الخروج قراءة الكتاب الإلكتروني

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

العشيرة الإيروكوية

3
نأتي الآن إلى اكتشاف آخر لمورغان، لا يقل إن لم نقل يزيد أهمية عن إعادة بنائه الأشكال البدائية للعائلة من نظم القرابة (Consamgunity). ذلك لأن مورغان قد برهن على أن الجماعات المؤلفة من أعضاء أقرباء بالدم ضمن القبيلة الهندية الأميركية والتي تتسمى بأسماء الحيوانات هي، في جوهرها مماثلة ل-(Genea) الإغريق ولعشائر (Gentes) الرومان؛ وعلى أن العشيرة الأميركية هي الشكل الأصلي للعشيرة، بينما العشيرة الرومانية الإغريقية هي الشكل المتأخر المشتق؛ وعلى أن سائر التنظيم الاجتماعي للإغريق والرومان في العصور البدائية: في عشيرة (Gens) وأخوة (Phratrie) وقبيلة (Tribu) يوازيه بصورة دقيقة التنظيم الاجتماعي للهنود الأميركان؛ وعلى أن العشيرة (ضمن حدود معارفنا الحاضرة) هي مؤسسة مشتركة بين جميع البرابرة حتى دخولهم الحضارة، بل إلى ما بعد ذلك - وهذا البرهان وضّح بضربة واحدة أصعب أجزاء تاريخ الأغريق والرومان الأقدم. كما ألقى في الوقت ذاته أضواء غير متوقعة على الملامح الأساسية للنظام الاجتماعي في العصور البدائية - قبل إدخال الدولة. لكن بالرغم من أن هذا الأمر يبدو سهلاً جداً بعد الاطلاع عليه، فإن مورغان لم يكتشفه إلا أخيراً. ففي كتابه السابق، المنشور في 1871، لم يكن بعدُ قد اقتحم السرّ الذي دفع اكتشافه منذ ذلك الحين مؤرخي ما قبل التاريخ الإنكليز الواثقين بأنفسهم جداً في العادة إلى أن يلوذوا مدة من الزمن بصمت شبيه بصمت الفأر.
إن الكلمة اللاتينية (Gens)، التي يستخدمها مورغان بصورة عامة ليدل بها على هذه الجماعة من الأقرباء بالدم (Consanguinei)، هي، كمثيلتها الإغريقية (Genos)، مشتقة من الجذر الآري المشترك (Gan) (في اللغة الجرمانية Kan، وذلك بعد قلب حرف G الآري إلى K حسب القاعدة) الذي يعني: نَسَلَ، أنجب.والكلمات (Gens) و(Genos)، و(Dijanas) السنسكريتية، و(Kuni) القوطية (حسب القاعدة المذكورة آنفاً)، و(Kyn) النوردية القديمة والأنكلوسكسونية، و(Kin) الإنكليزية، (Kunnë) الألمانية العالية المتوسطة، كل هذه الكلمات السواء تعني: القرابة والنسب. لكن (Gens) في اللاتينية، و(Genos) في الإغريقية تستعملان بصورة خاصة للدلالة على تلك الجماعات من الأقرباء بالدم التي تتباهى بانتسابها إلى أصل واحد مشترك (وفي هذه الحالة إلى سلف ذكر مشترك للقبيلة)، والتي تتحد بوساطة بعض المؤسسات الدينية والاجتماعية في جامعة خاصة، ظلّ أصلها وطبيعتها، رغم ذلك، غامضين حتى الآن بالنسبة لمؤرخينا جميعهم.
رأينا آنفاً، في صدد الحديث عن عائلة الشركاء البونالوانية، مم تتألف العشيرة (Gens) في شكلها البدائي. إنها تتألف من سائر الأشخاص الذين بفضل زيجة الشركاء ووفقاً للمفاهيم التي تسود فيها حتماً، يؤلفون الذرية المعترف بها لجدة معينة بالذات، مؤسسة العشيرة. ولما كانت أبوة الأطفال غير أكيدة في هذا الشكل من العائلة، فقد كان النسب إلى الأناث فيها هو المعترف به. ولما كان الأخوة لا يستطيعون أن يتزوجوا من أخواتهم، بل فقط بنساء من نسب مختلف، فإن الأطفال الذين تلدهم نساء من هذا القبيل كانوا يقعون، حسب حق الأمومة، خارج العشيرة. لذلك لا يبقى في العشيرة سوى ذرية البنات (Daughters) من كل جيل، بينما تنتقل ذرية البنين (Sons) إلى عشائر أمهاتهم. فما الذي يجري، إذن، لهذه الزمرة التي يرتبط أفرادها بقرابة الدم،، حالما تؤلف من نفسها جماعة مستقلة، إزاء الجماعات المماثلة في القبيلة ذاتها.
يتخذ مورغان العشيرة الإيروكوية، ولا سيما عشيرة قبيلة السينيكيين، بمثابة الشكل الكلاسيكي للعشيرة البدائية. ففي قبيلة السينيكيين ثماني عشائر (Gentes) تحمل أسماء الحيوانات التالية (1) الذئب، (2) الدب، (3) السلحفاة، (4) القندس(Beaver)، (5) الغزالة، (6) الشنقب، (7) مالك الحزين، (8) الصقر. وفي كل عشيرة تسود الأعراف الآتية:
1  -  تنتخب العشيرة شيخها (الساشام - رئيسها زمن السلم)، ورئيسها العسكري. وكان يجب انتخاب الشيخ من بين أفراد العشيرة ذاتها، وكانت وظيفته وراثية فيها، أي كان يجب أن تملأ كلما شغرت. وأما الرئيس العسكري فكان يجوز انتخابه من خارج العشيرة أيضاً، كما يمكن أن تبقى وظيفته في بعض الأحيان شاغرة. ولم يكن الشيخ السابق يخلف أباه قط، لأن حق الأمومة هو الذي كان يسود لدى الإيروكويين؛ وكان الإبن ينتمي إذن، إلى عشيرة أخرى. لكن أخا الشيخ أو ابن أخته هو الذي ينتخب في أغلب الأحيان. وكان الجميع - رجالاً ونساء - يشاركون في هذا الانتخاب؛ غير أنه كانت تجب المصادقة على هذا الانتخاب من قبل العشائر السبع الأخرى، وإذ ذاك فقط كان الشخص المنتخب ينصّب في احتفال من قبل المجلس العام للاتحاد الإيروكوي كله. وسنرى فيما بعد أهمية هذه النقطة. وكانت سلطة الشيخ داخل العشيرة أبوية، ذات طابع أدبي صرف، ولم يكن يملك أية وسيلة للإلزام. وكان أيضاً، بحكم وظيفته، عضواً في المجلس القبلي للسينيكيين، وعضواً في مجلس اتحاد جميع الإيروكويين. أما الرئيس العسكري فلم تكن لديه أوامر يصدرها إلا أثناء الحملات العسكرية.
