مقدمة الترجمة
ألَّف إنجلز كتاب «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» عام 1884. فعرض فيه بطريقة موجزة أخاذة نتائج بحوث العالم الاجتماعي الأميركي مورغان مع تعليقات كارل ماركس عليها، إلى جانب نتائج أبحاثه هو في ثلاثة من أخطر الموضوعات في علم الاجتماع، أعني: العائلة والملكية الخاصة والدولة.
هذه الموضوعات تشغل بالنا اليوم أكثر منها في أي عهد مضى؛ ذلك لأننا نجتاز مرحلة انتقال نتعرض فيها لما يشبه ثورة في مفاهيمنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ ويختلف الرأي بين المفكرين في بلادنا حول طبيعة هذه الثورة ومداها واتجاهها. لكن يمكن القول إن كثيرين من الذين يتصدون للبحث في هذه المسائل الحيوية يخطئون الهدف وينتهون إلى أحكام سريعة مبتسرة وحلول فجة لا تثبت للحوادث والأيام؛ لأن هؤلاء المفكرين يعوّلون في تكوين أحكامهم لا على الدراسة العلمية المنزهة المتزنة، بل على الملاحظة السطحية والأفكار السابقة والأهواء الخاصة.
لكننا نجني كثيراً من النفع ونقدم لمجتمعنا أجلّ الخدمات إذا تخلينا عن هذا الأسلوب في دراسة مشكلاتنا، وتوخينا الجِدَِّ وحسن القصد والصدق. إذ ذاك يكون في وسعنا أن نعرف أين نحن مما يجري في بلادنا وفي العالم، كما نتمكن من الاهتداء إلى السبيل الذي يوصلنا إلى ما نبغي من هناء وعزة وحرية لأنفسنا ولغيرنا؛ وبكلمة أخرى، نستطيع أن نكون سادة مصيرنا بدلاً من أن نظل ألعوبة في أيدي الأحداث.
إن الكتاب الذي أقدم ترجمته للقارئ العربي في هذا الظرف يُسهم كثيراً في تبصيرنا بأمورنا، ويشير إلى الحلول الناجعة لمشكلاتنا، كما يعيننا على تفهم ما يجري في كثير من الأقطار من تبدلات عميقة في حياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
فمن أجل مجتمع عربي ترفرف في سمائه راية الحرية والوحدة والسعادة والعزة، في كل أجزاء الوطن العربي؛ مجتمع متضامن متماسك منسجم ليس فيه فئات مستبدة ظالمة مستغِلة؛ وأخرى محكومة مظلومة مستغلة؛ مجتمع لا تتطور فيه إحدى الفئات وتتقدم وتثرى وتهنأ على حساب تخلف فئاته الأخرى وفاقتها وشقائها؛ مجتمع يكون فيه ازدهار كل فئة منه سبباً ونتيجة لازدهار كل فئة أخرى فيه، مجتمع متطور مسالم يتعاون مع المجتمعات الأخرى المتطورة المسالمة. من أجل وطن عربي حرّ موحد وشعب سعيد؛ وفي سبيل إنسانية حرة متطورة مزدهرة مؤلفة من مجتمعات وأوطان من هذا القبيل، من أجل هذا وفي سبيله ألا فليعمل العاملون المخلصون!
دمشق
15 تشرين الأول (أكتوبر) 1958
أديب يوسف