الحرب الأوروبية والشرق
مسألة البواغيز – مسألة مكدونية – مسألة ألبانيا – مسألة البوسنة والهرسك مسألة نوفي بازار – مسألة أرمينية
* * *
أُعْلِنَتْ الحرب الأوروبية من أجل الشرق، وستنتهي من أجل الشرق بحل المسألة الشرقية حلًّا نهائيًّا معقولًا، فالعاصفة التي هبت في العالم القديم في سنة ١٩١٤ قد تؤثر في أوروبا من الوجهتين السياسية والاجتماعية، ولكنها ستقلب البلقان وغرب آسيا من حال إلى حال، فتنقرض دول قديمة وتقوم على أنقاضها دول جديدة، وتذل أمم، وتعتز أمم أخرى، ويكون ذلك في مصلحة الكون.
(١) المسألة الشرقية في الماضي
عرَّف رجال السياسة وكبار الكتاب المسألة الشرقية بقولهم: «إنها نزاع شديد بين الأمة التركية والأمم التي تحت حكمها أو التي كانت تحت حكمها من جهة ودخول الدول العظمى في هذا النزاع لسد أطماعها وتحقيق آمالها المتناقضة من جهة أخرى»، وقد ظهرت هذه المسألة في عالم الوجود بظهور الترك في أوروبا، وتعقدت بدخول روسيا في مصاف الدول العظمى وإصرارها على حلها حلًّا يلائم مصلحتها، وكانت بروسيا أكبر مزاحمة لروسيا في أوروبا، وكانت النمسا أكبر مزاحمة لها في الشرق، فنشأ عن ذلك أن بروسيا جعلت تدخل في مسائل الشرق على قلة مصالحها فيه؛ رغبة في عرقلة مساعي روسيا، وأن سياسة النمسا الأوروبية كان محورها الشرق وغايتها جعله في إِمن من روسيا جارتها القوية.
وقد كانت المسألة الشرقية سببًا في معظم المشاكل التي وقعت في العالم من القرن السادس عشر إلى اليوم، وبلغت أقصى شدتها لأول مرة في التاريخ بعد انهزام العثمانيين في معركة كالنبرج وإبرام «المحالفة المقدسة» التي كانت ترمي إلى طرد الترك من أوروبا وتقسيم الشرق بين روسيا والنمسا، وقد أسفرت تلك المحالفة عن حروب عديدة مع الدولة العثمانية انتهت بمعاهدتي كارلوفيتز (سنة ١٦٩٩) وباساروفيتز (سنة ١٧١٨) اللتين جلا الترك بمقتضاهما عن هنغاريا وترنسلفانيا واسكلافونيا وبوداليا وقسم من البوسنة وقسم آخر من سربيا.
ولم تكتفِ دول «المحالفة المقدسة» بضم هذه البلاد المترامية الأطراف إلى أملاكها، بل رأت أن الوقت قد حان للقضاء على الدولة العثمانية قضاء مبرمًا، فاتفقت على تقسيمها، وكادت تنجح في تحقيق آمالها لولا مداخلة فرنسا في الأمر ونجاح المركيز دي فيلنيف سفيرها في الأستانة في إبرام معاهدة بلغراد على ما يوافق مصلحة الدولة العثمانية.
وفي سنة ١٧٦٨ تعقدت مشكلة بولندا التي كانت فرعًا من المسألة الشرقية، فأصرت الإمبراطورة كاترينا على تعيين البرنس بونيانوفيسكي خلفًا للملك أوغست الثالث على عرش بولندا، فوقفت فرنسا في وجهها وأقنعت السلطان مصطفى الثالث بإعلان الحرب عليها، ففعل؛ لأنه رأى ذلك في مصلحة بلاده. وقد أسفرت تلك الحرب عن انتصار الروس على نهر الدانوب وحرق الأسطول العثماني في معركة جشمة الشهيرة (سنة ١٧٧٠) وإبرام معاهدة كوجوك قينارجي (١٧٧٤) التي وضعت الدولة العثمانية تحت رحمة روسيا، فجعلت تعمل على خرابها من الخارج والداخل أيضًا، فاتفقت مع النمسا سنة ١٧٧٢ على جعل الأستانة عاصمة إمبراطورية يونانية جديدة تحت سلطتها، وأخذت تحث العناصر البلقانية على إعلان الثورة وخلع النير التركي عن أعناقها، وكان أساس معاهدة سنة ١٧٧٢ بين روسيا والنمسا أن تُعْطَى روسيا البلقان الشرقي؛ أي مولدافيا وفلاخيا وبلغاريا والدردنيل وأن تحتل النمسا البلقان الغربي؛ أي سربيا والبوسنة والهرسك ومكدونية وألبانيا، وعُدِّلَتْ هذه المعاهدة سنة ١٧٨١ على أساس استقلال العناصر البلقانية تحت سيادة روسيا والنمسا، ولكن الدول العظمى لم تكن لتسمح بهذا التقسيم من غير أن تأخذ حصتها، فكلفت فرنسا الكونت دي سوكور أن يتفق مع روسيا على تقسيم الشرق وأن يتنازل لها وللنمسا عن البلقان مقابل ضم سورية ومصر إلى فرنسا.
وقد تعذر عليهم هذا الاتفاق لأسباب لا مجال لذكرها الآن، فطلبت فرنسا مساعدة إنكلترا للوقوف في وجه الروس والنمسويين فلم تُجِبْهَا إلى طلبها، واضطرت الدولة العثمانية أن تفدي نفسها بمقاطعة القرم في معاهدة سنة ١٧٨٣، وفي سنة ١٧٨٧ دخل العثمانيون في حرب جديدة مع روسيا والنمسا بسبب بولندا، ففازوا في بدء الأمر على الروس وقهروا النمسويين في معارك عديدة، ولكن خانهم الحظ في النهاية، فانهزمت جيوشهم شر انهزام واضطروا إلى إبرام معاهدة ياسي، وقد رضيت الإمبراطورة كاترينا بتلك المعاهدة؛ لأن أنظارها كانت متجهة إلى بولندا في ذلك الحين.
(٢) المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر
قال بونبارت بعد انتصاراته الشهيرة في إيطاليا للمسيو بوريان صديقه وكاتم أسراره: «إن أوروبا وكر فأر، وليس ثمت إمبراطوريات عظيمة إلا في الشرق.» وقد وجه ذلك الفاتح العظيم كل أفكاره إلى الشرق، فاجتاح مصر وهاجم سورية، ولو لم تقف أمامه حصون عكا لصار الشرق على غير ما نعرفه اليوم.
ثم عاد بونبارت إلى فرنسا وأنشأ تلك الإمبراطورية العظيمة بعدما دوخ أوروبا كلها، ولكن أفكاره لم تتحول عن الشرق فاتفق مع قيصر روسيا على تقسيمه في معاهدة تلست، وكتب إليه سنة ١٨٠٨ يقول: «يجب أن نكون أعظم مما نحن بالرغم عنا؛ لأن الشرق يحتاج إلى رجال عظام»، ولو أخلص نبوليون لقيصر روسيا لاتفقا على تقسيم الشرق، ولكنه كان يعلله بهذه الآمال لحمله على محاربة إنكلترا رغبة منه في انتهاز الفرصة لتدويخ الشرق وسد أطماعهِ، فما لبث أن اختلف معه على أمرين؛ الأول عزمه على توسيع بولندا، والثاني إصراره على منع الروس من الوصول إلى الأستانة والدردنيل.
وقد خرجت الدولة العثمانية سليمة من حروب نبوليون الكبير، ولكن مساعي روسيا والثورة الفرنسوية بثت في الأمم البلقانية فكرة جديدة، هي فكرة الثورة والاستقلال، فبينما كانت الدول الأوروبية تساوم في بيعها وشرائها كمتاع في السوق كانت هي تستفيق من سباتها وتعد أسباب استقلالها، وكانت الدولة العثمانية قبل سنة ١٨١٢ تحارب أعداءها الذين في الخارج فقط، فصارت بعد ذلك التاريخ تحارب الأمم التي تحت حكمها — أيضًا — محاولة القضاء على فكرة الاستقلال في تلك الأمم تارة بالوعد وتارة بالوعيد، ولكنها فشلت في مساعيها لسوء سياسة ولاة الأمر فيها، وكانت نتيجة ذلك استقلال سربيا والجبل الأسود واليونان ورومانيا وبلغاريا.