2 -  تستطيع العشيرة أن تخلع الشيخ والرئيس العسكري إذا شاءت، وذلك أيضاً بناء على تصويت يشترك فيه جميع أفرادها رجالاً ونساءً، وبعد ذلك يصبح المخلوعون مجرد محاربين وأفراداً عاديين كالآخرين. ويستطيع مجلس القبيلة أيضاً أن يخلع الشيخ ولو كان ذلك ضد مشيئة عشيرته.
3 -  ليس لأحد من أفراد العشيرة الحق في أن يتزوج من عشيرته؛ هذه هي القاعدة الأساسية في العشيرة، الرباط الذي يحافظ على وحدتها، إنها تعبير سلبي عن قرابة الدم الإيجابية، التي بفضلها يصبح الأفراد الذين تجمعهم هذه القرابة وحدهم عشيرة. وباكتشاف هذه الحقيقة البسيطة كشف مورغان، للمرة الأولى، النقاب عن طبيعة العشيرة. ويظهر لنا مدى قلة فهم الناس للعشيرة حتى ذلك الحين من التقارير السابقة المتعلقة بالمتوحشين والبرابرة، التي يطلق فيها، على مختلف الجماعات التي تؤلف النظام العشائري، عبارات: القبيلة والعشيرة والفخذ..إلخ عن جهل وبلا تمييز، مع القول بين حين وآخر إن الزواج محظور ضمن أية جماعة من هذه الجماعات. وقد أدى هذا التشويش المستعصي الذي تمكن السيد ماكلنان بواسطته من التدخل بصفة نابوليون لإقرار النظام فيه بإصداره هذا الأمر السامي: تنقسم القبائل كلها إلى قبائل يحظر الزواج في داخلها (الزيجة الخارجية Exogames) وإلى قبائل يباح الزواج في داخلها (الزيجة الداخلية Endogames) وبعد أن أتم تشويش الأمور بهذا الشكل، أمكنه أن يسلم نفسه إلى أعمق الدراسات ليهتدي إلى أي من صنفيه السخيفين كان هو الأقدم: الزيجة الخارجية أم الزيجة الداخلية؟ ولكن هذا الهراء تلاشى بصورة آليه لدى اكتشاف العشيرة المؤسسة على قرابة الدم وما ينجم عنها من استحالة الزواج ما بين أفرادها ولا حاجة إلى القول إن الإيروكويين، في المرحلة التي نجدهم فيها، يتمسكون تمسكاً تاماً بقاعدة حظر الزواج داخل العشيرة.
4 -  كانت أملاك الأشخاص الذين يتوفون توزع على أفراد العشيرة الباقين، كان يجب أن تبقى في العشيرة. ونظراً إلى قلة أهمية ما قد يخلِّفه الإيروكوي، كانت تركته تقسم بين أقربائه الأدنين في العشيرة:بين أخوته الطبيعيين وأخواته الطبيعيات وخاله، إن كان المتوفى رجلاً، فإن كان امرأة تقسم تركتها بين أولادها وأخواتها الطبيعيات من دون إخوتها. وذلك هو بالضبط السبب الذي يجعل من المستحيل على الرجل وزوجته أن يرث أحدهما الآخر، كما يجعل من المستحيل على الأولاد أن يرثوا عن أبيهم.
5 -  كان يجب على أفراد العشيرة (Gentiles) أن يساعد بعضهم بعضاً ويحميه؛ وبصورة خاصة أن يعينه على الانتقام لما يسببه له الأغراب عن العشيرة من ضروب الأذى. كان الفرد يعوّل في سلامته على حماية العشيرة؛ وكان في وسعه أن يفعل ذلك، لأن من آذاه آذى العشيرة كلّها. من هذه الروابطروابط الدم في العشيرة - نشأ واجب الثأر للدم، الذي كان الإيروكويون يعترفون به بلا قيد ولا شرط. فإذا قتل أحد الغرباء عن العشيرة فرداً منها وجب على عشيرة القتيل كلها أن تثأر له. وكانوا يسعون في الصلح أولاً، فيجتمع مجلس عشيرة القاتل ويعرض على مجلس عشيرة القتيل عروضاً لتسوية القضية تتألف في أغلب الأحيان من التعبير عن الأسف لما حدث، ومن هدايا ذات قيمة لا يستهان بها. فإن قبلت هذه العروض انتهى الأمر، وإلا فإن العشيرة المعتدى عليها تكلف شخصاً أو عدة أشخاص بأن يقصوا أثر القاتل ويقتلوه. وعندما يتم هذا الأمر لا يحق لعشيرة الأخير أن تشكو وبذلك تسوى القضية.
6 -  للعشيرة أسماء معينة، أو سلسلة من الأسماء، لها وحدها في القبيلة حق التسمي بها، بصورة أن اسم الشخص يدل أيضاً على العشيرة التي ينتمي إليها. والإسم العشيري ينطوي على حقوق عشيرية بصورة طبيعية.
