الوالي. وللموظف المكفوفة يده الحق بمراجعة الوالي في خلال سبعة أيام من تاريخ تبليغه ذلك إذا كان موظفًا في مركز الولاية وخمسة عشر يومًا إذا كان خارج المركز، فيحيل الوالي دعواه إلى مجلس المستشارين ليحكم في وجوب العزل أو عدمه. والموظف الذي يحكم مجلس المستشارين بعزله لا يجوز استخدامه في دوائر الحكومة ولا يُعْطَى معاش معزولية، أما محاكمة المعزول جزائيًا فتجرى في المحاكم العدلية بمذكرة خاصة من المستشار إلى المدعي العمومي.
وأما موظفو الحكومة المركزية فتُكف يدهم بطلب المستشار ومصادقة الوالي الذي يطلب عزلهم بعد حكم مجلس المستشارين عليهم من النظارة المنسوبين إليها، وينبغي أن يُعَيَّن خلفهم في مدة ثلاثين يومًا.
وأما المفتشون والمستشارون فيكون عزلهم بطلب الوالي من مجلس المستشارين وبحكم صادر من هذا المجلس.
وأما الوالي فيكون عزله بناء على قرار المجلس العمومي بأكثرية ثلثي مجموع أعضائه، فتعين الحكومة المركزية خلفه في مدة أربعين يومًا.»
- المادة السابعة: تعين الحكومة المركزية مستشارين من الأجانب على شرط معرفتهم
إحدى اللغات الثلاث العربية أو التركية أو الفرنسوية، وذلك
للدوائر الآتية في مركز الولاية؛ وهي: الجندرمة، والمالية —
وتلحق بها غرفة التجارة — والبوسطة، والتلغراف، والجمرك، وتعين
أيضًا مفتشًا أجنبيًّا عامًّا لكل لواء من الولاية يخول حق
تفتيش أية دائرة كانت في اللواء، ويكون مرجعه مستشار مركز
الولاية الداخلة تلك المسألة المراجع فيها ضمن دائرة
اختصاصه.
ويعين المجلس العمومي من الدول التي ترضاها الحكومة المركزية مستشارين للدوائر الآتية؛ وهي: مجلس الولاية العمومي، والعدلية، والنافعة، والمعارف، والبلدية، والبوليس. ويلبس هؤلاء المستشارون الشعار العثماني في أوقات العمل. أما مدة الاستشارة والتفتيش فخمس عشرة سنة، ويمكن تجديدها.
- المادة الثامنة: واردات الولاية على نوعين: أحدهما يعود برمته إلى مركز السلطنة، وهو حاصلات الجمارك والبوستة والتلغراف والبدلات العسكرية. والآخر وهو عدا ما ذُكِرَ من الواردات يعود برمته إلى الولاية.
- المادة التاسعة: ينظم المجلس العمومي ميزانية الولاية السنوية، فيدخل فيها رواتب جميع الموظفين والمستشارين عدا موظفي ومستشاري الجمارك والبوسطة والتلغراف.
- المادة العاشرة: تُسَلَّم الأراضي المحولة والأملاك الأميرية الداخلة ضمن الولاية إلى المجلس العمومي، وتكون برمتها ملكًا للولاية.
- المادة الحادية عشرة: لا علاقة للإدارة ولا للمجلس العمومي في الأوقاف، بل يسلم كل وقف إلى مجلس الملة المنسوب إليها لاستخدامه بموجب قانونها — بناء عليه جميع أوقاف المسلمين في الولاية تُسَلَّم إلى مجلس ملتهم أسوة بباقي الطوائف.
- المادة الثانية عشرة: البلديات مستقلة بجميع أعمالها، ولها الحق بوضع الرسوم البلدية بمصادقة المجلس العمومي دون مراجعة الحكومة المركزية.
- المادة الثالثة عشرة: يؤلف مجلس يُسَمَّى مجلس المستشارين، ويكون أعضاؤه رئيس
المجلس العمومي — أو من ينيبه عنه من أعضاء لجنة المجلس —
وجميع مستشاري الدوائر في مركز الولاية.
