العشيرة الإغريقية
4
كان الإغريق هم والبيلاجيون والشعوب الأخرى التي تنتمي إلى الأصل القبلي ذاته، منتظمين منذ أزمنة ما قبل التاريخ في السلسلة العضوية ذاتها التي كان الأميركيون منتظمين فيها، أعني: العشيرة والأخوَّة والقبيلة واتحاد القبائل، قد لا تكون الأخوَّة موجودة، كالحال لدى الدوريين (Dorians) مثلاً؛ وقد لا يكون اتحاد القبائل مكتمل التطور في كل حالة؛ لكن العشيرة كانت هي الوحدة في كل مكان. كان الإغريق على عتبة الحضارة يوم دخلوا التاريخ. ويكاد يوجد بينهم وبين القبائل الأميركية آنفة الذكر مرحلتان كبيرتان كامنتان من التطور؛ أعني أن إغريق العصر البطولي يسبقون الإيروكويين بهذا القدر. ولهذا السبب لم تعد العشيرة الإغريقية تحمل صفة القدم التي كانت للعشيرة الإيروكوية. فقد كانت سمة الزيجة الجماعية آخذة في الزوال بينهم إلى حدٍ كبير. وكان حق الأمومة قد خلَّى الطريق لحق الأبوة؛ ونشأ عن هذا أن أحدثت الثورة الخاصة الناشئة الفجوة الأولى في النظام العشيري؛ ثم أعقبت هذه الفجوة بصورة طبيعية، فجوة ثانية: ذلك أنه بعد إدخال حق الأبوة كانت حصة الوريثة الموسرة، تؤول، بفضل زواجها إلى زوجها، أي إلى عشيرة أخرى، وبذلك تقوض أساس النظام العشيري كله، وصارت الفتاة في مثل هذه الحالات، لا يسمح لها فحسب، بل كانت تجبر على الزواج من داخل عشيرتها لكي تحتفظ هذه الأخيرة بحصتها.
واعتماداً على كتاب «تاريخ إغريقيا«57 تأليف (Grote)، كانت العشائر الأثينية بصورة خاصة تحافظ على وحدتها بالوسائل التالية:
1 - طقوس دينية مشتركة، وامتياز محصور بها لتقديم الأضاحي لإله معين يفترض أنه جد العشيرة الأول، ويلقبونه، لهذا الاعتبار بلقب خاص.
2 - مقبرة مشتركة أنظر:(Demosthenes’ Euboulides).
3 - حقوق وراثية متبادلة.
4 - واجبات متبادلة لتقديم المعونة والدفاع والتعويض عن الخسائر.
5 - حق وواجب متبادلان بين أفراد العشيرة للزواج من داخل العشيرة في بعض الحالات ولا سيما إذا كان الزواج من اليتيمات أو الوريثات.
6 - تمتلك العشيرة في حالات معينة على الأقل، أملاكاً مشتركة لها مدير (Magistrate). وخازن خاص بها.
وكانت الأخوَّة، التي تربط ما بين عدة عشائر، رابطة أقل صميمية. إلا أننا نجد في هذه الرابطة أيضاً حقوقاً وواجباتٍ متبادلة، من الصنف ذاته، وخصوصًا شعائر دينية معينة مشتركة، وحق ملاحقة القاتل عندما يقتل أحد أفراد الأخوَّة. وكان مجموع أخوَّات القبيلة يقوم هو أيضاً بطقوس معينة دورية تحت رعاية مدير يدعى «فيلو بازيلوس« (Phylobasileus) (المدير القبلي) منتخب من بين النبلاء (Eupatrides).
هنا يتوقف غروت. فيضيف ماركس:
»في العشيرة الإغريقية يميز الرجل المتوحش (الإيروكي مثلاً) من دون خطأ«.
ويصبح تمييزه أقل عرضة للخطأ أيضاً إذا واصلنا تحرياتنا قليلاً. لأن العشيرة الإغريقية تتصف أيضاً بالصفات الآتية:
7 - النسب وفق حق الأبوة.