7 -  تستطيع العشيرة أن تتبنى الغرباء فتدخلهم عن هذا الطريق في القبيلة كلها. فكان الأسرى الذين لم يقتلوا، إذا تبنتهم إحدى العشائر يصبحون أفرداً من القبيلة السينيكية، ويكتسبون بذلك جميع الحقوق العشائرية والقبلية. وكان التبني يجري بناء على طلب بعض أفراد العشيرة - فإن كان المتبني رجلاً اتخذ الغريب أخاً أو أختاً له وإن كانت إمرأة اتخذته ولداً لها - ولإقرار هذا التبني كان لا بد من الاحتفال بقبول المتبنى في العشيرة. وغالباً ما كانت العشائر، المتقلصة العدد إلى درجة كبيرة، تزيد عددها بأن تتبنى مجموعة كبيرة من أفراد عشيرة أخرى، بعد أخذ موافقة هذه الأخيرة. وكانت مراسيم تبني الغرباء في العشيرة تتم لدى الإيروكويين في اجتماع عام يعقده مجلس القبيلة، الأمر الذي كان يقلب هذه المراسيم فعلاً إلى طقوس دينية.
8 -  يصعب البرهان على وجود شعائر دينية خاصة لدى العشائر الهندية - ومع ذلك، فالاحتفالات الدينية لدى الهنود متصلة تقريباً، بالعشائر. وبين الإيروكويين في احتفالاتهم الدينية السنوية الستة، كان شيوخ عشائرهم ورؤسائها العسكريون يحسبون، بحكم وظائفهم، من بين «حماة الإيمان» ويمارسون وظائف كهنوتية.
9 -  تملك العشيرة مقبرة مشتركة. إن مقبرة الإيروكويين في ولاية نيويورك، التي يحيط بها البيض من كل صوب، قد اختفت الآن، لكنها كانت موجودة من قبل. وهي لا تزال قائمة لدى القبائل الهندية الأخرى كقبيلة التسكارورا، مثلاً، التي تجمعها مع الإيروكويين صلات وثيقة من القربى، والتي لا تزال، رغم اعتناقها النصرانية، تحتفظ في مقبرتها بصف خاص لكل عشيرة، فتقبر الأم دون الأب هي وأولادها في صف واحد. ولدى الإيروكويين أيضاً، يشترك جميع أفراد العشيرة في تشييع الجنازة ويهيئون القبر ويؤبنون الميت.. إلخ.
10 -  للعشيرة مجلس (Council): وهو اجتماع ديموقراطي يحضره جميع أفراد العشيرة الراشدين رجالاً ونساء، ويتمتعون جميعاً بحقوق متساوية في التصويت. كان هذا المجلس هو الذي ينتخب ويخلع الشيوخ والرؤوساء العسكريين و«حماة الإيمان» الباقين كذلك. وكان يبت في أمر الدية أو الثأر للقتلى من أفراد العشيرة. وكان يتبنى الغرباء في العشيرة. وبالإيجاز كان هذا المجلس هو السلطة العليا في العشيرة.
تلك هي السلطات لدى عشيرة هندية نموذجية: «جميع أفراد العشيرة الإيروكويين كانوا أحراراً حرية شخصية، وكان أحدهم ملزماً بالدفاع عن حرية الآخر وكانوا متساوين في الامتيازات والحقوق الشخصية، ولا يدّعي الشيوخ ولا الرؤساء أي تفوق؛ وكانوا يؤلفون جمعية أخوية تجمعها أواصر القرابة. إن الحرية والمساواة والأخوة، رغم كونها لم تسكب قط في ألفاظ، كانت مبادئ أساسية للعشيرة. كانت العشيرة وحدةً لنظام اجتماعي، الأساس الذي نظم عليه المجتمع الهندي. وهذا يفسر لنا ذلك الشمول بالاستقلال وعزة النفس اللذين اشتهر بهما الخلق الهندي»
في زمن اكتشاف أميركا الشمالية كلها كان الهنود ملتزمين في عشائر وفق حق الأمومة. ولم تكن العشائر قد انحلت إلا لدى بعض القبائل، كقبيلة الداكوتيين؛ أما لدى البعض الآخر من القبائل، كالأوجيبويين والأوماهيين فكانت العشائر منظمة وفق حق الأبوة.
ولدى كثير من القبائل الهندية، التي تضم أكثر من خمس عشائر أو ست، نجد ثلاثا أو أربعاً من العشائر أو أكثر متحدة في جماعة خاصة يسميها مورغان الأخوة، (Phratry) - (مترجماً بأمانة الكلمة الهندية بصنوها الأغريقية). وهكذا نجد لدى السينيكيين أخوَّتين: الأولى تضم العشائر 1 -4، والثانية تضم العشائر 5-8. ويدل البحث الأدق على أن هذه الأخوَّات تمثل في الغالب تلك العشائر الأصلية التي انقسمت إليها القبيلة في بادئ الأمر لأنه، مع تحريم الزواج داخل العشيرة، كان لا بد لكل قبيلة أن تتألف من عشيرتين على الأقل لكي تتمكن من البقاء بصورة مستقلة. ومع ازدياد عدد أفراد القبيلة كانت كل عشيرة تنقسم كذلك إلى عشيرتين أو أكثر، كلّ منها يبدو بعد الآن بشكل عشيرة مستقلة. بينما تبقى العشيرة الأصلية، التي تضم جميع العشائر البنات، بصورة أخوَّة. وبين السينيكيين ومعظم القبائل الهندية الأخرى، جميع عشائر الأخوَّة هن أخوات بعضهن لبعض (GentesSoeurs)، أما عشائر الأخَّوات الأخرى فهن بنات عمومة لعشائر الأخوَّة الأولى، وهي أسماء كما رأينا، ذات أهمية حقوقية ودلالة كبيرة في نظام القرابة الأميركي. صحيح أنه في الأصل لم يكن يسمح لأي فرد سينيكي بأن يتزوج داخل إخَّوته، غير أن هذا الحذر قد زال منذ زمن طويل، وهو مقصور الآن على العشيرة فقط. وكان يُروى بين السينيكيين أن عشيرة الدب وعشيرة الغزال كانتا العشيرتين الأصليتين اللتين تفرعت منهما العشائر الأخرى. وما أن كانت هذه المنظمة الجديدة ترسخ رسوخاً قوياً حتى تتكييف حسب الحاجة. ومن أجل الإبقاء على التوازن كانت عشائر برمتها تنقل من الأخَّوات الأخرى بين حين وحين إلى الأخَّوات التي انقرضت فيها بعض عشائرها. وهذا يفسر لنا لماذا توجد عشائر تحمل الإسم نفسه داخلة بصور مختلفة في الأخَّوات في قبائل مختلفة.