أما وظائف هذا المجلس فهي: أولًا: تفسير مواد النظام الذي تضعه الحكومة المركزية — بناء على هذه اللائحة — كدستور لحكومة الولاية ومجلسها العمومي. ثانيًا: تفسير القرارات والأنظمة التي يضعها المجلس العمومي. ثالثًا: النظر والحكم في وجوب عزل الموظف أو عدمه. رابعًا: النظر والحكم بناء على طلب الوالي أو أحد المستشارين في كل خلاف في الرأي يقع بين أحد المستشارين والمجلس العمومي أو إحدى لجانه أو أية دائرة كانت، ويكون حكمه مبرمًا، ويرأس هذا المجلس والي الولاية، وينوب عنه في غيابه رئيس المجلس العمومي أو مستشار هذا المجلس.
- المادة الرابعة عشرة: إن اللغة العربية تُعْتَبَرُ اللغة الرسمية في جميع المعاملات داخل الولاية، وتُعْتَبَرُ أيضًا لغة رسمية كاللغة التركية في مجلسي النواب والأعيان.
- المادة الخامسة عشرة: تُخْفَضُ الخدمة العسكرية إلى سنتين وتُقْضَى الخدمة أيام السلم في الولاية، وتنزل قيمة البدل النقدي للنظامية إلى ثلاثين ليرة عثمانية وللرديف والاحتياط إلى عشرين ليرة.
المنتدى الأدبي
وأما المنتدى الأدبي فقد كان جمعية علمية بحتة في بدء الأمر، ولكنه اضطر إلى المداخلة في السياسة لما رأى الحكومة تفاوض معتمده المرحوم عبد الكريم الخليل باسمه في شأن الإصلاح، وقد كان الوزراء وزعماء جمعية الاتحاد والترقي يظهرون لهذا النادي صداقة عظيمة، فزاره مرارًا طلعت بك وأنور باشا وجمال باشا وفتحي بك ومدحت شكري بك وغيرهم، وألقوا فيه الخطب، وأولموا لأعضائه الولائم، وحضروا معظم احتفالاته الدينية والأدبية، إلى غير ذلك مما يدل على أن هذا النادي كان ناديًا عثمانيًّا بحتًا، وأن الاتحاديين أنفسهم اعترفوا بذلك بأقوالهم وأفعالهم الماضية، ولا يستطيعون اليوم أن يثبتوا عليه أو على أحد أعضائه عملًا واحدًا كانت تشتم منه رائحة كره الترك والرغبة في الانفصال عنهم.
جمعية البصرة الإصلاحية
ولا تختلف جمعية البصرة الإصلاحية في خطتها وغايتها عن حزب اللامركزية والمنتدى الأدبي والجمعية العمومية البيروتية، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها: برنامجها، وقوانينها، واعتراف الحكومة الاتحادية الحاضرة بها، وقبولها نوابًا من أعضائها في مجلس المبعوثان، ومساعي رئيسها السيد طالب بك النقيب في التوفيق بين الحكومة العثمانية والأمير ابن السعود، وموافقتها على قرار المؤتمر العربي الأول الذي عُقِدَ في باريس إلى غير ذلك من الأدلة التي تظهر للقارئ واضحة في هذا الكتاب.
* * *
ولم يكن قبل إعلان الحرب الأوروبية جمعيات أخرى رسمية، ولكن الأخطار التي كانت تتهدد سلامة الأملاك العثمانية، وحاجة البلاد إلى الإصلاح أوجدت في الفئة المتنورة من أبناء الأمة العربية ملكيين وعسكريين حسًّا طبيعيًّا مشتركًا، هو حس اتقاء الخطر واتفاقًا تامًّا في المبدأ والغاية أساسه الدفاع عن كيان الدولة العثمانية وتقويتها بتقوية العناصر التي فيها، ولا سيما العنصر العربي الكريم. وقد نهجت هذه الفئة منهجًا آخر إثر الفظائع التي اقترفها الاتحاديون في سورية والعراق، والذين نجوا منها من مذابح جمال باشا السفاح يعملون اليوم على الانتقام وسيكون انتقامهم عظيمًا.
