العشيرة عند السلت والجرمان
7
يمنعنا ضيق المجال من أن ندرس بالتفصيل مؤسسات النظام العشيري التي لا تزال موجودة، بشكل نقي تقريبًا، عند الشعوب المتوحشة والبربرية المختلفة في الوقت الحاضر، أو في آثار هذه المؤسسات التي توجد في التاريخ القديم للأمم المتحضرة في آسيا. إن المرء يواجه المؤسسات العشيرية أو آثارها في كل مكان. حسبنا بعض الأمثلة. فقبل معرفة ماهية العشيرة، كان ماكلنان، الذي بذل من الجهود أكثر مما بذله أي آخر لأجل تشويه معنى هذه الكلمة، قد أثبت وجودها ووصفها على العموم وصفاً صحيحاً كما كانت عليه عند الكلميك والشركس والساموييد (Samoyeds, Circassians, Kalmuks) وعند ثلاثة شعوب هندية –الفارلي (Munipores, Magars Waralis) والماغار والمانيبور ووصفت حديثًا، من قبل مكسيم كوفاليفسكي ووصفها عند البشاف (Savantians, Khevsurs, Pshavs) والخفسور والسيفانت وغيرها من القبائل القفقاسية. ونكتفي هنا ببعض الملاحظات الوجيزة حول وجود العشيرة عند السلت والجرمان.
إن أقدم القوانين السلتية التي انحدرت إلى أيامنا هذه ترينا العشيرة وهي لا تزال محتفظة بكل حيويتها. فهي في إيرلندا، لا تزال تحيا، على الأقل بصورة غريزية في وجدان الشعب حتى يومنا هذا، بعد أن دمرها الإنكليز بالقوة، وفي اسكتلندا، كانت لا تزال في ذروة ازدهارها في أواسط القرن الثامن عشر، وهنا أيضاً لم يقض عليها إلا بسلاح الإنكليز وقوانينهم ومحاكمهم.
إن قوانين بلاد ويلز القديمة، المكتوبة قبل الفتح الإنكليزي بقرون كثيرة، آخرها القرن الحادي عشر، تدل على أن قرى بكاملها كانت تحرث الأرض بصورة مشتركة، بالرغم من أنها حالات شاذة وتدل على أنها أثر لعادة كانت سائدة فيما سبق. وكان لكل عائلة خمسة إكرات لأجل حراثتها في صالحها وحدها. وإلى جانب ذلك، كانت هناك قطعة أخرى تحرث بصورة مشتركة، ويُقتسم محصولها. ولا ريب أن هذه المشاعات الريفية كانت عبارة عن عشائر أو عن أقسام عشائر، وهذا ما يثبته التشابه بين إيرلندا واسكتلندا، وبالرغم من أن إعادة دراسة القوانين الويلزية، وحدها لا يتسع لي الوقت للقيام به (إن مقتطفاتي تعود إلى عام 1869)لكن، ليس من الضروري أن تمدنا ببرهان مباشر على ذلك. ولكن الذي تبرهن عليه المصادر الويلزية، ومعها المصادر الإيرلندية تثبت مباشرة أن الزيجة الأحادية لم تكن بعد في القرن الحادي عشر قد حلت عند السلت محل الزيجة الثنائية.
وفي بلاد الويلز، لم يكن الزواج يصبح قابلاً للحل أو بالأصح قابلاً للفسخ بناء على طلب أحد الطرفين إلا قبل انقضاء سبع سنوات على عقده. وحين لا يبقى لاكتمال هذه السنوات السبع إلا ثلاث ليال، كان في وسع الزوجين أن ينفصلا. وآنذاك تجري قسمة الأموال: كانت الزوجة تجري القسمة، والزوج يختار حصته. وكانت المفروشات والأدوات المنزلية تقسم حسب قواعد واضحة ومحددة، طريفة جداً. فإذا كان الزوج هو الذي يفسخ الزواج، فقد كان عليه أن يعيد إلى زوجته صداقها وبعض الأشياء الأخرى، وإذا كانت الزوجة هي الراغبة بالانفصال، فقد كانت حصتها أقل. وكان الزوج يأخذ من الأولاد اثنين والزوجة واحداً، هو الولد الأوسط بينهم. وإذا تزوجت الزوجة مرة أخرى بعد الانفصال، وشاء الزوج السابق الحصول عليها من جديد، فقد كان يتعين عليها أن تتبعه، حتى وإن كانت قد وضعت إحدى قدميها في فراش زوجها الجديد. ولكن إذا عاش الرجل والمرأة معاً طوال سبع سنوات، فإنهما يصبحان زوجاً وزوجة حتى وإن لم يعقدا زواجهما من قبل حسب الأصول. ولم تكن بكارة المرأة قبل الزواج موضع مراعاة دقيقة وطلب صارم، فالقواعد في هذا المضمار ذات طبيعة عابثة جداً، ولا تتفق إطلاقاً مع الأخلاق البورجوازية. وإذا خانت الزوجة زوجها، كان من حقه أن يضربها (وهذه حالة من ثلاث حالات كان يحق له فيها ضربها، أما في الحالات الأخرى، فكان يتعرض للعقاب)، ولكنه إذا ضربها سقط حقه في مطالبتها بالتعويض، لأن: «الخطيئة الواحدة تمحى إما بالتكفير وإما بالانتقام، ولكن ليس بالاثنين معاً»
إن الأسباب التي كان يحق بموجبها للزوجة أن تطلب الطلاق من دون أن تفقد أياً من حقوقها عند قسمة المقتنيات، كانت متنوعة جداً: فقد كانت رائحة فم الزوج الكريهة تكفي لهذا الغرض. والنقود الفدية المدفوعة لزعيم القبيلة أو للملك تعويضاً عن حقه في قضاء الليلة الأولى مع العروس (Gobr Merch، ومن هنا جاءت اللفظة القروسطية aMarchet وبالفرنسية Marquette) تلعب دورًا كبيرًا في مجموع القوانين. وكان للنساء حق التصويت في الاجتماعات الشعبية. أضف إلى هذا أنه قد أقيم البرهان على وجود مثل هذه النظم في إيرلندا أيضاً، وعلى أن الزواجات لفترة معينة من الزمن كانت أمراً عادياً تماماً، وأنهم كانوا يضمنون للزوجة في حال الطلاق فوائد كبيرة محددة بدقة، حتى أنها كانت تمنح تعويضاً عن خدماتها المنزلية، وأنه كانت توجد للرجل في إيرلندا «زوجة أولى» إلى جانب زوجات أخريات، وأنه لم يكن هناك أي تفريق عند قسمة الإرث بين الأولاد الشرعيين وغير الشرعيين.