إن وظائف الإخّوة لدى السينكيين بعضها اجتماعي وبعضها الآخر ديني:
1 -  تمارس الأخَّوات لعبة الكرة الواحدة ضد الأخرى. تقدم كل أخوَّة أمهر لاعبيها، ويقف باقي أفرد الأخوَّة متفرجين في المكان المخصص لإخَّواتهم ويتراهنون مع المتفرجين من الإخَّوة الأخرى كلٌّ على نجاح لاعبيه.
2 -  في مجلس القبيلة يجلس شيوخ كل أخوَّة ورؤساؤها العسكريون معاً، وتواجه الجماعتان إحداهما الأخرى، ويوجه كل متكلم كلامه إلى ممثلي كل إخَّوة بوصفها هيئة منفصلة.
3 -  إذا ما ارتكبت جريمة ما في القبيلة ولم يكن القاتل والقتيل من الأخوَّة نفسها، كانت العشيرة المعتدى عليها، في أغلب الأحيان تدعو أخَّواتها العشائر، فتعقد هذه مجلس الأخوَّة، وتطلب من الإخَّوة الأخرى، كهيئة واحدة، أن تعقد هي الأخرى مجلساً لتسوية القضية وهنا تبدو الأخوة مرة ثانية بشكل العشيرة الأصلية، وبنصيب من النجاح أكبر من نصيب العشيرة المفردة الأضعف منها، أي ابنتها.
4 -  عندما يتوفى أشخاص من ذوي المكانة، كانت الأخوَّة المقابلة تقوم بترتيب الجنازة وشعائر الدفن، بينما تسير إخَّوة الرجل الميت مع الجنازة نادبةً راثية. فإذا كان الميت شيخاً تتولى الأخوَّة المقابلة إعلام مجلس اتحاد إلايروكويين بشغور الوظيفة.
5 -  كان مجلس الأخوَّة يظهر على المسرح مرة ثانية عند انتخاب أحد الشيوخ. فقد كانت مصادقة العشائر الأخَّوات على انتخابه أمراً مفروغاً منه تقريباً، بيد أن عشائر الأخوَّة الأخرى ربما عارضته وفي هذه الحالة كان مجلس هذه الأخوة يجتمع، فإن أيد المعارضة يفسخ الانتخاب.
6 -  كانت لدى الإيروكيين، في السابق، أسرار دينية خاصة، كان البعض يدعونها، «مذاخر الأدوية» وكانت تلك الأسرار تمارس بين السينيكيين من قبل جمعيتين دينيتين (Fraternities)، جمعية واحدة لكل أخوَّة، وكانتا تقيمان بانتظام طقوساً خاصة لإدخال أعضاء جدد.
7 -  إذا كانت الأقوام الأربعة التي كانت تقطن، في زمن الفتح، الأحياء الأربعة من تلاسكالا، إذا كانت هذه الأقوام الأربعة أخَّواتٍ أربعاً، وهو يكاد يكون أكيداً، فإن هذا يكون عندئذٍ دليلاً على أن الأخوَّات، كالحال لدى الأغريق، وجماعات القرابة المشابهة لها لدى الجرمان، كانت بمثابة وحدات عسكرية أيضاً، لأن هذه الأقوام الأربعة كانت تذهب الى الحرب كل منها بشكل مجموعة منفصلة لها زيها الخاص ورايتها الخاصة وقائدها الخاص.
وكما كان عددٌ من العشائر يؤلف أخوَّة، كان عدد من الأخوَّات يؤلف قبيلة بالشكل الكلاسيكي. وفي كثير من الأحيان نجد الرابطة الوسطى، أعني الأخوَّة، مفقودة لدى القبائل الضعيفة جداً. فما هي السمات التي تميز القبيلة الهندية في أميركا؟
1 -  تملك أرضاً خاصة واسماً خاصاً! فكانت كل قبيلة تملك بالإضافة الى الأرض التي تقيم فيها، منطقة واسعة لصيد البر والبحر، وكان يوجد خلف هذه المنطقة أرضٌ واسعة حيادية تمتد الى منطقة القبيلة التالية؛ وكانت رقعة هذه الأرض الحيادية صغيرة نسبياً إذا كانت لغتا القبيلتين قريبتين إحداهما من الأخرى، وكبيرة إذا لم تكونا كذلك. من هذا الضرب كانت الغابة المتاخمة عند الجرمان، والأراضي البور التي استحدثها السوفيون قبيلة قيصر حول أراضيهم، والأرض المسماة (sarnholt) بين الدانمركيين والجرمان (في الدانمركية Jarved, Limes Damicus) وغابة السكسون وأرض البرانيبور (Branibur) بين الجرمان والسلاف (برانيبور، في اللغة السلافية معناها غابة الدفاع) التي منها اشتقت مقاطعة براندنبورغ اسمها. إن الأرض المحصورة على هذه الصورة بحدود غير معينة تعييناً كاملاً كانت هي الأرض المشتركة للقبيلة، تعرف ذلك القبائل المجاورة، وتحميها القبيلة من أي اعتداء يقع عليها. إن التباس الحدود لم يكن، في أغلب الأحيان، ليغدو مزعجاً عملياً إلا عندما يكون السكان قد ازدادوا زيادة ملحوظة. ويظهر أن أسماء القبائل كانت في أغلب الحالات نتيجة المصادفة أكثر من كونها نتيجة اختيار مقصود؛ وكان يتفق بمرور الزمن أن تدعو القبائل المجاورة إحدى القبائل باسم غير الاسم الذي تستعمله هي ذاتها، كالحال مع الجرمان (Die deutschen) الذين تلقوا من السلت أول اسم تاريخي شامل لهم – (Germanen) (Germani).