هذا ولا شيء يدلنا على صدق وطنية العرب وإخلاصهم العظيم لعرش آل عثمان أكثر من أعمال المؤتمر العربي الأول الذي تجلت فيه آمال الأمة وأمانيها، ذلك المؤتمر عينه الذي اتخذه الاتحاديون حجة للفتك بعقلاء العرب وأدبائهم ونخبة شبانهم.
(٤-٤) المؤتمر العربي الأول
في ٤ نيسان (أبريل) سنة ١٩١٣ أرسل بعض أدباء العرب المقيمين في باريس كتابًا إلى اللجنة العليا لحزب اللامركزية جاء فيه ما خلاصته:
الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال.
حقوق العرب في المملكة العثمانية.
ضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية.
المهاجرة من سورية وإليها.
وحسبنا الله أن يأخذ بأيديكم وأيدينا لوقاية الأمة والبلاد من فساد البداية والمعاد والسلام عليكم.»
وفي ١٤ أبريل سنة ١٩١٣ أجابت اللجنة العليا لحزب اللامركزية بالقبول، وقررت إرسال مندوبين من قبلها لحضور المؤتمر «على أن يكون لهم حق النظر والمشاركة في موضوعات المؤتمر حتى تكون موافقة لمبادئ الحزب وبرنامجه.»
أسباب عقد المؤتمر
- (١) قال المرحوم عبد الحميد الزهراوي في خطبة افتتاح المؤتمر:
إن العرب كانوا قد ألفوا الترك، وهؤلاء قد ألفوا العرب، وامتزج الفريقان امتزاجًا عظيمًا، مضى عليه أكثر من عشرة قرون، ولكن كما مزجت بينهم السياسة فرقت بينهم السياسة أيضًا ولم يَبْقَ من ذلك الامتزاج القديم إلا رابطة بين بعض العرب وبعض الترك، وهذه الرابطة لا تزال تُعَدُّ ثمينة عند الترك العثمانيين والعرب العثمانيين معًا، ولكنها مع عزتها في نفوس الفريقين قد أصبحت مهددة بالسياسة أكثر مما كانت من قبل، ومعلوم أن السياسة في هذه المملكة بيد الترك؛ ولذلك تعرفها أوروبا بأنها حكومة الترك، فلما رأى العرب الآن ما وصلت إليه هذه المملكة بتلك السياسة التي مضى العمل عليها حتى الآن، وكانوا حريصين على البقية الباقية من تلك الرابطة تنبهوا إلى واجب عظيم كان الترك والعرب جميعًا غير مهتمين به كما ينبغي، وهو اشتراك الفريقين بسياسة البلاد، فإنه قد تبين واضحًا أنه لا العرب انتفعوا ببراءتهم من ذنب إضاعة البلاد، ولا الترك انتفعوا بتحملهم وحدهم تبعة ذلك العبء الثقيل، وبديهي أن هذا الاشتراك لا ينافي الإخاء، بل الذي ينافي الإخاء هو عدم هذا الاشتراك.
- (٢) قال إسكندر بك عمون أحد مندوبي حزب اللامركزية في الخطبة التي ألقاها في جلسة المؤتمر الثالثة ما نصه:
الأمة العثمانية بعد الحوادث الأخيرة على شفا جرف هار، فهي بين ذلك الماضي المؤلم والمستقبل المظلم تنظر إلى أمسها بعين الحزن والأسف، وترمق غدها بعين الخوف والوجل.
في مثل هذا الموقف موقف الخطر على الحياة تمر على ذهن الأمم كما تمر على ذهن الأفراد حوادث حياتها الماضية حلقات آخذ بعضها برقاب بعض، فترى بينها من الارتباط ما لم تره، وهي رهن الحوادث أيام وقوعها، وتنكشف الأسرار التي ساقتها إلى حيث صارت، فتستعين بما عرفت من ذلك؛ لتهتدي إلى سبيل النجاة إن كان ثم إلى النجاة سبيل.
