العائلة
2
إن مورغان، الذي قضى الشطر الأكبر من عمره بين ظهراني الإيروكويين، الذين لا يزالون يقطنون ولاية نيويورك، وتبنته إحدى قبائلهم (السينيكا)، اكتشف لديهم نظاماً سائداً للقرابة بالدم يتعارض مع صلاتهم العائلية القائمة. إذ كانت سائدة بينهم زيجة الزوجين الاثنين فقط (الزوج والزوجة) الذي يسهل فسخه من قبل أحد الطرفين والذي دعاه مورغان «العائلة الثنائية» (أو عائلة الاثنينPairing family). وكان جميع الناس يعرفون نسل شخصين متزوجين من هذا الضرب ويعترفون به، ولم يكن بالوسع أن يحوم أي شك حول الشخص الذي يجب أن يطلق عليه اسم الأب أو الأم أو الابن أو البنت أو الأخ أو الأخت. لكن الاستعمال القائم لهذه العبارات يخالف هذه الحقيقة. ذلك لأن الرجل الإيروكوي لا يدعو أولاده وحدهم «أبناءه» و«بناته»، بل يدعو بهذه الصورة أبناء إخوته كذلك، وهؤلاء بدورهم يدعونه «أباهم» بينما هو من ناحية أخرى، يدعو أولاد أخواته «أبناء أخته وبنات أخته» وهم يدعونه «خالهم» وأما المرأة الإيروكوية، من جهة أخرى، فتدعو، إلى جانب أولادها هي، أولاد أختها «أبناءها» و«بناتها»، وهم بدورهم يدعونها «أمهم»، بينما هي، من ناحية أخرى تدعو أولاد إخوتها «أبناء أخيها» و«بنات أخيها» وهم يدعونها «عمتهم» وبالطريقة ذاتها يدعو أولاد الأخوة بعضهم بعضاً إخوة وأخوات. ويفعل أولاد الأخوات مثل ذلك هم أيضاً. ومن جهة أخرى، يدعو أولاد المرأة وأولاد أخيها بعضهم بعضاً أولاد خال وأولاد عمة. إن هذه ليست مجرد أسماء فارغة، بل تعبيرات عن أفكار قائمة بالفعل تتعلق بقرب القرابة بالدم أو ببعدها، وتساويها أو عدم تساويها؛ وهذه الأفكار تصلح لأن تكون قاعدة يبنى عليها نظام محكم للقرابة؛ وفي وسعه التعبير عن بضع مئات مختلفة من روابط القرابة للشخص الواحد. يضاف إلى ذلك أن هذا النظام ليس نافذاً بقوة بين جميع الهنود الأميركيين فحسب (لم يعثر له على أي استثناء حتى الآن)، بل هو سائد، من دون أي تغيير تقريباً، بين سكان الهند الأصليين، وبين القبائل الدرافيدية في الديكان، وقبائل غاوورا في هندستان. أضف إلى ذلك أن عبارات القرابة السارية بين التاميل في الهند الجنوبية، والأيروكويين السينيكيين في ولاية نيويورك واحدة الدلالة، حتى في أيامنا هذه، على أكثر من مائتي رابطة مختلفة من روابط القرابة. وبين هذه القبائل في الهند وكذلك بين جميع الهنود الأميركيين، نجد روابط القرابة الناشئة عن شكل العائلة السائد تتعارض مع نظام القرابة بالدم.
فكيف نعلّل هذا؟ نظراً إلى الدور الحاسم الذي تمثله القرابة في النظام الاجتماعي لجميع الشعوب في مرحلتي الوحشية والبربرية، لا يمكن بواسطة بضع جمل حذف أهمية نظام واسع الانتشار كهذا النظام. إن نظاماً سائداً بوجه عام، في كل أميركا، ويوجد بالدرجة نفسها من الانتشار في آسيا لدى شعوب مغايرة تماماً في العرق لشعوب أميركا، وتكثر أشكال منه، معدلة قليلاً، في كلٍ من أفريقيا وأستراليا، إن نظاماً واسع الانتشار كهذا النظام يتطلب منا تعليلاً تاريخياً، لا للتخلص منه ببضع كلمات كما حاول ماكلنان، مثلاً، أن يفعل. إن عبارات: الأب والولد والأخ والأخت، ليست مجرد ألقاب شرف، بل تحمل معها التزامات متبادلة محددة تحديداً تاماً وجدّية جداً، ويؤلف مجموعها جزءاً أساسياً من الدستور الاجتماعي لهذه الشعوب.
وقد وجد هذا التعليل. ففي جزر الساندويش (هاواي)، كان لا يزال قائماً حتى النصف الأول من القرن الحالي (التاسع عشر)، شكل من العائلة ينتج آباء وأمهات، وإخوة وأخوات، وأخوالاً وعماتٍ وأبناء الأخ والأخت، وبنات الأخ والأخت، تماثل تماماً تلك التي يتطلبها نظام القرابة الهندي الأميركي القديم. ولكن مما يثير العجب أن نظام القرابة السائد في (هاواي) يتعارض هو كذلك مع الشكل الحالي الموجودة فيه العائلة، ففي هذه البلاد جميع أولاد الأخوة والأخوات15 يعتبرون، بلا استثناء، إخوة وأخوات بعضهم لبعض، وأولاداً مشتركين لا لأمهم وأخواتها ولا لأبيهم وإخوته فحسب، بل لجميع إخوة وأخوات أبويهم أيضاً من دون تمييز. إذن، إذا كان نظام القرابة الأميركي يفترض شكلاً من العائلة أكثر بدائية، ولم يعد موجوداً في أميركا ذاتها، بل لا يزال يوجد فعلاً في (هاواي) فإن نظام القرابة الهاوايي من جهة أخرى، يقودنا إلى شكل من أشكال العائلة أكثر بدائية أيضاً، شكل من العائلة لا نستطيع حقاً إقامة الدليل على أنه لا يزال موجوداً في أي مكان، لكن لا بد أنه وجد في يوم من الأيام، وإلا لما أمكن أن ينشأ نظام القرابة الذي يوافقه.
يقول مورغان: إن العائلة تمثّل عنصراً فعالاً (Active). هي ليست راكنة أو جامدة قط (Stationary)، بل تتقدم من شكل أدنى إلى شكل أعلى تبعاً لتقدم المجتمع من درجة أدنى إلى درجة أعلى. أما أنظمة القرابة فهي، على العكس، خاملة، غير نشيطة، وهي لا تسجل إلا بعد مرور حقبات طويلة من الزمن، ذلك التقدم الذي تحققه العائلة في خلال هذه العصور، ولا تتغير هي تغيراً جذرياً إلا عندما تكون العائلة قد تغيرت تغيراً جذرياً (مورغان، المصدر نفسه، ص 444، الناشر).
ويضيف ماركس: «والشيء ذاته يصدق على النظم السياسية والقضائية والدينية والفلسفية عموماً»
فبينما تظل العائلة حية يصبح نظام القرابة متحجراً، وبينما يبقى هذا الأخير بحكم العادة، تنمو العائلة وتتجاوزه. لكن كما استطاع كوفيه أن يستنتج، باقتناع، من العظام الجرابية لهيكل عظمي جرابي وجدت قرب باريس، أن هذا الهيكل العظمي يخص حيواناً جرابياً (كانغارو) وأن الحيوانات الجرابية (الكانغارو) والتي لم تعد موجودة حينذاك، كانت في يوم ما تعيش في هذا المكان، كذلك نستطيع نحن بالاقتناع نفسه أن نستنتج من نظام القرابة المنتقل إلينا بطريقة تاريخية، أن شكلاً للعائلة منقرضاً وموافقاً له كان موجوداً ذات يوم.
إن نظم القرابة وأشكال العائلة التي انتهينا من الإشارة إليها تختلف عن تلك التي تسود في يومنا هذا بأن لكل طفل فيها عدة آباء وعدة أمهات. وحسب نظام القرابة الأميركي الذي توافقه العائلة الهاوايية ليس في وسع الأخ والأخت أن يكونا أباً وأماً لطفل واحد بذاته، أما نظام القرابة الهاويي فإنه، على عكس ذلك يقتضي وجود عائلة كان هذا فيها هو القاعدة.16 فنحن نجد أنفسنا إزاء جملة أشكال للعائلة تناقض بصورة مباشرة أشكال العائلة التي كان يظن، بوجه عام، أنها الأشكال الوحيدة السائدة. فالمفهوم التقليدي لا يعرف إلا الزيجة الأحادية فقط، مع تعدد الزوجات للرجل الواحد، ومع تعدد الأزواج للمرأة الواحدة إذا توخينا الدقة، ويتغاضى - على طريقة المتزمتين المتحجرين من دعاة الأخلاق (Moralzing philistines) السذج - عن أن هذه الحواجز المفروضة من قبل المجتمع الرسمي تخرق عند التطبيق بصمت لكن بلا حياء. لكن دراسة تاريخ المجتمع البدائي، على عكس ذلك، تطلعنا على أحوال يحيا فيها الرجال حياة تعدد الزوجات، وتحيا زوجاتهم في الوقت ذاته حياة تعدد الأزواج، ويعتبر الأولاد المشتركون، تبعاً لذلك، أولاداً مشتركين لهم جميعاً. وهذه الأحوال بدورها تخضع لسلسلة كاملة من التعديلات حتى تذوب، في آخر الأمر، في الزيجة الأحادية. وتتم هذه التعديلات بصورة أن دائرة الأشخاص الذين يضمهم رباط الزيجة المشتركة – الدائرة الواسعة جداً في الأصل - تضيق شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى في آخر الأمر إلا الزوج والزوجة (Couple) وهو شكل الزيجة السائدة اليوم.
بإعادة بناء تاريخ العائلة بهذه الصورة، وصل مورغان، متفقاً مع أغلبية زملائه، إلى مرحلة بدائية كانت فيها العلاقات الجنسية غير المقيدة سائدة داخل القبيلة، حتى كانت كل امرأة فيها ملكاً لكل رجل بشكل سواء، وكل رجل ملكاً لكل امرأة كذلك. كان الحديث عن حالة بدائية كهذه يدور منذ القرن الأخير، غير أنه كان يدور بشكل عام؛ فكان باخوفن أول من تناول هذه الحالة بصورة جدية – وتلك إحدى مآثره العظيمة – وبحث عن آثارها في التقاليد التاريخية والدينية. ونحن نعلم اليوم أن الآثار التي اهتدى إليها لا ترجع بنا القهقرى إلى مرحلة اجتماعية ذات وصال جنسي غير مقيّد، بل إلى شكل من الزيجة أحدث جداً منها، أعني الزيجة الجماعية، أما تلك المرحلة الاجتماعية البدائية إن وجدت حقاً، فترجع إلى عهد بعيد بعداً يتعذر معه علينا أن نتوقع العثور بأدلة مباشرة على وجودها الأسبق، ولو في المستحاثات الاجتماعية17 بين المتوحشين المتخلفين؛ وإنما يرجع الفضل إلى باخوفن لأنه وضع هذه المسألة في مقدمة الأبحاث18.
أصبح من عادة الناس في هذه الأزمنة الأخيرة أن ينكروا وجود هذه المرحلة الأولية في الحياة الجنسية للبشر. وغايتهم من ذلك أن يوفروا على البشرية هذا العار. فبالإضافة إلى تذرعهم بعدم وجود أي دليل مباشر على هذه المرحلة، يستشهدون بما يجري في بقية مملكة الحيوان، هذه المملكة التي جمع منها ليتورنو- تطور الزواج والعائلة- 1888، حقائق كثيرة تدل على أن العلاقات الجنسية غير الخاضعة لأية قاعدة لا توجد، في هذه المملكة أيضاً، إلا في مرتبة منحطة. لكن النتيجة الوحيدة التي يمكن أن أستنتجها من كل هذه الحقائق هي كونها لا تبرهن إطلاقاً على أي شيء فيما يتعلق بالإنسان وبظروف حياته البدائية، لأن العِشرة أو المساكنة لفترات طويلة من الزمن بين الحيوانات الفقرية يمكن أن تفسر تفسيراً كافياً بأسباب فيسيولوجية، مثلاً يمكن تفسيرها بين الطيور بحاجة الأنثى إلى الحماية أثناء حضانة البيض. أما الأمثلة على الزيجة الأحادية المخلصة بين الطيور فلا تبرهن على أي شيء يتعلق بالكائنات البشرية مادام هؤلاء لا ينحدرون من الطيور. ولئن صح أن الأحادية الصارمة يجب أن تعتبر عنوان الفضيلة فلا بد أن يكون الفوز للدودة الشريطية التي تملك جهازاً تناسلياً ذكرياً وأنثوياً كاملاً في كل فقرة أو قسم من أقسام جسدها التي تتراوح بين 50 و200 قسم ومفصل، والتي تقضي كل عمرها وهي تضاجع نفسها في كل قسم من هذه الأقسام. ولكننا إذا اقتصرنا على الحيوانات اللبونة وجدنا بينها جميع أشكال الحياة الجنسية: العلاقات الحرة غير المقيدة، وأشكال شبيهة بالزيجة الجماعية، وتعدد الزوجات، والزيجة الأحادية. ولا ينقصها سوى تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، لأن هذا الشكل من الزيجة لا يمكن أن يمارسه إلا البشر. لكن حتى أقرباؤنا الأدنون الكادرومانا (ذوات الأيادي الأربع) تعرض علينا كل الأشكال المختلفة الممكنة لتجمُّع الذكور والأناث. فإذا أحببنا أن نضيق النطاق أكثر من هذا، وقصرنا النظر على القرود الأربعة الشبيهة بالإنسان، فإن ليتورنو لا يستطيع أن يخبرنا عنها سوى أنها ذات زيجة أحادية أحياناً، وذات تعدد الزوجات أحياناً أخرى، بينما يذهب سوسور، الذي اقتبس منه جيروتولون إلى أنها ذات زيجة أحادية، كما أن تأكيدات وسترمارك الحديثة في كتابه تاريخ الزواج البشري (لندن 1891) فيما يخص الزيجة الأحادية، لدى القرود الشبيهة بالبشر، هي أيضاً أبعد ما تكون عن البراهين. وبالإيجاز، إن الروايات المتوافرة ذات صبغة تجعل ليتورنو الشريف يعترف قائلاً: «وماعدا ذلك، لا توجد إطلاقاً لدى الحيوانات اللبونة علاقة وثيقة بين مستوى تطورها العقلي وشكل علاقاتها الجنسية» كما أن أسبيناس في كتابه (المجتمعات الحيوانية، - 1877) يقول بصراحة:
«الجمع19 أرقى مجموعة اجتماعية يمكن ملاحظتها بين الحيوانات ويبدو أنه مكون من عائلات: لكن العائلة والجمع من الأصل يناقض أحدهما الأخر، ويتطوران بنسبة معكوسة»
يتضح مما تقدم، أننا لا نعرف شيئاً نهائياً تقريباً عن العائلة والتجمعات الاجتماعية الأخرى لدى القرود الشبيهة بالبشر لأن الروايات تناقض بعضها بعضاً مناقضة مباشرة، وليس في هذا ما يدعو إلى الاستغراب. فما أكثر تناقض الروايات التي في حوزتنا حتى عن القبائل البشرية المتوحشة. وما أحوجها إلى الفحص الدقيق والغربلة! على أن ملاحظة مجتمعات القرود أصعب من ملاحظة المجتمعات البشرية. ولذلك يجب علينا في الوقت الحاضر، رفض كل نتيجة مستخلصة من مثل هذه الروايات التي لا يعتمد عليها إطلاقاً.
غير أن جملة أسبيناس التي ذكرناها آنفاً، تمدنا بنقطة استناد أفضل، إن الجمع والعائلة، بين الحيوانات العليا، لا يكمل أحدهما الآخر، بل يناقض أحدهما الآخر. ويبين لنا أسبيناس بشكل جميل جداً كيف أن الغيرة بين الذكور في فصل التزاوج ترخي أو تذيب كل صلة اجتماعية قائمة في الجمع. يقول أسبيناس:
«حيث توجد العائلة المتينة الأواصر تكون الجموع استثناءات نادرة. ومن جهة أخرى، يظهر الجمع بصورة طبيعية تقريباً حيث تكون العلاقات الجنسية غير المقيدة أو تعدد الزوجات هي القاعدة. لأنه لكي يظهر الجمع، لا بد أن تكون روابط العائلة قد ارتخت وأن يكون الفرد قد تحرر مرة أخرى. لهذا السبب لا نرى إلا نادراً عائلات منظمة بين الطيور... ومن جهة أخرى، توجد بين الحيوانات اللبونة مجتمعات منظمة، نوعاً ما لا لسبب إلا لأن الفرد فيها لا يذوب في العائلة. وإذن، لدى ولادة الشعور التعاوني (Conscience Collective) في الجمع لا يمكن أن يكون له عدو ألد من الشعور التعاوني في العائلة. فلنقل إذن، بلا تردد: لو أن شكلاً اجتماعياً أرقى من العائلة قد نشأ فهذا لا يمكن أن يتم إلا اذا امتص عائلات طرأ عليها تحول أساسي، الأمر الذي لا يمنع، للسبب ذاته على وجه الدقة، إمكان قدرتها على أن تتكون فيما بعد ضمنه مرة ثانية في ظل أحوال ملائمة أكثر من ذي قبل بما لا يقاس» (أسبيناس، المصدر السابق (الفصل الأول)، أورده جيرو – تولون في كتابه أصل الزواج والعائلة 1884، ص 518-520).
من هذا يتضح أن للمجتمعات الحيوانية، في الحقيقة، بعض الفائدة في استخلاص نتائج فيما يخص المجتمعات البشرية، لكنها فائدة سلبية فقط، لأنه لا يوجد لدى الحيوانات الفقرية العليا، فيما نعلم سوى شكلين للعائلة: تعدد الزوجات، أو الزيجات الأحادية.وفي كلتا الحالتين لا يسمح بوجود سوى ذكر راشد واحد، سوى زوج واحد. إن غيرة الذكر، التي تمثل رباط العائلة وسياجها معاً، تجعل العائلة الحيوانية مناقضة للجمع. لأن الجمع، الشكل الاجتماعي الأرقى، يغدو مستحيلاً حيناً، ومفككاً حيناً آخر، أو يذوب كلياً في فصل الزواج، أو يعوق تطوره المستمر بسبب من غيرة الذكور. وهذا وحده يكفي أن يكون دليلاً على أن العائلة الحيوانية والمجتمع البشري البدائي ضدان لا يصطلحان، دليلاً على أن الإنسان البدائي، عندما كان يشق طريقه صُعُداً من المرحلة الحيوانية، إما أنه لم يكن يعرف العائلة أياً كان نوعها أو على الأكثر كان يعرف عائلة غير موجودة بين الحيوانات. إن حيوانًا أعزل كالمخلوق الذي كان يتطور إلى إنسان استطاع أن يعيش، في أعداد قليلة في حالة من العزلة أيضاً، التي كان أرقى شكل اجتماعي لها هو زيجة الزوجين وحدهما (أي الزوج والزوجة) التي نسبها وسترمارك إلى الغوريلا والشمبانزي اعتماداً على روايات الصيادين. لكن من أجل الخروج من الحالة الحيوانية، ومن أجل إنجاز أعظم تقدم عرفته الطبيعة، كان لابد من توافر عنصر آخر: الاستعاضة عن قوة الفرد الدفاعية القاصرة بقوة الجماعة المتحدة وجهدها المشترك. إن الانتقال إلى المرحلة البشرية من ظروف شبيهة بالظروف التي تحيا فيها اليوم القرود الشبيهة بالإنسان، لا يمكن تفسيره البتة، بل إن هذه القرود لتوحي بأنها انحرفت عن جادة التطور وهي على وشك الانقراض، أو هي، على كل حال، في سبيل الانهيار. وهذا وحده سبب كاف لنبذ كل النتائج المبنية على إقامة موازاة بين أشكال عائلتها وأشكال عائلة الإنسان البدائي. على أن التسامح المتبادل بين الذكور، أي التحرر من الغيرة، كان الشرط الأول لبناء تلك المجموعات الواسعة والدائمة التي، بين ظهرانيها وحدها، أمكن أن يتم الانتقال من الحيوان إلى الإنسان. وبالفعل ما الذي نجده في أقدم أشكال العائلة وأكثرها بدائية، والذي يمكن أن نجد الدليل القاطع عليه في التاريخ، وأن يدرس، حتى اليوم، هنا وهناك؟ الزيجة الجماعية أو زيجة المجموعة، الشكل الذي تكون فيه مجموعات من الرجال بكاملها ومجموعات من النساء بأسرها ملكاً لبعضها البعض، والذي ليس للغيرة فيه إلا مجال محدود. ثم نجد، علاوة على ذلك، في مرحلة متأخرة من التطور تعدّد الزوجات الشاذ الذي يعوق هو أيضاً نمو أي شعور بالغيرة، والذي، لهذا السبب، لا تعرفه الحيوانات. لكن مادامت أشكال الزيجة الجماعية المعروفة لدينا مصحوبة بظروف معقدة تعقيداً غريباً بشكل يقودنا حتماً إلى شكل من العلاقات الجنسية أقدم منها وأبسط، ومن ثم، يؤول بنا، في آخر الأمر، إلى فترة من العلاقات غير المقيّدة تطابق فترة الانتقال من الحيوانية إلى البشرية، أقول: ما دام الأمر كذلك، فإن الاستشهاد بأشكال الزيجة بين الحيوانات يعود بنا ثانية إلى النقطة ذاتها التي كان المفروض أنه قادنا منها مرة وإلى الأبد.