8 - تحريم الزواج في داخل العشيرة إلا في حالة الوريثات. إن هذا الاستثناء وصياغته بشكل آمر، يدلان بوضوح على صحة القاعدة القديمة؛ ويفهم هذا أيضاً من القاعدة المقبولة من الجميع التي كانت المرأة تتخلى بموجبها لدى زواجها عن الشعائر الدينية لدى عشيرتها، وتكتسب شعائر عشيرة زوجها وتصبح فرداً من أفراد أخوَّته. هذا الوضع وما جاء في مقطعٍ مشهور لدى ديكايرشوس، يثبتان أن الزواج من خارج العشيرة كان هو السنة المتبعة. ويعترف بيكر مباشرة في كتابه (Charicles) بأنه لم يكن يسمح لأي رجل بالزواج من عشيرته، أو لأي امرأة بالزواج من عشيرتها.
9 - حق التبني في العشيرة؛ وكان نتيجة للتبني في العائلة، لكن بإجراءات رسمية علنية وفي حالات استثنائية فقط.
10 - حق انتخاب الشيوخ وعزلهم. نحن نعلم أنه كان لكل عشيرة شيخ (Archonte)، لكن لم يرد في أي مكان قط أن هذه الوظيفة كانت وراثية في عائلات معينة. إذ كان الاحتمال إلى نهاية البربرية دائماً ضد الوراثة الضيقة لأنها، ما كانت لتتلاءم مع الظروف التي كان فيها للفقراء والأغنياء حقوق متساوية مساواة مطلقة في العشيرة.
إن غروت لم يخفق وحده، بل أخفق نيبور ومومزن وجميع مؤرخي الأزمنة القديمة السابقين أيضاً في حل مشكلة العشيرة. فهم، بالرغم من أنهم أصابوا في ملاحظة كثير من علاماتها الفارقة، كانوا دائماً يعتبرونها مجموعة من العائلات، وبذلك جعلوا من المستحيل عليهم فهم طبيعة العشيرة وأصلها. ففي ظل النظام العشيري لم تكن العائلة قط وحدة للنظام، ولا كان بإمكانها ذلك لأنه كان لابد للزوج والزوجة من الانتماء إلى عشيرتين مختلفتين. كانت العشيرة بمجموعها تنتمي إلى الأخوة، وكانت الأخوة تنتمي إلى القبيلة، أما العائلة فكان نصفها ينتمي إلى عشيرة الزوج والنصف الآخر إلى عشيرة الزوجة. والدولة، كذلك، لا تعترف بالعائلة في القانون العام؛ وحتى اليوم لاتوجد إلا في القانون المدني. رغم ذلك يتخذ التاريخ المدون كله حتى الآن نقطة بدء له من الزعم السخيف، الذي أصبح في القرن الثامن عشر مما لا يجوز مسه، بأن العائلة المفردة الأحادية وهي مؤسسة لا يكاد عمرها يتجاوز عمر الحضارة هي النواة التي تبلور حولها المجتمع والدولة بالتدريج.