هذا وقد سقط نبوليون الكبير، وتضعضعت إمبراطوريته المترامية الأطراف، فاستعادت النمسا وبروسيا نفوذهما، وأخذتا تحذوان حذو ذلك الفاتح العظيم لامتلاك العالم، ولكن المسألة الشرقية فرقت بين أعداء نبوليون بعد اتفاقهم عليه، فمنعت إنكلترا روسيا من عبور نهري الفستولا ونستر والتقدم إلى الأستانة، وأوجست النمسا خوفًا من تقدم الروس إلى جبال كرباتيا والبروسيين إلى بوهيميا، واتفقت إنكلترا والنمسا على روسيا وبروسيا اللتين اتفقتا على تقسيم الشرق في معاهدة كاليش، فاستردت فرنسا بعض نفوذها بسبب هذا الخلاف بين أعدائها، وكانت سياستها ترمي إلى الوقوف في وجه النمسويين في البلقان وفي إيطاليا وإلى منع بروسيا من سيادة الممالك الألمانية، وقد ظهر استقلال العناصر البلقانية في مصلحة روسيا في بادئ الأمر، فغضبت إنكلترا لذلك وجعلت تتقرب من الدولة العثمانية، فعاونتها على محمد علي الذي كانت تؤيده فرنسا، وحاربت روسيا معها في حرب القرم الشهيرة، وجاء مؤتمر باريس فختم تلك الحرب في مصلحة الدول كلها، فسلمت روسيا بعد انكسارها، وزال الخطر مؤقتًا عن الدولة العثمانية، وحبست إنكلترا الأسطول الروسي في البحر الأسود، وتمكنت بروسيا من تقوية نفوذها في ألمانيا، ووعدت الأمة الإيطالية وبعض الأمم البلقانية بالاستقلال، وأما فرنسا فعملت على إزالة كل آثار مؤتمر فينا، ونجحت في ذلك، ولكنها نزعت من يدها السلاح الذي استعمله تليران في ذلك المؤتمر، وهو جعل الممالك الألمانية الصغرى في جانبها، فسمحت للنمسا وبروسيا بسد أطماعهما في الدنمرك (١٨٦٤)، وغضت الطرف عن انضمام ممالك ألمانيا الشمالية إلى بروسيا «هس وهانوفر وفرنكفورت سنة ١٨٦٦»، فكانت نتيجة ذلك أنها تركت وشأنها في حرب السبعين التي خاضت غمارها من غير استعداد بعدما سمحت لبروسيا في بسط سيادتها على ألمانيا.
(٣) المسألة الشرقية بعد مؤتمر برلين
وقد كان مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨ شؤمًا على أوروبا، ولا سيما البلقان، فما المسائل التي استبهمت واستغلق حلها، والحروب التي ثار نقعها وعظمت مصائبها؛ إلا نتائج ذلك المؤتمر. وإذا أراد مؤرخ محقق أن يكتب تاريخ الحرب الناشئة اليوم رجع في عللها وأسبابها إلى ذلك المؤتمر المشئوم الذي قضى على آمال بلغاريا قبل نشأتها بمنعها من بلوغ البحر المتوسط وجعل سربيا الدولة السلافية تحت رحمة الجرمان بإقفاله طريق الأدرياتيك في وجهها، وإيذانه للنمسا باحتلال البوسنة والهرسك تقريرًا للأمن فيهما، وأضاع على الجبل الأسود ثلثي الأملاك التي كان يؤمل الاستيلاء عليها بحصره في بلاد جبلية لا مورد للرزق فيها، واضطر رومانيا إلى التنازل عن بسارابيا مقابل مستنقعات دوبريجه ووضع الدولة العثمانية تحت وصاية أوروبا، وسمح للدول العظمى أن تدخل في شئونها، وقضى على آمال اليونان — لأنها كما قال اللورد بيكونسفيلد مازحًا: ذات مستقبل مجيد لا تخسر شيئًا من الانتظار. فترك بذلك مواطن للخلل وأسبابًا لتشعب المطامع، نشأ عنها اشتداد الخلاف بين الصقالبة والجرمان واحتكاك مصالحهما في البلقان احتكاكًا زاد المسألة الشرقية تعقيدًا وأضرم نار هذه الحرب الآكلة.
(٤) البلقان والمسألة الشرقية
البلقان أساس المسألة الشرقية ومحورها، بلاد واقعة إلى الجنوب الشرقي من أوروبا، تشمل البوسنة والهرسك وسربيا وألبانيا واليونان ومكدونية وبلغاريا وتراقية ورومانيا، وتقطن فيها أمم عديدة يصعب على الكاتب أن يعين أماكنها الحالية تعيينًا دقيقًا لكثرة الانقلابات التي طرأت عليها، ولكن الأمم البلقانية كانت غيورة على قوميتها، فحفظتها سليمة جهد طاقتها، فاليونانيون بعدما زال ملكهم قصد معظمهم جنوب البلقان، واستوطنوا المورة وتساليا والقسم الجنوبي من مكدونية وألبانيا، ولما غزا الهون أوروبا اضطر قسم من الصقالبة إلى عبور الدانوب في القرن الخامس للميلاد، فحل الكرواتيون على ضفاف الساف والداف، وفي أستريا ودلماسيا، ونزل السربيون فيما يلي ذلك جنوبًا، ثم عبر البلغاريون نهر الدانوب ونزلوا في سهول البلقان الجنوبية والشمالية.
والبلغاريون كالهون والمجر والترك من التورانيين الذين أتوا من آسيا، وكانت هذه الأمم تزحزح بعضها بعضًا على التوالي، وهذا يوضح اختلافها الحالي على تعيين حدود البلاد التي تقطن فيها، ففي القرن العاشر للميلاد انتصر البلغاريون على السربيين، وبسطوا ملكهم في القرن الحادي عشر على مكدونية وألبانيا حتى على ضواحي الأستانة، ثم قامت دولة الكرواتيين، فقهرت البلغاريين، وامتنعت في البلاد التي يسكنها السربيون اليوم. وفي القرن الثاني عشر تأسست الدولة الفلاخية البلغارية، فاعتزت زمنًا طويلًا، وعقبتها الدولة السربية، فبلغت ذروة العزة والمنعة في القرن الرابع عشر للميلاد، وكانت مملكة دوشان الأكبر تمتد من ضواحي الأستانة إلى ما وراء مكدونية وسربيا.
وبدأ الترك يهددون أوروبا بجيوشهم الجرارة في القرن الرابع عشر للميلاد، فاتحد السربيون والفلاخ والكرواتيون والبلغاريون عليهم، ولكنهم غُلِبُوا على أمرهم في معركة قوصوه الشهيرة سنة ١٣٨٩، وصار البلقان كله تركيًّا بعد سقوط الأستانة سنة ١٤٥٣.
ولما أخذت دولة الترك تنحط في أوروبا جاهر معظم العناصر البلقانية بفكرة الاستقلال، وكانت النمسا تطمع بأن ترث الدولة العثمانية، فساعدت على محو هذه الفكرة، ووقفت روسيا في وجهها بحجة أنها حامية الصقالبة والأرثوذكس، فنشأ عن ذلك خلاف شديد بين هاتين الدولتين. وهذه خلاصة الحوادث التي وقعت في البلقان في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. ففي عهد الأمير ميلان إبرانوفيتش الذي صار بعد ذلك ملكًا على سربيا ثار سكان البوسنة على الدولة العثمانية، فساعدهم السربيون، ولكنهم غُلِبُوا على أمرهم وانهزمت جيوشهم شر انهزام سنة ١٨٧٧، ولما أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية في السنة التالية من أجل بلغاريا هبَّ السربيون إلى مساعدتها، وشاركوها في انتصارها، فأعاضتهم من ذلك في معاهدة سان استفانو (٣ مارس سنة ١٨٧٨) بإعطائهم بلدة نيش ومقاطعة نوفي بازار، وأعطت إمارة بلغاريا قسمًا من مكدونية على شاطئ بحر إيجة وبلدتي فرانيا وبروت، ولكن هذه المعاهدة لم تُرْضِ الدول العظمى، ولا سيما النمسا التي تطمع بسلانيك، فاتفقت مع ألمانيا في معاهدة برلين على إضعاف نفوذ روسيا في البلقان وإلقاء الشقاق بين الدول البلقانية، فأعطت سربيا بروت وفرانيا، وأخذت منها البوسنة والهرسك، وأكرهت بلغاريا على التنازل عن دوبريجه لرومانيا مقابل بساربيا التي ضمتها روسيا إلى أملاكها، فبذرت بذلك بذور الشقاق بين الأمم البلقانية، ولا سيما البلغاريين والسربيين.
