موسليني
قال الكاتب الإنجليزي الكبير ج. ﻫ. ويلز: «حسب المرء أن يدرس قليلًا من صور موسليني التي بُعثِرت في أنحاء الأرض ليدرك أنه محدث مصنوع وليس بأصيل مبتكر، فهذا الوجه الممتزج فيه الضعف والقوة هو وجه الممثل بجميع أوصافه، فهو دائب يحملق من وراء كساء يتشبه فيه بالأبطال الأقدمين، وخوذة منتقاة بعينين خلو من الفكر والذكاء توحيان إليك معنى التحدي الفارغ كأنما يقول: حسن! ماذا عسى أن تقول عني؟ إنني أنكره! هو وجه رجل مغرور أغلظ الغرور، يجفل إجفال الخوف من أقل هسيس، وليس ما به خوف الجسد أو الخوف من القاتل الكامن في الظلام، ولكنه الخوف أقتل الخوف من الحق الذي يمشي في وضح النهار، ألا فلْيذهب هؤلاء جميعًا، ليذهب نيتي وأمندولا وفورني وميسوري وماتيوتي وسالفيني واستورزو وتوراتي، ليذهب جميع هؤلاء الرجال الذين يرقبون وينقدون وينظرون، فماذا تراهم ينتظرون؟ ما من اسم من أسماء هؤلاء الرجال الذين ضُربوا ونُفوا، أو قُتلوا القتل الدنيء إلا وهو اسم رجل خير من هذا المثل الذي يستأثر بالمسرح اليوم في إيطاليا، وأكبر خطيئة تُعدُّ لواحد من هؤلاء هي قدرته على كشف المخبأ، ونظرته المصمية المثلجة. والحق أن موسليني لم يصنع شيئًا لإيطاليا، وأنه هو نفسه صنيعة من صنائعها: صنيعة مشوهة مخدجة، فإذا سأل الإيطاليون: ما العمل بغير موسليني؟ فالجواب: إنكم تجدون غيره، فإن هذا الذي يدرب اليوم وينظم باسم الفاشية كان موجودًا قبله، وسيبقى موجودًا بعده، فإذا هو قضى نحبه فلن تعاني الفاشية أقل صعوبة في إخلافه من موارد إيطاليا المخصبة ببديل يضارعه في التمثيل والقعقعة الخطابية، وإنما صعوبتها أنها ربما وجدت خلفاء كثيرين بعده.»
وحيثما تجد المتعة العقلية والفكر الراجح والذكاء والألمعية في كتابات نيتي وأصحابه الذين ذَكَرهم ولز، لا تجد في كتابات موسليني إلا التطبيل والتهويل والإرعاد والإبراق، فأنت تفقده إذا بحثتَ عنه في مجالهم الواسع، ولا تعرف مكانه إلا إذا بحثت عنه في مجال الحركة والنشاط والمفاجآت، فليس هو بالسائس المدبِّر، ولكنه هو القامع المُرهب الذي لا يَبعد بنظره عما هو فيه. وسكينة إيطاليا في الوقت الحاضر ليست بالآية النادرة ولا بالبرهان الصادق على حسن السياسة وصلاح الحكومة، فإن السكينة شاملة للروسيا في عهد الشيوعيين، وكانت شاملة لمصر في إبان الحرب العظمى، فهبَّت بعدها الثورة بين ليلة ونهار، فما كانت السكينة يومًا بالبرهان الصادق على صلاح الحكومة، أو رضى المحكومين، أو صحة المبادئ التي تُدار بها الأمور، أو ملاءمتها للحالة التي تكون فيها الأمة، وإنما القدرة السياسية الصادقة هي أن تسود السكينة، وتسود الحرية، وتسود القوانين؛ ولهذا كانت ملَكة الحكم قدرة خاصة في الساسة والزعماء؛ لا لأن الغرض الأكبر هو ابتغاء السكينة بأي ثمن وعلى أية حال، وهذا الذي أراده نيتي وجيوليتي وأصحابهما بالمصابرة والانتظار، وأوشكوا أن يصلوا إليه على ما يقول العارفون.
إن كان لموسليني فضل على إيطاليا؛ فإنها لم تَنعم بفضله؛ لأن الحكومات التي سبقته كانت تسلك مسلكه، وتضطهد خصومها اضطهاده، كلا، وإلا لَما بقي موسليني في إيطاليا، أو لَما بقي في قيد الحياة، ولكن إيطاليا ظفرت بموسليني لأن الحكومات التي سبقته كانت تطلق الحرية لأصحاب المذاهب والأفكار ينقحونها بالتجارب، ويهتدون إلى الرأي الأمثل كما اهتدى موسليني من الشيوعية إلى الوطنية، ومن الفوضى إلى النظام.