ذلك الخطر الذي أصبحت الأمة فيه هو الباعث على اجتماعنا من كل حدب وصوب في هذا البلد الأمين، وهذا الغرض هو الذي نرمي إليه من هذا الاجتماع.
- (٣) سأل محرر جريدة الطان المرحوم السيد الزهراوي رئيس المؤتمر عن أسباب عقد المؤتمر، فأجابه بما يلي:
إن ما حدث في ولايات الدولة العثمانية بأوروبا من الحوادث الخطيرة الشأن دعانا إلى التفكير في الحالة الجديدة التي دخلت فيها واتخاذ الوسائل الضرورية لاتقاء نتائجها، ذلك من جهة، ومن جهة ثانية فإن العرب يؤلفون عنصرًا مهمًّا بعدده إن لم نقل عنه إنه أهم العناصر العثمانية كلها؛ ولهذا العنصر مزية على العناصر الأخرى بوحدة لغته وعاداته وميله، وإن هذه الصفات أحدثت له حقوقًا كانت مهملة حتى الساعة؛ ولذلك جئنا لنطلب بصفة عثمانيين أن نشترك بالإدارة العامة، وأن نعرض على الحكومة بصفتنا عربًا مطالب خاصة بقوميتنا.
لماذا عُقِدَ المؤتمر في باريس؟
إن حوادث بيروت الأخيرة — أي اضطهاد الجمعية الإصلاحية، وسجن فريق من أعضائها — برهنت لنا على قدر الحرية التي يمكن أن يتمتع بها مؤتمر يُعْقَد في سورية، وقد رأينا من جهة أخرى أن نسمع مطالبنا ونفهم رأينا لأوروبا التي تزداد مصالحها أهمية في البلاد العثمانية يومًا بعد يوم، وفضلنا باريس على غيرها من عواصم أوروبا؛ لأن الجالية العربية فيها أكثر عددًا منها في سائر العواصم.
غاية المؤتمر
- أولًا: إن الإصلاحات الحقيقية واجبة وضرورية للمملكة العثمانية؛ فيجب أن تُنَفَّذَ بوجه السرعة.
- ثانيًا: من المهم أن يكون مضمونًا للعرب التمتع بحقوقهم السياسية، وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكًا فعليًّا.
- ثالثًا: يجب أن تُنْشَأ في كل ولاية عربية إدارة لامركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها.
- رابعًا: كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة صُودِقَ عليها في ٣١ كانون الثاني سنة ١٩١٣ بإجماع الآراء، وهي قائمة على مبدأين أساسيين؛ وهما: توسيع سلطة المجالس العمومية، وتعيين مستشارين أجانب. فالمؤتمر يطلب تنفيذ وتطبيق هذين الطلبين.
- خامسًا: اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني، ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية.
- سادسًا: تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والأحيان التي تدعو إلى الاستثناء الأقصى.
- سابعًا: يتمنى المؤتمر من الحكومة السنية العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل ماليتها.
- ثامنًا: يصادق المؤتمر، ويظهر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على أساس اللامركزية.
- تاسعًا: سيجري تبليغ هذه القرارات للحكومة العثمانية السنية.
- عاشرًا: وتُبَلَّغ هذه القرارات أيضًا للحكومات المتحابة مع الدولة العثمانية، ويشكر المؤتمر الحكومة الفرنسوية شكرًا جزيلًا لترحابها الكريم بضيوفها.
ملحق بقرارات المؤتمر
- أولًا: إذا لم تُنَفَّذْ القرارات التي صادق عليها هذا المؤتمر فالأعضاء المنتمون إلى لجان الإصلاح العربية يمتنعون عن قبول أي منصب كان في الحكومة العثمانية إلا بموافقة خاصة من الجمعيات المنتمين إليها.
- ثانيًا: ستكون هذه القرارات برنامجًا سياسيًّا للعرب العثمانيين، ولا يمكن مساعدة أي مرشح في الانتخابات التشريعية إلا إذا تعهد من قبل بتأييد هذا البرنامج وطلب تنفيذه.