والبلغاريون ليسوا من العنصر السلافي كما يتوهم فريق من الناس، بل إن استبداد الترك جعلهم في الماضي يتقربون من السربيين للوقوف في وجه عدوهما كليهما، وقد حافظ السربيون على استقلالهم الديني في حين أن الكنيسة اليونانية ضمت البلغاريين إليها، وكادت تقضي على كيانهم الديني والقومي، فلما عبر الروس نهر الدانوب تنبه البلغاريون لأنفسهم ورغبوا في توحيد قوميتهم، فوجدوا أن العصيان لا ينفعهم؛ لقربهم من الأستانة بخلاف السربيين، ورأوا أن خير الطرق المؤدية إلى غايتهم — ولو بعد حين — هي الانفصال عن الكنيسة اليونانية، وقد قابل الباب العالي طلبهم بارتياح عظيم، فعين الأكسرخس رئيسًا دينيًّا لهم سنة ١٨٧٠ رغبة منه في إلقاء الشقاق بين الأمتين الجارتين، فنجح نجاحًا تامًّا، وكان أول عمل عمله بطريرك الأستانة أنه ألقى حرمًا دينيًّا صارمًا على البلغاريين وعلى رئيس كنيستهم الجديد.
وكانت النمسا من جهة أخرى لا تألو جهدًا في إلقاء بذور الشقاق بين البلغاريين والسربيين، فقامت تقنع السربيين بأن معظم سكان مكدونية منهم، وأن البلغاريين هم الأقلية فيها، قاصدة بذلك أن تحول أنظارهم عن البوسنة والهرسك وتوجهها إلى مكدونية، ولما أعلنت الروملي الشرقية انضمامها إلى إمارة بلغاريا حملت النمسا حكومة بلغراد على إعلان الحرب عليها بحجة اختلال التوازن في البلقان، ولكن الأمير ألكسندر باتنبرج أمير بلغاريا في ذلك الحين كان قائدًا محنكًا، فانتصر على السربيين انتصارًا باهرًا، واحتل بلدتي بروت وفرانيا، ولم يجل عنهما إلا بعد دخول النمسا فعلًا في الأمر.
وقد أُعْلِنَ الدستور العثماني والحال كما تقدم في البلقان، فرأت فيه الأمم البلقانية قضاء على آمالها، وكانت الحال في مكدونية من جهة أخرى تزداد سوءًا من يوم إلى يوم، فأصدرت الجمعيات الثوروية فيها في أواخر نوفمبر سنة ١٩١١ منشورًا حولت فيه أنظار العالم المتمدن إلى ظلم الترك لغير المسلمين، واضطرت بلغاريا وسربيا إلى إبرام معاهدة سرية ضد الدولة العثمانية في ١٣ مارس سنة ١٩١٢ يُعْمَل بها إلى آخر سنة ١٩٢٠، وقد جاء في تلك المعاهدة أن بلغاريا تُعْطَى الأملاك الواقعة شرقي نهر ستروما، وأن سربيا تُعْطَى البلاد الواقعة شمالي جبال شار بلانينا وغربيها، وأنهما تلجآن إلى تحكيم القيصر في حل كل خلاف يقع بينهما، وأما من الوجهة العسكرية فقد تكفلت سربيا بحشد ١٥٠ ألف جندي، وتكفلت بلغاريا بمهاجمة العثمانيين بمائتي ألف جندي، وتكفلت الدولتان بإعلان الحرب على رومانيا إذا شدت أزر العثمانيين، وفي ٢٠ مايو سنة ١٩١٢ وَقَّعَتْ اليونان على هذه المعاهدة، وفي ٨ أكتوبر أعلن الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية، وفي ١٨ منه أُعْلِنَتْ الحرب البلقانية الأولى.
(٤-١) المسألة الشرقية وحروب البلقان
ولم يمضِ على إعلان هذه الحرب شهر ونصف حتى اضطرت الدولة العثمانية أن تطلب من الدول التوسط في أمر الصلح، فعُقِدَتْ الهدنة في ٣ دسمبر، وافْتُتِحَ مؤتمر السفراء في لندن في ١٦ منه برئاسة السير إدورد جراي، وظلت المفاوضات أكثر من شهر، فكانت نتيجتها أن الدولة العثمانية اعترفت بضم مكدونية وأبيروس وجزيرة كريت وقسم من بلاد تراقية إلى البلقانيين، ولكنها أبت أن تتنازل عن أدرنة وعن جزر بحر إيجة، فرفع سفراء الدول العظمى في الأستانة بلاغًا مشتركًا إلى الباب العالي ألحوا فيه بتسليم أدرنة إلى بلغاريا وتحكيم الدول العظمى في مسألة الجزر، وكان بلاغهم هذا غاية في الشدة، فرأى كامل باشا — الصدر الأعظم في ذلك الحين — أن يستشير عظماء الدولة وقوادها ورجالها السياسيين في الأمر، فدعاهم إلى مجلس عالٍ عُقِدَ في دولة باغجة برئاسة جلالة السلطان في ٢٢ يناير سنة ١٩١٣، فقرر هذا المجلس أن يقبل مطالب الدول العظمى ويبرم الصلح في الحال.
ولكن وزارة كامل باشا سقطت في اليوم التالي إثر حادثة الباب العالي، وخلفتها وزارة محمود شوكت باشا الاتحادية، فأبلغت الدول العظمى في ٣٠ يناير ١٩١٣ رغبتها في المحافظة على أدرنة مفتاح الأستانة وعلى جزر بحر إيجة، وانقطعت المفاوضات في لندن بعد هذا البلاغ، وعادت الحرب فاتقدت نارها اتقادًا شديدًا اضطر الدولة العثمانية أن تطلب توسط الدول لإبرام الصلح، ولو على الأساس الجديد الذي وضعه البلقانيون، وهو جعل حدودهم الشرقية خطًّا يمتد من رودستو على بحر مرمرا إلى ملتره بروني شرقي ميديا على البحر الأسود.
ولما رأت النمسا أن أشقودرة أوشكت أن تسقط بيد الجبليين طلبت رفع الحصار عنها (في ٢٥ مارس سنة ١٩١٣)، ثم جعلت تتهدد الجبل الأسود بالحرب بعدما حشدت جيوشها على حدوده بحجة سقوط القنابل على قنصليتها في أشقودرة ومقتل قسيس نمسوي في أيبك، وقد أقنعت حكومة فينا الدول العظمى بوجوب إكراه الجبل الأسود على الخضوع لمشيئتها، واتفقت معها على إعلان الحصر البحري على شواطئه، وفي تلك الأثناء سقطت أشقودرة بيد الجبليين، فأغضب ذلك النمسا، وتهددت حكومة الجبل الأسود بالحرب.
وقد رأت روسيا أن تخضع للنمسا مرة ثانية بعد سنة ١٩٠٩ خوفًا من وقوع حرب أوروبية عامة، فأقنعت الجبل الأسود بالجلاء عن أشقودرة إكرامًا للنمسا، وكان لدخول النمسا في شئون البلقان أحسن وقع في الأستانة؛ فجرأ حكومتها على رفض مطالب البلقانيين بجعل حدودهم الشرقية خط رودستو-ملترة بروني، واضطر البلقانيون إلى إبرام الصلح في لندن في ٣٠ مايو سنة ١٩١٣ على الأساس الذي رضيت به وزارة كامل باشا، وهو جعل حدود تركيا في أوروبا خطًّا مستقيمًا يمتد من أينوس على بحر إيجة إلى ميديا على البحر الأسود، ولكن صلح لندن لم يضع حدًّا للمشاكل البلقانية، فتعقدت مسألة ألبانيا التي أوجدتها النمسا لمنع سربيا من الوصول إلى الأدرياتيك، وكانت هذه المسألة مسألة دولية؛ لأن الدول العظمى قبلن أن يكن حكمًا فيها بمقتضى معاهدة لندن، ولأن كلا منهن ذات مصالح لا تستطيع إغفالها.