وهكذا نرى أمامنا لوحة عن الزيجة الثنائية إذا ما قورن بها مظهر الزيجة الذي شوهد في أميركا الشمالية بدا ضيقاً متشدداً، ولكن ذلك لم يكن في القرن الحادي عشر ليثير الدهشة عند شعب كان لا يزال في زمن قيصر يمارس الزيجة الجماعية.
إن وجود العشيرة الإيرلندية Sept «السبط»، وكانت القبيلة تسمى Clainne - «Clan») لا تؤكده وتصفه كتب القانون القديمة وحسب، بل يؤكده ويصفه أيضاً رجال القانون الإنكليز من القرن السابع عشر الذي أرسلوا إلى إيرلندا لتحويل أراضي «القبيلة» إلى ممتلكات لملك إنكلترا. وحتى ذلك الوقت، كانت الأرض ملكاً مشتركاً للقبيلة أو للعشيرة إذا لم يكن رؤساء العشائر والقبائل قد حولوها إلى ملك خاص لهم. وعندما كان يتوفى أحد أعضاء العشيرة، وبالتالي عندما كانت تزول إحدى المشاعات المنزلية، كان رئيس العشيرة (وقد سماه رجال القانون الإنكليز Caput Cognationis) يعمد إلى تقسيم الأرض كلها من جديد بين الاستثمارات المنزلية الباقية. وكان هذا التقسيم الجديد يجري، على الأرجح، وبوجه عام، حسب القواعد السارية المفعول في ألمانية. وفي الوقت الحاضر أيضاً، توجد هنا وهناك في القرى حقول تدخل فيما يسمى نظام Rundale (روندال)، وكانت كثيرة جداً منذ أربعين أو خمسين سنة. إن الفلاحين، المستأجرين الفرديين للأرض التي كانت تخص من قبل العشيرة كلها والتي استولى عليها الغزاة الإنكليز، يدفع كل منهم بدل إيجار عن قطعته، ولكنهم يجمعون جميع حقول ومروج قطعهم في كل واحد، ويقسمونها تبعاً لموقعها ونوعية تربتها إلى «قطاعات» («Gewann»)، كما يسمونها على ضفاف نهر الموزيل، ويمنحون كلاً منهم حصة في كل «قطاع» أما المستنقعات والمراعي، فكانوا يستخدمونها بصورة مشتركة. ومنذ نحو خمسين سنة، كان يجري تقسم جديد بين الفينة والفينة، وأحياناً كل سنة. إن خريطة القرية التي يسري فيها نظام روندال تظهر مماثلة تماماً لخريطة أي مشاعة ريفية ألمانية (Gehöfreschaft) في منطقة الموزيل أو في منطقة خوخفالد. كذلك لا تزال العشيرة تعيش في (Factions)68 أيضاً. فإن الفلاحين الإيرلنديين ينقسمون أحياناً كثيرة إلى أحزاب يتميز بعضها عن بعض بعلائم تبدو في الظاهر سخيفة وباطلة تماماً، بعلائم غير مفهومة أبداً بالنسبة إلى الإنكليز، ويخيل أنها لا تبتغي أي هدف غير المشاجرات التي تنشب بين هذه الأحزاب في أيام الأعياد والتي تطيب لها جداً. إنها بعث مصطنع للعشائر البائدة، وبديل عنها ظهر بعد زوالها، وشاهد أصيل على حيوية الغريزة العشائرية المتوارثة. ناهيك بأن أعضاء العشيرة لا يزالون في بعض الأماكن يعيشون معاً على أراضيهم القديمة، ففي الثلاثينيات، مثلاً، لم يكن للأغلبية الكبيرة من سكان كونتية موناخان سوى أربع كنيات عائلية، وهذا يعني أنهم كانوا يتحدرون من أربع عشائر أو «كلانات» (Clans)69.
في اسكتلنده، يطابق زوال النظام العشائري قمع انتفاضة 1745. يبقى لنا أن نبين أي حلقة بالضبط من هذا النظام تمثل «الكلان» الاسكتلندية، ولكنه لا ريب في أنها حلقة منه. ففي روايات ولتر سكوت، نرى هذه «الكلان» من جبال اسكتلندا حية أمامنا. إن هذه «الكلان»، - كما يقول مورغان -
«نموذج ممتاز للعشيرة من حيث تنظيمها ومن حيث روحها، ومثال باهر على سلطان نمط الحياة العشيري على أعضاء العشيرة... ففي مشاجراتهم وفي ثأرهم الدموي، وفي توزيع الأراضي حسب (الكلانات)، وفي استغلالهم للأرض بصورة مشتركة، وفي وفاء أعضاء (الكلان) للزعيم ولبعضهم بعضاً، نجد سمات المجتمع العشائري الثابتة في كل مكان... كان الأصل يحسب بموجب الحق الأبوي، وهكذا كان أولاد الرجال يبقون في «الكلان»، بينما أولاد النساء ينتقلون إلى (كلانات) آبائهم. (مورغان، المصدر نفسه، ص 863-963) (الناشر).
