مراحل الثقافة فيما قبل التاريخ
1
كان مورغان أول من حاول أن يُدخل، عن خبرة، نظاماً معيناً إلى ما قبل تاريخ البشرية. وتصنيفه للحوادث سيظل، بلا ريب، قائماً ما لم تحتِّم وثائق إضافية هامة إحداث تغييرات فيه.
إنه بطبيعة الحال، لا يُعنى من بين أدوار التطور الرئيسية الثلاثة: الوحشية،والبربرية، والحضارة، إلا بالدورين الأولين وبالانتقال إلى الدور الثالث، ويقسم كلا من هذين الدورين إلى ثلاث مراحل: دنيا ومتوسطة وعليا، تبعاً للتقدم الحاصل في إنتاج وسائل العيش وذلك، كما يقول لأن:
«المهارة في هذا الإنتاج هي عامل حاسم في تعيين درجة التفوق والسيطرة على الطبيعة التي بلغتها البشرية. والبشر هم الكائنات الوحيدة التي يمكن القول إنها استطاعت إحراز سيطرة مطلقة على إنتاج الغذاء. والأدوار الكبرى للتقدم البشري تتطابق تطابقاً مباشراً تقريباً مع اتساع موارد العيش» (مورغان، المصدر نفسه، ص 91). (الناشر).
إن تطور العائلة يسير سيراً موازياً لتطور موارد الغذاء ولكنه من أجل تحديد الفترات، لايقدم مقياساً نهائياً كالمقياس الذي يقدمه تطور موارد الغذاء.
1 - الوحشية
(1) المرحلة الدنيا: هي الطفولة الأولى للجنس البشري. كان الإنسان فيها لا يزال يعيش في موطنه الأصلي في الغابات الاستوائية، وشبه الاستوائية؛ ويسكن، جزئياً على الأقل، في الأشجار. وهذا وحده يفسر لنا كيف أمكنه الاستمرار على قيد الحياة بالرغم من الحيوانات الهائلة المفترسة. كان يتغذى بالثمار والجوز والجذور، وأهم ما أنجزه في هذه الفترة تكوين كلام ملفوظ. ليس بين سائر الشعوب المعروفة في الفترة التاريخية شعب كان لا يزال يعيش في هذه الحالة البدائية. وبالرغم من أن هذه الفترة ربما دامت آلافاً كثيرة من السنين، ليس لدينا دليل مباشر على قيامها. ولكن ما إن نسلم بأن الإنسان ينتسب إلى المملكة الحيوانية حتى يغدو حتماً علينا التسليم بأنه قد مرّ بهذه المرحلة الانتقالية.
(2) المرحلة المتوسطة: تبدأ باتخاذ الأسماك (ومن ضمنها السرطان والرخويات وغيرها من الحيوانات المائية) غذاءً، وباستخدام النار، هذان الإثنان يكمل أحدهما الآخر، لأن الغذاء المتخذ من السمك لا يتيسر بصورة تامة إلا باستخدام النار. لكن هذا الغذاء الجديد جعل الإنسان مستقلاً عن المكان والمناخ. فباتباع الأنهار والشواطئ استطاع الإنسان، حتى في حالته الوحشية، أن ينتشر فوق القسم الأعظم من سطح الكرة الأرضية. ومن الأدلة التي تثبت هذه الهجرات مانراه منتشراً في جميع القارات من أدوات حجرية فجة الصنع غير مصقولة تعود إلى العصر الحجري الأول، المسماة بالأدوات الباليوليتية (palaioslthos) الذي يرجع كله أو معظمه إلى هذه الفترة. إن المناطق المحتلة حديثاً، والدافع المتيقظ دوماً إلى الاكتشاف، بالإضافة إلى إتقانهم فن إشعال النار بالاحتكاك، كل ذلك يسرّ لهم مواد غذائية جديدة كالجذور والدرنات النشوية المشوية في الرماد الساخن أو في المواقد المحفورة (الأفران الأرضية)، وكصيد البر الذي صار، بعد اختراع الأسلحة الأولى –الدبوس والحربة -، يضاف بين حين وآخر إلى الطعام المعتاد. أما الشعوب التي تعتاش من الصيد، كتلك التي تذكرها الكتب، أي الشعوب التي لا تعيش إلا على الصيد وحده فلم توجد على الإطلاق، لأن ثمار الصيد لم تكن مضمونة إلى الدرجة التي تجعل هذا ممكناً. ويبدو أن القلق المستمر على موارد الغذاء أدى إلى ظهور عادة أكل اللحوم البشرية في هذه الفترة، وإلى بقائها زمناً طويلاً بعد ذلك. إن الأستراليين، وكثيراً من البولينيزيين، لا يزالون إلى يومنا يعيشون في هذه المرحلة المتوسطة من الوحشية (savagery).