وفي تلك الأثناء قام الخلاف فيما بين البلقانيين، فطلبت بلغاريا من اليونان أن تجلو عن سلانيك وتسلمها إليها، فرفضت اليونان هذا الطلب، وقالت إنها لا تسلم سلانيك إلا بالقوة، وكانت معاهدة ١٣ مارس سنة ١٩١٢ بين بلغاريا وسربيا تقضي بتحكيم قيصر روسيا في قومانوفو واسكوب وكيتشافو ودبرا وتقسيمها بين الدولتين، ولكن سربيا انتهزت فرصة انشغال البلغاريين أمام جتالجة، وقالت إنها احتلت هذه المدن احتلالًا دائمًا ثم رفضت أن تعمل بمقتضى معاهدتها مع بلغاريا بحجة أنها اضطرت إلى الرضى باستقلال ألبانيا لأسباب دولية، وأنها قامت بأكثر مما يجب عليها في محاربة العثمانيين، وقد أوصى القيصر الفريقين بالحكمة والتأني ودعاهما إلى قبول حكمه، فقالت بلغاريا (في ١١ يونيو سنة ١٩١٢) إنها تقبل حكمه في الأراضي التي ورد ذكرها في المعاهدة فقط، وبعدما تجلو الجيوش السربية عنها، وأما سربيا فقد قبلت التحكيم، ولكنها رفضت الجلاء عن الأملاك المُتَنَازَع عليها.
وقد أفهمت رومانيا بلغاريا في تلك الأثناء أنها لا تكتفي بمدينة سلستره التي احتلتها بمقتضى معاهدة بطرسبرغ (١٥ أبريل سنة ١٩١٣) بل تطلب تعويضًا آخر إذا وقعت الحرب بين البلقانيين، ولكن بلغاريا لم تعبأ بتهديدها، فأقدمت على الحرب مع علمها بأنها مهددة من الجهات الأربع؛ من العثمانيين شرقًا، والرومانيين شمالًا، والسربيين غربًا، واليونانيين جنوبًا.
وفي ٣٠ يوليو طلبت بلغاريا الصلح، واتفقت مع أعدائها على عقد مؤتمر بلقاني في بخارست.
(٤-٢) معاهدة بخارست
وفي ١٠ أغسطس سنة ١٩١٣ أُبْرِمَتْ معاهدة بخارست التي وُضِعَتْ بموجبها خريطة البلقان على ما نعرفها قبل الحرب الأوروبية.
وكانت تلك المعاهدة شؤمًا على الشرق؛ فأضرمت نار الحقد بين البلقانيين، ووسعت المجال لأطماعهم وتباين مصالحهم، ولم تحل مشكلًا واحدًا من مشاكلهم الداخلية، بل اكتفت بصلح وقتي أقامتهُ على أساس فاسد لا يثبت أمام زوابع السياسة ولا يقوى على مقاومة تيار الضغائن والأحقاد؛ لأنها اضطرت فريقًا منهم إلى ترك أراضي واسعة كانت له، أو كان يؤمل ضمها إلى بلاده على مبدأ العنصرية، ولم تحقق آمال الفريق الآخر في تقسيم تلك الأراضي تقسيمًا عادلًا يتفق مع مصلحة العناصر التي فيها.
(٤-٣) أوروبا بعد معاهدة بخارست
إن الدول الثلاث ستبذل جهدها في المحافظة على التوازن الأوروبي والسلم العام.
ونشرت صحف ألمانيا وإيطاليا والنمسا بلاغًا رسميًّا إثر اجتماع وزير خارجية إيطاليا بوزير خارجية النمسا في ابازيا، وزيارة الإمبراطور ولهلم للإمبراطور فرنز جوزف في فينا في ٢٢ مارس سنة ١٩١٤، أو للملك فكتور عمانوئيل في البندقية. وقد ورد في ذلك البلاغ «أن دول التحالف الثلاثي اتفقت على حل المشاكل العديدة التي نشأت عن الأزمة البلقانية حلًّا سلميًّا»، ثم اتفقت إنكلترا وألمانيا بشأن سكة حديد بغداد والملاحة في دجلة، واتفقت فرنسا وألمانيا على سكك حديد الأناضول، وأجابت الدولة العثمانية روسيا إلى مطالبها في شأن أرمينية، وقبلت اقتراح الدول العظمى بإصلاح ولايات الأناضول الشرقية.
ولكن مسألة ألبانيا مع ذلك كله كانت تزداد إشكالًا من يوم إلى يوم؛ لأن فشل البرنس فيد في حفظ الأمن فيها جعل إيطاليا والنمسا في نزاع دائم بسبب أطماعهما وفتح عين اليونان على بلاد أبيروس التي اغْتُصِبَتْ منها، ونبه بلغاريا إلى انتهاز الفرص التي تسنح للانتقام من جارتيها سربيا واليونان.
وقد وصف أحد كبار الكتاب السياسيين حالة أوروبا في تلك الأثناء، فقال: «إن الموقف الحالي مع ظواهره السلمية عبارة عن اختلال التوازن في الشرق اختلالًا لا تستطيع الدول إغفاله، وتنازع المصالح الأوروبية تنازعًا لا سبيل إلى اجتنابه، وارتباك المسائل الشرقية ارتباكًا لا يزول إلا بامتشاق الحسام.»
(٥) فروع المسألة الشرقية
لقد عرَّفت المسألة الشرقية مع من عرَّفها من السياسيين بأنها: «نزاع شديد بين الأمة التركية والأمم التي تحت حكمها أو التي كانت تحت حكمها من جهة، ودخول الدول العظمى في هذا النزاع لسد أطماعها وتحقيق آمالها المتناقضة من جهة أخرى»، ولهذه المسألة المعقدة التي كانت السبب الجوهري في إعلان الحرب الأوروبية فروع عديدة، أهمها: المسألة العربية — وسنأتي على وصفها في الفصول التالية — ومسألة البواغيز، ومسألة مكدونية، ومسألة ألبانيا، ومسألة البوسنة والهرسك، ومسألة نوفي بازار، والمسألة الأرمنية.
(٥-١) مسألة البواغيز
فمسألة البواغيز يمكن إجمالها فيما يلي: هل تفتح البواغيز — البسفور والدردنيل — للبوارج الروسية فقط أو لبوارج جميع الدول؛ ففتحها لروسيا فقط يجعل حكومة الأستانة حارسًا على بابها، بل في قبضة يدها، وفتحها لبوارج جميع الدول يضر روسيا ضررًا عظيمًا، ويترك الأستانة والدردنيل عرضة لأطماع الدول صاحبات الأطماع في الشرق الأدنى، وإذا أُعْطِيَتْ روسيا البواغيز والأستانة، فكيف يكون حال رومانيا وبلغاريا؟ بل حال الدول العظمى ذوات المصالح في البحر المتوسط؟ وإذا ظلت البواغيز والأستانة بيد العثمانيين فالضرر عظيم على كل الدول، ولا سيما روسيا ورومانيا، فكيفما أدرنا الطرف نرى أن مسألة البواغيز كانت ولا تزال من أعظم مسائل الشرق الأدنى للأسباب التي نبسطها في سياق كلامنا.
لما كان البحر الأسود بحيرة عثمانية، كان الباب العالي حرًّا في إقفاله وفتحه والتصرف فيه كيفما يشاء، ولكن وصول روسيا إليه وقيام دولتين جديدتين على شاطئه الغربي وضعف الدولة العثمانية … إلى غير ذلك من الحوادث التي وقعت في القرن الماضي؛ غيرت تلك الحال من وجهتيها السياسية والقانونية تغييرًا تامًّا زاد في إشكالها وغموضها. فالقوانين الدولية تقضي من جهة «بجعل البحار المشتركة حرة للجميع على السواء»، وتعترف من جهة أخرى «بأن لكل دولة من الدول حق الانتفاع بأملاكها دفاعًا عن كيانها»، ولكن هذين المبدأين الصحيحين لا يُسْتَطَاع تطبيقهما على البواغيز؛ لأن جعل البحر الأسود حرًّا بحجة أنه بحر مشترك طبقًا للمبدأ الأول ينفي المبدأ الثاني الذي يمنح الدولة العثمانية حق الانتفاع بأملاكها، والعكس بالعكس، هذه هي عقدة العقد من الوجهة القانونية.
وأما من الوجهة السياسية فإن لكل دولة من الدول العظمى والدول البلقانية رأيًا في المسألة لا تحيد عنه، ومصلحة لا تريد إغفالها، ولا شيء يوضح للقراء تباين المصالح الدولية في هذه المسألة أكثر من مراجعة تاريخها في القرنين الماضيين، فإن بطرس الأكبر لما احتل شواطئ بحر أزوف عرض على بساط البحث مسألة الملاحة الحرة في البحر الأسود، وكان هذا البحر لا يزال عثمانيًّا، فرفض الباب العالي ذلك بتاتًا، ومنع روسيا في معاهدة بلغراد ١٨ سبتمبر ١٧٣٩ من إنشاء سفن حربية في بحر أزوف والبحر الأسود. وقد وضعت روسيا نصب عينيها مسألة الوصول إلى البحر الأسود من ذلك الحين، فتمكنت بعد انتصارات الإمبراطورة كاترينا الثانية على العثمانيين من إبرام معاهدة كوجوك قينارجي (١٠ يوليو سنة ١٧٧٤) وجعل الملاحة حرة في البواغيز وفتح مضيق الدردنيل لأسطولها في البحر المتوسط مع بقاء البسفور مقفلًا في وجههِ.