2 -  لهجة خاصة مختصة بهذه القبيلة وحدها. والحقيقة أن القبيلة واللهجة شيئان متلازمان. كانت القبائل الجديدة واللهجات الجديدة تتشكل في أميركا إلى عهد قريب تماماً بفضل الانقسام، ولا بد أن تشكلها لم يتوقف حتى الآن كل التوقف.وعندما تندمج قبيلتان ضعيفتان في قبيلة واحدة، كان يتفق، بصورة استثنائية، أن تستعمل القبيلة ذاتها لهجتين، إحداهما قريبة من الأخرى قرابة وثيقة؛ ويبلغ وسطي عدد أفراد القبيلة الأميركية حوالى 2000 نسمة، على أن الشيروكيين يبلغون حوالى 26000 نسمة، وهم أعظم مجموعة من الهنود في الولايات المتحدة يتكلم أفرادها لهجة واحدة.
3 -  حق الاحتفال بتنصيب الشيوخ والرؤوساء العسكريين الذين تنتخبهم العشائر.
4 -  حق خلعهم أيضاً، ولو كان ذلك ضد رغبات عشيرتهم. وذلك لأن هؤلاء الشيوخ والرؤساء العسكريين أعضاء في مجلس القبيلة، فمن الطبيعي أن تتمتع القبيلة بحقوقها إزاءهم. ولكن، إذا كان هناك اتحاد للقبائل وكانت جميع القبائل ممثلة في مجلس الاتحاد، فإن الحقوق آنفة الذكر تنتقل إلى هذه الهيئة الأخيرة.
5 -  تملك أفكاراً دينية مشتركة(ميثولوجيا) وطقوساً للعبادة. «كان الهنود الأميركيون، على غرار البرابرة شعباً متديناً. إن أساطيرهم لم تدرس بعد دراسة دقيقة. وكانوا من قبل، يجسدون أفكارهم الدينية وهي أرواح من كل الأصناف، لكن في الدرجة الدنيا من البربرية التي كانوا فيها لم يكن معروفاً التمثيل بالصور أو بالتماثيل؛ ولم يكن يوجد ما يسمى بالأصنام. إنها عبادة للطبيعة والعناصر تتطور باتجاه تعدد الآلهة. وكانت للقبائل المختلفة أعياد نظامية ذات أشكال معينة من العبادات ولا سيما الرقص والألعاب. وكان الرقص على الأخص عنصراً أساسياً في جميع الاحتفالات الدينية. وكانت كل قبيلة تقوم باحتفالاتها على حدة.
6 -  مجلس قبلي للشؤون العامة. وكان يتألف من شيوخ العشائر والرؤساء العسكريين كلهم الذين كانوا الممثلين الحقيقيين للشعائر، لأنه كان من الممكن عزلهم في كل حين.كانت اجتماعات المجلس علنية؛ يحيط به أعضاء القبيلة الآخرون، الذين كان يحق لهم المشاركة في المناقشة والإدلاء بآرائهم، لكن المجلس هو الذي يقرر. وكان يسمح، مبدئياً لكل واحد من الحاضرين أن يتحدث إلى المجلس؛ حتى النساء كان بوسعهن التعبير عن وجهات نظرهن بواسطة ناطق بلسانهن يخترنه بملء إرادتهن. وكان يشترط في القرارات النهائية لدى الإيروكويين، أن تؤخذ بإجماع الأصوات، على غرار كثير من القرارت التي كانت تتخذها مشاعات المارك الجرمانية وبصورة خاصة كان تنظيم علاقات القبيلة بالقبائل الأخرى من مهام المجلس القبلي. فكان يستقبل السفراء ويوفدهم، ويعلن الحرب، ويعقد الصلح، وعندما تنشب الحرب كان يحمل أعباءها المتطوعون بالدرجة الأولى. وكانت كل قبيلة، مبدئياً، في حالة حرب مع أية قبيلة أخرى إذا لم تكن قد عقدت معها معاهدة سلم صريحة. وكانت الحملات العسكرية ضد الأعداء من هذا القبيل ينظمها، في أغلب الأحوال بضعة من المحاربين البارزين. كانوا يقومون برقصة حربية، فمن ساهم بالرقص عبر بذلك عن الإسهام في الحملة. وسرعان ماكانت تتألف الفرقة المحاربة وتتحرك. وإذا هوجمت القبيلة كان يقوم بعبء الدفاع عنها، بصورة رئيسية متطوعون بالطريقة نفسها. وكانت فرص ذهاب هذه الفرق وعودتها تغتنم دائماً لإقامة احتفالات عامة. ولم يكن من الضروري أخذ موافقة من مجلس القبيلة على مثل هذه الحملات. فلم تكن هذه الموافقة لتطلب منه ولم يكن هو يطلبها. هذه الحملات تشبه تمام الشبه الحملات العسكرية الخاصة التي كانت تقوم بها فرق الأتباع الجرمانية الخاصة، كما وصفها تاقيطس؛ سوى أن جماعة الأتباع لدى الجرمان كانت قد اتخذت صفة أدوم، وكانت تؤلف النواة القوية المنظمة في أوقات السلم، التي كان المتطوعون الآخرون ينضمون إليها في زمن الحرب. ولم تكن هذه الفرق العسكرية كثيرة العدد إلا نادراً. فأهم حملات الهنود حتى تلك التي كانت توجه إلى مسافات بعيدة، كانت تتم بقوة محاربة لا يعتد بها، وإذا اجتمعت عدة فرق من هذا القبيل لتخوض سوية إحدى المعارك الكبيرة، كانت كل فرقة منها لا تأتمر إلا بأمر قائدها الخاص. وكان مجلس هؤلاء القادة هو الذي يضمن إلى حدٍ ما، وحدة الخطة للحملة. إنها الطريقة التي كان الألمان(Alamanni) سكان الراين الأعلى يتبعونها في القرن الرابع كما وصفها أمينوس مارسيلينوس.