إذن، ما معنى العلاقات الجنسية غير المقيدة؟ معناه أن القيود الحاضرة النافذة في هذا الزمن أو في الأزمنة الماضية لم تكن موجودة. فمنذ قليل شاهدنا انهيار حاجز الغيرة. ولئن كان ثمة أمر أكيد فهو أن الغيرة عاطفة نشأت في عهد متأخر نسبياً. وهذا يصدق على مفهوم «المحرم»20. لأن الأخ أو الأخت لم يكونا وحدهما يعيشان في الأصل كما يعيش الزوج والزوجة فحسب، بل إن العلاقات الجنسية بين الآباء والأولاد مسموح بها أيضاً لدى شعوب عديدة حتى اليوم. فبانكروفت يشهد على وجود هذه العلاقات بين الكافيات في مضيق بهرينغ، وبين الكادياك بالقرب من آلاسكا، وبين التنَه في وسط أميركا الشمالية البريطانية (الأقوام الأصليون لولايات أميركا الشمالية على المحيط الهادي، 1875 المجلد الأول) وقد جمع ليتورنو روايات عن وجود الحقيقة ذاتها بين الهنود الشيباويين، وبين قبائل الكوكوس في الشيلي، ولدى الكاريبيين والكاريين في الهند الصينية. هذا، ولا حاجة إلى ذكر روايات الإغريق والرومان القدماء المتعلقة بالبارثيين والفرس والسيثيين والهون...إلخ. وقبل اختراع المحارم (لأن المحارم اختراع حقاً بل هو اختراع ثمين جداً) لم تكن العلاقة الجنسية بين الآباء والأولاد لتثير الاشمئزاز أكثر مما تثيره العلاقات بين أشخاص من أجيال مختلفة - كذلك الذي يحدث فعلاً اليوم حتى في أكثر البلاد تظاهراً بالتزمت من دون أن يثير النفور الشديد.ففي الحقيقة حتى «الآنسات» المسنات اللواتي تجاوزن الستين، إذا كن ذوات حظ كاف من الثراء، يتزوجن في بعض الأحيان شباناً في حوالى الثلاثين. لكن إذا حذفنا من أشكال العائلة الأكثر بدائية المعروفة لدينا، مفاهيم المحارم المقرونة بها، وهي مفاهيم تختلف كل الاختلاف عن مفاهيمنا نحن عن المحارم وتتناقض وإياها في أغلب الأحيان، بشكل مباشر - إذا فعلنا ذلك فسنصل إلى شكل من العلاقة الجنسية لا يمكن وصفه إلا بالعلاقة الخالية من القيود – الخالي من القيود، مادامت القيود، التي فرضها العرف، فيما بعد، غير موجودة. ولكن هذا لا يعني حتماً أن هذه الفوضى الجنسية كانت تقع كل يوم، ذلك لأن حوادث الزيجة بين شخصين لمدة موقتة لم تكن مستبعدة قط، والحق أنها حتى في الزيجة الجماعية تؤلف، الآن أغلبية الحالات؛ وإذا كان وسترمارك - وهو أحدث الذين ينكرون مثل هذه الحالة البدائية - يعتبر زيجة كل حادثة يبقى فيها الجنسان مقترنين حتى ولادة الأطفال، فإنه يمكن القول أن هذا الضرب من الزواج كان من الممكن أن يحدث أيضاً في ظل أحوال العلاقة الجنسية الخالية من القيود من دون أن يتناقض أي تناقض مع حالة الخلو من القيود، أعني مع عدم وجود الحدود التي يفرضها العرف على العلاقة الجنسية. والحق أن وسترمارك يذهب من وجهة النظر هذه: «العلاقة الجنسية الخالية من القيود ينطوي على كبح للميول الفردية» لذلك كان «البغاء شكله الأصح» أما أنا فيبدو لي أن أي فهم للأحوال البدائية سيظل مستحيلاً ما دمنا ننظر إليها من منظور الدعارة. وسنعود إلى هذه النقطة مرة ثانية عند الحديث عن زواج المجموعة21.
يعتقد مورغان أنه قد تنشأ من هذه الحالة البدائية (حالة العلاقات الخالية من القيود)، وربما في مرحلة مبكرة جداً:
1 - عائلة قربى الدم: أو عائلة الجيل(Consanguine family)
وهي المرحلة الأولى للعائلة. في هذه المرحلة تصنّف المجموعات الزواجية تبعاً لأجيال: جميع الأجداد والجدات، ضمن حدود العائلة، هم أزواج وزوجات بالتبادل، وكذلك الأمر مع أولادهم، الآباء والأمهات؛ كما أن أولاد هؤلاء يؤلفون أيضاً حلقة ثالثة من الأزواج والزوجات المشتركين؛ ويؤلف أولاد هؤلاء، أعني أولاد أحفاد الأجداد والجدات، حلقة رابعة. وهكذا في هذا الشكل من العائلة يحرم السلف والخلف فقط، الأباء والأولاد، من حقوق وواجبات زواج أحدهم بالآخر (على حد تعبيرنا)؛ أما الأخوة والأخوات؛ وأولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات22 الذكور والإناث من الدرجة الأولى والدرجة الثانية والدرجات الأخرى الأبعد فهم كلهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، ولهذا السبب بالضبط هم أزواج وزوجات بعضهم لبعض. في هذه المرحلة تتضمن علاقة الأخ بأخته أن يمارس أحدهما مع الآخر العلاقة الجنسية بصورة طبيعية23 وعائلة كهذه، بشكلها النموذجي، تتألف من ذرية زوجين اثنين (زوج وزوجة Pair) التي تكون ذريتها بدورها، من كل درجة، إخوة وأخوات، وللسبب ذاته بالضبط، أزواجاً وزوجات فيما بينهم.
إن عائلة الجيل انقرضت. وحتى أخشن الشعوب التي يتحدث عنها التاريخ لا تمدنا بأمثلة على هذا الشكل من العائلة يمكن التثبت منه. لكن لا بد أنها كانت موجودة؛ وبدفعنا إلى هذا الاستنتاج نظام القرابة بالدم (الهاوايي) السائد حتى الآن في سائر أنحاء بولينيزيا، والذي يعّبر عن درجاتٍ من القرابة بالدم تشبه تلك التي لا تنشأ إلا في ظل مثل هذا الشكل من العائلة كما يدفعنا إلى هذا تطور العائلة الذي يفترض وجود هذا الشكل كمرحلة أولى لا بد منها.
2 - عائلة الشركاء أو العائلة البونالوانية (Punaluan)
إذا كان التقدم الأول في التنظيم قد تلخص في تحريم العلاقة الجنسية المتبادلة بين الأباء والأولاد، فإن التقدم الثاني تلخص في تحريم العلاقة الجنسية بين الأخوة والأخوات. ونظراً للتشابه الأعظم في أعمار ذوي العلاقة، كانت هذه الخطوة إلى أمام أهم من الخطوة الأولى أهمية لا نهاية، لها، لكنها كانت أيضاً أصعب منها. وقد حدثت هذه الخطوة بالتدريج، مبتدئة، في أقرب الاحتمالات، بحرمان الأخوة والأخوات الطبيعين (أي من جهة الأم) من العلاقات الجنسية، وذلك في حالات منفردة في أول الأمر، ثم أصبح حرمانهم بالتدريج هو القاعدة (كان لا يزال يوجد في هذا القرن استثناءات لهذه القاعدة في هاواي). وتنتهي هذه الخطوة بتحريم الزيجة حتى بين الاخوة والأخوات الأباعد، أي، حسب اصطلاحنا نحن، بين أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية والدرجة الثالثة. وفي رأي مورغان أن هذا التطور «يقدم مثالاً جيداً للطريقة التي يعمل بها مبدأ الاصطفاء الطبيعي»
إذ لا جدال في أن القبائل، التي قُيِّد فيها الزواج بين الأقرباء بالدم بهذا التقدم أو التحريم، قد كتب لها أن تتطور تطوراً أسرع وأكمل من تطور القبائل التي ظل الزواج فيها ما بين الأخوة والأخوات قاعدة وواجباً معاً، ومما يدل على مدى قوة الشعور بأثر هذا التقدم تلك المؤسسة التي نشأت منه مباشرة ثم تجاوزت كثيراً غايتها الأصلية، أعني العشيرة (gens) التي تؤلف أساس النظام الاجتماعي لمعظم إن لم نقل لكل شعوب العالم البربرية، والتي ننتقل منها في إغريقيا وروما إلى الحضارة رأساً.
كان لا بد لكل عائلة بدائية أن تنقسم بعد جيلين على أبعد تقدير. لأن الاقتصاد المنزلي(Econmie domestique - household) المشاعي البدائي، الذي ظل سائداً بلا استثناء حتى زمن متأخر من المرحلة المتوسطة للبربرية، كان يحدد حجماً أقصى للمشاعة العائلية (Communauté familiale)، يختلف باختلاف الأحوال، لكنه كان محدداً تحديداً كافياً في كل منطقة. ومنذ نشأ مفهوم شجب العلاقة الجنسية بين أولاد الأم الواحدة، كان لا بد لهذا المفهوم من أن يؤثر في مثل هذه التقسيمات للمشاعات المنزلية (Communautés domestique) القديمة وتأسيس المشاعات المنزلية الجديدة (التي لم تكن، مع ذلك، تتطابق حتماً مع الجماعة العائلية). فكانت كل مجموعة من الأخوات أو كل بضع مجموعات منهن يصبحن معاً نواة لمشاعة منزلية أخرى. وبهذه الطريقة أو بطريقة مشابهة لها نشأ شكل العائلة الذي يدعوه مورغان عائلة الأصدقاء أو الشركاء (Punaluan family).
فحسب العرف (الهاوايي) كانت فئة من الأخوات الطبيعيات (من أم واحدة) أو البعيدات (أي بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية أو من درجة أبعد) زوجات مشتركاتٍ لأزواجهن المشتركين، لكن مع إقصاء إخوتهن من هذه العلاقة. وهؤلاء الرجال الأزواج لا يبقون يدعو بعضهم بعضاً إخوة - وهو ما لم يعد ينبغي لهم – بل بونالوا (Punalua) أي صديق حميم أو، تقريباً، شريك. وبالطريقة ذاتها كانت مجموعة من الأخوة الطبيعيين أو الأبعدين يملكون في زيجة مشتركة عدداً من النسوة اللواتي لم يكنّ أخواتهم؛ وكانت هاته النسوة تدعو إحداهن الأخرى (بونالوا) هذا هو الشكل الكلاسيكي لتشكل العائلة (Familien formation) الذي طرأت عليه فيما بعد سلسلة من التنويعات، والذي كانت سمته المميزة الأساسية: جماعة مشاعية متبادلة من الأزواج والزوجات ضمن دائرة للعائلة محددة لكن أقصي عنها إخوة الزوجات – الأخوة الطبيعيون أولاً، ثم الأخوة الأبعدون أيضاً فيما بعد - كما أقصي عنها، بالمقابل، أخوات الأزواج.
هذا الشكل من العائلة يزودنا الآن، بأتم ما يمكن من الدقة بدرجات القرابة التي يعبّر عنها نظام القرابة الأميركي. إن أولاد أخوات أمي لا يزالون أولادها، وأولاد إخوة أبي هم كذلك أولاده، وجميعهم إخوتي وأخواتي؛ لكن أولاد إخوة أمي هم الآن أبناء وبنات إخوتها، وأولاد أخوات أبي هم أبناء وبنات أخواته، وهم جميعاً أبناء وبنات أخوالي وعماتي، لأنه بينما أزواج أخوات أمي لا يزالون أزواجها هي، وزوجات إخوة أبي ما يزلن كذلك زوجاته هو-باعتبار الحق إن لم يكن دائماً باعتبار الحقيقة الواقعة - نجد التحريم الاجتماعي للعلاقة الجنسية بين الأخوة والأخوات قد قسم أولاد الأعمام24 الأول المعتبرين إلى هذا الحين إخوة وأخوات من دون تفريق، إلى قسمين: قسم منهم يبقون إخوة وأخوات (أبعدين collateral) كما كانوا من قبل، وقسم آخر، هم أولاد الأخوة من جهة، وأولاد الأخوات من جهة أخرى، لا يمكن أن يظلوا بعد الآن إخوة وأخوات ولا أن يكون لهم أبوان مشتركان، لا الأب وحده ولا الأم وحدها، ولا الأب والأم كلاهما. ولذلك نجد طبقة أبناء وبنات الإخوة والأخوات، أولاد الأخوال والعمات الذكور والإناث - هذه الطبقة التي كانت ستبدو عديمة المعنى في نظام العائلة السابق - نجد هذه الطبقة تصبح ضرورية للمرة الأولى. إن نظام القرابة بالدم الأميركي، الذي يبدو سخيفاً جداً في أي شكل من أشكال العائلة قائم على أحد أنواع الزيجة الفردية، هذا النظام يمكن تعليله عقلياً وتبريره طبيعياً، حتى في أدق تفاصيله، بعائلة «الشركاء» فلا بد أن عائلة الشركاء أو شكلاً مشابهاً لها، قد وجدت وانتشرت بمقدار انتشار نظام القرابة الأميركي، بمقدار انتشاره على الأقل.
هذا الشكل من العائلة، الذي تم البرهان على أنه وجد فعلاً في هاواي، ربما كان بالإمكان البرهنة على وجوده في بولينيزيا كلها لو ان المبشرين الأنقياء - أمثال الرهبان الإسبان السابقين في أميركا- كان بوسعهم أن يتبينوا من خلال هذه العلاقات اللانصرانية شيئاً آخر غير مجرد «الفحشاء»25. وعندما يحدثنا قيصر عن البريتون، الذين كانوا إذ ذاك في المرحلة المتوسطة من البربرية، بقوله: «كانوا يملكون عشر نساء أو اثنتي عشرة امرأة بصورة مشتركة بينهم. وكانوا، في معظم الأحيان، إخوة مع إخوة، وآباء مع أولادهم، عندما يحدثنا بهذا يفسر كلامه هذا أحسن تفسير بالزيجة الجماعية أو زيجة المجموعة. لأن الأمهات البربريات لا يملكن عشرة أبناء أو اثني عشر إبناً في أعمار تمكنهم من اتخاذ زوجات بصورة مشتركة؛ لكن نظام القرابة الأميركي، الذي يوافق عائلة الشركاء، يهيىء للمرء إخوة كثيرين؛ لأن كل أبناء عمومته وخؤولته الأقارب والأبعدين هم إخوة له. أما عبارة (آباء مع أولادهم) فربما كانت نتيجة سوء فهم من جانب قيصر. على أن هذا النظام لا يمنع البتة وجود الأب والابن، والأم والبنت في مجموعة الزواج ذاتها، رغم أنه يمنع وجود الأب والبنت، والأم والابن. وبالطريقة نفسها، نجد هذا الشكل من زواج المجموعة، أو شكلاً مشابهاً له، يمدنا بأسهل تفسير لروايات هيرودوتس والكتّاب القدماء الآخرين فيما يخص مشاعية الزوجات بين الشعوب البربرية والوحشية. ويصدق هذا أيضاً على ما يقدمه واطسن وكاي، في كتابهما شعب الهند، من وصف للتيكور سكان الأوظ (Oudh) (شمالي الغانج) إذ يقولان:«يحيون معاً (أي حياة جنسية) من دون تمييز تقريباً في جماعات مشاعية وعندما ينظر إلى اثنين على أنهما متزوجان أحدهما بالآخر فإن رباط الزواج لا يكون إلا إسمياً»
وفي أغلبية الحالات، يبدو أن مؤسسة العشيرة (Gens) قد انبثقت مباشرة من عائلة الشركاء أي العائلة البونالوانية؛ والحق أن نظام الطبقات الأسترالي26 يقدم هو أيضاً نقطة ابتداء لها: فالأستراليون لديهم عشائر (Gentes) لكن ليس لديهم حتى الآن عائلة الشركاء؛ إن لديهم شكلاً من الزيجة الجماعية أشد بدائية من زيجة الشركاء.
في جميع أشكال العائلة الجماعية لا يُعرف من هو والد الولد معرفة أكيدة؛ أما والدته فتُعرف معرفة أكيدة. وبالرغم من أنها تدعو كل أولاد العائلة المجتمعة أولادها، وتكلف بواجبات الأم إزاءهم، نراها، مع ذلك، تميز أولادها الطبيعين من بين الآخرين. من هذا يتضح إذن، أنه، حيث توجد الزيجة الجماعية لا يمكن إثبات النسب إلا من جهة الأم. ولذلك لا يعترف إلا بخط الإناث. هذه، في الواقع، هي الحالة بين جميع الشعوب المتوحشة وبين الشعوب التي تنتمي إلى المرحلة الدنيا من البربرية؛ والمأثرة العظيمة الثانية لباخوفن ترجع إلى أنه أول من اكتشف هذا.وهو يطلق على هذا الاعتراف الحصري (Exclusive) بخط النسب عن طريق الأم، وعلى العلاقات الوراثية التي نشأت منه على مر الزمن «حق الأمومة» وأنا أحتفظ بهذه العبارة حرصاً على الإيجاز، بيد أنها عبارة غير موفقة، لأنه في هذه المرحلة لم يكن يوجد بعد شيء اسمه حق بالمعنى الحقوقي لهذه العبارة.
إذا أخذنا الآن من عائلة الشركاء إحدى المجموعتين النموذجيتين أعني تلك الجماعة المؤلفة من عدد الأخوات الطبيعيات والأبعدين (أي أولئك المتحدرات من الأخوات الطبيعيات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية أو من درجات أبعد) ثم أخذنا معهن أولادهن وإخوتهن الطبيعيين أو الأبعدين من جهة الأم (الذين، حسب فرضيتنا، ليسوا أزواجهن)، فإننا نحصل تماماً على تلك الدائرة من الأشخاص الذين يظهرون، فيما بعد، كأفراد عشيرة (Gens) بالشكل البدائي لهذه المؤسسة. إن لهم جميعاً جدة مشتركة، يكون الإناث من ذريتها جيلاً بعد جيل أخوات بفضل تحدرهن منها، لكن أزواج هؤلاء الأخوات لا يجوز أن يكونوا، بعد، من إخوتهن، أي، لا يجوز أن يكونوا متحدرين من هذه الجدة، ولذلك لا ينتسبون إلى المجموعة القرابية التي ستغدو، أخيراً، العشيرة، لكن أولادهم ينتسبون إلى هذه المجموعة. لأن النسب من جهة الأم هو وحده الحاسم، لأنه وحده الأكيد. وما إن يقوم تحريم العلاقة الجنسية بين جميع الأخوة والأخوات بمن فيهم أبعد القرابات البعيدة من جهة الأم، حتى تتحول الزمرة الآنفة الذكر إلى عشيرة – أي أنها تؤلف من ذاتها دائرة ثابتة من الأقرباء بالدم من جهة الأم، الذين لا يجوز أن يتزوج بعضهم بعضاً، وهذه الدائرة، منذ الآن فصاعداً، تعزّز وتقوي ذاتها تعزيزاً متزايداً بمؤسسات أخرى مشتركة ذات طابع اجتماعي وديني، وتتميز عن العشائر الأخرى في القبيلة ذاتها. وسنتحدث عنها بمزيد من التفصيل فيما بعد. لكن إذا نحن وجدنا أن العشيرة انبثقت، لا بشكل ضروري فحسب، بل بصورة واضحة جداً أيضاً، من عائلة الشركاء، فهناك ما يحملنا على الظن، ظناً يقرب من اليقين، بأن هذا الشكل من العائلة، أي عائلة الشركاء، كان موجوداً فيما سبق بين جميع الشعوب التي يمكن البرهان على وجود مؤسسات عشائرية فيها – أي لدى جميع الشعوب البربرية والمتحضرة تقريباً.