ولقد أحسن موسليني اغتنام الفرصة من سخط الإيطاليين الشديد على الشيوعيين، وموت عاطفتهم القومية، واستخفافهم علانية بالنصر الذي كَلَّف أمتهم ألوف الأرواح وملايين الأموال، واجترائهم في قوارع الطرقات على الأعلام الوطنية، وأنواط الشرف التي كان يلبسها الجنود العائدون من ميدان القتال، وبلغت الحماسة الوطنية أعلاها حين تحفزت الأمة بقيادة الشاعر دانزيو لرد المدن الإيطالية التي بقيت في قبضة الدول المجاورة، فقامت الفاشية في تلك الأيام باسم روما الخالدة تتزيَّى بشعارها، وتتشبه بتحياتها، وتترنم بأنغامها. وطفق موسليني يرفع لأبناء وطنه ذلك المَثل الأعلى، ويَسخر من الساسة الذين يغفلون عن حياة هذه العاطفة الكريمة، ويشغلون الأمم بأحاديث المنافع والدراهم.
يقول مؤرخه وزميله فتوريو دي فيوري في الفصل الأخير من كتابه رجل القدر: «وبينما تتلوى روما الصيارفة تحت ضربات لومه وتقريعه، يعيش هو في روما الماضي وروما المستقبل: يعيش في روما الخالدة التي لا تتبدل.» ويقول في الفصل الثامن: «وعبثًا كان جيوليتي يوجه خطابه إلى أخس غرائز الجماهير وأسفلها، إلى الخوف من الحرب والموت، إلى الرغبة في المنافع المادية، فإن روح إيطاليا التي كانت تنطق بلسان الشاعر والخطيب أبت كل مساومة، وعقدت عزيمتها على النضال.»
الخلاصة
والخلاصة أن تاريخ إيطاليا الحديث هو تاريخ نجاح الديمقراطية، وليس تاريخ الفشل والإفلاس لحكومات الشعوب، وأن ما يحدث في إيطاليا منذ بضع سنوات لا ينفي إرادة الشعب، وإنما هو حالة تَعرض لكل حكومة، ويُحسب حسابها في كل ديمقراطية، أو هو كما قلنا ديمقراطية ناقصة مشوَّهة؛ لأنها تعترف بإرادة الشعب ولا تعترف بحرية أفراده كما يجري أحيانًا في البلاد الخاضعة للأحكام العسكرية، والفاشية لم تنكر إرادة الشعب، ولكنها استخدمت إرادة الكثرة الغالبة لإرهاق القلة الصغيرة.
أما الذين يترسمون الفاشية في مصرفهم فأحرى ألا تنفعهم في كثير ولا قليل، إذ عليهم أن يَذكروا أن الفاشية قوة وطنية وليست بقوة أجنبية، وأنها قامت سخطًا على المتساهلين للأجانب في المطالب القومية، ولم تقم حبًّا للتساهل في تلك المطالب على الكره من أبناء البلاد، وأنها تتغذى بحماسة الشباب، ولا تتغذى بفضلات فتور الشيوخ، وأنها تقود الشعب بالمَثل الأعلى، والنخوة النبيلة، ولا تقوده بالتزلف إلى أخس غرائز الجماهير، وأنها لا تفصل في قضية الشعب الكبرى وآماله الباقية، وإنما تفصل في عروض تتولاها الوزارات، وعليهم أن يَذكروا غير ذلك أن الفاشية نشأت في بلاد كانت مقسَّمة إلى أربع ممالك وست إمارات، وأنها نشات في بلاد لا تزال مقسمة في أوضاعها الجغرافية إلى أقسام تتوزع فيها الصناعة والزراعة توزعًا يباعد التفاوت في الأحوال الاقتصادية بين جميع الأقاليم، وأنها نشأت في بلاد يهجرها عشرات الألوف من أبنائها كل عام، وأنها نشأت في بلاد تعطلت فيها المصانع فجأة بعد الحرب العظمى، وقلَّت المكاسب، وغلت الأسعار، وأنها نشأت في بلاد هي مقر الرجعية الدينية التي تجدُّ إلى اليوم لاسترجاع سلطانها المضاع، وعليهم أن يسألوا أنفسهم: ماذا كانت تكون خواطر العمال والمعوزين في مصر بعد الحرب العظمى لولا الحماسة الوطنية التي استغرقت فيهم كل عاطفة، وصرفتهم عن الشيوعية وحرب الطبقات، والتي يخمدونها اليوم ما استطاعوا ليتركوا مكانها خلوًا لوسواس المصلحة وإغواء الدعاة؟!