7-  نجد في بعض القبائل رئيساً أعلى (Head Chef) لكن صلاحياته ضئيلة جداً. إنه أحد الشيوخ، ويجب عليه في الحالات التي تتطلب عملاً سريعاً أن يتخذ تدابير موقتة ريثما يتمكن المجلس من أن يجتمع ويتخذ القرار النهائي. إن هذا ينطوي على محاولة ضعيفة لإقامة موظف ذي سلطة تنفيذية؛ لكن هذه المحاولة لم تثمر كما أظهر التطور التالي؛ والواقع أن القائد العسكري الأعلى (Oberster Heerführer) كما سنرى هو الذي كان في معظم الحالات، إن لم يكن في كلها، يتحول إلى موظف من هذا القبيل.
إن الكثرة الساحقة من الهنود الأميركيين لم تتجاوز قط مرحلة المنظومة القبلية. ولما كانوا يؤلفون قبائل صغيرة من حيث العدد، تفصل بعضها عن بعض تخوم واسعة، وتنهكها الحروب المستمرة، فقد كانوا يقطنون إقليماً واسعاً ليس فيه سوى عدد قليل من السكان.
وكانت التحالفات تعقد هنا وهناك بين القبائل الأقرباء استجابة لطوارئ موقتة، ثم تنحل بعد زوالها. لكن في بعض الأماكن، نجد أن القبائل، التي كانت أقرباء في الأصل ثم انفصل بعضها عن بعض، كانت تنضم من جديد في اتحادات (Federations) دائمة متخذة بذلك أولى الخطوات نحو تكوين الأمم (Nations). ونحن نجد في الولايات المتحدة أرقى شكل لهذا النوع من الاتحاد بين الإيروكويين. فهؤلاء بعد أن هاجروا من موطنهم الأصلي غربي المسيسيبي، حيث يحتمل أنهم كانوا يؤلفون فرعاً من عائلة الداكوتا الكبيرة، استوطنوا، بعد تجوال طويل، المنطقة التي تؤلف اليوم ولاية نيويورك. وكانوا منقسمين إلى خمس قبائل: السينيكيين، القايوقيين، الأنونداغيين، الأونيديين، والموهاوكيين. كانوا يعيشون على السمك وصيد البر ومحاصيل بستنية بدائية، ويسكنون في قرى محصنة بأسيجة خشبية. وبما أن عددهم لم يتجاوز قط 20000 نسمة، فقد كان فيهم عدد من العشائر المشتركة بين القبائل الخمس كلها، وكانوا يتكلمون لهجات وثيقة القرابة من لغة واحدة، ويحتلون منطقة ضيقة مقسمة بين القبائل الخمس. ولما كان فتح هذه المنطقة قد جرى حديثاً، فقد كان طبيعياً أن تتعاون هذه القبائل ضد تلك التي أجلتها من هذه المنطقة. ثم لم يلبث هذا التعاون، في السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر، لا أكثر، أن تطور إلى «عصبة دائمة»، إلى اتحاد لم يلبث، لدى شعوره بقوته المكتشفة محدثاً، أن اتخذ طابعاً عدائياً واحتل في أوج قوته - حوالى 1675- أراضيَ واسعة من البلاد المجاورة له، فأجلى قسماً من سكانها وأجبر القسم الآخر على دفع الجزية. وكان الاتحاد الإيروكوي أرقى تنظيم اجتماعي بلغه الهنود الذين لم يكونوا قد تجاوزوا الدرجة الدنيا للبربرية (أي باستثناء هنود المكسيك، والمكسيك الجديدة والبيرو) ويتميز الإتحاد بالملامح الأساسية الآتية:
1 -  تحالف دائم بين القبائل الخمس الأقرباء بالدم، على أساس المساواة التامة والاستقلال في سائر الشوؤن القبلية الداخلية. هذه القرابة الدموية كانت تؤلف الأساس الصحيح للاتحاد. وكانت ثلاث قبائل من القبائل الخمس تسمى القبائل الأمهات، وكانت فيما بينها أخوات؛ أما القبيلتان الأخريان فكانتا تدعيان القبيلتين البنتين، وكانت إحداهما أختاً للأخرى أيضاً. وكان لثلاث من العشائروهي أقدم العشائر جميعاًممثلون أحياء في القبائل الخمس كلها، بينما كان لثلاث عشائر أخرى ممثلون أحياء في ثلاث قبائل. وكان أعضاء كل واحدة من هذه العشائر أخوة فيما بينهم ضمن القبائل الخمس كلها. وكانت اللغة المشتركة التي لا تختلف من قبيلة الى أخرى إلا في اللهجة، هي التعبير عن النسب المشترك لهذه القبائل، وهي الدليل عليها.
2 -  كانت الهيئة المشرفة على الاتحاد تتألف من مجلس اتحادي مؤلف من خمسين شيخاً، جميعهم متساوون من حيث الرتبة والاعتبار، وكان هذا المجلس يصدر القرار النهائي في جميع شوؤن الاتحاد.
3 -  كان هؤلاء الشيوخ الخمسون عند تأسيس الاتحاد موزعين على القبائل بوصفهم أصحاب وظائف جديدة أنشأت خصيصاً تلبية لأهداف الاتحاد. وكان هؤلاء الشيوخ ينتخبون من جديد من قبل العشائر ذات العلاقة كلما شغر شاغر؛ وكان يجوز لهذه العشائر أن تنحيهم في كل حين. غير أن حق تنصيبهم في وظائفهم كان يرجع إلى المجلس الاتحادي.