(3) المرحلة العليا: تبتدئ باختراع القوس والسهم اللذين بفضلهما صارت الحيوانات البرية المصطادة لوناً منتظماً من ألوان الطعام، وغدا الصيد فرعاً من فروع العمل المعتادة. إن القوس والوتر والسهم تؤلف أداة مركبة جداً يقتضي اختراعها خبرة طويلة متراكمة وملكات عقلية مشحوذة؛ كما تتطلب، تبعاً لذلك، معرفة بمجموعة كبيرة من الاختراعات الأخرى في الوقت نفسه. وإذا تأملنا الشعوب التي تعرف القوس والسهم، لكن لم تتوصل بعد إلى صناعة الفخار (التي يعتبرها مورغان تاريخ انتقال إلى البربرية)، نجد لديها في الواقع، منذ ذلك الحين، بعض البوادر للإقامة في قرى، ونوعاً من السيطرة على إنتاج وسائل العيش وأواني وأدوات خشبية، وحياكة ألياف النبات بالأصابع (من دون نول)، وسلالاً مضفورة من ليف النبات أو القصب، وأدوات حجرية مصقولة (من العصر الحجري الحديث). ثم إن النار وفأس الحجر كانتا في معظم الأحيان تزوّدان، في هذه الفترة، بالقارب الطويل المحفور من جذع شجرة واحدة كما كانتا تزودان، في بعض الأماكن، بالأعمدة والألواح الخشبية لبناء المنازل. إن جميع مظاهر التقدم هذه توجد، مثلاً، لدى هنود أميركا الشمالية الغربية الذين، رغم معرفتهم بالقوس والسهم، لا يعرفون شيئاً عن الفخار. كان القوس والسهم بالنسبة إلى الوحشية مثل سيف الحديد بالنسبة إلى البربرية، ومثل السلاح الناري بالنسبة إلى الحضارة، أعني السلاح الحاسم.
2 - البربرية
(1) المرحلة الدنيا: تبدأ من إدخال الفخار وهذا الأخير، فيما يبدو، وُلد، بشكل يمكن البرهان عليه في حالات كثيرة وربما في كل مكان، من طلي السلال أو الأوعية الخشبية بالصلصال لجعلها قادرة على مقاومة النار. الأمر الذي لم يلبث أن أدى إلى ملاحظة أن قالب الصلصال الذي طليت به الآنية يؤدي نفس الغرض من دون حاجة إلى الوعاء الداخلي.
استطعنا، حتى هذه النقطة، أن نتعقب، بصورة عامة، مجرى التطور كما يصدق على جميع الشعوب في فترة معينة، بصرف النظر عن الأماكن التي تعيش فيها. لكننا بمجيء البربرية، نبلغ تلك المرحلة التي يبدأ فيها التفاوت في الهبات الطبيعية بين القارتين الكبيرتين بتأكيد وجوده، لأن الظاهرة التي يتميز بها دور البربرية (Barbarism) هي تدجين الحيوانات وتربيتها وزراعة النباتات. لكن القارة الشرقية أو ما يسمونه العالم القديم، كانت تحوي تقريباً جميع الحيوانات الصالحة للتدجين وجميع أصناف الحبوب الصالحة للزراعة ما عدا صنفاً واحداً. بينما القارة الغربية أي أميركا، لم تكن تحوي سوى حيوان لبون واحد صالح للتدجين أعني اللاما، وهذا في جزء من الجنوب فقط؛ كما لم تكن تحوي سوى صنف واحد من الحبوب الصالحة للزراعة، رغم كونه أفضلها، أعني: الذرة الصفراء (maize). وكان من أثر هذا التباين في الأحوال الطبيعية أن سكان كلًّ من نصفي الكرة الأرضية، من الآن فصاعداً، أخذو يسلكون طريقهم الخاص بهم، كما كان من أثره اختلاف العلامات التي تتخذ حدوداً فاصلة بين مختلف مراحل التطور في كل من الحالتين.
(2) المرحلة المتوسطة: تبتدئ، في الشرق، بتدجين الحيوانات وفي الغرب، بزراعة النباتات الغذائية بواسطة الري، وباستخدام اللبّن(القرميد المجفف بحرارة الشمس) والحجارة للبناء. وسنبدأ بالغرب، لأن هذه المرحلة لم تتجاوز في أي مكان هناك حتى الفتح الأوروبي.