وفي القرن الثامن عشر اتفقت الدولة العثمانية مع روسيا، وأبرمت معها معاهدتين؛ الأولى في ٢٣ دسمبر سنة ١٧٩٨، والثانية في ٢٣ سبتمبر سنة ١٨٠٥ تكفلت بهما بفتح البواغير للأسطول الروسي ومنع البوارج الأجنبية من دخول البحر الأسود.
وفي ٥ يناير سنة ١٨٠٨ فتحت إنكلترا موضوع الدردنيل ثانية، وأبرمت معاهدة جديدة مع الباب العالي وبعض الدول العظمى منعت بموجبها كل السفن غير العثمانية من دخول البحر الأسود أو الخروج منه، فغلَّ الباب العالي يده بهذه المعاهدات المتناقضة، وقضى على حرية تصرفهِ في أملاكه، وكانت هذه المعاهدة ضد روسيا وفي مصلحة دول الغرب البحرية، ولكن روسيا انتقمت لنفسها بإكراه الباب العالي في معاهدة هنكار اسكله سي (٢٦ يوليو سنة ١٨٣٣) على إقفال البواغيز في وجه الدول البحرية التي تعلن الحرب عليها.
وقد بات الدردنيل من ذلك الحين مرشحًا للسياسة الأوروبية، فكانت الدول العظمى تدخل في أمره تارة لمصلحة روسيا، وتارة ضدها، متبعة تقلب الحال.
وفي سنة ١٨٤١ تمكنت إنكلترا من إلغاء معاهدة هنكار اسكله سي، وأبرمت معاهدة لندن (١٣ يونيو سنة ١٨٤١) التي تقضي بإقفال البواغيز وإقامة الباب العالي «بوليسًا» على الدردنيل والبسفور، وكانت معاهدة لندن موجهة ضد روسيا؛ لأنها لم تبحث في إقفال البواغيز إلا في إبان السلم، فكأنها تركت للباب العالي حرية فتحهِ في إبان الحرب للدولة التي تهاجم روسيا من البحر الأسود، وهذا ما وقع فعلًا في سنة ١٨٤٥ لما دخلت أساطيل الحلفاء في ذلك الحين بحر مرمرا لمهاجمة شواطئ روسيا.
أن البحر الأسود بحر محايد لا تدخله البوارج الحربية، ولا يجوز لروسيا إنشاء ترسانات على شواطئه.
(المادتان ١١ و١٢.)
وفُتِحَتْ مسألة البواغيز في معاهدتي لندن (سنة ١٨٧١) وبرلين (سنة ١٨٧٨) فاتفقت الدول على أن «تبقى مقفلة وأن لا تدخلها البوارج الحربية إلا باتفاق الدول العظمى وفي الأحوال المعينة في المعاهدات السابقة.»
ولما أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية ووصلت جيوشها إلى أيا استفانوس دخلت الأساطيل البريطانية مضيق الدردنيل لمنع الروس من الوصول إلى الأستانة بحجة أن معاهدتي لندن وبرلين تركتا للباب العالي حرية فتح البواغيز أو إقفالها حسبما تقتضي الأحوال، ولكن إنكلترا عينها منعت الباب العالي سنة ١٩٠٢ وسنة ١٩٠٤ من فتح البواغيز للأسطول الروسي بحجة أن معاهدتي لندن وبرلين تقضيان عليه بتنفيذ قرارات الدول العظمى في هذا الشأن.
فهذا التناقض الغريب في تفسير المعاهدات التي تتعلق بالبواغيز يدل على أن الباب العالي كان يسير دائمًا مع تيار السياسة، وأن المعاهدات لم يكن لها شأن في نظره ونظر الدول العظمى أيضًا؛ فإن الأساطيل الإنكليزية وأساطيل الدول المتحالفة دخلت البواغيز في سني ١٨٠٧ و١٨٥٤ و١٨٧٨ باسم معاهدتي لندن وبرلين، ثم مُنِعَتْ الأساطيل الروسية من دخولها سنة ١٩٠٢ والخروج منها سنة ١٩٠٤ باسم تينك المعاهدتين أيضًا، ودخلتهما البارجتان الألمانيتان جوبن وبرسلو في ١١ أغسطس بالحجة عينها.
(٥-٢) مسألة مكدونية
نشأت المسألة المكدونية عن تعذر قسمة مكدونية على مبدأ العنصرية لاختلاط العناصر فيها اختلاطًا لا يمكن معه حسم الأشكال حسمًا مرضيًا عادلًا.
وقد اتفقت روسيا والنمسا في مقابلة الإمبراطورين في مرسزتاغ على تعيين لجنة مختلطة لإحصاء العناصر في مكدونية على الأساس الذي جرت عليه اللجنة الأوروبية في الروملي الشرقية سنة ١٨٧٨، ولكن هذه اللجنة لم تُعَيَّن، ولو عُيِّنَتْ لذهبت أتعابها أدراج الرياح، يؤيد ذلك ما نراهُ من اختلاف الحكومات البلقانية والإحصائيين الأجانب أنفسهم في: هل عدد سكان مكدونية البلغاريين مليونان أو هو مليون ونصف أو هو ستون ألفًا؟ وهل عدد الفلاخ مائة ألف أو سبعون ألفًا؟ وهل عدد السربيين مليونان وسبعون ألفًا، أو ليس هناك سربيون على الإطلاق؟ وهل عدد الترك ستمائة ألف أو مائة وعشرون ألفًا؟ وهل عدد الألبانيين ثلاثمائة ألف أو مائة ألف فقط؟
على أن هذه الفروق العظيمة في هذه الأرقام أثبتها الإحصائيون في كتبهم وتقاريرهم، وأيدوا كل رقم منها بحجج زعموا صحتها وأسندوها إلى أدلة أوردوها، وأما سبب هذا التناقض العجيب فيرجع إلى أن العناصر البلقانية كانت تزحزح بعضها بعضًا على التوالي قبل دخول الترك في أوروبا، ثم اندمجت فصارت أمة واحدة في الظاهر تجمعها جامعة الدين، وظلت على هذا المنوال إلى أن انبثق لها فجر الحرية والاستقلال في أوائل القرن الماضي.
وبديهي أن الأدوار العديدة والانقلابات الكثيرة التي طرأت على العناصر المكدونية أزالت كل الفروق التي كانت بينها؛ فاللغة لم تعد كافية للتمييز بينها؛ لأن الأحوال اضطرت فريقًا كبيرًا منها أن يتكلم بلغة غير لغته، ولا يؤخذ اختلاف المذاهب حجة في الإحصاء؛ لأن بلغاريا لم تستقل دينيًّا إلا منذ ست وأربعين سنة، ولأن فريقًا كبيرًا من البلغاريين تابع للكنيسة اليونانية، ولأن السربيين فريقان: فريق تابع لبطريركية الفنار اليونانية، وفريق للاكسرخس البلغاري. وأما التاريخ فلا يستطيع الإحصائيون أن يستندوا إليه فيما يختص بمكدونية؛ لأن كل أمة من الأمم التي تقطن فيها حكمت في دورها واندغمت فيها الأمم الأخرى؛ لذلك كان أحسن حلٍّ للإشكال جعل مكدونية دولة مستقلة، ولكن رجال السياسة اختلفوا في الأمر، فذهب بعضهم إلى وجوب منحها الاستقلال التام، وجعلها دولة دستورية حرة، تكون اللغة الفرنسوية لغتها الرسمية، وقال آخرون بل يجب جعلها ولاية مستقلة يتفق الباب العالي مع الدول العظمى على تعيين حاكم مسيحي لها يعضده في مهمته مجلس إداري تنتخب العناصر أعضاءه بالطريقة النسبية. ولما اختلفت أوروبا في حل مسألة مكدونية ورأت فيها خطرًا على السلم العام ألحت على الباب العالي في إجراء الإصلاح فيها، فأظهر رغبته في ذلك بعد إعلان الدستور، وأصدر لائحة إصلاحية قرر فيها زيادة عدد الجندرمة ألف جندي في ولاية أشقودرة، ومثل ذلك في ولاية قوصوة، وإنفاق مائة ألف ليرا على إنشاء «قرة قولات» جديدة للجندرمة في ولايات سلانيك ومناستر وأشقودرة ويانيا، وربط هذه «القرة قولات» بالأسلاك التليفونية، ثم عين سنة ١٩١٢ لجنة إصلاحية للنظر في شئون مكدونية برئاسة الحاج عادل بك وزير الداخلية في ذلك الحين، وجعل بين أعضائها بعض كبار الموظفين في وزارات المالية والحربية والحقانية والمعارف والأشغال العمومية والجنرال بومان باشا والكولونل فولون والقائمقام رجائي بك.