يوم ألّف مورغان كتابه كانت معلوماتنا عن الزيجة الجماعية لا تزال محدودة جداً. وما كان يعرف غير النزر اليسير عن الزيجات الجماعية الشائعة بين الأستراليين الذين كانوا منتظمين في طبقات، كما أن مورغان، بالإضافة إلى ذلك نشر منذ 1871 المعلومات التي بلغته عن عائلة الشركاء (الهاوايية) فقدمت عائلة الشركاء التعليل الكامل لنظام القرابة بالدم النافذ بين الهنود الأميركان – هذا النظام الذي كان نقطة انطلاق لجميع تحريات مورغان هذه من جهة؛ أما من جهة ثانية فقد كانت عائلة الشركاء بمثابة نقطة انطلاق جاهزة لاشتقاق عشيرة حق الأمومة؛ كما كانت، من جهة ثالثة، تمثل مرحلة من التطور أرقى جداً من الطبقات الأسترالية. من المفهوم إذن، أن يرى مورغان في عائلة الشركاء مرحلة من التطورات سبقت حتماً، مرحلة العائلة الزوجية27 وأن يذهب إلى أنها كانت شائعة، بوجه عام، في الأزمنة السابقة. ومنذ ذلك الحين وقفنا على سلسلة أشكال أخرى من الزيجة الجماعية؛ والآن نحن نعلم أن مورغان قد غالى كثيراً فيما يتعلق بمدى انتشاره. لكن كان من حسن ظنه أنه عثر، في عائلة الشركاء التي اكتشفها، على أرقى شكل للزيجة الجماعية، الشكل الكلاسيكي الذي يمكن بمنتهى السهولة تفسير الانتقال منه إلى شكل أرقى.
إننا مدينون للمبشر الإنكليزي، لوريمي فيزون، بالجانب الأساسي من المعارف التي اغتنت بها معارفنا عن الزيجة الجماعية، لأنه درس هذا الشكل من العائلة عدة أعوام في موطنه الكلاسيكي، أستراليا، ووجد أدنى مرحلة من التطور بين الزنوج الأستراليين في مونت - كاميي في أستراليا الجنوبية. فالقبيلة كلها هنا منقسمة إلى طبقتين كبيرتين: الكروكي والكوميت. والعلاقة الجنسية ما بين أفراد كل واحدة من هاتين الطبقتين زوج مولود (époux-né) لكل امرأة من الطبقة الأخرى، وهي زوجته المولودة (épouse-nee): مجموعات كاملة، لا أفراد، بعضها متزوج بعضاً، طبقة متزوجة طبقةً. وليكن معلوماً أنه لا توجد هنا قيود أياً كان نوعها بخصوص الفرق في السن أو قرابة دم خاصة، سوى تلك القيود التي تنشأ عن تقسيم القبيلة إلى طبقتي الزيجة الخارجية. فكل امرأة من الكوميت زوجة شرعاً لكل رجل من الكروكي، لكن لما كانت ابنته هو، التي أنجبها من امرأة الكوميت، هي من الكوميت كذلك، بموجب حق الأمومة فإنها، لهذا السبب، تعتبر الزوجة المولودة لكل كروكي، وأبوها من ضمنهم. إن التنظيم الطبيعي، على الأقل بالشكل الذي نعرفه، لا يفترض أية حواجز هنا. لذلك إما أن يكون هذا التنظيم قد نشأ في الزمن الذي، رغم جميع النزعات الغامضة للحد من زواج الأقرباء بالدم، ما كان ينظر فيه بعد إلى العلاقة الجنسية بين الآباء والأولاد بأي نظرة نفور خاصة، وفي هذه الحالة يكون نظام الطبقات قد نشأ مباشرة من حالة العلاقة الجنسية الخالية من القيود، وإما أن العلاقة بين الأباء والأولاد قد حرمها العرف من قبل، يوم نشأت الطبقات وفي هذه الحالة يؤول بنا الوضع الحاضر إلى عائلة الشركاء ويكون هو، أي العائلة الطبقية الأسترالية، أول تقدم تم بعدها. والافتراض الأخير أقرب الافتراضين احتمالاً لأنه لم تروَ لنا على ما أعلم، حوادث علاقات زوجية بين الآباء والأبناء في أستراليا، ثم إن الشكل المتأخر من الزيجة الخارجية، أي عشيرة حق الأمومة، هو أيضاً، بوجه عام، يفترض ضمناً أن يكون تحريم هذه العلاقات قائماً منها، من قبل، يوم تأسيسها.
إن نظام الطبقتين الإثنتين، علاوة على وجوده في مونت – كامبي في أستراليا الجنوبية، يشاهد كذلك على طول نهر دارلنك في أقصى الشرق منها، وفي كوينزلاند في الشمال الشرقي منها، فهو إذن، واسع الانتشار. وهذا النظام لا يمنع الزواج إلا بين الأخوة والأخوات، وبين أولاد الأخوة وبين أولاد الأخوات من جهة الأم، لأن هؤلاء ينتمون إلى الطبقة نفسها، ومن جهة أخرى يبيح الزواج بين أولاد الأخت والأخ. والخطوة الأولى نحو منع سفاح القربى أي منع الزواج بين الأقرباء بالدم، وهي الخطوة التي تمت لدى الكاميلاروي على نهر دارلنك في ويلز الجنوبية الجديدة، حيث انقسمت الطبقتان الأصليتان إلى أربع طبقات، وكل واحدة من هذه الطبقات الأربع متزوجة، بكليتها كذلك طبقة أخرى معينة. إن الطبقتين الأوليين أزواج مولودن وزوجات مولودات بعضهم لبعض. وأولادهما يصبحون أعضاء في الطبقة الثالثة أو الطبقة الرابعة تبعاً لما تكون الأم من الطبقة الأولى أو الطبقة الثانية. وأولاد الطبقتين الثالثة والرابعة المتزوجتين إحداهما بالأخرى ينتمون من جديد إلى الطبقتين الأولى والثانية، والجيل التالي ينتمي إلى الطبقتين الثالثة والرابعة، والجيل الذي يجيء بعد ذلك ينتمي من جديد إلى الطبقتين الأولى والثانية. وبموجب هذا النظام لا يستطيع أولاد الأخوة والأخوات28 (من جهة الأم) أن يكونوا أزوجاً وزوجات بعضهم لبعض – لكن يباح ذلك لأحفادهم وحفيداتهم. هذا النظام المعقد بشكل غريب يزداد تعقيداً أيضاً عندما يطعَّم – فيما بعد، حقاً، - بعشائر حق الأمومة؛ لكن ليس في وسعنا الآن الدخول في هذا الموضوع. وهكذا نرى كيف أن الميل إلى منع سفاح القربى، يتجلى المرة تلو المرة، لكن بشكل غريزي، عفوي، من دون شعور واضح بالهدف الذي يرمي إليه.
إن الزيجة الجماعية، التي لا تزال في حالة أستراليا زواجاً طبقياً، أي زيجة بين طبقة كاملة من الرجال، منتشرة، في أغلب الأحيان، فوق قارة بأسرها، وطبقة من النساء منتشرة مثل انتشارها الواسع – الزيجة الجماعية هذه عندما نلاحظ عن كثب، ليست مخيفة بالشكل الذي تبدو فيه لخيال المتزمتين المعتاد على ما يجري في دور البغاء، بل نجد، على العكس، أن أعواماً طوالاً قد انقضت قبل أن يشتبه بوجودها اشتباهاً فقط. وبالفعل لم يصبح وجودها موضوع بحث من جديد إلا منذ عهد قريب. إن الناظر السطحي لا يرى فيها إلا ضرباً من الزيجة الأحادية المنحلة، ولوناً من تعدد الزوجات في بعض الأماكن، مصحوباً بخيانة زوجية بين حين وآخر. ويجب على المرء أن يقضي سنوات في هذه الدراسة، كما فعل فيزون وهوويت، ليكتشف – في هذه الأحوال الزواجية - التي تذكِّر الفرد الأوروبي المتوسط، لدى تطبيقها، بطقوسه الزواجية نوعاً ما – القانون الذي بموجبه يستطيع الزنجي الأسترالي، عندما يكون غريباً نائياً عن مسقط رأسه مسافة آلاف الأميال بين أناس لا يفقه لغتهم، يستطيع، مع ذلك، أن يجد في كثير من الأحيان، أثناء تطوافه من معسكر إلى معسكر ومن قبيلة إلى أخرى، نساء يقدمن أنفسهن له بنية بريئة وبلا مقاومة، القانون الذي، بموجبه، يتقدم من يملك عدة زوجات بإحداهن إلى ضيفه لقضاء الليل معه. فحيث لا يستطيع الأوروبي أن يرى غير انتهاك للأخلاق، وانتفاء للقوانين، يسود فعلاً قانون صارم. ذلك أن النساء ينتمين إلى طبقة الرجل الغريب الزواجية، فهن تبعاً لذلك، مولدات له. والقانون ذاته، الذي يعين شخصاً لشخص آخر، يحرّم كل علاقة تجري خارج الطبقتين اللتين تعودان إحداهما إلى الأخرى، ومن شذَّ لحقه العار.29 وحتى عندما تختطف النساء، وهو أمر كثير الوقوع، وفي المناطق هو القاعدة، حتى في هذه الحالة يُراعى القانون الطبقي بدقة.
إن اختطاف النساء يكشف من قبل، حتى هنا، عن أحد آثار الانتقال إلى الزيجة الفردية– بشكل الزيجة الزوجية30 على الأقل: لأنه، بعد أن يخطف الشاب الفتاة، أو بعد أن تفر معه، بمعونة أصدقائه، كانوا كلهم يمارسون معها العلاقة الجنسية الواحد بعد الآخر، لكنها تعتبر بعد ذلك زوجة الشاب الذي ابتدأ اختطافها. وعلى العكس، إذا هربت المرأة المختطفة من زوجها وألقى القبض عليها رجل آخر فإنها تصبح زوجة الأخير، ويفقد الرجل الأول امتيازه. فإلى جانب، وضمن الزيجة الجماعية، التي تستمر، بوجه عام، تتشكل إذن، علاقات مانعة31، وزيجات ثنائية لمدة طويلة تقريباً، وكذلك تعدد الزوجات، الأمر الذي يؤدي، هنا أيضاً، إلى زوال الزيجة الجماعية. والسؤال الوحيد الذي يطرح هو: أيهما سيختفي من المسرح قبل الآخر بفعل النفوذ الأوروبي: الزيجة الجماعية أم أتباعها الزنوج الأستراليون؟
إن الزواج بطبقات كاملة، كالذي يسود في أستراليا، هو، على كل حال، شكل منحط وبدائي جداً من الزيجة الجماعية، بينما عائلة الشركاء في حدود ما نعلم - هي أرقى مراحل تطورها. ويبدو أن الزيجة الأولى (زيجة الطبقات) هي الشكل الذي يوافق الوضع الاجتماعي للمتوحشين الهائمين، بينما الزيجة الأخيرة (زيجة الشركاء) يفترض مساكن ثابتة نسبياً لجماعات منزلية مشاعية، وتؤدي مباشرة إلى المرحلة التالية والأرقى من مراحل التطور. من المؤكد أن ثمة مراحل متوسطة بين هاتين المرحلتين. وها هنا ميدان فسيح للأبحاث لم يفتح إلا مجدداً ولم يطرقه أحد حتى الآن.
3 - العائلة الزوجية (The pairing family).
كانت بعض الزيجات الزوجية بين زوج وزوجة (Par couple) تجري لمدة طويلة تقريباً من قبل، في ظل الزيجة الجماعية بل وفي عهد أبكر. فكان للرجل، بين زوجاته العديدات، زوجة رئيسية (لا يمكن، بعدُ، القول أنها زوجته المفضلة)، وكان هو زوجها الرئيسي بين أزواجها الآخرين. هذا الوضع أسهم إلى حد كبير في خلط الأمر على المبشرين الذين يرون في الزيجة الجماعية مشاعية في الزوجات خالية من القيود تارة، وفسقاً داعراً تارة أخرى. لكن مثل هذه الزيجات الزوجية المعتادة كانت، بالضرورة، تزداد رسوخاً شيئاً فشيئاً تبعاً لتطور العشيرة، وتبعاً لإزدياد عدد طبقات «الأخوة» و«الأخوات» التي كان الزواج بينها، إذ ذاك مستحيلاً. ثم إن رغبة العشيرة في منع الزواج بين الأقرباء بالدم تجاوزت هذا الحد أيضاً، إذ نجد بين الإيروكويين ومعظم القبائل الهندية الأخرى من المرحلة الدنيا للبربرية، أن الزواج محرم بين جميع القرابات المعترف بها في نظامهم، وهذه تبلغ عدة مئات من الأنواع المختلفة. هذا التعقيد المتزايد في محرمات الزواج كان يجعل الزيجات الجماعية مستحيلة أكثر فأكثر؛ فكان يحل محلها العائلة الثنائية. في هذه المرحلة يعيش الرجل الواحد مع امرأة واحدة؛ لكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية، بين حين وآخر، يظلان من امتيازات الرجال، وإن لم يكن تعدد الزوجات يمارس إلا نادراً لأسباب اقتصادية فقط؛ وفي الوقت ذاته يطلب من المرأة الإخلاص التام طوال فترة عيشهما المشترك؛ فإذا زنت عوقبت بقسوة. غير أن رباط الزيجة يمكن حلّه من قبل أي من الطرفين؛ فيرجع الأولاد إلى أمهم فقط، كما كان الأمر في السابق.
في هذا الإقصاء المتزايد باستمرار لأقرباء الدم من الزواج، نجد الاصطفاءالطبيعي أيضاً يظل يفعل فعله. يقول مورغان في هذا الصدد:
«كان الزواج بين العشائر غير الأقرباء بالدم ينزع إلى خلق نسل أقوى جسماً وعقلاً. فعندما تندمج قبيلتان آخذتان في الرقي كانت تتسع بصورة طبيعية الأدمغة الجديدة والجماجم الجديدة حتى تستطيع احتواء قدرات القبيلتين» (مورغان، المصدر نفسه، ص 468 الناشر).
لذلك كان مقدراً للقبائل ذات التنظيم العشائري أن تسيطر على القبائل المتخلفة، أو أن تحملها على الاقتداء بها.
إذن، كان تطور العائلة في أزمنة ما قبل التاريخ عبارة عن تقلُّص مستمر للدائرة – التي كانت في الأصل تشمل القبيلة – التي كانت تسود فيها المشاعية الزواجية(Marial community) بين الجنسين. وبالتحريم المتتابع للزواج بين الأقارب، بين الأقربين منهم أولاً، ثم بين الأبعدين، وأخيراً حتى بين الأقرباء بالزواج (المصاهرة) كان كل ضرب من الزيجة الجماعية يغدو في النهاية مستحيلاً عمليًا. فلم يكن يبقى في النهاية سوى الزوج الواحد أي الزوج والزوجة (Pair)، الذي لا يزال ضعيف الارتباط موقتاً، سوى الجزيء الذي إذا ما انحل تنعدم الزيجة انعداماً تامًا. هذه الحقيقة وحدها تبين كيف أن الحب الجنسي الفردي – بالمعنى الحديث لهذه العبارة – لم يكن له فضل يُذكر في نشؤ الزيجة الأحادية (Monogamy). إن الممارسة لدى جميع الشعوب في هذه المرحلة (مرحلة العائلة الزوجية) تمدنا ببرهان آخر على هذا. فبينما كان الرجال لا تعوزهم النساء في ظل الأشكال السابقة للعائلة، وكانوا، على النقيض، يملكون منهن عدداً يفوق الحاجة، إذ بالنساء الآن يصبحن نادرات مطلوبات. ونتيجة لذلك، بدأ بظهور الزيجة الثنائية اختطاف النساء وابتياعهن – وهما عرضان منتشران جداً، لكنهما ليسا أكثر من عرضين لتغيُر أعمق كان قد حصل. إلا أن هذين العرضين، اللذين لم يكونا سوى طريقتين للحصول على نساء، حوَّلهما مكلنان، المتحذلق الأيكوسي، إلى صنفين للعائلة خاصين: «الزيجة بالاختطاف» و«الزيجة بالشراء» أضف إلى هذا أن تدبير الزواج، بين الهنود الأميركان، وبين قبائل أخرى أيضاً (من مرحلة التطور ذاتها) ليس من شأن صاحبي العلاقة، اللذين، في الحقيقة ما كان يؤخذ حتى رأيهما في أغلب الأحيان؛ بل كان هذا من شأن والدتيهما. وعلى هذا، كثيراً ما يُخطب شخص لشخص آخر يجهله جهلاً «تاماً» ولا يعلمان بإتمام الصفقة إلا عندما يدنو يوم الزواج. وقبل الزواج يتقدم العريس بهدايا إلى أقرباء العروس من عشيرتها (أي الى أقربائها من جهة الأم، وليس إلى أبيها وأقربائه)، هدايا تقوم مقام ثمن شراء الفتاة التي تخلّوا له عنها. ويمكن ان تنحل الزيجة إذا رغب أحد الزوجين. لكن لدى كثير من القبائل، كالإيروكويين مثلاً، تشكل تدريجاً شعور عام ضد هذا النوع من الانفصال. فعندما ينشأ الخلاف يتدخل أقرباء الطرفين من العشيرتين ويعملون على التوفيق بينهما. ولا يتم الانفصال إلا حين لا تثمر هذه الجهود، فيبقى الأولاد مع الأم ويغدو كل من الطرفين حراً في أن يتزوج مرة ثانية.
إن العائلة الثنائية الضعيفة في ذاتها، وغير المستقرة استقراراً يجعل من الضروري أو، على الأقل، من المرغوب فيه إقامة اقتصاد منزلي خاص، هذه العائلة لم تحل قط الاقتصاد المنزلي المشاعي الموروث من الأزمنة السابقة.لكن الاقتصاد المنزلي المشاعي يتضمن تفوق النساء في المنزل، لا لشيء سوى أن تمييز الأم الطبيعية تمييزاً مانعاً32 لاستحالة تعيين الأب الطبيعي بصورة أكيدة - يعني تقديراً سامياً للنساء، أي للأمهات. ومن أسخف الآراء،التي انحدرت إلينا من عهد التنوير في القرن الثامن عشر، القول بأن المرأة كانت عبداً للرجل أول ظهور المجتمع. فالمرأة لم تكن تحتل منزلة حرة فحسب، بل منزلة محترمة جداً أيضاً بين الشعوب البربرية في المرحلتين الدنيا والمتوسطة، وبين قسم من البرابرة حتى في المرحلة العليا. ولنستمع إلى أرثور رايت، الذي قضى سنين كثيرة مبشراً بين السنيكيين الإيروكويين، يشهد على المكانة التي كانت المرأة لا تزال تتمتع بها في العائلة الزوجية، وذلك إذ يقول:
«أما بخصوص نظام عائلاتهم، حينما تشغل البيوت الطويلة القديمة (جامعات منزلية مشاعية تضم عدة عائلات)... فمن المحتمل أن تتغلب فيها إحدى العشائر فتتزوج النسوة رجالاً من عشائر أخرى.. كان القسم النسوي هو الذي يحكم المنزل عادة. وكانت المؤن مشتركة، لكن الويل للزوج المسكين أو للحبيب المسكين الشديد الكسل والبلادة إلى حد أنه لا يستطيع أن يقوم بنصيبه في التموين المشترك؛ فقد كان من الممكن أن يؤمر، مهما كان عدد أولاده ومهما ملك من أشياء خاصة في المنزل، بأن يحزم بطانيته ويرتحل؛ وبعد صدور أوامر كهذه لم يكن ينفعه عصيانها. لقد أصبح المنزل لا يطاق بالنسبة إليه فما عليه إلا أن ينسحب إلى عشيرته أو أن يذهب كما كان يحدث غالباً، ويستأنف زيجة أخرى في عشيرة أخرى. كانت النسوة القوة الكبرى بين العشائر شأنهن في كل مكان آخر. ولم يكّن ليترددن إذا استدعى الأمر في نزع القرون عن هامة الرئيس، كما جرى الاصطلاح، وإرجاعه إلى صفوف المحاربين» (مورغان، المصدر نفسه، ص 464) (الناشر).