يضيف ماركس:
»نحب أن نلفت نظر السيد غروت إلى أن عشائر الإغريق، بالرغم من أن الإغريق كانوا يعزونها إلى الأساطير، هي أقدم من الأساطير التي كان الإغريق أنفسهم قد ابتدعوها بآلهتها وأنصاف آلهتها. «
يؤثر مورغان الاستشهاد( ب-غروت) لأنه شاهد ثقة ولا يمكن الشك به إطلاقاً. ويذكر غروت بالإضافة إلى ذلك أنه كان لكل عشيرة أثينية اسم مشتق من اسم سلفها المشهور، وأنه، قبل عهد صولون بصورة عامة وبعد ذلك العهد، كان الإنسان إذا مات من دون وصية يرث أملاكه أفراد عشيرته، وأنه، إذا قتل أحد الرجال وجب على أقرباء القتيل أولاً وأفراد أخُوته وحق لهم أن يقاضوا المجرم «إن كل ما نسمعه عن أقدم القوانين الأثينية مبني على التقسيمات العشائرية والأخُوية»
إن انحدار العشائر من أسلاف مشتركين كان بمثابة أحجية موجعة لمخ «المتزمتين الذي تعلموا في المدارس« (ماركس). فهم، بطبيعة الحال، لما كانوا يزعمون أن هؤلاء الأسلاف هم من أصل أسطوري محض، فإنهم يضيعون في إيضاح كيفية نمو العشائر من عائلات متمايزة منفصلة متباعدة تماماً في الأصل: لكن لابد لهم أن يعللوا هذا على نحو ما لكي يعللوا وجود العشائر على الأقل. لذلك يدورون في دوامة من الألفاظ العقيمة ولا يتجاوزون هذه العبارة: الأنساب أسطورية حقاً لكن العشيرة حقيقية. وأخيراً يقول غروت – والملاحظات المحصورة بين قوسين لماركس- :
« إننا لا نسمع بهذه الأنساب إلا نادراً لأنهم لا يعرضونها للملأ بشكل مهيب بارز إلا في بعض الحالات. بيد أنه كان للعشائر الأدنى منزلة طقوسها المشتركة، (هذا مدعاة للعجب. يا مستر غروت! )وجدّ مشترك من طبيعة فوق طبيعة البشر، وأنساب مشتركة، مثلها في ذلك مثل العشائر الأسمى منزلة (ما أغرب وجود هذا، يامستر غروت!، في العشائر الأدنى!) إن الخطة والأساس المثالي (سيدي العزيز! ليس مثالياً، بل من لحمٍ ودم – (Germanice Bleischlich) كان هوذاته لدى جميع العشائر» (مورغان، المصدر نفسه، ص 239 الناشر).
يلخص ماركس رد مورغان على هذا بما يلي:
«إن نظام القرابة الذي يوافق العشيرة في شكلها الأصلي - كان الإغريق في يوم ما يملكون مثله إسوة بغيرهم من البشر الفانين - كان يحتفظ بمعرفة القرابة المتبادلة بين جميع أفراد العشيرة. كانوا يتعلمون هذه الحقيقة ذات الأهمية العظيمة بالنسبة إليهم، بالممارسة منذ طفولتهم المبكرة. لكن بمجيء العائلات الأحادية أصبح هذا طي النسيان. كان الإسم العشيري يخلق أنساباً إذا قورنت بها أنساب العائلة الأحادية بدت تافهة. وصار هدف الاسم الآن أن يشهد بأن حامليه ينتمون إلى جد مشترك. لكن أنساب العشيرة كانت تتغلغل عبر الماضي حتى لايعود من الممكن لأفرادها البرهان على قرابتهم الحقيقية المتبادلة إلا في عدد محدود من الحالات التي يتوافر فيها أجداد مشتركون أحدث عهداً. كان الإسم في ذاته برهاناً على الانتماء إلى جد مشترك وبرهاناً قطعياً، إلا في حالات التبني. والحق أن الإنكار الحالي لكل قرابة بين أفراد العشائر على طريقة غروت ونيبور، الذي يحول العشيرة إلى مخلوق خيالي وهمي صرف، هو، من جهة أخرى، جدير بالعلماء المثاليين، أعني بدودات الكتب المنزوين. بما أن تسلسل الأجيال قد نحي بعيداً، ولا سيما بمجيء العائلة الأحادية، وصارت حقيقة الماضي تبدو منعكسة على الخيالات الأسطورية، فإن المتزمتين الشجعان قد استنتجوا من ذلك ولا يزالون يستنتجون أن الأنساب الخيالية قد خلقت عشائر حقيقية!»
