الخروج قراءة الكتاب الإلكتروني

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

بسمارك

بلاد الدكتاتورية

ظهرت الدكتاتورية — أو ما يسمونه الدكتاتورية — في أمم أخرى غير تركيا وإيطاليا وإسبانيا، وفي أصقاع أخرى غير شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ظهرت في المجر وبولونيا ورومانيا، ولكنها لم تتأصل في واحدة من هذه الأمم، ولم تكن نظامًا من أنظمة الحكم، أو مذهبًا من مذاهب السياسة، ويقال على الإجمال: إنها حيث ظهرت كان ظهورها لقلة الديمقراطية لا لكثرتها، وكانت تظهر في البلاد التي ابتُليت بالتقسيم واختلاف الأجناس قبل الحرب العظمى وبعدها، فكانت من عقابيل الحكم المطلق وبقايا فساده وسوء تصريفه، ولم تكن من جرائر الديمقراطية التي هي ترياق تلك الآفات.

بدأ النزاع الحديث بين الديمقراطية والدكتاتورية (أو الاستبداد) في القرن الماضي، يوم كان الإيمان بحكم المستبدين ضربًا من الدين وضربًا من الوطنية في وقت واحد؛ ضربًا من الدين لأن المستبدين كانوا يرتفعون بدعواهم إلى مشيئة الله، ويزكُّون أفعالهم بشهادة القساوسة والأحبار؛ وضربًا من الوطنية لأن مبادئ الحكم الديمقراطي كانت مبادئ الفرنسيين الغالبين، وكانت محاربة فرنسا فرضًا قوميًّا على أعدائها المغلوبين، ومع هذا — أي مع مناصرة الدين والوطنية والعادات والقوة — فشل الاستبداد، وظفرت الديمقراطية، وصار أكبر المستبدين في القرن الغابر هم عبرة هذا النزاع الذي يُضرب به المَثل، وتُعرف منه العواقب. ولهذا أردنا أن نتخذ هذه العبرة من تاريخ رجلين هما بغير خلاف أكبر المستبدين في عصرهما، إن لم يكونا أكبرهم في جميع العصور، وُلد أحدهما يوم أن دالت دولة الآخر؛ وهما: بسمارك ونابليون.

كان بسمارك مستبدًّا بفطرته؛ لأنه ولد في أسرة من أسر الريف في الضياع البروسية، فكان من طفولته معتدًّا بنسبه، متعصبًا لطبقته، فخورًا بأوضاع وطنه، وكان مدار الخلاف بينه وبين الأحرار أنه يقيم وحدة ألمانيا على القوة والحرب، وكانوا يريدون أن يقيموها على الحرية الشعبية والسلم؛ وفي هذا الخلاف يطول الأخذ والرد واستعراض الحوادث والأسانيد، ولكن الأمر الذي يَتفق عليه الإجماع هو أن الحروب التي اقتحمها بسمارك لتوحيد الممالك الألمانية قد أفردت ألمانيا بين الدول، وجعلتها مخشية محذورة لا يؤمَن جانبها، ولا يُستبعد عليها أن تعتدي على أحد، أو تنقض عهدًا بينها وبين حليف، ومصاب ألمانيا بهذه العقيدة التي ذاعت عنها، وانتفع خصومها بترويجها هو المصاب الأكبر في الحرب العظمى، وفي المساجلات السياسية التي سبقتها وأفضت إليها.