إن الاقتصاد المنزلي المشاعي، الذي كان معظم نسائه، أو كل نسائه، ينتمين إلى عشيرة واحدة بذاتها، بينما كان الرجال يأتون من عشائر أخرى مختلفة، هو الأساس المادي لسيطرة النساء هذه التي كانت منتشرة انتشاراً عاماً في الأزمنة القديمة. واكتشاف باخوفن لهذه الحقيقة هو الخدمة العظيمة الثالثة التي قدمها. وأضيف، أيضاً، أن ما رواه السياح المبشرون عن العمل الكثير، الذي يثقل كاهل النساء لدى المتوحشين والبرابرة، لا يتناقض البتة مع ما سبق ذكره، لأن تقسيم العمل بين الجنسين تحدده أسباب تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تحدد مكانتهن في المجتمع. إن الشعوب التي يطلب من نسائها أن يعملن أكثر مما ينبغي في نظرنا نحن، هذه الشعوب في أغلب الأحيان، تحمل للنساء من الاحترام الحقيقي أكثر مما يحمله رجالنا الأوروبيون لنسائهم. إن سيدة الحضارة، المحاطة بمظاهر الاحترام المزيفة، والغريبة عن كل عمل حقيقي، تحتل مكانة اجتماعية أدنى جداً من مكانة المرأة البربرية التي كانت تقوم بعمل شاق، والتي كان شعبها ينظر إليها نظره إلى «سيدة» حقيقة (Lady frawa, Fraw, Domina) وكانت سيدة حقيقية بحكم منزلتها.
إن البت فيما إذا كانت العائلة الزوجية قد حلّت تماماً في أميركا، محل الزيجة الجماعية، لا بد له من تحريات أعمق بين شعوب شمالي غرب أميركا وبين شعوب جنوبي أميركا على الخصوص، التي لا تزال في المرحلة العليا من الوحشية. ذلك أنه تروى، عن الحرية الجنسية لدى شعوب جنوبي أميركا، أمثلة متنوعة جداً إلى درجة لا يمكن معها أن تزعم اختفاء الزيجة الجماعية فيها اختفاءً تاماً؛ إن آثارها على كل حال، لم تختف كلها بعد. فبين أربعين قبيلة في أميركا الشمالية على الأقل، يحق للرجل الذي يتزوج البنت البكر أن يتخذ أخواتها زوجات له، وذلك حالما يبلغن السن المطلوبة - وهي بقية من اشتراك الرجال فيما مضى في جماعة من الأخوات بأسرها. ويروي بانكروفت أن لقبائل شبه جزيرة كاليفورنيا في المرحلة العليا الوحشية أعياداً معينة تلتقي فيها عدة «قبائل» لممارسة العلاقات الجنسية من غير تمييز. ولا يخفى أن هذه عشائر تحتفظ في هذه الأعياد بذكريات غامضة عن الأزمنة التي كانت فيها نساء إحدى العشائر يملكن جميع رجال عشيرة أخرى أزواجاً لهن، والعكس بالعكس. ولا تزال العادة ذاتها سائدة في أستراليا ولدى بضعة شعوب يتفق أن الرجال الأكبر سناً والرؤساء والكهنة السحرة يستغلون وحدهم مشاعية النساء لغاياتهم الخاصة ويحتكرون معظم النساء لأنفسهم؛ لكن يجب عليهم، بدورهم أن يسمحوا بعودة الملكية المشتركة القديمة خلال بعض الأعياد والاجتماعات الشعبية الكبيرة، ويأذنوا لزوجاتهم بأن يستمتعن بالشبان. ويورد وستر مارك (ص 28 - 29) سلسلة كاملة من الأمثلة على هذا النوع من الأعياد الشهوانية الخلاعية الدورية التي تعود العلاقة الجنسية الحرة القديمة إلى الظهور أثناءها لمدة قصيرة: مثلاً، بين الهوس والسانتال، والبانجا، والكوتار في الهند، وبين بعض الشعوب الأفريقية...إلخ.. ومما يدعو إلى الاستغراب أن وسترمارك يستنتج من هذا القول أن تلك آثار لا من الزيجة الجماعية، التي لا ينفيها أصلاً، بل من فصل اللقاح الذي كان الإنسان البدائي يمارسه شأن الحيوانات الأخرى.
نأتي الآن إلى الاكتشاف الرابع العظيم لباخوفن، أعني اكتشافه سعة انتشار شكل الانتقال من الزيجة الجماعية إلى الزوجية الثنائية. إن ما يفسره باخوفن بالكفارة عن عصيان الأوامر القديمة للآلهة، الكفارة التي تشتري بها المرأة حقها في العفة، ليس، في حقيقة الأمر، أكثر من تعبير خفي عن الكفارة التي تشتري بها المرأة مرة ثانية، نجاتها من مشاعية الرجال القديمة، وتكتسب بها حق الاستسلام لرجل واحد فقط. وهذه الكفارة تتخذ شكل استسلام محدود: كان على النساء البابليات أن يسلمن أجسادهن مرة في السنة في معبد ميليتا؛ وكانت شعوب أخرى في الشرق الأوسط ترسل بناتها لمدة سنوات كاملة إلى معبد (آناثيتس) حيث كان عليهن ممارسة الحب الحر مع أحباب يخترنهم اختياراً قبل أن يسمح لهن بالزواج. وهناك طقوس أخرى شبيهة بهذه تحمل قناعاً دينياً شائعة بين الشعوب الآسيوية تقريباً ما بين البحر الأبيض المتوسط والغانج. إن كفارة الاستغفار من أجل النجاة تتضاءل شيئاً فشيئاً بمرور الزمن كما لاحظ باخوفن:
«الهبة التي تتكرر كل سنة تحل محلها هبة النفس مرة واحدة؛ ويحل هيتيري - تسري الصبايا محل هيتيري النساء اللواتي تجاوزن سن الصبا؛ وتحل ممارسته قبل الزواج محل ممارسته أثناءه؛ ويحل استسلام المرأة لأشخاص معينين محل استسلامها لكل الناس من دون تمييز» (حق الأمومة، ص 19).
وبين شعوب أخرى لا يوجد قناع ديني؛ فلدى بعض الشعوب– التراس، والسلت... إلخ في الأزمنة القديمة، وكثير من السكان الأصليين للهند، وشعوب الملايا، وشعوب جزر أستراليا، وكثير من الهنود الأميركان حتى هذا اليوم تنعم الفتيات بأكبر قسط من الحرية الجنسية حتى زواجهن. وهذه هي الحالة بصورة خاصة في سائر أميركا الجنوبية تقريباً، كما يستطيع أن يراها كل من تغلغل قليلاً داخل البلاد، وعلى هذا يروي أغاسيز (رحلة البرازيل وبوسطن ونيويورك 1886، ص266) ما يلي عن عائلة غنية من أصل هندي، عندما تعرف إلى بنت وسألها عن أبيها، الذي ظن أنه كان زوج أمها والذي كان مشتركاً بوصفه ضابطاً، في الحرب ضد بارغواي، أجابته الأم مبتسمة: (Nao tem pai, é filha da fortun)- ليس لها أب، إنها ابنة الصدفة.
«هذه هي الطريقة التي اعتادت النسوة الهنديات أو الهجينات دائماً أن يصفن بها في هذه البلاد أولادهن غير الشرعيين، غير شاعرات بأي إثم أو عار. وهذه الحالة بعيدة عن أن تكون شاذة بعداً يبدو منه أن عكسها هو الشاذ. والأولاد في أغلب الأحيان لا يسألون إلاّ عن أمهم لأن على كاهلها تقع المسؤولية وكل الرعاية؛ أما أبوهم فلا يعرفون عنه شيئاً، ويظهر أن المرأة أو أولادها لا يخطر لهم البتة أن بإمكانهم مطالبته بشيء»
إن ما يبدو هنا غريباً جداً في نظر الإنسان المتحضر ليس سوى القاعدة بالنسبة إلى حق الأمومة في الزيجة الجماعية.
ولدى شعوب أخرى أيضاً، نجد أصدقاء العريس وأقاربه، أو المدعوين إلى العرس، يمارسون حقهم التقليدي القديم في العروس، ولا يأتي دور العريس إلا بعدهم جميعاً. وذلك مثلاً، في جزر الباليار وبين الأوجيل الأفريقيين في الأزمنة القديمة، وبين الباريا في الحبشة حتى اليوم. وتجد، لدى شعوب أخرى أيضاً، شخصية رسمية – رئيس القبيلة أو العشيرة، (الكاجيك)، (الشامان)، الكاهن، الأمير، أو مهما كانت رتبته - ينوب عن الجماعة ويمارس حق الليلة الأولى مع العروس. ورغم جميع محاولات التبييض الحديثة33 لا يزال هذا الحق في الليلة الأولى(Jus primae noctis) ساري المفعول في الوقت الحاضر، كأثر من آثار الزيجة الجماعية بين معظم السكان الأصليين لمقاطعة آلاسكا (بانكروفت، الأقوام الأصليون، ج1، ص81)، وبين التاهو في شمالي المكسيك (المصدر السابق، ص 584)، وبين شعوب أخرى؛ وكان يوجد طوال القرون الوسطى على الأقل في البلدان السلتية الأصل حيث خرج مباشرة من الزيجة الجماعية، في أراغون مثلاً. بينما لم يكن الفلاحون في قشتالة أقناناً، كانت القنانة تسود بأبشع مظاهرها في أراغون إلى أن نقضت بالمرسوم الذي أصدره فرديناند الكاثوليكي عام 1486 وقد جاء في هذا القانون العام:
«إننا نقضي ونصرح بأنه يجب على ملاكي الأرض أيضاً الذين مر ذكرهم (السنيورات، البارونات).. ألا يقضوا الليلة الأولى مع المرأة التي يتزوجها أحد الفلاحين، وألا يثبوا، في ليلة الزفاف، بعد ذهابها إلى الفراش، فوق فراشها أو فوقها كرمزٍ لسيادتهم؛ كما لا يحق للسادة الذين مر ذكرهم أن يستغلوا خدمات أبناء الفلاح وبناته؛ رغماً عنهم، بأجر أو من دون أجر» (ورد في النص الكاتالوني الأصلي لكتاب: القنانة، تأليف سوكانهايم، بطرسبورغ 1861، ص35).
إن باخوفن محق كل الحق مرة أخرى إذ يؤكد باستمرار أن الانتقال مما يدعوه التسري «الهيتيرية (hetaerism)» «الحمل الأثيم» أو «توالد المستنقعات» (sumpfzeugung) إلى الزيجة الأحادية قد تم في الأصل بفضل النساء. لأنه كلما فقدت العلاقات الجنسية التقليدية القديمة طابعها الغابي البدائي الساذج، نتيجة لتطور الظروف الاقتصادية للحياة، أي مع القضاء على المشاعية القديمة وازدياد كثافة السكان، كان لا بد لهذه العلاقات أن تبدو أكثر فأكثر شائنة، ومزعجة للنساء اللواتي كان يشتد باستمرار طموحهن إلى الحق في العفة، إلى الحق في الزواج الموقت أو الدائم برجل واحد كسبيل للخلاص.ولم يكن بالوسع صدور هذا التقدم عن الرجال، وذلك، على الأقل، لأنهم لم يخطر ببالهم قط – حتى أيامنا هذه - أن ينبذوا مسرات الزيجة الجماعية القائمة. ولم يستطع الرجال إدخال الزيجة الأحادية الصارم إلا بعد أن تم الانتقال، بفضل النساء، إلى الزيجة الثنائية لكن هذه الزيجة الأحادية الصارمة هي طبعاً أحادية للنساء فقط.
إن العائلة الزوجية الثنائية بدأت في الخط الفاصل ما بين الوحشية والبربرية، في المرحلة العليا من الوحشية غالبًا، وفي المرحلة الدنيا من البربرية في بعض الأمكنة فقط. وهي شكل العائلة الذي تتميز به البربرية. كما تتميز الوحشية بالزيجة الجماعية والحضارة بالزيجة الأحادية. ولكي تتابع العائلة الزوجية تطورها إلى العائلة الأحادية المستقرة، كان لا بد من توافر عوامل غير تلك التي فعلت فعلها حتى الآن كما سبق ورأينا. كانت الجماعة في العائلة الثنائية قد تقلصت حتى وصلت إلى وحدتها الأخيرة، إلى جزيئها ذي الذرتين: إلى رجل واحد وامرأة واحدة وكان الاصطفاء الطبيعي قد أنجز مهمته بتضييقه باستمرار دائرة الزيجات الجماعية ولم يبقَ له شيء آخر يقوم به بهذا الاتجاه. ولولا أن قوى محركة اجتماعية جديدة أخذت تعمل عملها، لما كان هناك سبب يدعو إلى نشأة شكل جديد من العائلة الزوجية. ولكن مثل هذه القوى المحركة أخذت تفعل فعلها.
نترك الآن أميركا التربة الكلاسيكية للعائلة الثنائية فليس فيها أي دليل يعيننا على استنتاج أن شكلاً للعائلة أرقى من العائلة الزوجية قد تطور فيها، أو أن الزيجة الأحادية الصارمة وجدت فيها في أي مكان منها، في أي زمن قبل اكتشافها وغزوها. لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى العالم القديم.
في هذا العالم القديم، أدى تدجين المواشي وتربية القطعان إلى خلق مصدر للثروة لم يكن يخطر بالبال حتى ذلك الحين، وإلى نشؤ علاقات اجتماعية جديدة كل الجدة. فحتى المرحلة الدنيا من البربرية كانت الثروة الثابتة تتألف كلها تقريباً من المنزل والثياب والحلي الفجة الصنع وأدوات للحصول على القوت وإعداده:أعني زوارق، وأسلحة وأدوات منزلية من أبسط الأنواع. أما القوت فكان يجب الحصول عليه من جديد كل يوم. لكن الآن، بفضل قطعان الخيل والجمال والحمير والثيران والغنم والماعز والخنازير، فقد اكتسبت الشعوب الرعاة الآخذة بالتقدم - الآريون في البنجاب ووادي الغانج في الهند، وفي سهول الأكسوس وياكسارات الأوفر حظاً من المياه، والساميون على الفرات ودجلة - اكتسبت أملاكاً لا تتطلب منها سوى الإشراف وأبسط صنوف العناية لكي تتكاثر بأعداد متزايدة باستمرار، وتنتج أوفر الغذاء بصورة حليب ولحم. منذ ذلك الحين أصبحت كل الوسائل السابقة لكسب القوت في الدرجة الثانية من الأهمية. فصار الصيد الآن كمالياً بعد أن كان في ما مضى ضرورياً.
لكن لمن كانت تعود هذه الثروة الجديدة؟ لا ريب مطلقاً في أنها كانت ملكاً للعشيرة في أول الأمر، لكن لا بد أن الملكية الخاصة للقطعان قد نشأت في مرحلة مبكرة جداً. ويصعب معرفة ما إذا كان أبونا إبراهيم قد بدا لمؤلف ما يدعى بالكتاب الأول لموسى34 مالكاً لقطعانه بحقه الخاص، بوصفه رئيساً لمشاعة عائلية أم بفضل مركزه، بوصفه رئيساً وراثياً فعلياً لإحدى العشائر. لكن، هناك أمر أكيد، وهو أنه ينبغي ألا نعده مالكاً بالمعنى الحديث لهذه الكلمة. والأمر الأكيد أيضاً هو أننا على عتبة التاريخ، الذي نملك وثائق عنه، نجد القطعان في كل مكان تعد، من قبل، أملاكاً منفصلة لرؤساء العائلات. وكذلك بالضبط كان شأن المنتوجات الفنية البربرية: الأواني المعدنية والأدوات الكمالية، وأخيراً، القطيع البشري أي العبيد. ذلك لأنه في هذه الفترة أخترع الرق أيضاً.
كان العبد عديم النفع للبربري من المرحلة الدنيا، ولهذا السبب كان الهنود الأميركيون يعاملون خصومهم المغلوبين معاملة مغايرة للمعاملة التي كان هؤلاء يلقونها في المرحلة العليا، كان الرجال يقتلون أو تتبناهم قبيلة المنتصرين كإخوة فيها. وكانت النساء إما يتزوجن أو يُتبنين أيضاً مع أولادهن الأحياء. وكانت قوة العمل البشرية في هذه المرحلة لا تنتج بعد شيئاً ذا قيمة يفيض عن تكاليف عيشها. لكن هذه الحال تغيرت بعد إدخال تربية المواشي، وشغل المعادن، والحياكة، والزراعة في آخر الأمر. إذ كما أن الزوجات، اللاتي كان الحصول عليهن ميسوراً جداً في يومٍ من الأيام قد اكتسبن الآن قيمة تبادل وأصبحن يُشترَين، فقد حدث الشيء ذاته لقوة العمل، ولا سيما بعدما تحولت القطعان إلى أملاك للعائلة. إن العائلة لم تكن تتكاثر بسرعة تكاثر المواشي. فنشأت الحاجة إلى المزيد من الناس لرعاية القطعان. وكان بالإمكان استخدام أسرى الحرب لهذه الغاية، أضف إلى هذا أنه كان بالوسع تربيتهم وتكثيرهم كما تربى المواشي ذاتها.
هذه الثروات، ما إن أصبحت ملكاً خاصاً في العائلة وتضاعفت في ظلها بسرعة، حتى سددت صفعة قوية لمجتمع قائم على العائلة الثنائية وعشيرة حق الأمومة. ذلك أن الزيجة الثنائية كانت قد أدخلت عنصراً جديداً إلى العائلة. فإلى جانب الأم الطبيعية كانت قد وضعت الأب الطبيعي الصحيح - الذي ربما كان أصح من كثير من «أباء» يومنا هذا. وحسب تقسيم العمل السائد في ذلك الحين، كان الحصول على القوت وعلى الأدوات اللازمة للحصول عليه يقع على كاهل الرجل. وكانت ملكية هذه الأدوات تؤول إلى الرجل أيضاً تبعاً لذلك، فكان يأخذها معه إذا افترق عن زوجته مثلما كانت المرأة تحتفظ بأثاث المنزل. وعلى هذا كان الرجل، حسب عرف المجتمع في ذلك الحين، هو أيضاً صاحب الموارد الجديدة للمواد الغذائية - أعني المواشي - وصاحب وسيلة العمل الجديدة فيما بعد - أعني العبيد. لكن، بناءً على عُرف المجتمع ذاته، لم يكن بوسع أولاده أن يرثوه لأن الوضع في هذا الصدد كان كما يلي:
بناءً على حق الأمومة، أي ما دام النسب لا يحسب إلا في خط الإناث وبناءً على عُرف الوراثة البدائي في العشيرة، كان الأقرباء من العشيرة في أول الأمر هم الذين يرثون العضو المتوفى من العشيرة، لأنه كان يجب أن تبقى الثروة في العشيرة. ولعل الأشياء المتروكة كانت تنتقل فعلاً، في البدء، نظراً لضآلتها، إلى أقرباء المتوفى الأدنين من عشيرته أعني إلى الأقرباء بالدم من جهة الأم. لكن أولاد المتوفى لم يكونوا ينتمون إلى عشيرته بل إلى عشيرة أمهم. وكانوا في أول الأمر يرثون من أمهم هم مع الأقرباء بالدم الآخرين لأمهم. وفيما بعد، ربما صاروا في الصف الأول بين ورثتها لكن لم يكن بوسعهم الوراثة من أبيهم، لأنهم لم يكونوا ينتمون إلى عشيرته، التي كان يجب أن تبقى ثروته فيها وعلى هذا كانت القطعان، بعد موت صاحبها، تنتقل، قبل كل أحد، إلى أخوانه وأولاد إخوته أو إلى ذرية أخوات أمه. أما أولاده هو فكانوا يحرمون من ميراثه.