كانت الأخوّة، كالحال لدى الأميركيين عشيرة أماً منقسمة إلى عدة عشائر بنات، وكانت في الوقت ذاته توحدهم وتنميهم جميعاً، في أكثر الأحيان، إلى جد مشترك. لذلك في رأي غروت:
وإذن، فقد كانت جميع عشائر هذه الأخوَّة عشائر أخوَّات (Gentes - Soeurs) بالمعنى الحرفي لهذه العبارة. ويأتي هوميروس على ذكر الأخوة بوصفها وحدة عسكرية في ذلك المقطع المشهور الذي ينصح نيستور فيه أغاممنون بقوله: رتب الرجال حسب القبائل والأخّوات لكيما تسند الأخوَّة، الأخوَّة والقبيلة القبيلة.
ويجب على الأخوّة أيضاً ويحق لها أن تقاضي من قتل فرداً من الأخوّة، مما يشير إلى أنها في الأزمنة القديمة كان يقع على كاهلها واجب الثأر.. وكان للأخوة بالإضافة إلى ذلك، معابد وأعياد مشتركة، لأن نشوء الميثولوجيا الإغريقية كلها من العبادة الآرية القديمة التقليدية للطبيعة كان يرجع بصورة أساسية إلى العشائر والأخوّات كما أنه حدث في حجرها. وكان للأخوَّة أيضاً. رئيس (Phratriarchos) كما كان لها، على ما يرويه دي كولانج، اجتماعات تصدر قرارت ملزمة، ومحكمة، وإدارة. وحتى الدولة، التي ظهرت في زمن متأخر، والتي تجهالت العشيرة تركت للأخوة بعض الوظائف العامة.
كانت عدة أخوَّات أقرباء تؤلف قبيلة. وكان في آتيكا أربع قبائل كل واحدة منها تتألف من ثلاث أخوَّات، وكل أخوَّة مؤلفة بدورها من ثلاثين عشيرة. إن هذا التنظيم المتقن للمجموعات يفترض تدخلاً واعياً مهيأً في نظام الأشياء الذي كان قد تكّون بصورة عفوية. أما كيف تم هذا التنظيم ومتى تم ولماذا تم؟ فإن تاريخ الإغريق يسكت عن هذه المسائل، لأن الإغريق أنفسهم لم يحتفظوا بذكريات تتجاوز العصر البطولي.
بما أن الإغريق كانوا محصورين في منطقة ضيقة نسبياً. فإن اختلاف لهجاتهم كان أقل ظهوراً من ذلك الاختلاف الذي نشأ في الغابات الأميركية الممتدة. ومع ذلك، حتى لدى الإغريق، لا نجد إلا القبائل التي لها لهجة رئيسية واحدة متحدة في جماعة أوسع من القبيلة. بل حتى آتيكا الصغيرة ذاتها كانت لها لهجتها الخاصة، التي أصبحت فيما بعد اللغة السائدة في النثر اليوناني.
وفي ملاحم هوميروس نجد بصورة عامة القبائل الإغريقية وقد اندمج بعضها ببعض مؤلفة شعوباً صغيرة، غير أن العشائر والأخوات والقبائل ظلت محتفظة ضمنها باستقلالها التام. كانت هذه الشعوب تعيش في مدن محصنة بالأسوار. وكان عدد السكان يزداد مع تكاثر قطعان الماشية ونمو الزراعة الواسعة، وظهور بوادر الصناعات اليدوية. وكان يصحب هذه الزيادة في السكان زيادة الفروق في الثروة التي أدت إلى ظهور عنصر ارستقراطي في صميم الديموقراطية القديمة ذات النشأة الطبيعية. وكانت الشعوب الصغيرة المختلفة منهمكة في حروب متصلة بعضها ضد بعض من أجل امتلاك أفضل الأراضي ومن أجل الغنائم والأسلاب أيضاً. أما استرقاق الأسرى فكان مؤسسة معترفاً بها لديهم من قبل.