وفي تاريخ بسمارك حادثة لها أوثق ارتباط بالحرب العظمى ومعقباتها، يَتبين منها كيف يتغلب الشعور الشخصي على سياسة المستبدين، حتى في المسائل التي تتوقف عليها مصائر الأمم، وجلائل الخطوب، تلك هي حادثة المحالفة الروسية التي تقلبت أدوارها على حسب التقلب في الميول الشخصية بين ساسة الروس وساسة الألمان، فقد كان بسمارك نصيرًا لمحالفة الروسيا، وكان متفقًا مع القيصر على تأييد السياسة الروسية في مؤتمر برلين، ولكن جرشاكوف المندوب الروسي في المؤتمر علم أن بسمارك يسعى لتعيين شوفالوف صديقه وزيرًا للقيصر بدلًا منه (أي بدلًا من جرشاكوف)، وحصل على وعد بذلك في مقابلة التأييد الذي اتفق عليه بسمارك مع القيصر، فلما اتصل هذا النبأ بجرشاكوف تعمد الإقلال من المطالب الروسية في المؤتمر، فتعذر على بسمارك أن يساعد الروسيا؛ لأنه كما قال: لا يسعه أن يَطلب لها أكثر مما تَطلب لنفسها، فانفضَّ المؤتمر وروسيا ناقمة متذمرة، واستطاع جرشاكوف أن يُقنع مولاه بأن بسمارك قد لعب به، وأَخلف معه وعده، ولم يساعده المساعدة التي كان ينتظرها منه، فقال له مولاه: إذن تبقى أنت في مركزك! وكان هذا هو الغرض الذي عبث هذا الرجل من أجله بمصالح بلاده في عالم السياسة الدولية، فلما خاب أمل بسمارك في تعيين صديقه شوفالوف انقلب على الروسيا، وحسَّن للإمبراطور ولهلم الأول أن يعرض عنها ويحالف النمسا مناظرتها، وراح يتمحل لذلك أعذارًا ما كان يعبأ بها من قبل؛ كقوله: إن الروسيا همجية أو توقراطية، والنمسا جرمانية على شيء من حكم الدستور! مع أنه كان يبغض الدستور والأمم الدستورية! أو كقوله: إن الروسيا مستغنية عن ألمانيا ولكن النمسا محتاجة إليها، أو كقوله: إن مطامع الروسيا كبيرة لا تطاق، وإن النمسا تقنع من حلفائها بالقليل، فلم يوافقه ولهلم الأول على رأيه، وتشبث بمعارضته على خلاف عادته، لماذا؟ لأسباب لعل أهمها القرابة بين البلاطَين الروسي والبروسي، أو لعل المنافسة الشخصية بين فيينا وبرلين اللتين تقاسمتا العظمة والظهور في أمم الجرمان هي أيضًا سبب من أهم هذه الأسباب، ثم انقضى هذا الدور وجاء ولهلم الثاني واستحكم الشقاق بينه وبين بسمارك، ووافق ذلك أوان تجديد المعاهدة الروسية، واضطر بسمارك إلى الاستقالة قبل تجديدها، فأُهملت المعاهدة، وتغيرت وجهة السياسة الألمانية والسياسة الدولية تبعًا لذلك، فلماذا هذا التغير؟ لأن ولهلم الثاني اطلع على وثيقة سرية يصفه فيها قيصر الروسيا بالخرق والخبل! ولأن هولشتين عدو بسمارك كان يومئذ هو صاحب القول الفصل في السياسة الخارجية، وهكذا تنقلب مصالح الأمم بين أهواء المستبدين حتى يكون المستبد رجلًا كبسمارك عظيم الوطنية، عظيم اللب، عظيم الدهاء.

ومن العبر النواطق بالمغزى البعيد أن تسمع رأي ولهلم الثاني في عواقب استبداد بسمارك! وولهلم الثاني كما تعلم هو خليفة بسمارك في الاستبداد على سياسة الألمان، فهو يعزو هزيمة ألمانيا إلى تقصير سياستها الخارجية، ويعزو هذا التقصير إلى كراهة بسمارك للمستقلين من مرءوسيه، وانفراده وحده بتدبير كل شيء بغير مشاورة الوزراء والمرءوسين، «فخلت الوزارة والسفارات من الناشئة المدربة، وامتلأت بالذين تعودوا الطاعة العمياء، والعمل بوحي الرؤساء، فما كان مكتب الشئون الخارجية إلا مكتبًا خاصًّا للمستشار العظيم يجري فيه العمل بإرشاده وأمره، فلا تدريب ولا تخريج هناك للقادرين المستقلين في الآراء، بخلاف ما كان عليه مكتب القيادة العامة برئاسة مولتكي، حيث كان الضباط الحديثون يتربون ويتدربون على التفكير الحر، والعمل المستقل على حسب الأصول المصححة، ورعايةً للتقاليد، مع العناية بما تهدي إليه المستحدثات، فلم يكن في مكتب الشئون الخارجية إلا أدوات منفِّذة لرأي واحد لا يُؤذَن لها أن تطَّلع على دخائل الأمور التي تعمل فيها، ولا قدرة لها من أجل ذلك على الاستقلال بعمل، فكان البرنس ثمة كالصخرة العظيمة في البطحاء إذا تزحزح من مكانه لم تكد ترى فيه إلا زواحف الديدان، وميت الجذور.»1
وأَعجب من هذه العبرة أن يعود بسمارك بعد أن كافح الريشستاج جيلًا كاملًا فيقول وقد رأى عواقب فصل الشعب عن الحكومة، وأوجس من المستقبل القريب: «ربما كانت خطتي التي قمت فيها بواجبي هي سبب خلو ألمانيا من عمود فقارها، وكثرة طلاب المناصب وخدام الفرص فيها … فأجدر الأمور بالاهتمام هو تقوية الريشستاج، ولا سبيل إلى ذلك إلا بانتخاب النواب المستقلين، وإذا دام الريشستاج على حالة الضعف الراهنة، فالحق إن المستقبل لَمظلم، واعتقادي أن الأزمة كلما تأجلت كانت أدهى وأخطر … وربما خبَّأ غيب الله لألمانيا عصر ذبول آخَر يتلوه عصر مجد جديد، ذلك ولا ريب سوف يكون على أساس الحكومة الجمهورية.»2

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.