وإذن، فكلما كانت الثروات تتنامى، كلما كانت تهب الرجل، من جهة، مكانة في العائلة أهم من مكانة المرأة وتولِّد لديه، من جهة أخرى، الميل إلى استغلال هذه المكانة المعززة لإطاحة نظام الوراثة التقليدي في مصلحة أولاده. بيد أن هذا كان مستحيلاً مادام النسب يحسب وفقاً لحق الأمومة السائد. وإذن، كان لا بد من القضاء على هذا وقد قضي عليه؛ ولم يكن هذا العمل صعباً كما يظهر لنا الآن لأن هذه الثورة – وهي من أهم الثورات الحاسمة التي خبرتها البشرية على مر الدهر- لم تكن محتاجة إلى إزعاج أي فرد من أفراد العشيرة الأحياء، لأن جميع أفراد العشيرة كانوا يستطعيون البقاء في العشيرة بعد هذه الثورة على ما كانوا عليه قبلها. كان يكفي أن يقرر فقط أن ذرية الأعضاء الذكور في المستقبل يجب أن يبقوا في العشيرة، أما ذرية الإناث فيجب إقصاؤهم عن العشيرة ونقلهم إلى عشيرة أبيهم، وبهذا تم القضاء على حساب النسب في خط الإناث وعلى حق الوراثة من طريق الأم وتأسس النسب إلى الذكور، وحق الوراثة من الأب. أما كيف حدثت هذه الثورة ومتى حدثت لدى الشعوب المتحضرة، فذلك ما لانعلم عنه شيئاً؛ لأنها تقع كلها في أزمنة ما قبل التاريخ. أما أنها حدثت فعلاً فتؤكده أثار حق الأمومة الوفيرة التي جمعت ولا سيما على يد باخوفن. وأما السهولة التي حدثت بها هذه الثورة فيمكننا أن ندركها بالنظر إلى سلسلة كاملة من القبائل الهندية التي لم تقع فيها إلا منذ عهدٍ قريب، والتي لا تزال هذه الثورة مستمرة فيها تحت تأثير الثروة المتزايدة وأساليب الحياة المتغيرة (الهجرة من الغابات إلى البراري) من جهة، وتحت التأثير المعنوي للحضارة والمبشرين، من جهة أخرى، فهناك، بين قبائل الميسوري الثماني، ست قبائل تسير على نظام وراثة الأب وقبيلتان باقيتان على نظام النسب إلى الأنثى وعلى خط الوراثة من الإناث. ولدى قبائل الشاون والسيامي والديلاوير، يقضي العرف بنقل الأولاد إلى عشيرة الأب عن طريق منحهم أحد الأسماء العشائرية التي تخص هذه العشيرة، وذلك لكي يستطيعوا الوراثة عن أبيهم. «تحايل بشري فطري: السعي إلى تبديل الأشياء عن طريق تبديل أسمائها! إيجاد ثغرات في العرف مع البقاء فيه كلما هيأت مصلحة مباشرة دافعاً كافياً!» (ماركس). ونتيجة لذلك، كانت تنشأ بلبلة لا أمل في الخلاص منها، ولم يكن بالوسع أن تستقيم الأمور، وما كانت تستقيم جزئياً، إلا بالانتقال إلى حق الأبوة.
«إن هذا الانتقال يبدو، بكليته، طبيعياً أكثر من أي انتقال آخر» (ماركس).
أما لكي تعرف ما يستطيع خبراء القانون المقارن إنباءنا به عن الوسائل والطرق التي تم بها هذا الانتقال لدى شعوب العالم القديم - تكاد تكون مجرد فرضيات، طبعاً - فارجع إلى كتاب م. كوفاليفسكي: عرض موجز عن أصل وتطور العائلة والملكية، ستوكهولم 1890.
كان القضاء على حق الأمومة الهزيمة التاريخية العظيمة لجنس الإناث. لأن الرجل تسلم دفة الأمور حتى في البيت، وأصبحت المرأة منحطة المكانة، مستهانة، عبداً لشهوة الرجل، مجرد أداة لإنتاج الأولاد. هذا الوضع المزري بالنساء، الذي يظهر واضحاً بصورة خاصة لدى الإغريق في العصر البطولي، بل وأكثر من ذلك في العصر الكلاسيكي، قد طلي رياءً ونفاقاً بالمساحيق، وفي بعض الأماكن ارتدى شكلاً أكثر اعتدالاً، لكنه لم يمَّحِ بأية صورة من الصور.
إن الأثر الأول لسلطة الرجل التامة، التي أقيمت في ذلك الحين، يبدو في الشكل المتوسط للعائلة، الذي انبثق في هذه المرحلة أعني العائلة الأبوية (La famille patriarcale)، والذي يميز هذه العائلة بشكل أساسي، ليس تعدد الزوجات، الذي سنتحدث عنه فيما بعد، بل:
«انتظام عدد معين من الأفراد، أحراراً وعبيداً، في عائلة تحت السلطة الأبوية لرئيس العائلة. وفي الشكل السامي(Semitic forme) لهذه العائلة، يعيش رئيس العائلة هذا عيشة تعدد الزوجات. وللعبد فيها زوجة وأولاد، وهدف الانتظام هذا هو رعاية القطعان فوق قطعة محدودة من الأرض» (مورغان، المصدر نفسه، ص 474) (الناشر).
إن المظهرين الأساسيين في هذه العائلة هما انضمام العبيد إليها والسلطة الأبوية وبناءً على ذلك، تؤلف العائلة الرومانية النموذج المكتمل لهذا الشكل من العائلة. إن لفظة فاميليا (Familia) لم تكن في الأصل تعني المثل الأعلى الموجود لدى الرجل المتزمت الحديث في أيامنا، هذا المثل الأعلى الذي هو مزيج من التعاطف والخلافات المنزلية: بل هي لم تكن في بادئ الأمر، تطلق، حتى لدى الرومان، على الشخصين المتزوجين وأولادهما، بل على العبيد وحدهم، لأن لفظة (Famulus) تعني «العبد الذي يعمل في منزل سيده»، ولفظة (Familia) تعني مجموع العبيد التابعين لفرد واحد. وحتى في عهد غايوس كانت الفاميليا Id est patrimonium (أي الميراث) تنقل إلى الورثة بوصية. وقد ابتكر الرومان هذه العبارة لوصف بنية اجتماعية جديدة يترأسها شخص تحت إمرته زوجته وأولاده وعدد من العبيد في ظل سلطة أبوية رومانية لها عليهم جميعاً حق الحكم بالحياة أو بالموت.
«فهذه العبارة، إذن، ليست أقدم من نظام العائلة المدرّع لدى القبائل اللاتينية الذي تكوّن بعد زراعة الحقول وبعد الرق المشروع، وكذلك بعد انفصال الإغريق واللاتين (الآريين)» (مورغان، المصدر نفسه، ص 478) (الناشر).
وإالى هذا يضيف ماركس:
«العائلة الحديثة لا تحوي بصورة بذرة، الرق (Servitus) وحده، بل القنانة أيضاً، لأن هذه العائلة متصلة منذ نشأتها الأولى بالخدمات الزراعية. إنها تحوي في داخلها بصورة مصغرة، جميع التناقضات التي تنشأ فيما بعد على نطاق واسع في المجتمع وفي دولته»
إن شكل العائلة هذا يعني الانتقال من العائلة الزوجية إلى الزيجة الأحادية (Monogamy). فمن أجل ضمان أمانة المرأة، أي لضمان أبوة الأولاد، توضع المرأة تحت سلطة الرجل المطلقة، فإذا قتلها فإنه لا يمارس إلا حقاً من حقوقه.
ومع العائلة الأبوية ندخل ميدان التاريخ المدون وهو الميدان الذي يستطيع علم القانون المقارن أن يساعدنا فيه مساعدة هامة. وقد ضمن لنا فعلاً تقدماً أساسياً في هذا الموضوع. فنحن مدينون لمكسيم كوفاليفسكي (عرض موجز عن أصل وتطور العائلة والملكية، ستوكهولم 1890، ص60-100) بالبرهان على أن المشاعة المنزلية الأبوية (Hausgenossenschaft) كالتي لا تزال نجدها اليوم لدى الصرب والبلغار تحت اسم «زادروغا» (Zadruga) (وهي تعني شيئاً يشبه رابطة صداقة أو رابطة تعاونية)، أو تحت اسم «براتستفو»(Bratstvo) (الأخوة) ولدى الشعوب الشرقية تحت شكل معدل، تؤلف مرحلة الانتقال من عائلة حق الأمومة التي انبثقت من الزيجة الجماعية والعائلة الفردية المعروفة في العالم الحديث. ويظهر أن هذا بالوسع إثباته على الأقل بالنسبة إلى الشعوب المتحضرة في العالم القديم، أعني الآريين والساميين.
إن» زادروغا «الشعوب السلافية في الجنوب تزودنا بأفضل مثال حي حتى الآن على هذا النوع من المشاعة العائلية. فهي تضم عدة أجيال من ذرية أب واحد يعيشون مع زوجاتهم في بيت واحد، يحرثون حقولهم في صورة مشتركة، يأكلون ويلبسون من المؤونة المشتركة، ويملكون بصورة مشاعية جميع المنتوجات الفائضة. والمشاعة المنزلية الموضوعة تحت الإدارة العليا لرب المنزل (Domàcin) الذي يمثلها في الشؤون الخارجية، ويستطيع التصرف بالأشياء القليلة القيمة ويمسك صندوق أموالها، ويكون مسؤولاً عنه وعن سير أشغالها بشكل منتظم. وهو ينتخب إنتخاباً ولا يشترط فيه قط أن يكون الأكبر سناً. أما النساء وعملهن فيوضعن تحت إدارة ربة المنزل (Domacina) التي هي في العادة زوجة رب المنزل ولها أيضاً، رأي معتبر، بل رأي حاسم في أغلب الأحيان، لدى اختيار ازواج للبنات. ولكن السلطة العليا في يد مجلس العائلة الذي يتألف من اجتماع جميع اعضاء المشاعة الراشدين رجالاً ونساءً وإلى هذا المجلس يقدم رب المنزل الحساب، وهذا المجلس هو الذي يتخذ جميع القرارات الحاسمة، ويقضي بين أعضاء المشاعة ويبت في صفقات البيع والشراء المهمة بعض الشيء، ولا سيما صفقات الأملاك المؤلفة من الأراضي... إلخ
لم يكن من الممكن قط قبل أكثر من عشر سنوات البرهان على استمرار وجود مثل هذه المشاعات العائلية الكبيرة في روسيا أيضاً؛ ولكن صار يعترف في أيامنا اعترافاً هاماً بأنها راسخة الجذور في الأعراف الشعبية الروسية رسوخ ال-(Obscina) أي المشاعة القروية (Communauté de village) فقد ورد ذكر المشاعة العائلية في أقدم مجموعات قوانين روسية (la Pravda de iroslava) بالإسم ذاته (verv) الذي ترد به في القوانين الدالماسية35 كما يمكن أن توجد إشارات إليها في المصادر التاريخية البولونية والتشيكية.
وفي رأي هوسلر: (أسس الحق الجرمانية) أن الوحدة الاقتصادية لدى الجرمان أيضاً، لم تكن في الأصل العائلة الفردية بالمعنى الحديث، بل المشاعة المنزلية المؤلفة من عدة أجيال أو من عدة عائلات فردية، والتي تضم في أحيان كثيرة، عدداً كبيراً من العبيد. والعائلة الرومانية هي أيضاً ترجع إلى هذا النوع، ومن أجلها كانت السلطة المطلقة لرب المنزل فيها وحرمان بقية أفراد العائلة من الحقوق حياله موضع جدل عنيف في المدة الأخيرة. ويظن أيضاً أن مشاعات عائلية كهذه قد وجدت بين السلتيين في إيرلندا. أما في فرنسا فلقد ظلت هذه المشاعة في مقاطعة نيفرني تحت اسم (Parçonneries) حتى الثورة الفرنسية، بينما هي لم تنقرض حتى اليوم في مقاطعة فرنش كونتيه، فيمكن في منطقة لوهانس مشاهدة منازل قروية كبيرة ذات قاعة مركزية مشتركة مرتفعة، تتطاول حتى السقف تحيط بها حجرات للنوم، ويُرقى إليها على سلالم ذا ست درجات أو ثماني، ويسكن فيها عدة أجيال من العائلة ذاتها.
وفي الهند، سبق ذكر المشاعة المنزلية مع زراعة الأرض زراعة مشتركة، على لسان نيرشوس في حقبة الإسكندر الكبير. وتوجد إلى اليوم في المنطقة ذاتها في البنجاب، وفي سائر القسم الشمالي الغربي من البلاد. واستطاع كوفاليفسكي نفسه إثبات وجودها في القوقاز. ولا تزال قائمة في الجزائر لدى القابيل36. ويقال إنها وجدت حتى في أميركا، حيث تجري المحاولات لتبينها في الكالبوليس37 الموجودة في المكسيك القديمة والتي وصفها زوريتا. ومن جهة أخرى، أثبت كونار (في الأوسلاند،1890، الأعداد 42 - 44)، بصورة واضحة وضوحاً لا بأس به، أن نوعاً من نظام المارك كان موجوداً في البيرو (حيث يطلق على – المارك - إسم «ماركة «marca وهو أمر يدعو إلى العجب) في زمن الفتح، مع اقتسام الأراضي المفلوحة بشكل دوري، أي الفلاحة الفردية.
مهما يكن الأمر، فإن المشاعة المنزلية الأبوية هي ملكية الأراضي ملكية مشتركة وفلاحتها بصورة مشتركة تتخذ الآن أهمية أعظم جداً من أهميتها السابقة. فلم يعد بوسعنا الشك بالدور الانتقالي الهام الذي لعبته، بين عائلة حق الأمومة وعائلة الزيجة الأحادية لدى الشعوب المتحضرة ولدى شعوب أخرى كثيرة من شعوب العالم القديم. وسوف نعود فيما بعد إلى الاستنتاج الآخر الذي استنتجه كوفاليفسكي وأعني به أن المشاعة المنزلية الأبوية كانت تؤلف أيضاً، المرحلة الانتقالية التي خرجت منها المشاعة القروية أو المشاعة - المارك القائمة على الفلاحة الفردية وعلى تقسيم الحقول والمراعي بصورة دورية أول الأمر، ثم بصورة نهائية.
أما فيما يخص الحياة العائلية ضمن هذه المشاعات العائلية، فيجب ملاحظة أن رب المنزل في روسيا على الأقل، مشهور بأنه يسيء كثيراً استغلال مركزه بالنسبة إلى أصغر نساء العائلة، ولا سيما كنائنه، وبأنه يجعل منهن حريماً (Harem) له في أغلب الأحيان؛ وهذه الأحوال تنعكس في الأغاني الشعبية الروسية بشكل بليغ لا بأس به.
وقبل الانتقال إلى الكلام على الزيجة الأحادية الذي تطورتطوراً سريعاً نتيجة إطاحة حق الأمومة، إليك بضع كلمات أخرى حول تعدد الزوجات وتعدد الأزواج. إن شكلي الزيجة هذين لا يمكن أن يكونا كلاهما إلا شاذين، إلا منتوجين كماليين من منتوجات التاريخ، كما يقال، ما لم يظهرا جنباً إلى جنب في أي قطر من الأقطار. لكن هذه ليست هي الحال كما هو معروف جيداً. وإذاً، لما كان الرجال المبعدون من تعدد الزوجات لا يستطيعون الاكتفاء بالزوجات المتروكات جانباً من تعدد الأزواج، ولما كان عدد الرجال وعدد النساء، بصرف النظر عن المؤسسات الاجتماعية قد ظلا متساويين إلى درجة لا بأس بها حتى هذا العهد، فمن الواضح أنه لا هذا الشكل من الزواج ولا ذاك يمكن أن يعمم. وبالفعل، كان تعدد الزوجات للرجل الواحد بشكل واضح ثمرة للرق ومحصوراً في بضع حالات شاذة. ففي العائلة الأبوية الثانية لم يكن سوى الأب البطريرك (Patriarch) نفسه وبضعة من أبنائه على أكثر تقدير يمارسون تعدد الزوجات في حياتهم؛ أما الآخرون فكان عليهم أن يكتفي كلٌ منهم بزوجة واحدة. ولا يزال الشيء ذاته اليوم في الشرق كله. إن تعدد الزوجات هو امتياز للأغنياء والأعيان، ويتحقق أساساً بشراء الأماء.أم جمهور الشعب فيمارس الزيجة الأحادية.
ولا يقل عن هذا شذوذاً تعدد الأزواج في الهند والتيبت الذي يحتاج إلى دراسة أعمق لبيان أنه نشأ من الزيجة الجماعية نشأة تثير الاهتمام بكل تأكيد. ومن جهة أخرى، يبدو تعدد الأزواج، في ممارسته العملية، أكثر تساهلاً بكثير من تنظيم الحريم عند المسلمين القائم على الغيرة. ذلك هو الحال، مثلاً، عند النابير في الهند على الأقل، رغم أن لكل ثلاثة رجال أو أربعة أو أكثر أمرأة واحدة مشتركة، ولكن بمقدور كل واحد منهم في الوقت ذاته أن يتخذ زوجة ثانية بالاشتراك مع ثلاثة أو أكثر من الرجال الآخرين وزوجة ثالثة ورابعة إلخ.. بالطريقة ذاتها. ومن المدهش أن ماكلنان لم يكتشف صنفاً جديداً - أي زيجة النادي- في هذه النوادي الزواجية التي كان باب العضوية في عدة نوادٍ منها مفتوحاً في آن واحد للرجال والتي وصفها هو ذاته. لكن عادة النوادي الزواجية ليست بشكل من الأشكال، تعدد أزواج حقيقياً، بل هي على العكس كما لاحظ جيروتولون شكل متخصص من الزيجة الجماعية للرجال: فيه يمارس الرجال تعدد الزوجات والنساء يمارسن تعدد الأزواج.
4 - العائلة الأحادية (Monogamian family)
نشأت العائلة الأحادية، كما بينّا سابقاً، من العائلة الثنائية في الفترة الانتقالية بين المرحلة المتوسطة والمرحلة العليا من البربرية؛ ويعد انتصارها النهائي من أمارات مطلع الحضارة. إن العائلة الأحادية مبنية على سيطرة الرجل، وهدفها الصريح إنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم، هذه الأبوة التي لا بد منها لكي يرث الأولاد، في يوم ما، ثروة أبيهم بوصفهم ورثته الطبيعيين. وتختلف العائلة الأحادية عن العائلة الثنائية في أن رباط الزواج أمتن جداً فيها، ولا يعود حله الآن رهناً برضا أي من الطرفين بل يصبح الرجل، كقاعدة عامة، هو وحده الذي يستطيع الآن حل الرباط وتسريح زوجته. ويبقى حق الخيانة الزوجية مكفولاً له عرفاً على الأقل (مجموعة قوانين نابوليون تمنح الزوج هذا الحق بصراحة ما دام لا يحضر معشوقته إلى منزل الزوجية) ويمارس هذا الحق أكثر فأكثر تبعاً للتطور المتزايد الذي يصيب المجتمع. فإذا تذكرت الزوجة العلاقات الجنسية القديمة ورغبت في بعثها عوقبت بشكل أقسى منه في أي عهد مضى.
هذا الشكل الجديد من العائلة يظهر لنا بكل قسوته لدى الإغريق. إن دور الآلهات في الميثولوجيا، كما لاحظ ماركس، يمثل لنا فترة أسبق يوم كانت النساء لا يزلن يشغلن في المجتمع منزلة أوفر حظاً من الاحترام والحرية، لكنهن في العصر البطولي، انخفضت منزلتهن بفضل تغلب الرجال عليهن ومنافسة الجواري لهن. يستطيع المرء أن يقرأ في الأوديسة كيف يوبخ تيليماك أمه ويأمرها بالسكوت؛ وفي مؤلفات هوميروس تصبح الأسيرات هدفاً للشهوات الجنسية للمنتصرين؛ إذ كان القادة العسكريون، الواحد بعد الآخر، حسب مراتبهم، ينتقون أجملهن لأنفسهم. والإلياذة كلها تدور، كما هو معروف، حول النزاع بين أخيل وأغاممنون على واحدة من هؤلاء الأسيرات. كما نجد، إلى جانب كل بطل ذي خطر من أبطال هوميروس، ذكراً لأسيرة صبية تشاركه فراشه وخباءه. ويحمل المنتصر هؤلاء الصبايا إلى بلاده وإلى المنزل الزوجي: هذا ما فعله أغاممنون مع كاساندرا في إيشيل.38 والصبيان الذين تلدهم هؤلاء الأماء ينالون حصة صغيرة من ميراث أبيهم ويعتبرون رجالاً أحراراً. فكان ثيوكروس إبناً غير شرعي لتيلامون وكان يحق له أن يحمل اسم أبيه. وكان المطلوب من الزوجة أن تحتمل هذا كله. لكن كان يجب عليها أن تحافظ على عفافها محافظة تامة وتكون وفية لزوجها.
صحيح أن المرأة الإغريقية في العصر البطولي محترمة أكثر منها في فترة الحضارة، لكنها، في الحقيقة لم تكن في نظر زوجها إلا أماً لورثته الشرعيين والمديرة الأولى لمنزله، والمشرفة على إمائه اللواتي كان بوسعه أن يتخذ منهن، وكان يتخذ منهن خليلات عندما يشاء. إن وجود الرق جنباً إلى جنب مع الزيجة الأحادية، ووجود الإماء الشابات الحسان اللواتي يرجعن جسماً وروحاً إلى الرجل هو الذي وسم الزيجة الأحادية منذ نشأتها بالسمة الخاصة بها، أعني أنها أحادية للمرأة فقط لا للرجل ولا تزال تحمل هذه السمة إلى يومنا هذا.