ولكن الواقع التالي، وهو أن التسلسل الوراثي كان يجري في سلالة «البيكت» الملكية حسب حبل النسل النسائي، كما يقول بيدا، يثبت أن حق الأمومة كان هو السائد من قبل في اسكتلندا. بل إن بقية من العائلة البونالوانية بقيت سواء عند الويلزيين أم عند السكوتيين، حتى القرون الوسطى بصورة حق الليلة الأولى الذي كان بوسع زعيم «الكلان» أو الملك، بوصفه الممثل الأخير للأزواج المشتركين سابقاً، أن يستخدم هذا الحق حيال كل عروس إذا لم يُفْدَ.
و لا سبيل إلى الريب في أن الجرمان كانوا منظمين في عشائر قبل هجرات الشعوب. ولم يكن من الممكن، على ما يبدو، أن يكونوا قد شغلوا الأرض الواقعة بين أنهر الدانوب والراين والفيستول والبحار الشمالية إلا قبل الميلاد ببضعة قرون. وآنذاك كانت هجرات السمبر (Cimrbes) والتوتونيين (Teutons) لا تزال في أوجها، بينا لم يجد السوييف (Suèves) مواطن ثابتة لهم إلا في عهد قيصر. ويقول قيصر عن هؤلاء الأخيرين بكل وضوح أنهم أقاموا حسب العشائر وحسب الجماعات العرقية التي تربط بينها صلة القربى (Gentibus Cognationibusque)، ولكلمة (Genibus) هذه على لسان روماني من (Gens Julia)70 معنى دقيق لا جدال فيه. وهذا القول ينطبق على جميع الجرمان. بل إن الجرمان كانوا، على الأرجح، يسكنون على هيئة عشائر في الأقاليم الرومانية التي فتحوها. ويؤكد «الحق الألماني» (Alamannian) أن الشعب في الأرض المحتلة جنوبي نهر الدانوب يقيم عشائر عشائر (Genealogia). وكلمة Genealogia تستعمل هنا تماماً بالمعنى نفسه الذي استعملت به فيما بعد المشاعة - المارك (Mark) أو المشاعة الريفية (Dorfgenossenschaft). وأخيراً، عرض كوفالفسكي رأياً مفاده أن هذه Genealogiae كانت عبارة عن مشاعات منزلية كبيرة كانت الأرض مقسمة فيما بينها، ولم تنشأ وتتطور منها المشاعة الريفية إلا فيما بعد. وفي هذه الحال، يمكن قول الشيء نفسه أيضاً عن Fara (فارا)، وهذه الكلمة كانت عند البورغوند واللومبارد - وبالتالي عند قبيلة قوطية وقبيلة هرميتونية أو ألمانية عليا - تعني تقريباً، إن لم يكن تماماً، ما تعنيه كلمة Genealogia في «الحق الألماني» ويجدر بنا أن نواصل البحث والدراسة لنعرف ما إذا كنا بالفعل أمام العشيرة أو أمام المشاعة البيتية.
إن الآثار اللغوية لا تفيدنا بصورة واضحة عما إذا كانت هناك عند جميع الجرمان كلمة مشتركة لتسمية العشيرة، وما هي هذه الكلمة بالذات. فمن حيث علم الاشتقاق، تقابل الكلمة اليونانية Genos («جينوس»)، واللاتينية Gens («جنس») الكلمة القوطية Kuni («كوني») والكلمة الألمانية –العليا الوسطى Künne («كوّنه»)، وهذه الكلمة تستعمل بالمعنى نفسه. ومما يدل على زمن حق الأمومة أن الكلمة التي تعني المرأة تتفرع من الجذر ذاته: باليونانية Gyne، بالسلافية Zena، بالقوطية Qvino، بالسكاندينافية القديمة Kona، Kuna. وعند اللومبارد والبورغوند، نجد، كما قيل أعلاه، كلمة Fara التي يشتقها غريم من الجذر الفرضي Fisan - وَلَد. وإني أميل إلى الانطلاق من أصل أوضح، هو Faran 71 - ذهب راكباً، ترحل، عاد - لتسمية جزء معين من جماعة مترحلة لا تتألف، بطبيعة الحال، إلا من أقارب. وهذه التسمية أخذت شيئاً فشيئاً، أثناء الهجرات خلال قرون وقرون، أولاً إلى الشرق، ثم إلى الغرب، تعني الجماعة العشيرية. ثم هناك الكلمة القوطية Sibja والأنكلو-ساكسونية Sib، والألمانية العليا القديمة Sippia، Sippa - الأقارب72. وفي اللغة السكاندينافية القديمة لا نجد غير الجمع Sifjar - الأقارب، ولا نجد المفرد إلا لاسم الآلهة سيف (Sif). وأخيراً، نجد أيضاً في «نشيد هيلديبراند» كلمة أخرى، وذلك على وجه الضبط في المقطع الذي يسأل فيه هيلديبراند هادوبراند (Hadubrand): «من هو أبوك بين رجال هذا الشعب... أو من أي عشيرة أنت؟» (Eddo buélhihhes cnuosles les du sîs). ولئن كانت قد وجدت على العموم كلمة ألمانية مشتركة لتعيين العشيرة، لكان لفظها، على الأرجح، قريباً من لفظ الكلمة القوطية (Kuni)، ويدل على صحة هذا القول، ليس فقط التشابه مع التعبير المناسب في اللغات المتقاربة، بل أيضاً كون كلمة (Kuning) - الملك - مشتقة منه وتعني في الأصل شيخ العشيرة أو القبيلة. أما كلمة Sibja (الأقارب) فيبدو أنه لا يجوز أخذها بعين الاعتبار، لأن Sifjar، على الأقل، لا تعني باللغة السكاندينافية القديمة الأقارب بالدم وحسب، بل تعني أيضاً الأقارب بالمصاهرة، أي أنها تشمل أعضاء عشيرتين اثنتين على الأقل، ولهذا لم يكن من الممكن أن تكون كلمة Sif ذاتها اسماً لتعيين العشيرة.
