الخروج قراءة الكتاب الإلكتروني

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

تركيا

بلاد الدكتاتورية

(٢) تركيا

إذا كانت إسبانيا مخالِفة جدًّا لتركيا وإيطاليا في انقلابها، فالشبه من الجهة الأخرى غير قريب بين أسباب الانقلاب الذي حدث في هذين البلدين ومظاهره وأشخاص القائمين به، غير أنهما قد يتشابهان في أمر واحد، وهو أن بطل الانقلاب في كليهما هو محركه ومحوره وإن تباينت البواعث والأغراض.

لما عُقدت الهدنة بعد الحرب العظمى كان قد مضى على تركيا سبع عشرة سنة في حروب متلاحقة من حرب طرابلس الغرب إلى حرب البلقان إلى الحرب العظمى إلى ما تقدم ذلك وتخلله من مناوشات في اليمن وأرمينية وألبانيا وغيرها، بحيث انقضى على معظم الجنود في الجيش العثماني خمس عشرة سنة لم يُلقوا السلاح، ولم يزالوا طوال ذلك الزمن بين هزيمة فادحة أو ظفر لا غُنم فيه. هذا إلى شظف العيش وإدمان الهجرة وقنوط النفس من عواقب الجهاد المتتابع في غير طائل، ثم كانت الطامة الكبرى بعد الحرب العظمى، فسقطت تركيا متهالكة من الإعياء لا رمق فيها ولا رجاء: خراب فوق خراب ويأس مطبق لا منفذ فيه للرحمة، جيش مشتت مفلول، وأمة منهوكة يرهقها ذل الهزيمة، وعاصمة محتلة، وحكومة منخوبة القلب يعبث بلبها الوعد والوعيد، وخليفة يُخيِّر نفسه بين حماية إنجلترا أو حماية الولايات المتحدة، والحلفاء من وراء ذلك ظافرون مختالون قد حكَموا على عدوهم الواقع في قبضة يدهم بالمحو والفناء، وقسَّموه بضعة بضعة، وأطلقوا على كل بضعة منه خصمًا متعطشًا للنقمة يقتل وينهب ويهتك الأعراض ويدمر العمار.

من هذا الخراب المطبق أنشأ مصطفى كمال دولة جديدة تنفض عنها ضعف القنوط، ويبرم لها أعداؤها قيودًا جديدة، فتَخرج هي من محنتها وقد حطمت قيودًا لأولئك الأعداء كانت ترسف فيها قبل الحرب، وأبطلت كل ما كان لهم في بلادها من الامتيازات، وكل ما كان لهم في دواوينها من الجاه المطاع.

لم يكن مصطفى كمال حكيمًا متئدًا — بلا ريب — حين صحت عزيمته على أن يحارب الحلفاء، ويحارب اليونان، ويحارب حكومته، ويحارب الخائنين من أبناء وطنه، لم يكن حكيمًا متئدًا حين صحت عزيمته على أن يحارب هؤلاء جميعًا بطائفة من أمته الصغيرة مثخنة بجراح الهزيمة والإفلاس، معوَّدة أن يتورط بها القادة فيما لا يفيد ولا يعود منه فخر ولا عزاء، وإنما كانت الحكمة كلها والاتئاد كله عند أناس آخرين من الترك كانوا يجلسون في الأستانة في هينة وسكينة ينتظرون الخاتمة التي ما كان عنها محيد، وكانوا يعلمون ما لا فضل في علمه لأحد على أحد: كانوا يعلمون أن الحلفاء أقوياء ظافرون، وأن مصطفى كمال ضعيف مخذول، وأن الحماقة كلها حيث يعمل مصطفى كمال، والحكمة كلها حيث يعملون مع الحلفاء، أو بعبارة أخرى: مع الإنجليز، وصدَّقوا — لأنهم حكماء متئدون — أن الإنجليز لا يتنمرون لتركيا، ولا يشتطون عليها في شروط الصلح إلا لأن فيها حركة وطنية وإنسانًا يسمى مصطفى كمال يقود تلك الحركة الوطنية! فبعثوا إليه البعوث تقاتله، ونصبوا المحاكم تدينه في غيبته، وقضوا عليه هو وصحبه بالموت لأنهم عصاة يُقلقون سلام الدولة، ويُفسدون بطيشهم سياسة الدهاة المحنكين! قال مصطفى كمال: «كانوا يقولون للأمة من جهة ولحكومة الأستانة من جهة أخرى: لا تعترفوا بمصطفى كمال ولا تثقوا به؛ لأن الحلفاء لم يشتدوا على تركيا إلا من جراء فعله، كانوا يقولون ذلك ويزعمون أنه إذا قُضي عليَّ نالت البلاد عند الدول الأجنبية كل صداقة وهوادة.»