هذه هي قرارات المؤتمر العربي المنعقد في القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية بشارع سن جرمن في باريس من يوم الأربعاء ١٨ حزيران (يونيو) سنة ١٩١٣ / ١٣ رجب سنة ١٣٣١ إلى يوم الإثنين ٢٣ حزيران (يونيو) سنة ١٩١٣ / ١٣ رجب سنة ١٣٣١، وكلها يدل على وطنية صادقة وإخلاص عظيم للوطن العثماني الذي كانت غاية المؤتمر تأييده وإعلاء شأنه والدفاع عنه من طوارئ الحدثان.
وتكلم نجيب أفندي دياب مندوب المهاجرين السوريين، فقال:إن العصبية في العرب لا تستوجب منهم طيشًا يجهلون معه مواضع الضعف من أمتهم وبلادهم، فيتصورون أنه يتسنى لهم جزافًا الانقطاع عن ولاء الدولة العثمانية، وما من ينكر على الإطلاق أن ارتباطنا بهذه الدولة واتصال علاقاتنا بالأمة التركية أسلم عاقبة، وأنتج خيرًا للعرب من أي ارتباط آخر سواه.
وقال إسكندر بك عمون في خطبته:ويتمنى السوريون المهاجرون البقاء في حضن العثمانية والاحتفاظ بالوطنية بشرط أن تُحْفَظَ حقوق إخوانهم المتخلفين في الوطن من نصارى ومسلمين، وأن تكون أعراضهم مصونة وأموالهم في مأمن ومدارسهم تُضَاء بكهرباء الوطنية وأفئدتهم تلتهب بحب الوطن.
توهم بعض أنصار النظام المركزي من إخواننا الأتراك أن الغرض من النهضة العربية الانفصال عن الدولة، وهو أمر بعيد عن الصحة، فإن الأمة العربية لا تريد إلا استبدال شكل الحكم الفاسد — الذي كاد يودي بالدولة — بالحكم الذي يُرْجَى منه وحده الصلاح والنجاح لنا ولهم، وهو الحكم على قاعدة اللامركزية، ولو كانت الهيئة الحاكمة اليوم من صميم قريش لكان موقفنا معها نفس موقفنا هذا.
هذا هو المؤتمر الذي اتخذه الاتحاديون دليلًا على خيانة العرب للدولة وحجة للفتك بزعمائهم وقادة آرائهم، نشرت قراراته وخلاصة أعماله وأقوال خطبائه في هذا الكتاب تاركًا الحكم في تهم الاتحاديين وأكاذيبهم وفظائعهم للمنصفين من القراء.
(٤-٥) الاتحاديون والمؤتمر العربي
- أولًا: أنهم استدعوا بعض صنايعهم من العرب؛ كطه أفندي المدور صاحب جريدة الرأي العام الاتحادية إلى الأستانة، وأوعزوا إليه بأن ينشر مقالات في المسألة العربية خلاصتها أن ما يقوله العرب أو يدعونه أو يطالبون به من الإصلاح سببه خطأ بعض الصحف التركية، فإن هذا البعض اعتاد أن يذكر أسماء العرب مسبوقة بكلمة «عرب» فيقول مثلًا «عرب عزت» و«عرب ملحمة»، و«عرب فلان»؛ قصد تحقير الأمة العربية، ولم يكن ثمت سبب غير هذا للخلاف بين العرب والترك على رأي طه المدور وأسياده الاتحاديين.
- ثانيًا: أنهم حاولوا إقناع الحكومة الفرنسوية بمنع عقد المؤتمر العربي في عاصمتها.
- ثالثًا: أنهم حرضوا الشيخ عبد العزيز جاويش وبعض أعوانه على القيام بدعوة الجامعة الإسلامية لإحباط مساعي المطالبين بالإصلاح وإلقاء الشقاق بين العرب مسلمين ومسيحيين، فجعلوا منزله مجتمعًا سياسيًّا تحت شعار الدين يحج إليه أصحاب المآرب والغايات، والذين يترامون على الأقدام لنيل وظيفة أو تحقيق أحلام.