وكما عند المكسيكيين والإغريق، كذلك عند الجرمان، كان ترتيب الصفوف القتالية في فصيلة الخيالة وفي طابور المشاة الإسفيني الشكل يجري حسب مجموعات العشائر. وإذا كان تاقيطس يقول: حسب العائلات وحسب الجماعات المتقاربة، فإن هذا التعبير غير الواضح يفسره كون العشيرة كانت في زمنه قد زالت من الوجود في روما منذ وقت بعيد بوصفها وحدة أهلاً للحياة.
يوجد عند تاقيطس مقطع يتسم بأهمية حاسمة، هو المقطع الذي يقول: إن أخ الأم يعتبر ابن أخته كابنه، بل إن بعضهم يرى أن رابطة الدم بين الخال وابن الأخت أقدس وأوثق من الرابطة بين الأب والابن، وهكذا عندما تُطلب الرهائن، يعتبر ابن الأخت ضمانة أثبت من ابن الرجل الذي يراد تقييده بهذه العملية. وهنا نجد بقية حية من العشيرة المنظمة تبعاً لحق الأمومة، أي العشيرة البدائية، ناهيك بأنها عشيرة تشكل سمة خاصة يتميز بها الجرمان73. فإذا قدم أحد أعضاء مثل هذه «العشيرة» ابنه ضمانة لتعهد قطعه على نفسه أمام الملأ، وإذا ما مات الولد ضحية لحنث والده بتعهده، فإن هذا كان شأن الوالد وحده. ولكن إذا كانت الضحية ابن الأخت، فإن هذا كان مخالفة لأقدس قوانين العشيرة. فإن أقرب قريب للصبي أو للفتى ملزم أكثر من غيره بحمايته، يصبح مسؤولاً عن موته، وقد كان على هذا القريب، إما ألا يجعله رهينة، وإما أن ينفذ تعهده. وحتى إذا لم نكتشف أي آثار أخرى عن النظام العشائري عند الجرمان، فإن هذا المقطع وحده يكفي.
غير أن هناك مقطعاً أشد حسماً من المقطع السابق، لأنه جاء بعد 008 عام تقريباً، وهو المقطع الموجود في أغنية باللغة النوردية القديمة عن غسق الآلهة ونهاية العالم تدعى (Volüpsa) ففي «نبوءة العّرافة» هذه التي تحوي أيضاً، كما أشار (Bong) و(Bugge) عناصر من المسيحية، ورد المقطع التالي في معرض وصف فترة الفساد العام للأخلاق وانهيارها والذي عادة ما يسبق الكارثة الكبرى:
.«Broeder munu beryask ok at verdask, munu systrungar siffun spilla»
«سيعادي الإخوة بعضهم بعضاً ويقتلون بعضهم بعضاً، ويحطم أولاد الأخوات عرى القرابة»
إن عبارة (Systrungar) تعني ابن الخالة وتشير إلى القرابة من جهة الأم، ويبدو للشاعر أن هؤلاء، أولاد الأخوات، يقترفون جريمة أفدح من جريمة التقاتل بين الأخوة إذا ما أنكروا قرابتهم المتبادلة بالدم.. ولو استخدم بدل هذه العبارة عبارة (Syskina-Boern) (أولاد الأخوة والأخوات) أو عبارة (Syskina synir) (أبناء الأخوة والأخوات) لجاء السطر الثاني، لا تشديداً للأول بل تخفيفاً له. وعليه، حتى في زمن الفيكينغ، يوم نُظمت القصيدة Valüpsa «نبوءة العّرافة»، لم تكن قد زالت بعد في اسكندينافيا ذكرى حق الأمومة.
يضاف إلى ذلك أن حق الأمومة كان في زمن تاقيطس قد تراجع، على الأقل لدى الجرمان الذين كان تاقيطس أعرف بهم، مخلفًا الميدان لحق الأبوة. فقد كان الأولاد هم ورثة الأب؛ وإن لم يكن له أولاد كان إخوته وأعمامه وأخواله هم من يرثونه. فالسماح للخال بأن يرث مرتبط ببقاء العادة الآنفة الذكر، ويثبت إلى أي حد كان حق الأبوة لا يزال حديث العهد عند الجرمان. وكذلك بقيت أثار حق الأمومة زمناً طويلاً في القرون الوسطى. ويبدو أنهم في تلك الحقبة من الزمن لم يكونوا يولون مسألة الأبوة أهمية بالغة، ولا سيما عند الأقنان. ولهذا عندما كان السيد الاقطاعي يطالب مدينة ما بأن تعيد إليه أحد أقنانه الفارين، كان ينبغي كما في مدن أوغسبورغ وبال وكيزرسلاوترن مثلاً، أن يؤكد باليمين ستة من أقرباء المتهم الأدنين بالدم على أن يكونوا أقرباء حصراً من جهة الأم، صفته كقن (مورير، نظام المدينة، المجلد الأول، ص 381).