باسم الحرية والنهضة والارتقاء نعلن الثورة في بلاد البلقان، وسنقابل الإرهاب بالإرهاب والقسوة بالقسوة، ونشهر السيف المنغمس في الدم في وجه القوة والظلم، فاحتشدوا يا أبناء الوطن العزيز ورجال الثورة الأشداء حول علم الثورة المقدس الذي يكفل لنا الخلاص من ربقة الذل والاستعباد.
هكذا كانت مكدونية قبل إعلان الحرب البلقانية، وقد صارت كذلك بعد معاهدة بخارست، ولكن حقد البلغاريين على الترك تحول إلى حقد على السربيين، وكان سببًا في دخول بلغاريا الحرب الأوروبية ضد سربيا.
(٥-٣) المسألة الألبانية
ألبانيا أو البلاد التي يسكنها العنصر الألباني شرقي الأدرياتيك، تشمل ألبانيا التي استقلت في حرب البلقان، وقسمًا من مكدونية السربية ومن بلاد أبيروس، عدد سكانها مليون ومائة وأربعون ألفًا، منهم ثمانمائة ألف من المسلمين ومئتان وأربعون ألفًا من الأرثوذكس ومائة ألف من الكاثوليك.
والألبانيون يختلفون عن سائر العناصر البلقانية بلغتهم وأخلاقهم وعاداتهم التي حفظوها على توالي الأيام، فالألباني أو «ابن النسر» يعبد الشرف ويهوى الحرية ولا يقيم على الضيم، فأقل إهانة تلحق به يعقبها انتقام دموي هائل.
ولم يشد الألبانيون دولة في زمن من الأزمان، ولكنهم شوهدوا في جميع الحروب والغزوات؛ فاجتاحوا الشرق مع إسكندر الكبير، وحاربوا الرومانيين مع بيروس، وقاتلوا الصقالبة بعد وصلهم إلى البلقان، واشتركوا مع السلطان مراد في معركة قوصوة، ثم انقلبوا على الترك في زمن إسكندر بك الزعيم الألباني الشهير، وحاربوهم دفاعًا عن حريتهم واستقلالهم.
وقد رأى السلاطين العثمانيون أن يحسنوا معاملة الألبانيين، ويستميلوهم إليهم بالحكمة واللين، فأعفوهم من الضرائب والأموال الأميرية، وعينوا منهم الصدور العظام، واجتنبوا الدخول في شئونهم الداخلية، فتطوع الألبانيون في الجيش العثماني عن طيبة خاطر، واعتنق معظمهم الإسلام.
وقد ظهرت الفكرة القومية في ألبانيا في أوائل هذا القرن متأثرة بحوادث مكدونية وأخذت تنتشر يومًا فيومًا، إلى أن بلغت حدها الأقصى إثر إعلان الدستور العثماني، فاجتمع بعض زعماء الألبانيين في تيرانوفو والبسان، وطلبوا من الحكومة أن تجعل اللغة الألبانية اللغة الرسمية في بلادهم، ثم عقدوا اجتماعًا آخر في مناستر، طلبوا فيه أن تُنْشَأ مدارس جديدة في ألبانيا، وأن تُكْتَب اللغة الألبانية بالحروف اللاتينية، فارتعدت فرائص الترك من جراء ذلك؛ لأنهم أدركوا أن ألبانيا حصنهم الوحيد في أوروبا، وأن ابتعادها عنهم يقضي عليهم بالرحيل إلى آسيا، فرغبوا في القضاء على الفكرة القومية فيها، وعهدوا إلى بدري باشا — والي أشقودرة في ذلك الحين — في اتخاذ التدابير اللازمة لذلك (سنة ١٩١٠)، فأسرع بدري باشا إلى تنفيذ أوامر الأستانة ومنع الألبانيين من حمل السلاح في المدن، فعدوا ذلك إهانة لهم، وأعربوا عن استيائهم من سياسة الحكومة العثمانية، ثم عقب ذلك شنق بعض زعماء الألبانيين في الأستانة إثر خلع السلطان عبد الحميد وإقرار الحكومة على إحصاء سكان ألبانيا توطئة لتجنيدهم وفرض الضرائب عليهم، فشقوا عصا الطاعة، وجاهروا بالعصيان، فجاءهم شوكت طورغود باشا بجيش كبير وقمع ثورتهم بشدة لم يسبق لها مثيل، وأصدر أمره بجمع السلاح منهم، ولكن السلاح الذي جمعه كان قديمًا، وظل السلاح الجديد بيد الألبانيين، فغنموا أول فرصة سنحت لهم، وأعلنوا الثورة هذه المرة باسم القومية، وطلبوا الاستقلال الإداري التام وتدريس اللغة الألبانية وحدها في مدارسهم بعدما تُكْتَب بالحروف اللاتينية، وإنفاق الأموال الأميرية كلها على إصلاح بلادهم.
وقد انتشرت الفكرة القومية بسرعة عظيمة في ألبانيا، فتعدت المفكرين إلى جميع طبقات الشعب، وحلمت الشبيبة وبعض الزعماء باستقلال ألبانيا التام، وجعلها واسطة لإبرام اتفاق بلقاني متين ومحورًا تدور عليه سياسة البلقان المقبلة.
وأما الترك فرفضوا إجابة الألبانيين إلى مطالبهم وجردوا عليهم حملة كبيرة، ولكنها لم تستطع الثبات أمامهم، فأُكْرِهَتْ على التقهقر إلى ما وراء أشقودرة، ولما أرسلت الحكومة طورغود باشا لشد أزر هذه الحملة على الألبانيين الذين في الشمال ثار المردة الذين يسكنون في جنوب أشقودرة بشرق، واشترك المسلمون والمسيحيون في الحرب، فأدركت الحكومة حرج موقفها ونهجت خطة المسالمة واللين في ألبانيا، فأصدر خليل بك وزير الداخلية في ذلك الحين أمرًا بفتح المدارس الألبانية، وزار السلطان محمد رشاد سهل قوصوة في ١٦ يونيو سنة ١٩١١، وأصدر عفوًا عامًا عن الذين اشتركوا في العصيان، وفي ٢١ منه دعا طورغود باشا زعماء الماليسوريين إلى اجتماع في توزا، فرفضوا ذلك لعدم ثقتهم به، ودارت رحى القتال ثانية في ٢٤ يونيو، ولكن الماليسوريين الذين رفضوا مفاوضة طورغود باشا لشدة كرههم له كانوا يفاوضون في تلك الأثناء صدر الدين بك معتمد تركيا في شتينة، فوعدهم بفتح المدارس المقفلة وإصلاح الطرق وإدارة بلادهم على أساس اللامركزية مقابل إخلادهم إلى السكينة.
على أن الترك لم يفوا بوعودهم هذه المرة أيضًا؛ لأنهم كانوا يخشون أن تقتفي العناصر العثمانية أثر الألبانيين في طلب اللامركزية الواسعة، فتفاقم الخطب ودخلت المسألة الألبانية في شكل جديد؛ لأن بعض الدول لم يكن ينظر نظرة المتفرج إلى ما يجري في ألبانيا، فنبه سفراء هذه الدول في الأستانة الباب العالي إلى الخطر الذي يتهدده، ودافعوا عن مطاليب الألبانيين دفاعًا شديدًا. وكانت النمسا ترقب سير الحوادث الألبانية بكل دقة واهتمام بحجة أنها حامية الكاثوليك منذ انتصار البرنس شارل على العثمانيين في معركة باساروفيتز سنة ١٧١٨، وأن مؤتمر برلين أيد تلك الحقوق المزعومة، وجعل ألبانيا في منطقة نفوذها.
ولم تكن النمسا لتغض الطرف عن ألبانيا؛ لأنها الطريق التي تؤدي إلى البحر، والحصن الذي يمكن توقيف الصقالبة عنده، فنشأ عن ذلك تفاقم الخلاف بينها وبين الصقالبة من جهة، وبينها وبين إيطاليا من جهة أخرى؛ لأن إيطاليا تعد نفسها وارثة الرومانيين، ويهمها بحر الأدرياتيك دفاعًا عن شواطئ بلادها.