أما إغريق الأزمنة المتأخرة، فيجب أن نميز فيهم بين الدوريين والأيونيين. فالدوريون، الذين كانت اسبارطة النموذج الكلاسيكي لهم، كان لديهم، من عدة وجوه روابط زواجية أقدم من تلك التي يصفها هوميروس (Homer) نفسه. نجد في اسبارطة شكلاً من الزيجة الثنائية معدلاً من قبل الدولة وفق مفاهيم الاسبارطيين السائدة إذ ذاك، ولا يزال يحتفظ بعدة آثار من الزيجة الجماعية. لأن الزيجات التي لا تنجب أولاداً كانت تفسخ؛ فالملك انكساندريداس (Anaxandridas) (حوالى 650 ق.م.) اتخذ زوجة أخرى بالإضافة إلى زوجته الأولى العاقر، وأعال منزلين. والملك أريستونس، من الفترة ذاتها، أضاف زوجة ثالثة إلى زوجتيه السابقتين العاقرين، لكنه مقابل ذلك سرح إحداهن. ومن جهة أخرى، كان في وسع عدة إخوة اتخاذ زوجة واحدة مشتركة. وكان الشخص إذا فضل زوجة صديقه يستطيع أن يشاركه فيها؛ وكان يرى من المستحن أن يضع المرء زوجته تحت تصرف «حصان فحل» شديد المراس، كما يقول بسمارك، ولو لم يكن ذلك الشخص مواطناً. ولبلوتارك مقطع نرى فيه امرأة اسبارطية ترسل عاشقها الملحاح ليفاتح زوجها بما يبتغي منها. ويظهر أن هذا المقطع يدل، حسب رأي شومان، على أن حرية جنسية أعظم أيضاً كانت سائدة في الأعراف، ولذلك كان الزنى الحقيقي، أي خيانة الزوجة زوجها من دون علمه، أمراً غير مسموح به؛ ومن جهة أخرى، لم يكن الرق المنزلي معروفاً، في اسبارطة، في أفضل عهودها على الأقل، بل كان «الهيلوت»39 الأقنان يعيشون معزولين فوق الممتلكات. ولذلك كان الاسبارطيون40 أقل تعرضاً لما يغريهم بالاتصال بنساء أقنانهم. فكان طبيعياً جداً بسبب هذه الظروف كلها، أن تنعم نساء إسبارطة بمكانة محترمة أكثر جداً من المكانة التي نعمت بها جميع النساء الإغريقيات الأخريات. إن النساء الاسبارطيات ونخبة «الهيتايرات»41 الأثينيات هن النساء الإغريقيات الوحيدات اللواتي يذكرهن الأقدمون باحترام، كما يعتبرون أقوالهن جديرة بالتسجيل.
كانت الأمور تختلف كل الاختلاف لدى الأيونيين الذين تعد أثينا أنموذجاً لهم. فالفتيات هنا لا يتعلمن سوى الغزل والحياكة والخياطة وعلى أكثر تقدير، قليلاً من القراءة والكتابة وكن محجوراً عليهن، في الواقع، وما كن يرافقن سوى نساء أخريات. وكان جناح النسوة قسماً منفصلاً في الطابق الأعلى من المنزل أو في البناء الخلفي حيث يتعذر وصول الرجال ولا سيما الغرباء منهم؛ إلى هذا القسم كن يأوين عندما يأتي إلى المنزل زوار من الذكور. ولم تكن النساء ليخرجن من المنزل إلا بصحبة إحدى الإماء؛ وفي المنزل كن يوضعن تحت رقابة فعالة. ويحدثنا أريستوفان عن الكلاب المولوسية42 التي كانت تستخدم لترويع الزناة وطردهم؛ مع أن الناس في المدن الآسيوية كانوا، على الأقل، يستخدمون في حراسة النساء الخصية43 الذين كانوا يخصون في شيوس44 للتجارة منذ أيام هيرودوتس، والذين كانوا يشترون من قبل البرابرة وغير البرابرة. وفي كتابات يوريبيد45 توصف المرأة ب-واكوريما (Oikourema)، أي: شيء لصيانة المنزل (وهي كلمة ليست مذكرة ولا مؤنثة)؛ وإذا وضعنا جانباً الاهتمام بإنجاب الأولاد، لم تكن المرأة في نظر الرجل الأثيني أكثر من خادمة رئيسية. هذا بينما كانت للزوج تمارينه الرياضية ومناقشاته العامة التي كانت المرأة محرومة منها، يضاف إلى هذا أنه كان تحت تصرفه، في أغلب الأحيان، إماء؛ وفي الأيام الزاهرة لأثينا كان يستفيد من بغاء واسع الانتشار، وكانت الدولة تتسامح فيه على الأقل. وعلى أساس هذا البغاء بالضبط لم تتطور سوى النساء الإغريقيات البارزات، وبفضله حلقن فوق المستوى العام للعالم النسوي القديم مثلما حلقت النسوة الاسبرطيات بفضل خلقهن. لكن أقسى اتهام يوجه إلى العائلة الأثينية هو أن الواحدة من النساء كان لا بد لها من أن تصبح مومساً (هيتايرا) قبل أن تصبح امرأة.
وبمرور الزمن غدت هذه العائلة الأثينية الأنموذج الذي لم ينسج على غراره بقية الأيونيين وحدهم علاقاتهم المنزلية بل جميع الإغريق أيضاً في القارة وفي المستعمرات. لكن، بالرغم من كل حجر ورقابة، كانت الإغريقيات غالباً ما يجدن الفرص لخداع أزواجهن وخيانتهم، وهؤلاء الأزواج، الذين كانوا يحمرون خجلاً من إظهار الغرام بزوجاتهم، كانوا يستمتعون مع المومسات (الهيتايرات) بجميع صنوف الغرام. غير أن انحطاط قدر النساء انقلب على الرجال أنفسهم وحط من قدرهم ومن قدر آلهتهم معاً بأسطورة غانيميد (Ganymede)46.
ذلك كان أصل الزيجة الأحادية، بقدر ما نستطيع دراستها، لدى شعب هو أعظم شعوب الأزمنة القديمة حضارة وأرقاها تطوراً. إنها لم تكن قط ثمرة للحب الجنسي الفردي الذي لا يوجد إطلاقاً أي شيء مشترك بينه وبينها؛ لأن الزيجات ظلت زيجات مصلحة كما كانت من قبل. كانت الزيجة الأحادية أول شكل للعائلة مبني لا على أحوال طبيعية بل على أحوال اقتصادية، أي على انتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة البدائية الطبيعية النشأة. وكان الإغريق يعلنون صراحة أن الهدفين الوحيدين للزيجة الأحادية هما: سيطرة الرجل في العائلة، وإنجاب أولاد، لايمكن أن يكونوا إلا منه،مهيئين ليصبحوا ورثة لثروته أما ما عدا ذلك، فكان الزواج عبئاً، واجباً عليهم يجب أداؤه نحو الآلهة والدولة والأجداد. ففي أثينا لم يجعل القانون الزواج وحده إجبارياً، بل جعل إجبارياً أيضاً، قيام الزوج بالحد الأدنى مما يدعى الواجبات الزوجية.
من هذا يبدو أن الزيجة الأحادية لم تظهر قط على مسرح التاريخ بصورة وفاق بين الرجل والمرأة، ولا ظهرت، على الأخص، كأسمى شكل لوفاق من هذا القبيل. إنها، بالعكس، ظهرت بصورة إخضاع أحد الجنسين للجنس الآخر، بشكل إعلان صراع بين الجنسين غير معروف حتى ذلك الحين في أزمنة ما قبل التاريخ كلها. في مخطوطة قديمة غير منشورة كتبناها ماركس وأنا عام 1846 47، وقفت على ما يلي: «إن أول تقسيم للعمل بين الرجل والمرأة كان من أجل إنجاب الأطفال» واليوم أستطيع أن أضيف: أن أول تضاد طبقي يظهر في التاريخ يطابق نشأة التضاد بين الرجل والمرأة في الزيجة الأحادبة، وأول اضطهاد لجنس الإناث من قبل جنس الذكور. كانت الزيجة الأحادية تقدماً تاريخياً عظيماً، لكنه يدشن في الوقت نفسه، إلى جانب الرق والثروة الخاصة، ذلك العهد القائم إلى اليوم الذي يكون فيه كل تقدم تقهقراً نسبياً أيضاً، العهد الذي يدرك فيه بعض الناس مصلحتهم وتطورهم بشقاء الناس الآخرين واضطهادهم؛ والزيجة الأحادية هي الشكل الخلوي48 للمجتمع المتحضر، نستطيع أن ندرس فيها طبيعة التضادات والتناقضات التي تتطور تطوراً تاماً في المجتمع.
إن حرية العلاقة الجنسية النسبية القديمة لم تختف قط مع انتصار العائلة الزوجية، أو حتى مع انتصار الزيجة الأحادية.
«إن نظام الزيجة القديم، بعد أن تقلصت حدوده باختفاء مجموعات الشركاء (المجموعات البوتالوانية) بالتدريج، ظل يكتنف العائلة المستمرة في تطورها، وبقي متشبثاً بها حتى فجر الحضارة الناشئة... ولقد زال في آخر المطاف بتحوله إلى شكل جديد للهيتيرية-التسري، لا يزال يتبع البشرية حتى في عهد الحضارة كظل مظلم ثقيل يخيم على العائلة» (مورغان، المصدر نفسه، ص 511) (الناشر).
يقصد مورغان بالهيتيرية العلاقة الجنسية التي تمارس خارج الزواج بين الرجال والنساء غير المتزوجات إلى جانب الزيجة الأحادية، وقد ازدهر التسري كما هو معلوم جيداً بصفوفه الأكثر تنوعاً في أثناء فترة الحضارة كلها، والذي يتطور الآن بثبات إلى بغاء مكشوف. وترجع هذه الهيتيرية مباشرة إلى الزيجة الجماعية، إلى استسلام النساء ككفارة كن يشترين بها حقهن في العفة. أما استسلامهن في سبيل المال فكان في أول الأمر عملاً دينياً ويجري في معبد آلهة الغرام. وكان المال في الأصل يتدفق على خزانة المعبد. إن خادمات49 معبد أنايتيس في أرمينيا، ومعبد أفروديت في كورنثيا، وكذلك الراقصات الدينيات الملحقات بالمعابد في الهند– اللواتي يطلق عليهن لفظة Bayaders (هذه الكلمة تشويه للكلمة البرتغالية Bailadeira ومعناها الراقصة) - جميعهن كن من البغايا الأوليات. إن هذا الاستسلام التكفيري الذي كان في الأصل إلزامياً على كل النساء أصبح في آخر الأمر يمارس من قبل هذه الكاهنات فقط نيابة عن جميع النساء الأخريات. ولدى شعوب أخرى ينشأ التسري-الهيتيرية من الحرية الجنسية الممنوحة للفتيات قبل الزواج - فهو إذن، هنا أيضاً، بقية من الزيجة الجماعية، سوى أنه جاءنا بطريق آخر ومع ظهور التفاوت في الملكية بين الأفراد - أي منذ المرحلة العليا للبربرية - يظهر العمل المأجور في حالات متفرقة إلى جانب عمل الرقيق، وفي الوقت ذاته يظهر، كملحق حتمي له، البغاء المهني الذي تزاوله النساء الحرائر إلى جانب استسلام الجارية بصورة إجبارية. وعلى هذا يكون الإرث الذي تخلفه الزيجة الجماعية للحضارة ذا وجهين تماماً، كما يكون كل شيء تنجبه الحضارة ذا وجهين، وذا لسانين، متناقضاً مع نفسه متضاداً: فمن جهة الزيجة الأحادية ومن جهة أخرى الهيتيرية مع شكلها المتطرف البغاء. إن الهيتيرية إنما هي أيضاً مؤسسة اجتماعية كأية مؤسسة أخرى تماماً؛ إنها استمرار للحرية القديمة... في مصلحة الرجال. وبالرغم من أن التسري، في الواقع، لا يباح فحسب، بل يمارس باستمتاع أيضاً، ولا سيما من قبل الطبقات الحاكمة، نرى أنه يتهم بالكلام فقط. على أن هذا الاتهام لا يمس مطلقاً الرجال الذين يسترسلون فيه، بل يمس النساء وحدهن: يحتقرن وينبذن للإعلان ثانيةً عن أن سيطرة الرجال على النساء هي القانون الأساسي للمجتمع.
لكن من هنا يتطور تناقض ثان داخل الزيجة الأحادية ذاتها.ذلك أنه إلى جانب الرجل، الذي تجمل السراري حياته، تقف الزوجة المهملة. بيد أنه يستحيل وجود أحد وجهي التناقض من دون الوجه الآخر، كما يستحيل أن يحتفظ الإنسان في يده بالتفاحة كلها بعد أن يكون قد التهم نصفها. إلّا أن الرجال على ما يبدو قد فكروا غير هذا التفكير حتى فتحت نساءهم لهم عيونهم. فظهر على المسرح مع الزيجة الأحادية شخصيتان اجتماعيتان دائمتان غير معروفتين من قبل: خليل الزوجة والديوث50. كان الرجال قد انتصروا على النساء لكن المغلوبات تولين بكرم تتويج المنتصرين. وأصبح الزنى - الذي يحرَّم ويعاقب مرتكبه بقسوة، لكن يستحيل استئصاله - مؤسسة اجتماعية لا يمكن تجنبها إلى جانب الزيجة الأحادية والهيتيرية. وأصبحت إبوة الأولاد الموثوقة تبنى الآن على الأكثر، كما كانت في السابق، على عقيدة أخلاقية؛ ولأجل حل التناقض الذي لا يحل نصت المادة (312 من مجموعة قوانين نابوليون على «أن الطفل الذي تحبل به أمه في أثناء الزواج يكون الزوج أباً له»
«l’enfant conçu pendant le marriage a pour père le mari»
هذه هي النتيجة النهائية لثلاثة آلاف سنة من عمر الزيجة الأحادية.
إذن، في العائلة الأحادية وفي تلك الحالات التي تعكس بأمانة أصلها التاريخي، وتبرز بوضوح الصراع بين الرجل والمرأة الناتج من سيطرة الذكور المطلقة، لدينا صورة مصغرة لنفس التضادات والتناقضات التي يتحرك فيها المجتمع، المنقسم منذ بدء الحضارة إلى طبقات، من دون أن يكون في وسعه حلها أو التغلب عليها. إنني هنا بطبيعة الحال أشير فقط إلى تلك الحالات من الزيجة الأحادية التي تجري فيها الحياة الزوجية فعلاً بموجب القواعد التي تتحكم في الطابع الأصلي للمؤسسة كلها، لكن حين تثور الزوجة على سيطرة الزوج، وحيث لا تجري الأمور دائمًا على هذه الحال في جميع الزيجات فهذا لا يعرفه أحد أكثر من المتزمت الألماني الذي لم يعد يقدر على السيطرة في المنزل ولا على السيطرة في الدولة، والذي ترتدي زوجته نتيجة لذلك بكل حق، البنطال القصير الذي لا يليق به.لكنه، لكي يتعزى يتصور أنه أرقى منزلة من الفرنسي زميله في المصيبة، الذي يلاقي من الأمور الأشد إزعاجاً أكثر مما يلاقي هو في أغلب الأحيان.
غير أن الزيجة الأحادية لم تأخذ قط هذا المظهر في كل مكان وفي كل زمان بالشكل الكلاسيكي القاسي الذي اتخذته لدى الإغريق. فكانت المرأة تتمتع بحظ أكبر من الحرية والاحترام لدى الرومان الذين، بوصفهم فاتحي العالم المقبلين، كانت لهم نظرات أبعد، ولو أنها أقل تهذيباً من نظرات الإغريق. كان الروماني يعتقد بأن الأمانة الزوجية عند زوجته مضمونة ضماناً كافياً عن طريق ما له عليها من سلطة الحياة والموت. أضف إلى هذا أن المرأة كانت، كما الرجل، تستطيع حل رباط الزوجية إذا شاءت. غير أن أعظم تقدم في تطور الزيجة الفردية (Individual) قد تم بالضبط مع دخول الجرمان في التاريخ؛ إذ لا يبدو في هذا العهد، بداعٍ من فقرهم بلا ريب، أن الزيجة الأحادية لديهم قد نشأت بعدُ كلياً من الزيجة الثنائية ودليلنا على هذا ثلاثة أمور ذكرها تاقيطس.
أولاً، رغم اعتقادهم الجازم بقدسية الزواج، «كان كل رجل يقنع بزوجة واحدة وكانت النساء يعشن في سياج العفة» - كان تعدد الزوجات نافذاً للأعيان ورؤساء القبائل، وهو يشبه وضع الأميركيين الذين كانت الزيجة الثنائية سائدة بينهم.
ثانياً، لا بد أن الانتقال من حق الأمومة إلى حق الأبوة لايزال حديث العهد لأن أخا الأم – وهو، بناء على حق الأمومة، أقرب الأقرباء الذكور من العشيرة –كان لا يزال يعتبر تقريباً أقرب إلى المرء من أبيه، الأمر الذي يتفق أيضاً مع وجهة نظر الهنود الأميركيين الذين وجد ماركس لديهم المفتاح إلى فهم ماضينا فيما قبل التاريخ، كما اعتاد أن يقول في أغلب الأحيان
ثالثاً، كانت النساء لدى الجرمان محترمات جداً وذوات نفوذ حتى في الشؤون العامة، الأمر الذي يتعارض مباشرة مع سيطرة الذكور التي تتميز بها الزيجة الأحادية.
كل هذه تقريباً نقاط يتفق فيها الجرمان مع الأسبرطيين، الذين لم تكن الزيجة الثنائية، كما رأينا سابقاً قد اختفت من بينهم هم أيضاً اختفاءً تاماً. ومن هذه الناحية أيضاً اكتسب عنصر51 جديد كل الجدة تفوقاً عالمياً مع ظهور الجرمان، ذلك أن الزيجة الأحادية الجديدة، التي نشأت الآن من امتزاج الشعوب على انقاض العالم الروماني، قد كست سيطرت الرجال بأشكالٍ ألطف وسمحت للنساء بأن يشغلن، في المظاهر الخارجية على الأقل، منزلةً أوفر حريةً وأكثر احتراماً مما عرفته الأزمنة القديمة الكلاسيكية. وهذا، للمرة الأولى، خلق الإمكانية لحدوث أعظم تقدم أخلاقي ندين به للزيجة الأحادية – تقدمٌ تم ضمنها، بصورة موازية لها، أو بصورة معاكسة لها تبعاً للأحوال - وأعني به الحب الجنسي الفردي الحديث الذي لم يكن معروفاً في السابق من قبل العالم كله.
على أن هذا التقدم نتج، بلا ريب، من أن الألمان كانوا لا يزالون يحيون حياة العائلة الزوجية ويطعّمون بقدر المستطاع، الزيجة الأحادية بمكانة المرأة الموافقة لنظام عائلتهم الخاص.ولم ينتج هذا التقدم قط من الصفاء الخرافي العجيب للأخلاق الجرمانية الذي يرجع إلى كون العائلة الزوجية في الحقيقة لم تتحرك ضمن التناقضات الأخلاقية العنيفة للزيجة الأحادية. بالعكس، كان الجرمان في رحلاتهم باتجاه الجنوب الشرقي، بين بدو البراري المجاورة للبحر الأسود يعانون تفسخاً أخلاقياً عظيماً. واكتسبوا منهم، بالإضافة إلى الفروسية رذائل خطيرة منافية للطبيعة، كما بيّن ذلك بصراحة كلٌّ من إميانوس لدى التايفيليين (Taifalias) وبروكوبيوس لدى الهيروليين (Herulians).