وهناك بقية أخرى من حق الأمومة كان إذ ذاك في طريقه إلى الزوال، ذلك هو الاحترام الذي يكنه الجرمان للنساء، والذي كان بالنسبة إلى الرومانيين غير مفهوم تقريباً. كانت البنات من عائلة نبيلة يعتبرن أوثق الرهائن عند عقد المعاهدات مع الجرمان. فإن فكرة أن زوجاتهم وبناتهم قد يقعن في الأسر والعبودية هي بالنسبة إليهم فكرة رهيبة، وتثير شجاعتهم في القتال أكثر من أي عامل آخر، وهم يرون في المرأة شيئاً ما مقدساً ونبوئياً، ويصغون إلى نصائحها في أهم القضايا: فإن فيليدا، كاهنة قبيلة البروكتر على ضفة نهر ليب، مثلاً، كانت هي الروح المحركة لانتفاضة الباتافيين كلها التي زعزع أثناءها زيفيليس على رأس الجرمان والبلجيكيين السيادة الرومانية في عموم بلاد الغال. ويبدو أن سيادة المرأة في المنزل أمر لا جدال فيه. صحيح أن جميع الأعمال المنزلية ملقاة على عاتقها وعلى عاتق الشيوخ والأطفال، أما الرجال فكانوا يخرجون للصيد أو للشرب، أو للتكاسل. هكذا يقول تاقيطس. ولكن بما أنه لا يذكر من ذا الذي يحرث الحقل، وبما أنه يعلن بصراحة أن العبيد كانوا يدفعون أتاوات وحسب، ولا يقومون بأي عمل من أعمال السخرة، فإنه كان لا بد، أغلب الظن، لسواد الرجال الراشدين، أن يقوموا مع ذلك بالقليل من العمل الذي كانت تقتضيه حراثة الأرض.
كان شكل الزواج، كما قيل أعلاه، الزيجة الثنائية المقتربة شيئاً فشيئاً من الزيجة الأحادية. ولم يكن ذلك بعد زيجة أحادية صرفة، لأن تعدد الزوجات كان مسموحاً للأعيان. وعلى العموم، كانت بكارة الفتيات موضع مراقبة ومطالبة صارمة، (خلافاً لما هو الحال عند السلت)، ويتحدث تاقيطس كذلك بحرارة خاصة عن حرمة الرابطة الزوجية عند الجرمان. ولا يورد غير زنى الزوجة سبباً للطلاق. ولكن روايته في هذا الصدد تشوبها ثغرات كثيرة، ناهيك بأنه يقصد منها بفائق الوضوح التلويح بمرآة الفضيلة أمام الرومانيين الفاسدين. هناك أمر لا ريب فيه، لئن كان الجرمان في غاباتهم فرساناً للفضيلة لا نظير لهم، فقد كفاهم أقل تماس مع العالم الخارجي حتى ينحطوا إلى مستوى الأوروبيين المتوسطين الآخرين، وفي بيئة العالم الروماني زال آخر أثر لصرامة الأخلاق بأسرع بكثير مما زالت اللغة الجرمانية. حسبا أن نقرأ غريغوريوس التوري. وبديهي أنه لم يكن من الممكن أن يسود في الغابات الكثيفة في جرمانيا، كما في روما، الإفراط والتفنن في التمتع الجنسي، وفي هذا المضمار أيضاً، يبقى إذن، للجرمان ما يكفي من التفوق حيال العالم الروماني، حتى ولو لم ننسب إليهم تلك العفة الجسدية التي لم تكن يوماً في أي مكان ما قاعدة عامة لشعب بكامله.
ومن التنظيم العشائري، نجم واجب وراثة ما كان للوالد أو للأقارب من علاقات صداقة وعلاقات عداوة على السواء. كذلك، كانت تورث Wergeld (فرغلد)، وهي غرامة يفدى بها الثأر في حال القتل أو الإصابة بجراح. إن هذه «الفرغلد» التي كان يعتبرها الجيل الماضي مؤسسة ألمانية صرفًا، قد أقيم الدليل الآن على وجودها عند مئات الشعوب. فهي شكل عام لتخفيف الثأر الناجم عن النظام العشائري. ونحن نجدها كذلك، فيما نجدها، عند الهنود الحمر الأميركيين مثلها مثل الضيافة الإلزامية. إن الوصف الذي يعطيه تاقيطس لعادات الضيافة (جرمانيا، Germania الفصل 21) يطابق تقريباً، حتى في أدق التفاصيل، الوصف الذي يعطيه مورغان للضيافة عند هنوده الحمر.