4 -  وكان شيوخ الاتحاد هؤلاء شيوخًا في الوقت ذاته كلٌ في قبيلته. وكان لكل منهم مقعد وصوت في المجلس القبلي.
5 -  كان يجب في جميع قرارات المجلس الاتحادي أن تؤخذ بإجماع الآراء.
6 -  كان التصويت يجري في كل قبيلة على حدة، بحيث إن جميع القبائل وجميع أعضاء المجلس في كل قبيلة يجب أن يوافقوا على القرار ليكون ملزماً لهم.
7 -  كان يجوز لأي مجلس من المجالس القبلية دعوة المجلس الاتحادي إلى الانعقاد، ولكن لم يكن يحق لهذا الأخير أن يدعو نفسه للانعقاد.
8 -  وكانت جلسته تجري أمام الشعب المتجمع .. وكان يحق لكل إيروكوي الإدلاء برأيه لكن المجلس وحده هو الذي كان يقرر.
9 -  لم يكن للاتحاد رئيس رسمي، ولم يكن له رئيس للسلطة التنفيذية.
10 -  لكن كان له رئيسان عسكريان أعليان يتمتعان بنصيب متساو من السلطان والنفوذ( »الملكان« لدى الاسبرطيين، والقنصلان في روما).
***
هذا هو الدستور الاجتماعي كله الذي عاش الإيروكويون في ظله ولا يزالون يعيشون منذ أكثر من 400 سنة،عرضت وصف مورغان له بشيء من الإسهاب، لأنه يتيح لنا الفرصة لدراسة تنظيم مجتمع لم يعرف الدولة بعد. إن الدولة تفترض سلطة عامة خاصة منفصلة عن مجموع الناس ذوي العلاقة في كل حالة (عن مجموع المواطنين الذين تتألف منهم الدولة في وقت معين). وموررْ بغريزته الصادقة يهتدي الى أن دستور المارك الجرماني هو في الأساس مؤسسة اجتماعية صرف تختلف اختلافاً أساسياً عن الدولة، بالرغم من انه كان بمثابة الأساس لها فيما بعد. لذلك يدرس مورر في جميع كتاباته نشوء السلطة العامة بالتدريج من صميم النظم البدائية والى جانبها: مشاعات المارك، والقرى والإقطاعات والمدن. إن هنود أميركا الشمالية يبينون كيف أن قبيلة موحدة في الأصل انتشرت شيئاً فشيئاً فوق قارة شاسعة؛ وكيف أن القبائل، عن طريق الانقسام، كانت تصبح شعوباً أي مجموعات كاملة من القبائل؛ وكيف أن اللغات كانت تتغير تغيراً لا يجعل التفاهم بها بين القبائل متعذراً فحسب، بل يؤدي أيضاً الى زوال كل ما يشير الى أنها كانت لغة واحدة في الأصل؛ وكيف أن العشائر المفردة كانت في الوقت ذاته، تنقسم في قلب القبائل الى عدة عشائر؛ وكيف أن العشائر الأمهات القديمات كانت تبقى بصورة أخوَّات؛ وكيف أن أسماء أقدم العشائر هذه لا تزال هي من دون تغيير بين قبائل متباعدة جداً ومنفصل بعضها عن بعض منذ زمن طويل الذئب والدب لا يزالان اسمين عشيريين لدى أكثرية القبائل الهندية وبصورة عامة، إن النظام السابق الذكر ينطبق على جميع هذه القبائل سوى أن كثير منها لم يرق الى اتحاد القبائل الأقرباء.
ولكننا نرى أيضاً أنه، ما أن تظهر العشيرة كوحدة اجتماعية، حتى ينشأ نظام العشائر والاخوَّات والقبيلة كله من هذه الوحدة بضرورة تكاد تكون قاهرة - لأنها طبيعية. فثلاثتها جماعات ذات درجات متفاوتة من القرابة؛ وكل منها مستقل بنفسه يدير شؤونه الخاصة؛ لكن كلاً منها أيضاً يكمل البقية. ودائرة الشوؤن التي آلت إليهم كانت تضم كافة الشؤون العامة للبرابرة في الدرجة الدنيا. فإذن، حيثما تكتشف أن العشيرة وحدة اجتماعية لأحد الشعوب يصح أن نبحث عن نظام للقبيلة يشبه النظام السابق الذكر؛ وحيث تتوافر لنا المصادر الكافية، كما هو الحال لدى اليونان والرومان مثلاً، لن نجد العشيرة والقبيلة فحسب، بل سنطمئن إلى أن المقارنة بالنظام الاجتماعي الأميركي، عندما تعوزنا المصادر، تعيننا في التغلب على أصعب الشكوك والألغاز.