وفي شهر مايو سنة ١٩١١ تعكر صفو الصلات السياسية بين الباب العالي والجبل الأسود بسبب التجاء الثائرين الألبان إليه، فحشدت الحكومة العثمانية جيشها على الحدود، وقررت إعلان الحرب على حكومة شتينة، لولا دخول روسيا في الأمر، وتصريح المسيو جاريكوف — سفيرها في الأستانة — لرفعت باشا وزير الخارجية في ذلك الحين «بأن روسيا لا تسمح للدولة العثمانية بالاعتداء على الجبل الأسود»، فاضطر الباب العالي أن يسحب جيوشه من الحدود، وأن يصدر أمره بالعفو عن الثائرين الماليسوريين، ويعفيهم من الخدمة العسكرية ومن دفع الأموال الأميرية، ويسمح لهم بتقلد السلاح وتدريس اللغة الألبانية في المدارس الرسمية في ألبانيا، ويعدهم بإنشاء الطرق في بلادهم ويعيضهم من الخسارة التي لحقت بهم بسبب الحرب.
وقد رأى الألبانيون أن ما رضيت به الدولة قليل عليهم ورآه الترك شيئًا كثيرًا منهم؛ لذلك لم يكن بد من فتح مسألة ألبانيا ثانية سنة ١٩١٢. وكانت الثورات الألبانية من أكبر العوامل التي جرأت البلقانيين على إعلان الحرب على الدولة العثمانية في الحرب البلقانية، ومن أهم الأسباب التي حملت إيطاليا على شد أزر الحلفاء في الحرب الأوروبية دفاعًا عن مصالحها في ألبانيا والأدرياتيك.
(٥-٤) مسألة البوسنة والهرسك
ومنطوق هذه المادة يدل على رغبة أوروبا في إبقاء البوسنة والهرسك تحت سيادة الدولة العثمانية كما يتضح من مناقشات المؤتمر؛ فقد وافق اللورد سلسبوري مندوب إنكلترا على تلك المادة «لأنها لا تمس سيادة الدولة العثمانية»، وقال المسيو ودينكتون مندوب فرنسا «إن النمسا ستمثل دور بوليس أوروبي في البوسنة والهرسك»، وقال الكونت اندراسي مندوب النمسا «إن حكومته تعد مسألة البوسنة والهرسك مسألة أوروبية بحتة»، وقال المسيو تورتشا كوف مندوب روسيا «إن حكومته تقبل بأن تحتل النمسا مقاطعتي البوسنة والهرسك احتلالًا مؤقتًا بالنيابة عن أوروبا»، وقال المندوبون العثمانيون — صفوت باشا ومحمد علي باشا وقره تيودوري باشا — إنهم يوافقون على ذلك «لأنهم لا يرون فيه ما يمس السيادة العثمانية.»يُعْهَد إلى النمسا في احتلال مقاطعتي البوسنة والهرسك احتلالًا مؤقتًا وفي إدارة شئونهما.
تكفلت النمسا بإدارة شئون البوسنة والهرسك على أساس الحرية والعدل والنظام إقرارًا للأمن فيهما، فألفت لهما حكومة حسنة، ولكنها وضعت نصب عينيها القضاء على العنصر السلافي فيهما قضاء مبرمًا، فاغتصبت حق تسمية الأساقفة، ونزعت حقوق الإكليروس الأرثوذكسي، وأقفلت الكنائس بحجة أنها قديمة البناء، ومنعت الاحتفال بالأعياد الدينية القومية، وأثقلت عاتق الأهلين بالضرائب الجديدة، وأقفلت المدارس الوطنية، ومنعت تدريس التاريخ السربي، وغلَّت عنق الصحف غلًّا لم يسبق له مثيل؛ فأعلنت بذلك حربًا عوانًا على السربيين خصوصًا وعلى الصقالبة عمومًا.
تتكفل النمسا بإعطاء سربيا البوسنة والهرسك إذا ساعدتها في محاربة الدولة العثمانية.
وقد كان ضم البوسنة والهرسك إلى النمسا ضربة شديدة على سربيا والجبل الأسود، فقال المسيو نيكولايفتش — رئيس وزارة سربيا سابقًا — في تقرير رفعه إلى المجالس النيابية في أوروبا: «إن مستقبل سربيا والجبل الأسود يتوقف على الطريقة التي تُحَلُّ بها مسألة البوسنة والهرسك؛ لأن ضمهما إلى النمسا يفصل بين الدولتين السلافيتين، ويمنع سربيا من بلوغ الأدرياتيك، ويجعل الجبل الأسود تحت رحمة جارته الجرمانية»، وقد اضطرت روسيا إلى الرضوخ لمشيئة النمسا؛ لأنها كانت غير قادرة على الدفاع عن مصالح الصقالبة في البلقان بعد فشلها في الحرب اليابانية.
ولما أعلنت الحرب البلقانية أملت النمسا فوائد عظيمة من اختلاف البلقانيين واحتكاك المصالح الدولية في الشرق، وكادت تغري إيطاليا بمهاجمة سربيا لولا دخول رومانيا في الأمر ونجاح مؤتمر بخارست في إبرام الصلح — مؤقتًا — بين البلقانيين.
(٥-٥) مسألة نوفي بازار
ولم تكن مسألة البوسنة والهرسك المسألة الوحيدة التي حامت حولها الظنون واحتكت فيها مصالح النمسا وسربيا، بل كان هناك مسألة أخرى لا تقل عنها أهمية وشأنًا، وهي مسألة سنجق نوفي بازار، فقد سمحت المادة الخامسة والعشرون من معاهدة برلين لحكومة النمسا والمجر «بأن تضع حامية نمسوية في نوفي بازار — على طريق سلانيك — حين الحاجة»، ففصلت بذلك بين الدولتين السلافيتين — سربيا والجبل الأسود — وأقفلت طريق الأدرياتيك في وجه سربيا، وفتحت طريق مكدونية وسلانيك والبحر المتوسط والأستانة أمام الجرمان. وقد أعطت هذه المادة النمسا موقعًا حربيًّا من أحسن المواقع وأمنعها تستطيع أن تنقل إليه جيوشها بكل سرعة، وأن تتحكم منه في سهل قوصوة، ونهري مورافا والواردار، وتجعل الأمم السلافية في البلقان تحت رحمتها، وفي منطقة نفوذها الاقتصادي.
(٥-٦) المسألة الأرمنية
أرمينية أو جيورجيا أو البلاد التي يسكنها الأرمن تمتد من جبال أراراط إلى قلب الأناضول، ومن البحر الأسود إلى شمال العراق، وتشمل قسمًا من القوقاس والأناضول وبلاد إيران، وعدد سكانها من الأرمن نحو ثلاثة ملايين نسمة؛ منهم مليون وأربعمائة ألف في البلاد العثمانية؛ أي في ولايات سيواس وأرضروم وبتليس ووان وديار بكر ومعمورة العزيز التي تُدْعَى الولايات الشرقية الست، والأرمن هم الأقلية في كل هذه الولايات؛ ولذلك كانت مسألتهم من أعقد المسائل الشرقية.
بثت حوادث الشرق الأدنى الفكرة القومية في الأرمن العثمانيين في أوائل القرن الماضي، وكان زعماؤهم فريقين فريقًا يطلب الاستقلال الإداري فقط، وفريقًا يرمي إلى جعل أرمينية القديمة كلها مملكة مستقلة، وهذا الفريق الأخير كان يكره الروس والعثمانيين على السواء.
وقد بدأت الشبيبة الأرمنية أو أرمينية الفتاة تطالب الباب العالي بحقوقها منذ سنة ١٨٣٩، فانتخبت مجلسًا من العوام لمراقبة خطة البطريرك رأس الأمة الأرمنية وشد أزره في المسائل السياسية، ثم تمكنت سنة ١٨٦٣ من جعل انتخاب الإكليروس عامًّا ومن تأليف مجلس ملي جديد من أربعمائة عضو مهمته إنهاض الأمة سياسيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا. وقد نهج الباب العالي في بدء الأمر سياسة الحكمة واللين مع الأرمن العثمانيين لمنعهم من الالتجاء إلى روسيا، فمنحهم استقلالًا إداريًّا أوسع من الاستقلال الذي منحته روسيا لإخوانهم في القوقاس وفتح باب المناصب في وجوههم، فاكتسب صداقتهم وإخلاصهم وانتفعت الدولة بهم انتفاعًا عظيمًا. وقد قال أحد الصدور العظام «قوام الدولة اثنان: السيف والقلم؛ فالسيف للألبانيين والقلم للأرمن.»