وبالرغم من أن الزيجة الأحادية هي بين أشكال العائلة المعروفة، الشكل الوحيد الذي أمكن أن يتطور فيه الحب الجنسي الحديث، فليس معنى هذا أن هذا الحب قد تطور ضمن العائلة الأحادية حصراً أو غالباً، بشكل الحب المتبادل بين الزوج والزوجة. إن الطبيعة الكلية للزيجة الأحادية الصارمة في ظل سيطرة الرجل، تتعارض مع هذا. فلدى جميع الطبقات الفعالة تاريخياً، أعني جميع الطبقات الموجهة، تظل صفقة الزواج على ما كانت عليه منذ الزيجة الثنائية: قضية مصلحة يرتبها الأبوان. أما الشكل الأول للحب الجنسي الذي يبرز تاريخياً بشكل هوى، يحق لكل إنسان (من الطبقات الحاكمة على الأقل) أن ينقاد له، وكأرقى شكل للغريزة الجنسية - التي تؤلف بالضبط سمته الخاصة - أما هذا الشكل، الشكل الأول للحب الجنسي، أعني الحب الفروسي في القرون الوسطى، فلم يكن قط حباً زوجياً، بل كان، على الضد، يتجه في شكله الكلاسيكي لدى سكان البروفانس بخطى ثابتة نحو الزنى، الذي كان الشعراء يتغنون بمحامده.إن الـ(Albas)، وبالألمانية (Tagelieder) (أي أغاني الفجر)، وهي زهرة الشعر الغرامي البروفانسي، تصف بألوان زاهية كيف يضطجع الفارس إلى جانب حبيبته - زوجة شخصٍ آخر - بينما يقوم في خارج المنزل حارس يحرسه ويناديه عندما يبرز أول خيط من خيوط الفجر «alba» لكي ينجو بنفسه من دون أن يراه أحد؛ ويؤلف مشهد الفراق أوج الأغنية. إن أهل الشمال في فرنسا، وكذلك الألمان الشجعان تبنوا، هم أيضاً، هذا اللون من الشعر مع الحب الفروسي الذي يوافقه؛ وحول هذا الموضوع الجذاب بالذات خلف لنا شاعرنا الشيخ (ولغرام فون إيشانباخ) ثلاث أغنيات رائعة من أغاني الفجر هي عندي أفضل من قصائده البطولية الطويلة الثلاث.
الزيجة البورجوازية في زمننا نوعان: ففي البلاد الكاثولكية لا يزال الأبوان، كعهدنا بهما فيما مضى، يدبران الزوجة الملائمة لابنهما البوروجوازي الصغير وينتج من هذا، بصورة طبيعية، ظهور التناقض الكامن في الزيجة الأحادية أجلى ظهور أعني ازدهار التسري - الهيتيري من جانب الرجل وازدهار الزنى من جانب المرأة. ولا ريب أن الكنيسة الكاثوليكية قد ألغت الطلاق لا لسبب إلا لأنها كانت مقتنعة بأن الزنى، كالموت، لا يوجد له أي دواء مهما كان نوعه. وفي البلاد البروتستانتية، من جهة أخرى، جرت العادة على أن يبحث الإبن البورجوازي بحرية تقريباً عن زوجة له من طبقته الخاصة.ولهذا السبب يمكن أن يبنى الزواج على درجة معينة من الحب، الحب الذي يدعيه الزوجان دائماً تأدباً وفقاً للنفاق البروتستانتي. وفي هذه الحالة يقل اصطناع الهيتيري-التسري من جانب الرجال وتقل حوادث الزنى من قِبل المرأة. لكن لما كان الناس في كل نوع من أنواع الزواج يظلون على ما كانوا عليه قبل أن يتزوجوا، ولما كان المواطنون في البلاد البروتستانية معظمهم متزمتين فإن هذه الزيجة الأحادية البروتستانتية لا تؤدي، إذا أخذنا معدل أفضل الحالات، إلا إلى حالات زوجية مملة ثقيلة كالرصاص، توصف بالسعادة المنزلية. إن أحسن مرآة لهاتين الطريقتين من الزواج هي القصة: القصة الفرنسية للأسلوب الكاثوليكي، والقصة الألمانية للأسلوب البروتستانتي. وفي كلتا القصتين « ينال الرجل نصيبه» في القصة الألمانية ينال الشاب الفتاة وفي القصة الفرنسية، يجني الزوج قرني الديوث «أي تزني امرأته بمعرفته» وليس من السهل دائماً أن نعرف أيهما الأسوأ حظاً. لأن كآبة القصة الألمانية تثير بالبورجوازي الفرنسي الهلع ذاته الذي تثيره «لا أخلاقية» القصة الفرنسية في الألماني المتزمت، هذا بالرغم من أن القصة الألمانية في المدة الأخيرة صارت منذ «أخذت برلين تصبح عاصمة عالمية» تتناول، بخجل أقل من ذي قبل، الزنى والهيتيري اللذين كان من المعروف وجودهما هناك منذ زمن طويل.
لكن الزواج، في كلتا الحالتين يحدده الوضع الطبقي للطرفين؛ ويظل دائماً إلى ذلك المدى، زواج مصلحة. وفي كلتا الحالتين، تنقلب هذه الزيجة المصلحية في أحيان كثيرة إلى بغاء من أشنع الأنواع من قبل الطرفين، في بعض الأحيان، لكن بوجه أعم من قبل الزوجة، التي لا تختلف عن المومس العادية إلا في أنها لا تؤجر جسدها على أساس القطعة كما تفعل الأمة. وتصدق كلمات فورييه التالية على جميع زيجات المصلحة: « كما أن النفيين في النحو يساويان إثباتاً، كذلك الأمر في الأخلاق الزوجية، البغاءان يساويان فضيلة واحدة» إن الحب الجنسي في علاقة الزوج والزوجة لا يكون سنَّة ولا يمكن أن يصبح سنَّة إلا لدى الطبقات المضطهدة، أي، في الوقت الحاضر، لدى البروليتاريا، سواء اقترنت هذه العلاقة بالمصادقة الرسمية أم لم تقترن. لكن جميع أسس الزيجة الأحادية الكلاسيكية قد أزيلت من هنا. فها هنا لا يوجد أي نوع من أنواع الملكية التي، من أجل المحافظة عليها وتوريثها، إنما تأسست الزيجة الأحادية وقامت سيطرة الرجل. ولذلك لا يوجد هنا أي دافع، مهما كان نوعه، لتأليه سيطرة الرجل. أضف إلى ذلك أن وسائل السيطرة ذاتها غير ميسورة: لأن القانون البورجوازي الذي يحمي هذه السيطرة، لا يوجد إلا من أجل الطبقات المالكة ومن أجل معاملاتها مع البروليتاريين؛ إنه يكلف مالاً ولذلك، بالنظر إلى فقر العامل، لا ينطبق مطلقاً على موقف العامل من زوجته. إن علاقات اجتماعية وشخصية من صنف مختلف كل الاختلاف هي العوامل الحاسمة هنا في الزيجة البروليتارية، يضاف إلى هذا أنه، منذ أن نقلت الصناعة الضخمة المرأة من المنزل إلى سوق العمل والمعمل جاعلةً منها في كثير من الأحيان كاسبة قوت المنزل، فقدت آخر بقايا سيطرة الرجل في المنزل البروليتاري كل أساس تقوم عليه – ربما، باستثناء تلك البقية من القسوة ازاء النساء، التي رسخت جذورها مع إدخال الزيجة الأحادية. لذلك لم تبقَ العائلة البروليتارية أحادية بالمعنى الدقيق، حتى في حالات أعنف الحب وأشد الإخلاص بين الطرفين، ورغم جميع البركات الروحية والدنيوية الممكنة. ومن أجل هذا، لا يلعب ملحقا الزيجة الأحادية الأبديان - التسري الهيتيري والزنى - سوى دور تافه هنا؛ لأن المرأة قد استعادت، فعلاً، حقها في الطلاق، وأصبح الزوجان يفضلان الافتراق إذا تعذر على أحدهما احتمال الآخر. إن الزيجة البروليتارية، بكلمة مختصرة، زيجة أحادية بالمعنى الاشتقاقي للكلمة، وليست أحادية بالمعنى التاريخي البتة.
يرى حقوقيونا، والحق يقال، أن تقدم التشريع يبعد، بدرجة متزايدة، كل ذريعة للشكوى من جانب المرأة؛ كما أن النظم التشريعية المتحضرة الحديثة آخذة شيئاً فشيئاً بالاعتراف:
أولاً، بأنه يجب في الزواج لكي يصبح نافذاً أن يكون عقداً يدخله الطرفان بمحض اختيارهما.
ثانياً، بأنه ينبغي أن يقف الطرفان، أثناء الزواج أيضاً، على قدم المساواة أحدهما من الآخر في الحقوق والواجبات.
فإذا تحقق هذان الشرطان بشكل منطقي بلغت النساء كل ما يمكن أن يشتهين.
هذا التفكير الخاص برجل القانون هو التفكير ذاته تماماً الذي يخيب فيه البورجوازي الجمهوري الرديكالي البروليتاري ويفحمه. إن المفروض في عقد العمل أن يدخله الطرفان بمحض اختيارهما، لكن دخوله يعتبر اختيارياً منذ أن يساوي القانون على الورق بين الطرفين. أما القوة التي يملكها أحد الطرفين، بفضل وضعه الطبقي والضغط الذي يمارسه على الطرف الآخر - الوضع الاقتصادي لكليهما - أما كل هذا فلا يلتفت إليه القانون. ويفترض أيضاً في كلا الطرفين أن يتمتعا بحقوقٍ متساوية طوال مدة العقد ما لم يتنازل أحد الطرفين بصراحة عن هذه الحقوق. أما أن الأحوال الاقتصادية ترغم العامل على التنازل حتى عن آخر مظهر من مظاهر الحقوق المتساوية، أما هذا أيضاً، فإن القانون لا يستطيع أن يتدخل فيه.
وفيما يخص الزواج يكتفي القانون، ولو كان أكثر القوانين تقدمية، اكتفاءً تاماً منذ أن يسجل الطرفان بصورة شكلية موافقتهما الحرة على الزواج. أما ماذا جرى خلف كواليس التشريع، حيث تشرَّع الحياة الحقيقية، وكيف تم الوصول إلى هذه الموافقة الحرة فليس ذلك مما يعنى به القانون والحقوقي. ومع ذلك، فإن أبسط مقارنة بين القوانين تكفي لنرى ما هي القيمة الحقيقية لهذه الموافقة الحرة. ففي البلاد الذي يضمن قانونها للأولاد حصة إجبارية من أملاك أبويهم، ولذلك لا يمكن حرمانهم من الميراث - كألمانية، والبلاد التي تخضع للقانون الفرنسي...إلخ - يجب على الأولاد الحصول على رضا أبويهم في قضية الزواج. وفي البلاد التي تسير على القانون الإنكليزي، حيث لا يطلب شرعاً الحصول على موافقة الأبوين على الزواج، يملك الأبوان حرية التصرف بأملاكهما عن طريق الوصية، ويستطيعان، إذا شاءا، حرمان أولادهما من الإرث. يتضح، إذن، أن حرية الزواج بالرغم من هذا، أو بالحري بسبب من هذا، ليست، لدى الطبقات التي لها بعض ما تورثه، أكبر شعرةً واحدة في أميركا وإنكلترا من حرية الزواج في فرنسا وألمانيا.
والوضع ليس أفضل فيما يخص المساواة الحقوقية بين الرجل والمرأة في الزواج؛ لأن عدم التساوي في الحقوق بين المرأة والرجل، وهو شيء ورثناه من ظروف اجتماعية سابقة ليس هو سبب الاضطهاد الاقتصادي للنساء بل نتيجة له. ففي الاقتصاد المنزلي المشاعي القديم الذي كان يضم عدة عائلات مع أولادها كانت إدارة المنزل، التي يعهد بها إلى المرأة، صناعة عامة ضرورية من الوجهة الاجتماعية لا تقل عن تزويد الرجال المنزل بالغذاء. وقد تغير هذا الوضع بمجيء العائلة الأبوية، وأكثر من ذلك، بمجيء العائلة الأحادية الفردية حيث فقدت إدارة المنزل صفتها العامة ولم تبق أمراً يهم المجتمع وإنما صارت خدمة خاصة،وأصبحت المرأة أول خادمة منزلية، ومنحَّاة عن المشاركة في الإنتاج الاجتماعي. والصناعة الضخمة الحديثة وحدها هي التي فتحت ثانيةً للمرأة – وللمرأة البروليتارية وحدها - الطريق إلى الإنتاج الاجتماعي، لكن بطريقة تقضي بأن تظل بعيدة عن الإنتاج العام وغير قادرة على كسب أي شيء إذا هي أرادت أن تنجز واجبات الخدمة الخاصة في عائلتها، كما تقضي عليها، من جهة أخرى، بأن تكون في وضع يمنعها من إنجاز واجباتها المنزلية إذا هي أرادت المساهمة في الصناعة العامة وكسب قوتها مستقلة. وما يصدق على المرأة في المعمل يصدق عليها في سائر المهن حتى نصل إلى الطب والمحاماة. إن العائلة الفردية الحديثة مؤسسة على استعباد المرأة استعباداً منزلياً مكشوفاً أو مقنعاً؛ والمجتمع الحديث كتلة مؤلفة فقط من العائلات الفردية التي تقوم منها مقام الجزئيات.
واليوم، في معظم الحالات يجب على الرجل أن يعيل العائلة وأن يكسب خبزها في بيئة الطبقات المالكة على الأقل؛ وهذا يضعه في موضع المسيطر من دون حاجة إلى امتيازات قانونية خاصة. الرجل في العائلة هو البورجوازي، والزوجة تمثل «البروليتاري» لكن في عالم الصناعة نجد الصفة الخاصة للاضطهاد الاقتصادي، الذي تنوء به البروليتاريا، لا تبرز بكل حدتها إلا عندما تزاح جانباً جميع الامتيازات القانونية الخاصة التي تملكها الطبقة الرأسمالية، وتُقَّرُ المساواة الحقوقية التامة بين الطبقتين. إن الجمهورية الديموقراطية لا تزيل التصادم بين الطبقتين؛ بل هي بالعكس، تمده بالميدان الذي يجري فيه. وكذلك الأمر فيما يخص الصفة الخاصة لسيطرة الرجل على المرأة في العائلة الحديثة وفيما يتعلق بالضرورة، وكذلك، بكيفية إقامة مساواة اجتماعية حقيقية بين الإثنين؛ فهذه الأمور لن تبرز بروزاً تاماً إلا عندما يكون الإثنان متساويين أمام القانون مساواةً تامة.ويتضح من هذا إذن، أن الشرط الأول لتحرير النساء هو إعادة إدخال جميع النساء في الصناعة العامة، وأن هذا الشرط، بدوره، يقضي بإزالة الصفة التي تملكها العائلة من حيث أنها الوحدة الاقتصادية للمجتمع.
***
لدينا إذن، ثلاثة أشكال رئيسية للزواج تطابق إجمالاً، المراحل الرئيسية الثلاث للتطور البشري: الزيجة الجماعية للوحشية، والزيجة الزوجية الثنائية للبربرية، والزيجة الزوجية الأحادية للحضارة، متممة بالزنى والبغاء. وفي المرحلة العليا للبربرية، بين الزيجة الثنائية الزوجية والزيجة الأحادية، تُحشر سيطرة الرجال على النساء الإماء وتعدد الزوجات.
إن التقدم الذي تجب ملاحظته في هذا التسلسل مرتبط، كما تبين من عرضنا كله، بهذه الحقيقة الخاصة: بينما تحرم النساء، شيئاً فشيئاً من الحرية الجنسية الموجودة في الزيجة الجماعية نجد الرجال لا يحرمون منها. وفي الواقع، إن الزيجة الجماعية للرجال لا تزال قائمة إلى الآن، لأن ما يعد من المرأة جريمة ويترتب عليه نتائج اجتماعية وقانونية فظيعة ليس إذا ما قام بها الرجل إلا شرفاً أو، في أسوأ الحالات بالنسبة إليه، وصمة أخلاقية يتحملها بسرور. لكن التسري- الهيتيري التقليدي القديم كلما تبدل في أيامنا بواسطة إنتاج السلعة الرأسمالي وكلما تلاءم معه تحول إلى بغاء مكشوف وازدادت نتائجه تهديماً للأخلاق. وهو يهدم أخلاق الرجال أكثر مما يفعل في أخلاق النساء. لأن البغاء لا يدهور، من النساء، سوى أولئك السيئات الحظ اللواتي يسقطن بين مخالبه، وحتى هؤلاء لا يتدهورن إلى الدرجة التي يعتقدها الناس عموماً؛ وهو، من جهة أخرى، يدهور أخلاق عالم الذكور كله. وعلى هذا في تسع حالات من عشر، تكون الخطبة الطويلة، فعلاً، مدرسة إعدادية للخيانة الزوجية.
نحن الآن مقبلون على ثورة اجتماعية تختفي فيها الأسس الاقتصادية الحالية للزيجة الأحادية بصورة أساسية كما تختفي أسس متمّيها أي البغاء والزني. لقد ظهرت الزيجة الأحادية من تركز ثروات كبيرة في أيدي شخص واحد – أيدي رجل - ومن الحاجة إلى توريث هذه الثروة لأولاد هذا الرجل لا لأولاد أي شخص آخر. لهذه الغاية كانت الأحادية ضرورية من جانب المرأة، لكن لم تكن ضرورية من جانب الرجل، حتى إن وحدانية المرأة هذه لم تعق بأي شكل من الأشكال تعدد الزوجات الذي يمارسه الرجل ممارسة مكشوفة أو مستورة. لكن الثورة الاجتماعية الوشيكة الوقوع، بتحويلها على الأقل القسم الأعظم من الثروات الدائمة القابلة للإرث - وسائل الإنتاج – إلى ملكية اجتماعية، سوف تنقص كل هذا القلق على الميراث وحده إلى حده الأدنى. ولما كانت الزيجة الأحادية قد ظهرت من أسباب اقتصادية فهل تختفي باختفاء هذه الأسباب؟ يمكن الإجابة بحق في القول: إنها، بدلاً من أن تختفي سوف تأخذ بالتحقق تحققاً تاماً لأنه، لتحويل وسائل الإنتاج إلى ملكية اجتماعية سيزول أيضاً العمل المأجور، البروليتاريا، وستزول أيضاً تبعاً لذلك، الضرورة التي تضطر عدداً من النساء – يمكن حسابه بواسطة الإحصاء - إلى الاستسلام من أجل المال. إن البغاء يختفي والزيجة الأحادية بدلاً من السقوط، تصبح حقيقة في آخر الأمر، للرجال كذلك.
وفي جميع الأحوال، سيتحول وضع الرجال تحولاً عميقاً. لكن وضع النساء، جميع النساء، سيطرأ عليه هو أيضاً تبدل هام.52 فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى العائلة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع. وينقلب الاقتصاد المنزلي إلى صناعة اجتماعية، وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشؤون العامة. فيعنى المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء أكانوا شرعيين أم طبيعيين. وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التي هي في زمننا أهم حاجز اجتماعي – اقتصادي وخلقي - يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب.أفلن يكون هذا سبباً كافياً لازدياد حرية العلاقة الجنسية شيئاً فشيئاً، ومن ثم لنشوء رأي عام أكثر تساهلاً فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء؟ أخيراً، ألم نرَ أن الزيجة الأحادية والبغاء، في العالم الحديث، رغم كونهما ضدين، هما ضدان لا ينفصلان، محوران لنفس الظروف الاجتماعية؟ فهل يمكن أن يختفي البغاء من دون أن يجر الزيجة الأحادية معه إلى الهاوية؟
هنايدخل عامل جديد، عامل كان موجوداً بصورة نواة، على الأكثر، أثناء تكون الزيجة الأحادية وأعني به: الحب الجنسي الفردي.
قبل القرون الوسطى لم يكن يوجد شيء من قبيل الحب الجنسي الفردي. صحيح أن الجمال الشخصي، والصداقة القلبية، والميول المتماثلة، الخ... كانت توقظ الرغبة في العلاقة الجنسية لدى الأفراد من الجنسين، وأن الرجال والنساء معاً ما كانوا قط لئلّا يكترثوا بمسألة من هو الشخص الذي يدخلون معه في علاقة كهذه هي أخص العلاقات. لكن لا يزال بين هذا وبين الحب الجنسي في أيامنا بون واسع جداً. كانت الزيجات خلال الأزمنة القديمة يرتبها الأبوان، وكان الطرفان يقنعان بهدوء بما دبر لهما. والحب الزوجي القليل الذي كان معروفاً في الأزمنة القديمة لم يكن قط ميلاً ذاتياً (Subjective) بل واجباً موضوعياً (Objective)، لم يكن سبباً للزواج بل نتيجة له. وفي الأزمنة القديمة لا يقع الحب، بمعناه الحديث، إلا خارج المجتمع الرسمي. فالرعاة الذين تغنى بأفراحهم وأتراحهم الغرامية ثيوكريت وموشوس، أو دافنه وكلوويه بطلا القصة التي ألفها لونغوس، هؤلاء الرعاة ما هم إلا عبيد، ليس لهم أي نصيب في الدولة، فلك المواطن الحر. لكن، خارج نطاق العبيد لا نجد شؤون الحب إلا كثمرة لانحلال العالم القديم المنهار؛ ومع نساء كن هن كذلك يعشن خارج المجتمع الرسمي مع الجواري: أي مع النساء الأجنبيات أو المعتقات: في أثينا منذ عشية سقوطها، وفي روما في عهد الأباطرة. لكن إذا اتفق أن حدثت حقاً علاقات غرامية بين الأحرار من المواطنين والمواطنات فإنها لم تكن تحدث إلا بشكل الزنى. وأناكريون (Anacreon) الشيخ الشاعر الكلاسيكي للحب في الأزمنة القديمة كان يهزأ هزؤاً شديداً بالحب الجنسي بالمعنى الذي نفهمه نحن، إلى درجة أنه ما كان ليبالي قط حتى بجنس المحبوب.