- رابعًا: أنهم أوعزوا إلى صنايعهم وجواسيسهم في البلاد العربية بمقاومة نهضة العرب، وأرسلوا إليهم صور برقيات بهذا المعنى حملوا فريقًا من الموظفين على توقيعها بالطرق المعهودة في تركيا.
فعلى مثل هؤلاء توكأت الحكومة الاتحادية في قراراتها وأعمالها متخذة أقوالهم الفارغة حجة لها في دفاعها عن نفسها.
وقد حملت الصحف الاتحادية حملة شعواء على المؤتمر، فقالت جريدة طنين لسان حال الجمعية ما معناه: «لما كررنا القول وأعدنا التصريح بأن الفئة التي تتظاهر تارة في سورية وتارة في مصر وفي العراق وباريس بالغيرة على مصالح العرب وعشق العربية والهيام بأمثال ذلك؛ هي فئة ليست من العربية في شيء، وما هي إلا آلة للفساد وعبارة عن طائفة عجيبة في أطوارها؛ لما قلنا ذلك حمل علينا بعض الصحف العربية حملة شعواء، فبينما نحن لا نتكلم عن العرب والعربية إلا بما يشف عن الميل الشديد، وإذ تلك الصحف تلقبنا بأعداء العرب الألداء، ولا تتردد في تسميتنا «المعول العظيم لهدم كيان الأمة العربية»، وأما نحن فلا نحاول نفي هذه التهم؛ لأننا إذا توخينا ذلك نكون قد خدمنا هذه الشتائم والمطاعن من حيث نريد الإعراض عنها، فإن كتاباتنا في المسألة العربية كانت نورًا استضاء العرب به فقاموا يدًا واحدة يدافعون عن الحقيقة، ويردون كيد المزورين في نحورهم، فكانت نتيجة ذلك ضد ما يعمله الخونة المارقون.
الحق يعلو ولا يُعْلَى عليه، فالأنباء الأخيرة التي وردت من البلاد العربية أثبتت بألمع برهان أن الغاية التي كنا، ولا نزال نتوخاها في كتاباتنا أثرت تأثيرًا عظيمًا في سورية، فقد رأينا دمشق فضلاءها وعظماءها قد هبت من رقدتها رادة التهم الشنيعة التي ألصقها بها المنافقون، فقد نشرنا أمس رسالة برقية منهم اطلع القراء على أسماء موقعيها، فإذا هم كبار أعيان دمشق مهد الحضارة العربية، هم العلماء الأجلاء والأشراف العظماء وأرباب الزهد والتقوى، فكم يكون خذلان أصحاب الألاعيب العربية في باريس!
إن هؤلاء المؤتمرين باسم العرب النجباء الذين نظموا بروغرامهم وأعدوا معدات الاختلال وأخذوا يوزعون النشرات السرية ستكون لهم عاقبة أليمة جدًّا، والذين قاموا يصيحون في وجههم يصح لكل واحد منهم أن يتكلم عن ولاية عربية برمتها، اسمعوا ما يقول هؤلاء العظماء في تلغرافهم: «إن الذين يرسلون الاحتجاجات ليسوا من العرب في شيء ولا صفة لهم ولا شأن، فقد طلبوا من الحكومة آمالًا لم ينالوها، فهبوا الآن يعادونها، وهم عبارة عن فتيان بلا عقل ولا أدب ولا أخلاق، هؤلاء كما أنهم لا شيء في الهيئة الاجتماعية فهم أيضًا غير مندوبين من العرب، ولا صفة لهم ولا وكالة»، فنحن نشكر أعيان الشام وعظماءها ألف شكر؛ لأنهم أرشدونا إلى الحقائق.»
إن القائمين بفكرة الإصلاح في سورية فئة من المتشردين الفارين من وجه الحكومة السنية، فجميع أهل سورية مسلمين ومسيحيين يكذبون افتراءاتهم ويظهرون للحكومة امتنانهم وسرورهم من طرز الإدارة الحاضرة التي أعلت شأن الدولة ورفعت منار الدين.