ولكن مصاعب جمة كانت تحول دون إصلاح الحال في أرمينية على أساس وطيد الأركان، أهمها عنفوان الأكراد وتعصبهم، وضعف الأرمن، وقلة عددهم.
وكان اضطهاد الأكراد للأرمن يزداد يومًا فيومًا إلى أن شبت حرب سنة ١٨٧٧، فلما توغل الروس في البلاد العثمانية هاج الأكراد وذبحوا الأرمن في بعض قرى الأناضول، فنشأ عن ذلك اهتمام الإمبراطورية الروسية بشئون أرمينية في معاهدة أيا استفانوس وإكراه الحكومة العثمانية على قبول المادة الثانية، وهي: «يتكفل الباب العالي بإجراء الإصلاح اللازم في الولايات التي يسكنها الأرمن، وبرفع الضيم عنهم، وحفظ الأمن في بلادهم، ومنع الأكراد من الاعتداء عليهم»، وخافت إنكلترا عاقبة دخول روسيا في شئون الدولة العثمانية، فأبرمت مع الباب العالي معاهدة — في ٤ يونيو ١٧٧٨ — جاء فيها: «إن الباب العالي عقد النية على إجراء الإصلاح في آسيا الصغرى وتحسين حال سكانها من مسلمين ومسيحيين»، ووافق الباب العالي على ذلك في مؤتمر برلين أيضًا، ولكنه أهمل أمر التنفيذ في أرمينية، كما أهمله في سائر البلاد العثمانية، وكان احتكاك المصالح البريطانية والروسية في آسيا الصغرى من أكبر العوامل التي جرأت الباب العالي على النكث بعهوده، وشد أزر الأكراد السفاحين، فذهبت أرمينية فدية لاختلاف الدول الأوروبية واحتكاك مصالحهن في الشرق الأدنى.
اسود الضياء في عيون الأرمن من جراء ذلك، فحملوا على الحكومة العثمانية في صحف الغرب حملات شديدة، وقاموا بمظاهرات عديدة في عواصم أوروبا لحمل حكوماتها على الدخول في شئونهم، فحقد الباب العالي عليهم حقدًا شديدًا، حتى إن سعيد باشا المشهور برزانتهِ قال — وقد كان صدرًا أعظم في ذلك الحين: «إن المسألة الأرمنية لا تُحَل إلا بإزالة الأرمن من الوجود.»
ثم جعلت الحكومة العثمانية تحرض الأكراد على الأرمن اقتصاصًا منهم، وتفرض عليهم ضرائب لا طاقة لهم على احتمالها، فرفضوا أداءها، ووقعت المذابح من جراء ذلك في موش وسامسون وتالوري وشنيك وسمال وغيرها بين ١٢ أغسطس و٤ سبتمبر سنة ١٨٩٤. ودخلت إنكلترا في الأمر فطلبت من الباب العالي أن يعين لجنة تفتيش للبحث عن المجرمين، فأجابها إلى طلبها، ولكنه اكتفى بعزل والي بتليس فقط مع أن لجنة التفتيش ألقت تبعة المذابح على كثيرين من القواد والضباط والموظفين الملكيين. وفي ٢ مايو سنة ١٨٩٥ سلمت الدول العظمى مذكرة مشتركة إلى الباب العالي في شأن أرمينية، فرفض العمل بها، وأوضح الأسباب التي حملته على ذلك في مذكرة سلمها إلى سفراء الدول العظمى في الأستانة في ٧ يونيو سنة ١٨٩٥.
وفي ٣٠ سبتمبر قامت الجمعيات الأرمنية بمظاهرة سلمية في الأستانة، ومشى رجال الشرطة مع المتظاهرين لحفظ الأمن، ولكن شابًّا محمسًا أطلق مسدسه على ضابط عثماني فقتله، وبدأت مذابح الأرمن في الأستانة، وفي جميع بلاد الأناضول التي يسكنها الأرمن، وفي ٢٠ أكتوبر سنة ١٨٩٥ أبلغ الباب العالي الدول العظمى أنه رضي بمطالبهن فيما يختص بأرمينية، فغضب الأكراد لذلك، وقاموا على الأرمن وذبحوا منهم مائة ألف نسمة على أقل تقدير، ولما رأى الأرمن أن أوروبا لا يهمها أمرهم عنَّ لهم أن يقوموا بعمل يضطرها إلى الدخول في شئونهم، فهجموا على البنك العثماني في الأستانة في ٢٦ أغسطس سنة ١٨٩٦، ولكن عبد الحميد كان قد احتاط لهم، فحرض رعاع الأستانة عليهم، فذبحوا منهم ستة آلاف نسمة في يومين، وقامت قيامة صحف الغرب احتجاجًا على هذه الفظائع، وبلغ الهياج في إنكلترا أشده، فاضطرت حكومة لندن إلى الدخول في الأمر، وطلبت من الدول العظمى أن توافقها على إبلاغ السلطان عبد الحميد «أن مواصلة هذه الفظائع تؤدي إلى ضياع عرشهِ»، وكان ذلك في ١٦ سبتمبر سنة ١٨٩٦.
وفي ٢١ أكتوبر سلمت الدول العظمى مذكرة شديدة اللهجة إلى الباب العالي، قالت فيها «إنها مستعدة لِأَنْ تعيد الأمن إلى نصابه بالقوة»، ولكن هذه المذكرة لم تأتِ بالفائدة المطلوبة؛ لأن فرنسا كانت تخشى أطماع إنكلترا في الأناضول، ولأن روسيا مانعت في استقلال أرمينية، فلم توفق الدول إلى القيام بعمل مشترك دفاعًا عن الأرمن.
وفي أكتوبر سنة ١٨٩٦ زار القيصر باريس، فأسفرت زيارته عن اتفاق فرنسا وروسيا على الدفاع عن سلامة الأملاك العثمانية، وشد أزر الباب العالي في إجراء الإصلاح في أرمينية. وعُزِلَ جواد باشا من منصب الصدارة في تلك الأثناء، وخلفه سعيد باشا الملقب بالصغير «كوجوك» فعاد الأمن ظاهرًا إلى نصابه في أرمينية، واتجهت أنظار أوروبا إلى مسألة مكدونية، وقد دخلت في دور جديد.
وفي شهر يوليو سنة ١٩٠٨ أُعْلِنَ الدستور العثماني، فقابله الأرمن بسرور لا يُوصَف، ولكن سرورهم لم يَطُلْ أمره بسبب مذابح أطنة في شهر أبريل سنة ١٩٠٩، فاحتج المونسنيور ارشاروني بطريرك الأرمن على تلك المذابح احتجاجًا شديدًا، وطلب معاقبة المجرمين، وتحسين حال الأرمن، فقابلت الحكومة طلبه بالمماطلة والتسويف، واضطر إلى تقديم استعفائه في ١٢ سبتمبر سنة ١٩١٣.
وقد رأت روسيا أن مصلحتها تقضي عليها بمساعدة الأرمن بعد إعلان الدستور العثماني، فرفع المسيو دي جيرس سفيرها في الأستانة تقريرًا مسهبًا إلى الباب العالي عن أرمينية إثر استعفاء المونسنيور ارشاروني، وعقد مندوبو إنكلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا وسويسرا اجتماعًا في باريس في ٣٠ نوفمبر سنة ١٩١٣ للنظر في إصلاح الولايات الشرقية الست التي يسكنها الأرمن، وكانت الدولة العثمانية منهمكة بالحرب البلقانية في تلك الأثناء، فقبلت أن تعين لجنة خصوصية من ثلاثة أعضاء مسلمين، وعضوين أرمنيين، وعضو كلداني، برئاسة مستشار أجنبي؛ لإصلاح الجندرمة، وتسوية الخلاف بين الأهلين.
وفي ٨ فبراير اتفق الباب العالي مع روسيا على إصلاح البلاد الأرمنية، وجعلها منطقتين لكل منهما مفتش أجنبي يعينه الباب العالي بموافقة الدول العظمى.
وقد قال أحد الساسة العثمانيين بعد إعلان الحرب الأوروبية: «إن أطماع روسيا في الأناضول والبواغيز ستحملنا على خوض غمار الحرب في جانب أعدائها ضد حليفتينا القديمتين فرنسا وإنكلترا.»
وهكذا كانت مسألة أرمينية سببًا من أسباب الحرب الأوروبية العظمى التي تؤدي حتمًا إلى حل المسألة الشرقية وكل فروعها حلًّا نهائيًّا معقولًا على أساس العنصرية.