إن النقاش الحار الذي لا نهاية له حول معرفة ما إذا كان الجرمان في زمن تاقيطس كانوا يتقاسمون نهائياً حقولهم أم لا، وحول كيفية تفسير المقاطع التي تتعلق بهذه المسألة، غدا الآن طي الماضي. ويكاد لا يجدر التذكير بذلك بعد أن أقيم الدليل على أن جميع الشعوب تقريباً قد عرفت حراثة الأرض بصورة مشتركة من قبل العشيرة أولاً، ثم فيما بعد من قبل الرابطات العائلية الشيوعية التي كانت موجودة أيضاً عند السوييف (Suèves)، كما أفاد قيصر، وعلى أن هذا الوضع قد أعقبه توزيع الأرض بين مختلف العائلات، وإعادة توزيعها بصورة دورية، وبعد أن أقيم الدليل أيضاً، على أن هذا التوزيع الدوري للأرض المحروثة دام في بعض الأنحاء من ألمانية ذاتها حتى أيامنا هذه. ولئن كان الجرمان في حقبة ال-150 سنة التي تفصل بين قصة قيصر وشهادة تاقيطس قد انتقلوا من حراثة الأرض بصورة مشتركة - التي ينسبها قيصر بكل وضوح إلى السوييف (فهو يقول أنه لا توجد عندهم على الإطلاق حقول مقسمة أو خاصة) - إلى حراثة الأرض من قبل العائلات كلاً بمفردها مع إعادة توزيع الأرض كل سنة، فإن هذا هو حقاً تقدم كبير. فإن الانتقال من حراثة الأرض بصورة مشتركة إلى الملكية الخاصة الكاملة للأرض خلال مثل هذه الحقبة القصيرة من الزمن وبدون أي تدخل من الخارج مستحيل حقاً وفعلاً. ولهذا لا أقرأ عند تاقيطس إلا ما يقوله بوضوح وإيجاز: إنهم يغيرون (أو يتقاسمون من جديد) كل سنة الأرض المحروثة، ناهيك بأنه يبقى أيضاً ما يكفي من الأرض المشتركة. وهذا طور من الزراعة والاستفادة من الأرض يناسب بالضبط الدستور العشيري عند الجرمان في ذلك العهد.
إنني أترك المقطع السابق حسبما ورد في الطبعات السابقة، دون أن أدخل عليه أي تعديل. ففي هذه الحقبة من الوقت، سارت الأمور في مجرى آخر. فبعد أن أثبت كوفاليفسكي أن المشاعة المنزلية البطريركية كانت منتشرة على نطاق واسع، إن لم يكن في كل مكان، بوصفها درجة متوسطة بين العائلة الشيوعية المؤسسة على حق الأمومة، وبين العائلة المنفردة الحديثة، لم يبق المقصود معرفة ما إذا كانت ملكية الأرض مشتركة أو خاصة، كما كان القصد من النقاش بين مورير وفايتس، بل معرفة شكل الملكية المشتركة. فلا ريب قط في أن الملكية المشتركة للأرض لم تكن وحدها قائمة عند السوييف في زمن قيصر، بل كانت هناك أيضاً، الحراثة المشتركة للأرض بالجهود المشتركة. ولا يزال من الممكن النقاش طويلاً لمعرفة ما إذا كانت الوحدة الاقتصادية هي العشيرة أم المشاعة المنزلية أم جماعة شيوعية ما متوسطة بينهما تجمعها رابطة القربى، أو لمعرفة ما إذا كانت هذه الجماعات الثلاث موجودة جميعها تبعاً لأحوال الأرض. والحال، يؤكد كوفاليفسكي أن الأوضاع التي يصفها تاقيطس لا تفترض وجود مشاعة - مارك ما أو مشاعة زراعية ما، بل تفترض مشاعة منزلية. ومن هذه المشاعة المنزلية وحدها، نشأت وتطورت بعد زمن طويل المشاعة الريفية نتيجة لنمو عدد السكان.
وبموجب هذا الرأي، كانت مقامات الجرمان في الأراضي التي كانوا يشغلونها في عهد روما، وكذلك في الأراضي التي انتزعوها فيما بعد من الرومانيين، لا تتألف من قرى، بل من مشاعات عائلية كبيرة كانت تشمل بضعة أجيال وتأخذ رقعة من الأرض للحراثة تبعاً لعدد أعضائها، وتستعمل مع جيرانها الأراضي البور المحيطة، بوصفها ماركاً مشتركة. ولهذا يجب إذن، أن نفهم على صعيد الأساليب الزراعية المقطع الذي يقول فيه تاقيطس إنهم يغيرون الأرض المحروثة: فكل سنة كانت المشاعة تحرث رقعة أخرى من الأرض، بينا تريح الرقعة المحروثة في السنة الماضية أو تتركها بوراً تماماً. ونظراً لضعف كثافة السكان، كان يبقى من الأرض البور ما يكفي للحيلولة دون قيام أي نزاع حول ملكية الأرض. وبعد قرون، عندما نما عدد أعضاء المشاعات المنزلية إلى حد أن إدارة الاستثمارة المشتركة أصبحت أمراً مستحيلاً في ظل ظروف الإنتاج السائدة آنذاك، بعد ذاك فقط، انحلت هذه المشاعات. وأخذت الحقول والمروج التي كانت حتى ذاك ملكاً مشتركاً تصبح موضع قسمة تبعاً للأسلوب المعروف بين الاستثمارات المنزلية المنفردة التي كانت تتشكل آنذاك، أولاً، لفترة من الوقت، ثم بصورة نهائية، بينا بقيت الغابات والمراعي والمياه ملكاً مشتركاً.
و يبدو فيما يتعلق بروسيا أن التاريخ قد قدم البرهان الكامل على مجرى التطور هذا. أما فيما يتعلق بألمانية، وفي المقام الثاني، بسائر البلدان الجرمانية، فلا يمكننا أن ننكر أن هذه الفرضية تعطي، في كثير من النواحي، تفسيراً أفضل للوثائق والمصادر، وتحل المصاعب بصورة أسهل مما تفعله وجهة النظر السائدة حتى الآن والتي تعيد وجود المشاعة الريفية إلى زمن تاقيطس. فإن أقدم الوثائق، من Codex Laureshamensis 74 مثلاً، تُفسر على العموم بواسطة المشاعة المنزلية بصورة أفضل بكثير مما بواسطة المشاعة- المارك الريفية. ولكن هذا التفسير يثير بدوره مصاعب جديدة ومسائل جديدة لا يزال يترتب حلها. ولا يمكن هنا أن يأتي بالحل النهائي غير البحوث والدراسات الجديدة. بيد أنني لا أستطيع أن أنكر أن وجود المشاعة المنزلية بوصفها درجة متوسطة في ألمانية واسكاندينافيا وإنكلترا أيضاً هو أمر محتمل جداً.