ثم قالت طنين أيضًا في ٦ مايو سنة ١٩١٣ بعنوان «مؤتمر غريب» ما معناه: «إن مُوَقِّعِي بيان المؤتمر دخلوا في الجنسية الفرنسوية، ولم يَبْقَ لهم أقل صلة بالعربية والإسلامية، فمؤتمرهم الذي يُعْقَدُ في باريس على ما جاء في بيانهم عارٍ عن كل أهمية، وإذا كان موقعوه يسعون حقيقة باسم العرب، فلماذا لا يدعون مندوبين من كل البلاد التي ينطق سكانها بالضاد؟»
- أولًا: تعيين الشريف حيدر شريفًا على مكة المكرمة. فلم تتمكن من ذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن.5
- ثانيًا: إرسال حملة على العراق بقيادة جاويد باشا وحسني باشا ووهيب بك، فأمطرها العراقيون وابلًا من تلغرافات الاحتجاج على هذا التعيين، وأظهروا من الشدة ما جعل الحكومة تدرك أن إرسالها حملة عليهم مفتاح ثورة يستطار شرارها ولا تُؤْمَن عاقبتها، فاضطرت إلى العدول عنها.
- ثالثًا: السعي لإرسال حملة على البلاد العربية تقضي على الفكرة القومية في سورية والعراق، ثم تستأنف الزحف إلى شبه الجزيرة لمحاربة السيد الإدريسي وغيره من أمراء العرب، ولكن الاتحاديين وقع بينهم الخلاف بعد وصول جاويد باشا قائد هذه الحملة إلى سورية، فقال فريق منهم بوجوب الزحف توًّا على السيد الإدريسي، وقال فريق آخر بوجوب تأديب السوريين، وفضل آخرون إرسال الحملة على العراق لإغراء القبائل والأمراء بالمال وتأديب العرب بالعرب.
- رابعًا: عزم الحكومة على إقفال المنتدى الأدبي في الأستانة والكلية العثمانية في بيروت ومنع الصحف العربية المصرية وغير المصرية من الدخول إلى البلاد العثمانية، وذلك إكرامًا لصنائع الاتحاديين الذين جاءوا الأستانة بدعوة من الحكومة لمناهضة الإصلاح.
- خامسًا: قرار الاتحاديين على اغتيال زعماء العرب وقادة آرائهم؛ كطالب بك النقيب وغيره، ومحاولتها اغتيال الزعيم العراقي الكبير معروفة عند قراء الصحف، فقد عينت لهذا الغرض ضابطين من كبار الضباط الاتحاديين في وظائف كبيرة في البصرة، وهما: فريد بك الذي جعلته قائدًا لموقع البصرة، وعاكف بك الذي عينته قومندانًا للجندرمة فيها، وأرسلت معهما عددًا كبيرًا من الفدائيين، فما استلموا زمام وظيفتهم حتى جعلوا يبعدون ضباط العرب إلى الأناضول ليتسنى لهم تنفيذ أوامر الحكومة، ولكنهم وقعوا في الشرك الذي نصبوه لزعماء الإصلاحيين في العراق؛ فَسُلِّم طالب بك وأصحابه، وقُتِلَ فريد بك وتشتت شمل أعوانه وأنصاره، وفشلت خطة الاتحاديين فشلًا تامًّا في البلاد العربية.
(٤-٦) الاتحاديون بعد المؤتمر العربي
عجزت الحكومة الاتحادية عن منع المؤتمر، وفشلت في كل الدسائس التي دستها على الأمة العربية، فلم ترَ بدًّا بعد ذلك من تغيير خطتها والتظاهر بالميل للعرب، ولا سيما الإصلاحيين منهم، فأوفدت مدحت شكري بك سكرتير جمعية الاتحاد والترقي إلى باريس للاتفاق مع المؤتمر العربي الذي كان يمثل معظم الأحزاب العربية الحرة والجاليات العربية في أوروبا وأميركا ومفاوضته فيما يطلب من الإصلاح للبلاد، فاتفق معه على أمور شتى لم تقرر الحكومة إلا قسمًا منها كما سيجيء.