كان دستور هذه القبائل والشعوب الصغيرة كما يلي:
1 - كانت السلطة الدائمة هي المجلس (Boulê) الذي كان في الأصل يتألف، في أكثر الأحوال، من شيوخ العشائر، لكنه صار في آخر الأمر، بسبب ازدياد عددهم زيادة كبيرة ينتخب انتخاباً، مما أتاح الفرصة لنمو العنصر الارستقراطي وتقويته. يتحدث ديونيسيوس عن المجلس في العصر البطولي قائلاً بوضوح إنه كان مؤلفاً من الوجهاء (Kratistoi). وكان للمجلس القول الفصل في القضايا الهامة. يروي إيشيل أن المجلس في طيبة59 أصدر قراراً حاسماً بأن يدفن جثمان إيتيوكل بكل تكريم وإجلال، وبأن تلقى جثة (بولينيس) لتفترسها الكلاب. وأخيراً عندما ظهرت الدولة تحول هذا المجلس إلى مجلس شيوخ (Senate).
2 - الاجتماع الشعبي )الآغورا (Agora. مر بنا أن الشعب لدى الإيروكويين كان رجالاً ونساءً يتحلق حول المجلس، فيسهم في مناقشاته بشكل منتظم، ويؤثر بهذه الصورة في قرارته. إن هذا التجمهر حول المجلس أو التحلّق (Umstand)، إذا أردنا أن نستعمل عبارة حقوقية من اللغة الألمانية القديمة، قد تطور لدى الإغريق أيام هوميروس إلى اجتماع شعبي تام، وهو الأمر ذاته الذي حدث أيضاً لدى الجرمان القدماء. كان الاجتماع الشعبي (الآغورا) ينعقد بدعوة من المجلس للبت في القضايا الهامة؛ وكان يحق لكل رجل إبداء الرأي فيه. وكانت القرارات تتخذ فيه برفع الأيدي (راجع: قصة المتوسلات لآشيل) أو يرفع الصوت (التصويت أو الهتاف Acclamation). وكان قرار هذا المجلس سامياً نهائياً لأنه، كما يقول شومان في كتابه تاريخ الإغريق القديم،: «إذا نوقشت إحدى القضايا التي تقتضي تعاون الشعب في تنفيذها، فإنه هوميروس لا يشير لنا إلى أية وسيلة يمكن بها إرغام الشعب على قبولها ضد إرادته» في هذه الفترة، التي كان فيها كل فرد ذكر راشد من القبيلة جندياً محارباً، لم تكن قد ظهرت بعد أي سلطة عامة منفصلة عن الشعب ويمكن أن تسلّط ضده. وكات الديموقراطية البدائية لا تزال في قمة ازدهارها. ويجب أن تكون هذه نقطة البدء لدى الحكم على سلطة ومكانة كل من المجلس والرئيس العسكري (البازيليوس).
3 - الرئيس العسكري (الباسيليوس) يعلق ماركس على هذه النقطة بما يلي:
«إن علماء أوروبا، وقد نشأ معظمهم خداماً للأمراء، يصورون الباسيليوس كملك بالمعنى الحديث»(مورغان، المصدر نفسه، ص 255) (الناشر).
لكن مورغان الأميركي الجمهوري يعترض على هذه الفكرة. ويقول، بلهجة ساخرة لكن صادقة عن المتملق غلادستون وعن كتابه فتوة العالم60:
«إن المستر غلادستون، الذي يقدم لقرائه رؤساء الإغريق في العصر البطولي على أنهم ملوك وأمراء، ثم يضفي عليهم الصفات الجنتلمانية، مضطر إلى الاعتراف بأننا على العموم نملك، فيما يبدو، عادة أو حق البكر في الوراثة معَّرفاً تعريفاً كافياً لكن ليس دقيقاً»
وبطبيعة الحال، المستر غلادستون نفسه قد أدرك أن نظام حق البكر في الوراثة المعرف تعريفاً كافياً لا تعريفاً دقيقاً هو وعدمه سواء.