وهذا النظام العشيري عجيب في كل ما فيه من سذاجة الطفولة! فكل شيء فيه يسير في طريقه السّوي، من دون جنود، أو درك (جندرمة) أو شرطة؛ وبلا نبلاء، أو ولاة، أو مدراء، أو قضاة؛ وبلا سجون وبلا محاكمات، لأن جميع الخصومات والخلافات تسوى من قبل الجماعة كلها ذات العلاقة، أي العشيرة أو القبيلة أو العشائر المختلفة فيما بينها. ولا يلجأ إلى ثأر الدم إلا كتدبير متطرف أو نادر الاستعمال؛ وهو الذي ليست عقوبة الاعدام عندنا إلا شكله المتمدن مجتمعاً على جميع حسنات الحضارة وسيئاتها. وبالرغم من أن لديهم شؤوناً عامةً أكثر مما يوجد الآن - لأن مشاعة المنزل تدار إدارة مشتركة ومشاعية من قبل عدد من العائلات، والأرض ملك للقبيلة فلا يعهد لمشاعات المنزل إلا بإدارة البساتين الصغيرة بصورة مؤقتة - أقول بالرغم من ذلك: لا حاجة بهم لشيء من جهازنا الإداري الواسع المعقد. إن ذوي العلاقة هم الذين يبتون في الأمور وفي معظم الحالات يكون العرف الذي انقضى عليه مئات السنين قد نظم كل شيء ولا يمكن أن يوجد فقراء أو معوزون لأن الجماعة المنزلية المشاعية والعشيرة يعرفان واجباتهما إزاء المعمرين والمرضى ومقعدي الحرب، وكلهم أحرار ومتساوون حتى النساء. فلا يوجد بعد مكان للعبيد، كما لا يوجد، بصورة عامة مجال لاستعباد القبائل الغريبة. ولما غزا الإيروكويون الآريين (Eries) «الأمم المحايدة»، حوالى 1651، عرضوا عليهم أن ينضموا إلى الاتحاد كأعضاء متساوين: ولم يطرد المغلوبون من أراضهيم إلا بعد أن أبوا قبول هذا العرض. ويمكننا أن نعرف نوع الرجال والنساء الذين كان يخرجهم مجتمع من هذا القبيل بالاطلاع على ما يشعر به جميع البيض، الذين اتصلوا بهنود غير متفسخين، من إعجاب بعزة نفوس هؤلاء البرابرة واستقامتهم ومتانة خلقهم وشجاعتهم.
ولقد شاهدنا أخيراً، تماماً أمثلة على هذه الشجاعة في أفريقيا إذ قام الكافريون من قبائل الزولو (Zulu kaffirs eries) منذ بضع سنوات، والنوبيون منذ بضعة أشهر56 - وهما قبيلتان لم تنقرض المؤسسات العشائرية فيهما حتى الآن - بما لا يستطيع أي جيش أوروبي القيام به. فقد تقدموا مسلحين بالحراب والعصي فقط، وبلا أسلحة نارية تحت وابل من رصاص البنادق السريعة الطلقات حتى ارتموا على حراب الجنود الإنكليز المشاة - المشهود لهم بالتفوق على العالم في حرب الصفوف المتراصة فأوقعوا الفوضى في صفوفهم، بل واضطروهم إلى التقهقر أكثر من مرة؛ وهذا بالرغم من التفاوت الكبير بين أسلحة الطرفين وبالرغم من أنهم ليس لديهم شيء من قبيل الخدمة العسكرية ولا يعرفون ما معنى التمارين العسكرية. ويشهد على حسن بلائهم وصبرهم أحسن شهادة شكوى الإنكليز من أن الرجل الكافري يسبق الحصان ويقطع في 24 ساعة مسافة أطول من المسافة التي يقطعها الحصان. إن أصغر عضلاتهم، كما يقول أحد الرسامين الإنكليز، يبرز صلباً مشدوداً كحبل السوط.
هكذا كان البشر والمجتمع البشري قبل نشأة الانقسامات الطبقية. وإذا قارنا حالة هؤلاء البشر بحالة الأكثرية الساحقة للبشر المتحضرين في زمننا نجد هوة سحيقة جداً بين البروليتاري والفلاح الصغير في زمننا، وفرد العشيرة الحر القديم.
لكن، هذا جانب واحدة من الصورة ويجب ألا ننسى أن هذا النظام قد حكم عليه بالزوال، فلم يتطور قط إلى أكثر من القبيلة. أما اتحاد القبائل فكان يعني بدء سقوطه، كما سنرى فيما بعد، وكما دلت محاولات الإيروكويين لإخضاع غيرهم، لأن ما كان خارج القبيلة كان خارج القانون. وكانت رحى الحرب تدور حيث لا توجد معاهدة سلم صريحة بين قبيلة وأخرى: وكانت الحرب تشن بتلك القسوة التي تميز الإنسان من سائر الحيوانات، والتي لم تتلطف إلا أخيراً بدافع من المصلحة الشخصية. والنظام العشيري في أزهى عهوده، كما رأيناه في أميركا، كان يفترض شكلاً من الإنتاج متخلفاً جداً، أي، عدداً قليلاً جداً من السكان منتشرين فوق رقعة واسعة من الأرض، الأمر الذي يؤدي إلى خضوع الإنسان خضوعاً يكاد يكون تاماً للطبيعة الخارجية الغريبة عنه، المعاكسة له، المبهمة؛ خضوعاً ينعكس في أفكاره الدينية الطفولية. وكانت القبيلة دائماً تمثل حدود الفرد إزاء نفسه وإزاء الآخرين: كانت القبيلة والعشيرة ومؤسساتهما أشياء مقدسة لا تمس، قوة عليا أقامتها الطبيعة وكان الفرد يخضع لها باستمرار خضوعاً مطلقاً في شعوره وفكره وفعله. وعلى كثرة ما يترك أناس هذا العهد من أثر في نفوسنا، فهم لا يمتاز بعضهم من بعض في شيء، ولا يزالون، كما يقول ماركس، مرتبطين بالحبل السري للمشاعة البدائية. وكان لا بد لسلطان هذه المشاعات البدائية أن يتحطم، وقد تحطم. ولكنه تحطم بتأثير عوامل تبدو لنا منذ البدء بشكل انحلال، بصورة تدهور من العظمة الخلقية الساذجة للمجتمع العشيري القديم إن المصالح الدنيا - الجشع السافل، والشهوات الحسية الحيوانية، والبخل الخسيس، والسرقة الأنانية للأملاك العامة - هي التي تدشن المجتمع المتحضر الجديد، المجتمع الطبقي؛ إن أحقر الوسائل السرقة والاغتصاب، والغش والخيانة - هي التي تقوّض المجتمع العشيري القديم، العديم الطبقات، وتودي به. والمجتمع الجديد، طوال الألفين وخمسمئة سنة من وجوده، لم يكن قط شيئاً آخر سوى تطور الأقلية الصغيرة على حساب الأكثرية الكبيرة المضطهدة المستغلة وهو لا يزال الآن كذلك أكثر منه في أي عهد مضى.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.