و بينا كان الجرمان في عهد قيصر قد أقاموا للتو جزئياً في مقامات دائمة أو كانوا جزئياً لا يزالون يفتشون عن محل إقامة دائمة، كانوا في عهد تاقيطس قد أمضوا قرناً كاملاً في الحياة الحضرية. وهذا ما وافقه تقدم لا مراء فيه في إنتاج وسائل العيش. فهم يعيشون في منازل من جذوع الشجر، ويرتدون ألبسة بدائية لا تزال تشبه ألبسة سكان الغابات أي المعاطف الخشنة الصوفية، وجلود الوحوش، أما النساء والأعيان، فكانت لهم ألبسة تحتية من الكتان. وكان طعامهم يتألف من الحليب واللحم والثمار البرية، ومن عصيدة الشوفان كما يضيف بلينوس (PLiny) (وحتى الآن، لا تزال هذه العصيدة نوعاً من المآكل القومية السلتية في إيرلندا واسكتلندا). وتتألف ثروتهم من الماشية، ولكن هذه الماشية رديئة النوع: الثيران والأبقار صغيرة، هزيلة لا قرون لها، والخيول قزمة (سيسي Ponies) ولا تصلح للسباق. وكانت النقود رومانية بوجه الحصر، وقليلاً ونادراً ما كانت تستعمل. وكانوا لا يصنعون ولا يقدّرون المصنوعات من الذهب والفضة، وكان الحديد نادراً، ويبدو أنه كان يُستورد كلياً تقريباً، على الأقل عند القبائل القاطنة على ضفاف الراين والدانوب، ولم يكن يُستخرج في موضعه. ولم تكن الكتابة الرونية (المأخوذة عن الأحرف اليونانية أو اللاتينية) معروفة إلا ككتابة سرية، ولم تكن تستعمل إلا لأغراض سحرية دينية. وكانت عادة تقديم الضحايا البشرية لا تزال سارية المفعول. وبكلمة، نجد هنا أمامنا شعباً ارتقى للتو من الدرجة الوسطى للبربرية إلى درجتها العليا. ولكن بينا كانت سهولة استيراد منتوجات الصناعة الرومانية تعيق تطور صناعة المعدن والنسيج بصورة مستقلة عند القبائل المقيمة مباشرة على الحدود مع الرومانيين، كان هذا الإنتاج قد نشأ ورسخ بشكل لا جدال فيه في الشمال الشرقي، على ساحل بحر البلطيق. إن أدوات التسلح التي وجدت في مستنقعات شليسفيغ مع النقود المعدنية الرومانية من أواخر القرن الثاني، - وهي سيف حديدي طويل، ودرع من الزرد، وخوذة فضية،الخ.، - وكذلك المصنوعات الألمانية التي انتشرت بفضل هجرة الشعوب، تبين نموذجاً خاصاً تماماً يتميز بمستوى عال نسبياً من التطور حتى عندما تقترب من النماذج الرومانية الأصلية. وإن الهجرة إلى الإمبراطورية الرومانية المتحضرة قد وضعت حداً نهائياً لهذا الإنتاج المحلي في كل مكان باستثناء إنكلترا. وإن المشابك البرونزية75، مثلاً، تبين بأي وتيرة واحدة منتظمة نشأ هذا الإنتاج وتطور. ومن الممكن أن تكون المشابك البرونزية التي اكتشفت في بورغونديا ورومانيا وعلى سواحل بحر آزوف قد خرجت من المشغل نفسه الذي خرجت منه المشابك الإنكليزية والسويدية، ولا ريب أيضاً أنها جرمانية الأصل.
كذلك يطابق الدستور العشيري الدرجة العليا من البربرية. ففي كل مكان، كما يقول تاقيطس، كان مجلس الشيوخ (Principes) موجوداً، وكان يبت بأصغر القضايا، ويهيئ أهم القضايا لكي يبت بها الاجتماع الشعبي، وهذا الأخير لم يكن في الدرجة الدنيا للبربرية، على الأقل، في الأماكن التي نعثر عليه فيها، لدى الأميركان، ليعقد إلا في العشيرة وحدها، ولم يكن بعد يُعقدُ في القبيلة ولا في اتحاد القبائل. وكان الشيوخ لا يزالون يتميزون كثيراً عن الزعماء العسكريين (Duces) تماماً كما عند الإيروكويين. فالشيوخ يعيشون جزئياً بفضل الهبات الفخرية التي يقدمها أعضاء القبيلة من الماشية والحبوب وخلافها. وينتخبونهم بمعظمهم، كما في أميركا، من العائلة ذاتها. والانتقال إلى الحق الأبوي ييسر، كما في اليونان وروما، تحويل المبدأ الانتخابي تدريجياً إلى حق وراثي، وييسر بالتالي نشوء عائلة ارستقراطية في كل عشيرة. إن هذه الارستقراطية القديمة المسماة بالارستقراطية القبلية قد هلكت بأغلبيتها أثناء هجرة الشعوب أو بعدها بفترة وجيزة. وكان القادة العسكريون يُنتخبون بصرف النظر عن أصلهم، وحسب كفاءاتهم فقط. ولم تكن سُلطتهم كبيرة، وكان عليهم أن يؤثروا بمثالهم. وينسب تاقيطس بكل وضوح إلى الكهنة السلطة الانضباطية الصرف في الجيش. وكانت السلطة الفعلية مركزة في الاجتماع الشعبي. والملك أو زعيم القبيلة هو الذي يرأس الاجتماع، والشعب يصدر قراره: السلبي بالجلبة والهمهمة، والإيجابي بهتافات الاستحسان وصليل السلاح. والاجتماع الشعبي هو أيضاً بمثابة محكمة، فإليه تقدم الشكاوى، وفيه تصدر القرارات بهذه الشكاوى، وفيه تصدر الأحكام بالموت، مع العلم أن عقوبة الموت لا تطبق إلا عقاباً على النذالة والخيانة والرذائل المنافية للطبيعة. وداخل العشائر وفروعها، تبت المحكمة في جميع القضايا بصورة مشتركة برئاسة الشيخ، لم يكن يحق له أن يكون، كالحال في سائر المحاكم الجرمانية، أكثر من مدير للمناقشات ومستجوب. ودائماً وفي كل مكان كانت الجماعة كلها هي التي تصدر الحكم عند الجرمان.