رأينا فيما سبق من قول كيف كانت الحال فيما يتعلق بوراثة مناصب الرؤوساء لدى الإيروكويين والهنود الآخرين. كان جميع الموظفينن ينتخبون انتخاباً من قبل عشيرتهم في معظم الحالات، وكانت وظائفهم وراثية في العشيرة بهذا المعنى وإلى هذا المدى فقط. وصار يفضل تدريجياً أن ينتخب لملء الشاغر أقرب أقرباء الموظف السابق من عشيرته – أخوه أو ابن أخته - ما لم تكن هناك أسباب وجيهة لإقصائه عن هذا المنصب. وإذن، لئن كان منصب الباسيليوس لدى الإغريق، في ظل حق الأبوة، ينتقل بانتظام إلى إبنه أو إلى أحد أبنائه، فذلك لا يعني سوى أن احتمال الخلافة بواسطة الانتخاب العام كان يأتي إلى جانب الأبناء ولا يقوم دليل قط على أن الأبناء كانوا يرثون منصب أبيهم وراثة شرعية من دون انتخاب من قبل الشعب. ونحن نلمح هنا، لدى الإيروكويين والإغريق، البذور الأولى لنشوء عائلات نبيلة خاصة ضمن العشائر، كما نلمح لدى الإغريق أيضاً، البذور الأولى للقيادة أو الملكية الوراثية المقبلة. وإذن، يجب الافتراض بأن القائد العسكري (الباسيليوس) لدى الإغريق، كان إما ينتخب انتخاباً من قبل الشعب أو يعين بتزكية من الهيئة التي يعترف بها الشعب – المجلس أو مجلس الشعب (الآغورا) - على غرار ما كان يجري «للملك» الروماني(. Rex )
وفي الإلياذة لا يظهر حاكم الرجال، آغاممنون، كملك أعلى للإغريق بل كقائد أعلى لجيش اتحادي أمام مدينة محاصرة. وإلى صفته هذه إنما يشير أوديسيوس، عندما وقع نزاع بين الإغريق، في المقطع المشهور: ليس من الخير أن يتولى القيادة عدة رجال فليتولاها قائد واحد... إلخ(..وهو المقطع الذي أضيف إليه فيما بعد بيت الشعر المعروف عن الصولجان).
»إن أوديسيوس لا يحاضر في هذا المقام عن شكل الحكومة، بل يطلب أن يطاع القائد الأعلى للجيش في الميدان. لأنه، بالنسبة إلى الإغريق، الذين لا يظهرون أمام طروادة إلا بشكل جيش، كانت إجراءات مجلس الشعب (الآغورا) ديموقراطية بدرجة كافية. فنجد آخيل إذ يتحدث عن «الهبات«، أي عن قسمة الأسلاب، لا يعهد بهذه القسمة لا إلى آغاممنون ولا إلى قائد عسكري (بازيليوس) آخر، لكن يعهد بها إلى «أبناء الآخيين«، أي إلى الشعب. إن عبارة (أنجبه زيوس ( وعبارة (غذَّاه زيوس)لا تصلحان للبرهان على أي شيء: لأن كل عشيرة متحدرة من إله، وعشيرة رئيس القبيلة متحدرة من إله «بارز«، هو زيوس في هذه الحالة. وحتى العبيد، مثل أومايوس راعي الخنازير وآخرين غيره، يبدون من «أصل إلهي Theioi) « أو (Dioi حتى في الأوديسة أي بعد إنقضاء زمن طويل على كتابة الإلياذة. وفي الأوديسة أيضاً يلصق لقب بطل ب-موليوس االرسول كما يلصق ب-ديمودوكوس الشاعر الأعمى. وموجز القول إن لفظة (البازيليا - وظيفة البازيليوس ( Basileiaالتي يطلقها كتاب الإغريق على ملكية هوميروس المزعومة (لأن قيادة الجيوش هي علاماتها الفارقة الرئيسية)، مصحوبة بمجلس واجتماع شعبي لا تعني سوى الديموقراطية العسكرية» (ماركس).