يختلف حبنا الجنسي اختلافاً جوهرياً عن الرغبة الجنسية البسيطة، الشهوة (The Eros)، لدى الأقدمين. فهو:
أولاً، يفترض في المحبوب أن يبادل الحب؛ وبهذا الصدد تقف المرأة على قدم المساواة مع الرجل؛ بينما، في الشهوة القديمة، لم يكن يؤخذ دائماً رأي المرأة قط.
ثانياً، يبلغ الحب الجنسي درجة من القوة والدوام تجعل الخيبة في امتلاك المحبوب أو الافتراق عنه مصيبة كبيرة إن لم نقل كبرى المصائب في نظر الطرفين. فيتعرض الحبيبان، لكيما ينال أحدهما الآخر، لأخطار جمة، وربما للموت ذاته - الأمر الذي لم يكن يحدث في العصور القديمة إلا في حوادث الزنى.
وأخيراً، يظهر مقياس أخلاقي جديد للحكم على العلاقة الجنسية. فلا يسأل فقط: هل تمت مثل هذه العلاقة داخل الزواج أم خارجه؟ بل يسأل أيضاً هل قام على الحب وعلى الحب المتبادل؟ لا حاجة بنا للقول إن هذا المقياس الجديد لن يكون حظه من الاحترام أحسن من حظ جميع المقاييس الأخرى في سلوك الاقطاعي والبورجوازي: يُتجاهل فقط. لكن هذا المقياس لا يعامل معاملة أسوأ من معاملة المقاييس الأخرى. فيُعترف به اعترافاً نظرياً، على الورق، كسائر المقاييس الأخرى. وهذا كل ما يمكن المطالبة به في الوقت الحاضر.
إن النقطة التي توقفت عندها العصور القديمة في سيرها نحو الحب الجنسي هي ذاتها النقطة التي بدأت منها القرون الوسطى، أعني: الزنى. أتينا فيما سبق على ذكر الحب الفروسي، الذي أدى إلى ظهور أغاني الفجر. لكن لا تزال توجد فجوة واسعة، بين هذا اللون من الحب، الذي كان يهدف إلى تهديم الزواج، والحب الذي ينبغي أن يكون أساساً له، فجوة لم يملأها كلها عصر الفروسية البتة. فحتى حين ننتقل من اللاتين المستهترين إلى الألمان المتمسكين بأهداب الفضيلة نجد في قصيدة نيبيلونجن أن كريمهيلدا – رغم كونها في السر تحب سيغفريد بمقدار حبه لها - تجيب غانتر حين أبلغها أنه وعد بأن يقدمها إلى فارس لا يحب أن يسميه لها، قائلة فقط: «ليس بك حاجة إلى رجائي سأكون دائماً كما تأمرني، وسأكون - يا سيدي – عن طيب خاطر مخلصة لمن تختاره زوجاً لي» ولم يخطر البتة في بال كريمهيلدا أن تحسب حساباً لحبيبها في هذه القضية. ويطلب غانتر يد برونهيلدا من دون أن يكون قد رآها، ويفعل إيتزل الشيء ذاته مع كريميهلدا. ويحصل الشيء نفسه في ال-غودرون حيث يطلب سيغابان الإيرلندي يد يوتا النرويجية، ويطلب هيتيل الهيجلينجي يد هيلدا الإيرلندية، وأخيراً، يطلب كل من سيغفريد المورلندي وهارتموت الأورماني، وهيروينغ السيلاندي يد غودرون، وهنا يتفق للمرة الأولى ان تختار غودرون بمحض إرادتها الشخص المذكور أخيراً. ويختار العروس للأمير أبواه بوجهٍ عام، فإذا لم يكن هذان على قيد الحياة اختارها بنفسه بموافقة رؤساء الإقطاع الذين يكون لكلمتهم وزن كبير في سائر الحالات. ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، لأن الزواج بالنسبة إلى الفارس أو البارون كما هو بالنسبة إلى الأمير ذاته، عمل سياسي، فرصة لمد السلطان بين حلفاء جدد؛ لأن مصلحة المنزل، لا ميل الفرد، هي العامل الحاسم. فأنّى للحب أن يأمل أن يكون صاحب الكلمة النهائية فيما يخص الزواج؟
ولم يكن الأمر يختلف بالنسبة إلى البورجوازي عضو الأصناف الحرفية (Corporation) في مدن القرون الوسطى. فكانت الامتيازات ذاتها التي تحميه – ميثاق الأصناف الحرفية مع بنوده الخاصة والحدود الاصطناعية التي تميزه قانوناً عن الأصناف الحرفية الأخرى وتميزه عن زملائه أعضاء الأصناف الحرفية وعن صنَّاعه المدربين (Journeyman) وأجرائه التلاميذ (Apprentice) - تضيّق كثيراً من الدائرة التي يستطيع أن يأمل في العثور فيها على زوجة ملائمة. وفي ظل هذا النظام المعقد كانت مصلحة العائلة، لا ميل الفرد، هي التي تقرر إطلاقاً أي النساء أنسب له.
إلى نهاية القرون الوسطى إذن، ظل الزواج، في أكثرية الحالات الساحقة، على ما كان عليه منذ البدء، أي قضية لم يكن الطرفان الرئيسان يبتان فيها. كان الإنسان في البدء يفد إلى هذا عالم متزوجاً صرفاً، متزوجاً مجموعة كاملة من الجنس الآخر. ويحتمل أن علاقة مماثلة لهذه كانت موجودة في الأشكال المتأخرة من الزيجة الجماعية، سوى أن حدود هذه الجماعة كانت تزداد تقلصاً باستمرار. ففي العائلة الزوجية جرت العادة بأن تنظم الأمهات زيجات أولادهن؛ وهنا أيضاً نجد أن اعتبارات روابط القرابة الجديدة، التي يجب أن تقوي مركز الزوجين الشابين في العشيرة والقبيلة، هي العامل الحاسم. وعندما تمت الغلبة لحق الأبوة وللزيجة الأحادية على أثر غلبة الملكية الخاصة على الملكية العامة، وعلى أثر الاهتمام بالوراثة، أصبح الزواج خاضعاً أكثر من أي عهد مضى للاعتبارات الاقتصادية. إن شكل الزواج بالشراء يختفي، لكن الشراء ذاته يُمارس بنسبة متزايدة باستمرار، بصورة أن الرجل أيضاً، لا المرأة وحدها يقوّم، لا بصفاته الشخصية بل بأمواله. أما الاعتقاد بأن الميول المتبادلة بين الطرفين الرئيسيين يجب أن تكون السبب الذي يحمل على الزواج فلم يسمع به في سلوك الطبقات الحاكمة منذ البدء. وكانت الأمور من هذا القبيل لا تقع إلا في الروايات... أو لدى الطبقات المضطهدة التي لم يكن لها قيمة.
ذلك هو الوضع الذي واجهه الإنتاج الرأسمالي عندما أخذ يتهيأ، بعد عهد الاكتشافات الجغرافية لفتح العالم بالتجارة العالمية وإنتاج المعامل(Manufcature, la produciton manufacturiére). قد يظن المرء أن هذا الأسلوب من الزيجة يلائم الإنتاج الرأسمالي ملاءمة تامة. وهذا الذي حدث فعلاً. ومع ذلك – ولا يمكن إدراك غور سخرية التاريخ العالمي - كان على الإنتاج الرأسمالي ذاته أن يحدث الثغرة الحاسمة في هذا الأسلوب. لأنه، بتحويل كل الأشياء إلى سلع، حل جميع العلاقات التقليدية القديمة، واستبدل، بالأعراف الموروثة والحقوق التاريخية، البيع والشراء، العقد «الحر»
وقد ظن الحقوقي الإنكليزي (و.س.مين.) أنه اكتشف اكتشافاً عظيماً عندما قال: «إن كلما أحرزناه من تقدم بالقياس إلى العصور السابقة يتألف من أننا انتقلنا من حالة ثابتة إلى عقد (From status to contract)، من أحوال كانت تنقل بالوراثة إلى أحوال نتعاقد عليها بحرية» وهو قول على صحته، ورد قبل ذلك بمدة طويلة في البيان الشيوعي (الفصل الثاني).
لكن إتمام العقد يفترض إيجاد إناس يستطيعون التصرف بحرية بأشخاصهم وأعمالهم وأملاكهم، ويقف بعضهم من بعض على قدم المساواة. إن خلق أناس «أحرار» و«متساوين»، من هذا القبيل كان بالضبط مهمة رئيسية من مهمات الإنتاج الرأسمالي.وبالرغم من أن هذا العمل لم يتم إلا بطريقة شبه واعية، وتحت أقنعة دينية، فقد صار من المبادئ الثابتة منذ الإصلاح اللوثري والكالفيني، الاعتقاد بأن الإنسان لا يكون مسؤولاً مسؤولية تامة عن أعماله إلا إذا كان يملك حرية الإرادة التامة لدى قيامه بها، وبأنه من الواجبات الأخلاقية أن يقاوم الإنسان كل ضغط لاقتراف أعمال منافية للأخلاق. ولكن كيف ينسجم هذا مع ما كان متبعاً حتى ذلك الحين في إبرام الزواج؟ كان الزواج بحسب المفاهيم البورجوازية عقداً، شأناً من شؤون القانون، بل أهم الشؤون جميعاً ما دام يتصرف بعقل كل من الطرفين وبجسمه مدى الحياة. صحيح أن الصفقة كانت تتم شكلاً، بإرادة حرة، لأن الصفقة لم تكن تتم إلا بموافقة من الطرفين؛ لكن من المعروف جيداً كيف كانت تجري هذه الموافقة ومن الذي كان، حقاً يدبر الزواج. لكن، إذا كانت حرية الاختيار الحقيقية لازمة لإبرام جميع العقود الأخرى، فلم لا تكون شرطاً لهذا العقد؟ أليس لهذين الشابين، اللذين يوشكان على الاتحاد، الحق أيضاً في أن يتصرف كلٌّ منهما تصرفاً حراً بنفسه، بجسمه، وبأعضائه؟ ألم يصبح الحب الجنسي بدعة شائعة بفضل عهد الفروسية؟ أو لم يكن الحب الزوجي هو شكله البورجوازي الصحيح المقابل لحب الزنى عند الفرسان؟ لكن إذا كان من واجب الحبيبين أن يتزوج أحدهما الآخر، ولا يتزوج أي شخص آخر سواه، أليس حق الحبيبين هذا أسمى من حق الآباء والأمهات والأقرباء وغيرهم من الوسطاء وسماسرة الزيجة التقليديين؟ ثم إذا كان حق التحري الشخصي قد شق طريقه بلا إزعاج إلى الكنيسة وإلى الدين، فهل يمكنه التوقف أمام ما لايمكن تحمله من ادعاء الجيل القديم حق التصرف بجسد الجيل الجديد وروحه وثروته وسعادته وشقائه؟
لم يكن بدّ من أن تطرح هذه الأسئلة في الفترة التي انحلت فيها جميع الروابط الاجتماعية القديمة وتزعزعت أسس المفاهيم التقليدية. إذ أصبحت الأرض، بضربة واحدة، عشرة أضعاف ما كانت عليه تقريباً. فبدلاً من ربع نصف53 الكرة الأرضية فقط، أصبحت الكرة الأرضية كلها تمتد أمام بصر الأوروبيين الغربيين الذين تهالكوا لامتلاك سبعة أرباع نصفي الكرة الأرضية الأخرى،54 وتحطمت الحواجز المقامة في وجه تفكير القرون الوسطى وفي الوقت ذاته انهارت الحواجز القديمة الضيقة لبلادهم. وانفسخ أمام بصيرة الإنسان وبصره أفق أوسع سعة لا نهاية لها. فأية أهمية تبقى للشهرة الحسنة بالاستقامة ولامتيازات الأصناف الحرفية المشرفة، المنتقلة من جيل إلى جيل، في نظر الشاب الذي فتنته ثروات الهند ومناجم الذهب والفضة في المكسيك وبوتوزي؟ تلك كانت مرحلة الفروسية الهائمة للبورجوازية! وكانت لها قصصها أيضاً وأحلامها الغرامية، لكن على أساس بوروجوازي ولغايات بورجوازية كما ظهر من التحليل الأخير.
هكذا اتفق أن البورجوازية الصاعدة، ولا سيما في البلاد البروتستانتية، حيث أصيبت الأحوال السائدة بهزة أشد منها في أي مكان آخر، أخذت شيئاً فشيئاً تعترف بحرية العقد للزيجة أيضا،ً وأخذت تنفذه بالأسلوب الذي أتينا على وصفه. لقد بقي الزواج زواجاً طبقياً، لكن في حدود الطبقة، ومنح الطرفان درجة معينة من حرية الاختيار. وعلى الورق، سواء في النظريات الأخلاقية أم الأوصاف الشعرية، لم يتوطد شيء بشكل لا يتزعزع أكثر من هذا المبدأ: إن كل زواج لا يبنى على الحب الجنسي المتبادل وعلى رضا الزوج والزوجة رضاً حراً حقاً هو زواج مناف للأخلاق. وبالإيجاز، نودي بزواج الحب حقاً من حقوق الإنسان، ليس فقط للرجل (Droit de l’homme) بل – بصورة استثنائية – حقاً للمرأة أيضاً (Droit de la femme)..
بيد أن هذا الحق الإنساني كان يختلف في نقطة واحدة عن جميع الحقوق الإنسانية الأخرى المزعومة. فبينما تظل الحقوق الأخيرة مقصورة، في الممارسة، على الطبقة الحاكمة، الطبقة البورجوازية - وتحرم منها الطبقة المضطهدة، البروليتاريا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - نرى سخرية التاريخ تؤكد ذاتها هنا مرة ثانية. فتظل الطبقة الحاكمة خاضعة للمؤثرات الاقتصادية المعروفة، ومن ثم لا تستطيع، إلا في حالات نادرة جداً، إخراج زيجات إرادية حقاً، بينما تكون هذه الزيجات الإرادية، كما رأينا، هي السّنة لدى الطبقة المضطهدة.
إن الحرية التامة في الزواج لا يمكن إذن، أن تتحقق بصورة تامة وبشكل عام إلا عندما يؤدي الإجهاز على الإنتاج الرأسمالي وعلى علاقات الملكية التي خلقها، إلى زوال كل الاعتبارات الاقتصادية الثانوية التي لا تزال إلى يومنا تؤثر تأثيراً قوياً جداً في اختيار الشريك. وإذ ذاك لا يبقى أي دافع للزواج غير الحب المتبادل.
لكن لما كان الحب الجنسي بطبيعته مانعاً 55 - بالرغم من أن صفة المنع هذه لا تتحقق في أيامنا بشكل تام إلا لدى المرأة – فإن الزواج المبني على الحب الجنسي هو زواج أحادي بطبيعته. وقد رأينا كم كان باخوفن مصيباً عندما اعتبر أن التقدم من الزيجة الجماعية إلى الزيجة الفردية كان من عمل النساء بالدرجة الأولى؛ أما الرجال فلا يمكن أن يحسب لهم سوى الانتقال من الزيجة الثنائية إلى الزيجة الأحادية. وقد ترتب على هذا تاريخياً، تردي منزلة المرأة وتسهيل الخيانة على الرجال. وحين تختفي الاعتبارات الاقتصادية التي تضطر النساء إلى تحمل خيانة أزواجهن المعتادة لهن - قلقهن على معيشتهن، وأكثر من ذلك أيضاً على مستقبل أولادهن - سوف نرى، بناء على جميع الخبرات السابقة، أن مساواة المرأة، التي تتم بهذه الصورة، ستجعل الرجل وحيد الزوجة أكثر بما لا حد له مما ستجعل المرأة متعددة الأزواج (Polyandrous).
لكن الذي سيختفي بصورة أكيدة جداً، من الزيجة الأحادية هو جميع تلك الخصائص الملتصقة بها نتيجة لنشأتها من علاقات الملكية. وهذه هي أولاً: سيادة الرجل، وثانياً: تعذر فسخ الزواج. إن سيادة الرجل في الزواج ليست إلا نتيجة لتفوقه الاقتصادي وستزول من ذاتها مع زواله. وأما عدم إمكان فسخ الزواج، فهو، من ناحية، نتيجة للظروف الاقتصادية التي قامت في ظلها الزيجة الأحادية وهو، من ناحية أخرى، تقليد في العهد الذي لم تكن الصلة بين هذه الظروف الاقتصادية والزيجة الأحادية قد فهمت فيه على وجهها الصحيح، ثم بالغ فيها الدين. لكن تعذر الفسخ هذا قد خرق اليوم من ألف جهة. لأنه إذا كانت الزيجات المبنية على الحب وحدها أخلاقية،فإن الزيجات الأخلاقية هي فقط تلك التي يدوم فيها الحب أيضاً. ومدة دوام دافع الحب الجنسي الفردي تختلف كثيراً باختلاف الأفراد، ولا سيما الرجال. والنضوب التام للحب أو حلول حب غرامي جديد محله يجعل الفراق نعمة لكلا الطرفين وللمجتمع. غير أن الناس سيُجنبون شر الخوض بلا طائل في مستنقع إجراءات الطلاق.
وإذن، فالذي نستطيع، في الوقت الحاضر، إن نحزره حول كيفية انتظام العلاقات الجنسية بعد زوال الإنتاج الرأسمالي وشيكاً هو، بوجه أساسي، ذو طابع سلبي، يقتصر على الذي سيزول. لكن ما الذي سيضاف؟ سوف يبت في هذا الأمر بعد أن يكبر جيل جديد: جيل من الرجال الذين لم يتح لهم في حياتهم كلها أية فرصة لشراء استسلام المرأة لهم سواء بالمال أم بأية وسيلة أخرى من وسائل النفوذ الاجتماعي، من النساء اللواتي لم يرغمن قط على الاستسلام لأي رجل تحت تأثير أي اعتبار غير الحب الحقيقي، أو على الإحجام عن تقديم أنفسهن إلى من يحببن خشية العواقب الاقتصادية. عندما يظهر ناس من هذا القبيل لن يبالوا ذرة واحدة بما نحسب اليوم أنه يجب عليهم أن يبالوا به. وسوف يصوغون لأنفسهم السيرة الخاصة بهم والرأي العام الخاص بهم الملائم للحكم على سيرة كل فرد منهم – تلك هي النهاية.
والآن لنرجع إلى مورغان الذي ابتعدنا عنه كثيراً. إن الدراسة التاريخية للمؤسسات الاجتماعية التي نشأت أثناء فترة الحضارة تخرج عن نطاق كتابه. لذلك لا يعنى إلا عناية مختصرة جداً بمصير الزيجة الأحادية أثناء هذه الفترة. إنه، هو أيضاً، يرى في تطور العائلة الأحادية تقدماً، خطوة نحو المساواة التامة بين الجنسين، لكن من دون أن يعتقد أن هذه الغاية قد تم بلوغها. بيد أنه يقول:
«إذا سلمنا بأن العائلة قد مرت بأربعة أشكال متتالية وبأنها الآن في شكل خامس، فإن السؤال الذي يطرح هو: هل يمكن أن يدوم هذا الشكل في المستقبل؟ والجواب الوحيد الذي يمكن إعطاؤه هو أن العائلة لا بد أن تتقدم كما يتقدم المجتمع، وتتحول تبعاً لتحول المجتمع، كما فعلت حتى الآن تماماً. إنها ثمرة النظام الاجتماعي وستعكس ثقافته. ولما كانت العائلة الأحادية قد تحسنت تحسناً كبيراً منذ بدء الحضارة، وتحسناً محسوساً جداً في الأزمنة الحديثة، فلا أقل من أن نعتقد بأنها قادرة على المضي في التحسن حتى يتم بلوغ المساواة بين الجنسين. وإذا عجزت العائلة الأحادية في المستقبل البعيد، عن الاستجابة لمتطلبات المجتمع فإنه يستحيل التنبؤ بطبيعة العائلة التي ستخلفها»