ومنذ عهد قيصر، تشكلت اتحادات القبائل، وكان عند بعضها ملوك. وكما عند اليونانيين والرومانيين كان القائد العسكري الأعلى يطمح آنذاك إلى السلطة المستبدة، وكان أحياناً يحصل عليها. ولكن هؤلاء المغتصبين المحظوظين لم يكونوا حكاماً مطلقين، بيد أنهم شرعوا يحطمون قيود النظام العشائري. وبينما كان العبيد المعتقون يشغلون على العموم مركزاً متدنياً لأنه لم يكن بوسعهم الانتساب إلى أي عشيرة، وكان أصحاب الحظوة لدى الملوك الجدد من بيئة العبيد المعتقين يتوصلون أحياناً إلى المناصب العليا والثروة والوجاهة. وقد حدث الأمر نفسه بعد الاستيلاء على الإمبراطورية الرومانية بالنسبة إلى القادة العسكريين الذين تحولوا إلى ملوك في بلدان شاسعة. وعند الفرنج، اضطلع عبيد الملك ومعتقوه بدور كبير، أولاً في البلاط ثم في الدولة. ومنهم يتحدر قسم كبير من الارستقراطية الجديدة.
وقد أسهمت مؤسسة في نشوء السلطة الملكية هي فصائل المتطوعين (Gefolgschaften) أو الحاشية العسكرية. وقد سبق ورأينا عند الهنود الحمر الأميركيين كيف تنشأ، على هامش النظام العشائري، رابطات خاصة لأجل خوض غمار الحرب على عهدتها ومسؤوليتها. وقد أصبحت هذه الرابطات الخاصة عند الجرمان اتحادات دائمة. فقد كان القائد العسكري الذي أحرز شهرة، يجمع حوله فصيلة من الشبان المتحرقين إلى الغنائم، ويلتزمون تجاهه بالوفاء الشخصي كما يلتزم تجاههم. وكان القائد يعيلهم ويكافئهم وينظمهم طبقاً لدرجات ومراتب. وكانوا يخدمونه في الحملات الصغيرة كفصيلة حراسة وقوات مستعدة دائماً للقتال، وفي الحملات الكبيرة كهيئة جاهزة من الضباط. ومهما كان لا بدّ لهذه الفصائل أن تكون ضعيفة، ومهما ظهرت بالفعل ضعيفة فيما بعد، كما عند أودواكر، مثلاً، في إيطاليا، فقد كانت تنطوي على جنين انحطاط الحرية الشعبية القديمة، وهذا الدور بالذات هو الذي اضطلعت به أثناء هجرة الشعوب وبعدها. وذلك أولاً، لأنها يسّرت نشوء السلطة الملكية، وثانياً، كما أشار تاقيطس، لأنه لم يكن يمكن الاحتفاظ بها ككل منظم إلا عن طريق الحروب الدائمة والغزوات اللصوصية. وأصبح النهب هدفاً. وحين كان رئيس الفصيلة لا يجد ما يفعله في الجوار، كان يمضي مع رجاله إلى شعوب أخرى كانت تدور عندها رحى الحرب، وكانت تتوافر عندها احتمالات الظفر بالغنائم. ثم إن قسماً من الجنود المرتزقة الجرمان، الذين كانوا في ظل الراية الرومانية يحاربون الجرمان بأعداد وفيرة، كان مؤلفًا من حاشية عسكرية من هذا القبيل. فكانوا هم البذور الأولى لنظام الجنود المرتزقة (Landsknecht) - عار الألمان ولعنتهم. وبعد الاستيلاء على الإمبراطورية الرومانية، صار أتباع الملوك هؤلاء، هم وعبيد البلاط الروماني وخدمه يؤلفون العنصر الثاني للطبقة النبيلة في الأيام القابلة.
و إذن، بصورة عامة، كان لدى القبائل الجرمنية المندمجة في شعوب، الدستورذاته الذي كان قد تطور لدى الأغريق في العصر البطولي، ولدى الرومان في أيام الذين يدعون الملوك: الاجتماعات الشعبية، ومجالس رؤساء العشائر، والقادة العسكريون الذين كانوا يتطلعون إذ ذاك إلى سلطة ملكية حقيقية. كان هذا الدستور أرقى دستور استطاع النظام العشيري أن ينتجه؛ كان هو الدستور النموذجي، للدرجة العليا من البربرية. وما إن تجاوز المجتمع الحدود التي كان هذا الدستور كافياً فيها حتى انتهى النظام العشيري وحلت الدولة محله.