كان للباسيليوس، بالإضافة إلى وظائفه العسكرية وظائف أخرى كهنوتية وقضائية؛ لم تكن الوظائف القضائية معينة بصورة واضحة، لكنه كان يمارس الوظائف الكهنوتية بوصفه ممثلاً أعلى للقبيلة أو لاتحاد القبائل. ولا يوجد في أي مكان قط أية إشارة إلى وظائف مدنية، إدارية؛ لكن يبدو أنه كان، بمقتضى وظيفته عضواً في المجلس. ومن ناحية الاشتقاق يصح تماماً ترجمة باسيليوس (Basileus) بملك، لأن كلمة (Kuning) ملك مشتقة من (Kuni)، (Künne)، وتعني رئيس عشيرة، لكن معنى البازيليوس، في الإغريقية القديمة، لا يطابق البتة المعنى الحديث لكلمة (King) الملك. وتيوسيديد يطلق بصراحة على وظيفة الباسيليوس القديمة لفظة (Patrikë) أي مشتق من العشيرة، ويقول إن لهذا المنصب وظائف معينة، وإذن، محدودة. ثم إن أرسطو يقول: إن منصب الباسيليوس (البازيليا) في العصر البطولي كان عبارة عن قيادة الباسيليوس للرجال الأحرار، كما أن الباسيليوس كان رئيساً عسكرياً وقاضياً وكاهنًا أعلى.وإذن، لم يكن للباسيليوس أي سلطة حكومية بالمعنى الأخير لهذه الكلمة.61
فنحن إذن، في الدستور الإغريقي في العصر البطولي لا نزال نرى النظام العشيري القديم فياضاً بالحياة؛ لكننا نرى فيه أيضاً بوادر تفسخه، أعني حق الأبوة، ووراثة الأولاد لأملاك أبيهم، الأمر الذي كان يساعد على تجمع الثروة في العائلة ويقويها في وجه العشيرة؛ ثم فرقاً في الثروة يؤثر بدوره في الدستور الاجتماعي، فيخلق البذور الأولى لطبقة نبيلة وراثية، ولملكية وراثية؛ والرق الذي كان مقصوراً في أول الأمر على أسرى الحرب كان يمهد الطريق لاستعباد أعضاء من القبيلة، بل من العشيرة أيضاً؛ وتحويل الحروب القديمة ما بين القبائل إلى غزوات منتظمة في البر والبحر لسلب المواشي والعبيد والكنوز، كوسيلة منتظمة لكسب الرزق؛ وموجز القول إن الثروة أخذت تنال الحمد والثناء والإجلال بوصفها أعلى الكنوز بينما أخذت المؤسسات العشائرية القديمة تنال المهانة والازدراء من أجل تبرير سرقة الثروات عنوةً. لم يكن ناقصاً سوى شيء واحد: أعني تلك المؤسسة التي لا تكتفي بحماية الأملاك التي كسبها حديثاً بعض الأفراد إزاء التقاليد المشاعية للنظام العشيري، ولا تكتفي بتقديس الملكية الخاصة التي كانت في السابق قليلة الشأن، وبالإعلان عن أن هذا التقديس للملكية يجب أن يكون الغرض الأسمى لأي مجتمع بشري، بل تطبع الأشكال الجديدة التي أخذت تنمو بالتدريج، للحصول على الثروة ومن ثم للتعجيل باستمرار في زيادة الثروة بطابع القبول العام من قبل المجتمع؛ المؤسسة التي لا تديم الانقسام الناشئ للمجتمع إلى طبقات فحسب، بل تديم أيضاً حق الطبقة المالكة في استغلال الطبقات غير المالكة وحكم الطبقة الأولى للطبقات الأخيرة.
وقد جاءت هذه المؤسسة واخترعت الدولة.