إن الهنود في المرحلة الدنيا من البربرية (الذين كان ينتمي إليهم جميع الهنود الموجودين شرقي المسيسبي)، كانوا، يوم اكتشافهم، يمارسون إلى حد ما، زراعة الذرة الصفراء في البساتين وربما زراعة اليقطين أيضاً والمحاصيل البستنية الأخرى التي كانت تمدهم بجانب أساسي جداً من طعامهم وكانوا يقطنون بيوتاً من الخشب في قرى مسيَّجة. أما قبائل القسم الشمالي الغربي، ولاسيما القبائل القاطنة في منطقة نهر كولومبيا، فكانت لا تزال في المرحلة العليا من الوحشية، لا تعرف لا صناعة الفخار ولا زراعة أي نوع من أنواع النباتات. ومن جهة أخرى، كان من يسمون هنود البوبيلو12 في المكسيك الجديدة، والمكسيكيون وسكان أميركا الوسطى، وأهل البيرو في المرحلة المتوسطة من البربرية أيام الفتح، كانوا يقطنون بيوتاً تشبه الحصون المشيدة من اللبّن أو الحجارة. وكانوا يزرعون في بساتين تروى بطرق صناعية، الذرة الصفراء وغيرها من النباتات الغذائية المختلفة باختلاف المكان والمناخ التي كانت تؤلف المصدر الرئيسي لغذائهم، بل كانوا قد دجنوا بعض الحيوانات – دجن المكسيكيون الديك الهندي وطيوراً أخرى، ودجن أهل البيرو اللاما. وكانوا فضلاً عن ذلك، يعرفون صنع المعادن ماعدا الحديد، وهذا هو السبب في أنهم لم يستطيعوا حتى ذلك الحين الاستغناء عن استخدام الأسلحة الحجرية والأدوات الحجرية. ثم قطع عليهم الفتح الأسباني السبيل إلى كل تقدم مستقل آخر.
أما في الشرق فإن المرحلة المتوسطة من البربرية ابتدأت بالشروع في تدجين الحيوانات التي تقدم اللحم والحليب، بينما يبدو أن زراعة النباتات ظلت غير معروفة إلى زمن متأخر جداً من هذه الفترة. ويبدو أن تدجين المواشي وتربيتها وتكون القطعان الكبيرة هي التي أدت إلى انفصال الآريين والساميين عن جمهور البرابرة الآخرين. لأن الأسماء التي تطلق على الحيوانات لا تزال واحدة لدى الآريين الأوروبيين والآسيويين، بينما أسماء النباتات القابلة للزراعة ليست كذلك إطلاقاً تقريباً.
أدى تكوين القطعان إلى حياة الرعي في الأماكن الملائمة: في سهول الفرات ودجلة المعشبة بالنسبة للساميين، وفي سهول الهند وسهول الأوكسوس والجاكسارت13 وسهول الدون والدينيبر بالنسبة للآريين. ولا بد أن تدجين الحيوانات قد تم في أول الأمر على حدود أراض للرعي كهذه الأراضي. لذلك يبدو للأجيال اللاحقة أن الشعوب الرعاة نشأت في أقطار تكاد، على العكس، تكون غير صالحة لسكنى أسلافهم المتوحشين، بل ولا للناس من المرحلة الدنيا البربرية، هذا فضلاً عن أنه يستبعد أن تكون مهداً للبشرية. لكن، على العكس، ما إن كان هؤلاء البرابرة من المرحلة المتوسطة يألفون حياة الرعي، حتى صاروا لا يفكرون قط بأن يتركوا بملء إرادتهم السهول الخضراء المروية ويعودوا إلى مناطق الغابات التي كانت موطن أسلافهم. وعندما اضطر الساميون والآريون إلى الابتعاد نحو الشمال والغرب، استحال عليهم الاستيطان في مناطق الغابات في آسيا الغربية وأوروبا قبل أن يصبحوا، بفضل زراعة الحبوب، قادرين على علف ماشيتهم فوق هذه التربة الأقل ملاءمة، وعلى قضاء الشتاء فيها بصورة خاصة. ومن المؤكد تقريباً أن زراعة الحبوب أدخلت هنا، في أول الأمر، من أجل تأمين العلف للماشية بالدرجة الأولى. ولم تصبح ذات أهمية لتغذية الإنسان إلا فيما بعد.
ربما أمكن أن نعزو التطور العظيم للآريين والساميين إلى وفرة اللحم والحليب في طعامهم ولا سيما إلى ما لهذين المكونين الغذائيين من أثر في نمو الأطفال. والحقيقة أن هنود البويبلو في نيومكسيكو، الذين يقتاتون طعاماً يكاد يكون كله نباتياً، يملكون مزيداً من اللحم والسمك. ومهما يكن الأمر فإن عادة أكل اللحوم البشرية تختفي شيئاً فشيئاً في هذه المرحلة، ولا تمارس فيما بعد إلا لغرض ديني أو لغرض يكاد يماثله في هذه الحالة، أعني السحر.
(3) المرحلة العليا: تبتدئ بصهر فلز الحديد وتنتقل إلى الحضارة باختراع الكتابة الأبجدية واستخدامها للتدوين الأدبي. في هذه المرحلة، التي كما ذكرنا، لم يتم اجتيازها بصورة مستقلة إلا في نصف الكرة الشرقي، حدث تقدم في الإنتاج يفوق التقدم الذي حدث في كل المراحل السابقة مجتمعة، وإلى هذه المرحلة ينتمي إغريق العصر البطولي، والقبائل الإيطالية قبل تأسيس روما بقليل، والجرمان في أيام تاقيطس، والنورمان أيام الفيكيين14.
قبل كل شيء نصادف في هذه المرحلة للمرة الأولى، محراث الحديد تجره الماشية، وقد جعل من الممكن الزراعة على نطاق واسع –زراعة الحقول - كما أدى إلى زيادة وسائل العيش زيادة غير محدودة عملياً بالنسبة للأحوال السائدة إذ ذاك. ويتصل بهذا أيضاً تطهير الأراضي من الغابات وتحويلها إلى أراض صالحة للزراعة وللرعي - تحويلاً كان هو أيضاً يستحيل إتمامه على نطاق واسع من دون فأس الحديد ورفش الحديد، لكن صحب هذا أيضاً زيادة سريعة في عدد السكان، وتركزوا في رقع صغيرة من الأرض. فقبل الزراعة الواسعة كان لا بد من توافر أحوال استثنائية جداً ليمكن جمع نصف مليون نسمة تحت قيادة مركزية واحدة، وأغلب الظن أن هذا لم يحدث قط.
نجد المرحلة العليا للبربرية في قمة ازدهارها في قصائد هوميروس ولا سيما الألياذة. إن الأدوات الحديدية المتقنة الصنع والمنفاخ (كير الحداد) والرحى اليدوية، ودولاب الفخار، وصنع الزيت والخمرة، وشغل المعادن شغلاً يوشك ان يغدو فناً، وعربات النقل، ومركبات الحرب، وبناء السفن بالألواح والأعمدة الخشبية، وبوادر هندسة البناء كفن، والمدن المسورة ذات الحصون والأبراج، والملاحم الهوميرية ومجموع الميثولوجيا، هذه كلها هي العناصر الرئيسة للتراث الذي حمله الإغريق من البربرية إلى الحضارة. فإذا قارنا بهذا التراث ما يقدمه قيصر وحتى تاقيطس من أوصاف للجرمان، الذين كانوا في مستهل تلك المرحلة الثقافية التي كان إغريق هوميروس يتهيأون للانتقال منها إلى مرحلة أعلى، رأينا كم كان تطور الإنتاج غنياً في المرحلة العليا للبربرية.
إن لوحة تطور الإنسان خلال الوحشية والبربرية حتى بوادر الحضارة، هذه اللوحة التي انتهيت من رسمها هنا بإيجاز اعتماداً على مورغان، هي غنية منذ الآن إلى حد كاف بسمات جديدة، وفضلاً عن ذلك، لا جدال فيها لأنها مستمدة من الإنتاج مباشرة. لكنها رغم ذلك ستبدو لنا باهتة وناقصة إذا قيست باللوحة التي ستتكشف في نهاية رحلتنا. إذ ذاك فقط يمكن أن نعرض صورة واضحة للانتقال من البربرية إلى الحضارة وأن نبين الفرق الهائل بينهما. أما الآن فيمكننا أن نلخص تصنيف مورغان للأدوار على النحو التالي:
الوحشية: وهي الفترة التي كان يسود فيها تملك المنتوجات الطبيعية الجاهزة للاستعمال. أما الأشياء التي كان ينتجها الإنسان فقد كانت بالدرجة الأولى، أدوات تساعد على التملك.
البربرية: فترة تربية المواشي والزراعة على نطاق واسع وتعلم أساليب زيادة إنتاج المنتوجات الطبيعية بفضل النشاط البشري.
الحضارة: الفترة التي تعلم فيها الإنسان تحويل المنتوجات الطبيعية إلى منتوجات جديدة، أعني فترة الصناعة، بمعناها الصحيح، والفن.