كان دهاة الأستانة المحنكون هم الحكماء المتئدون؛ لأنهم صدَّقوا هذا الكلام المقنع الجميل، أما مصطفى كمال فلم يكن إلا رجلًا وطنيًّا غيورًا يحس إحساس الوطني الغيور، رجلًا يشعر بعاطفة الحب لبلاده، فلا يصدِّق أنها تموت كما لا يصدِّق الوالد المشفق أن وليده مائت بين يديه وإن أحدقَت به أعراض المنية ولم يبقَ فيه إلا قليل ذماء، ولم يكن بعيدًا عن مصطفى كمال أولئك الذين يوسوسون له بأن أمته أمة هالكة لا تستحق حبه، ولا ينفعها ولاؤه، فقد كان في أوائل الحرب يشكو إلى الرؤساء إشراف الألمان على جيش بلاده، وتسليم الهيئة الألمانية جميع أسراره ومعداته، فلم يأبه له أحد، ولم يظفر منهم بخبر إلا صديق له من أصحاب المناصب الكبيرة في وزارة الحربية قال له وهو يتلطف إليه: «إننا أكثر منك تجربة أيها الأخ! لا أنكر أن ما يستجيشك إلى هذه الأخيلة وهذا الشعور إنما هو حب وطنك، وإيثارك مصلحة قومك، ولكن أترى أن هذا الوطن وهؤلاء القوم يستحقون منك هذه المحبة المستحرة؟»1

فأكبر انتصار يؤثَر لمصطفى كمال هو لا مراء هذا الانتصار الأول على اليأس والرهبة وسوء الظن بالأمة، ولو أنه يئس لَما ليم على يأسه، أو رهب لما كانت رهبته لغير سبب، أو أساء الظن بالأمة لسوغت ظنه السيئ خيانة الخائنين، وجهل الجهلاء، وخطل السواس، وقلة جزاء العاملين، ولكنه قهر هذه الوساوس في نفسه، وأدال منها للعزيمة والرجاء، وعلم أنه زعيم ليجعل الأمة تستحق، لا لأن الأمم تستحق كل شيء بغيره، فكان انتصاره على وساوس الضعف هو البطولة الصادقة، وهو الغلبة التي لا تُذكر معها غلبته على خصومه في ميدان الحرب والسياسة.

ويحق لنا أن نسمي مصطفى كمال «دكتاتورًا» إذا عنينا أنه صاحب الفضل الأكبر في إنقاذ أمته، وتفريج أزمات بلاده، ولكنه ليس بالدكتاتور إذا نظرنا إلى نظام حكومته وقواعد دستوره واتصاله الحميم بشعبه.

فإنه لم يحكم قط لا في الحرب ولا في السلم بغير هيئة نيابية، ولم يَدْعُ إلى انتخاب المجلس الوطني الكبير إلا بعد أن صدر أمر «وحيد الدين» بحل مجلس المبعوثين، ولحقت بأنقرة جماعة النواب المؤيِّدين له في الحركة الوطنية، فاجتمع من هؤلاء ومن النواب الذين نفاهم الإنجليز إلى مالطة ومن النواب المنتخبين في الأناضول ثلاثمائة وخمسون نائبًا هم قوام الحكومة الكمالية، وهم أصحاب السلطان الأعلى في التشريع والتنفيذ وإدارة أعمال الحكومة كافة. فالأمة هي صاحبة السيادة الكاملة، والمجلس الوطني الكبير هو ممثل الأمة، وهو الذي يوكل عنه الوزراء والولاة، بل هو الذي انتدب مصطفى كمال للقيادة، وجددها له فترة بعد فترة، وكانت مدة المجلس سنتين في إبان الحرب لمتابعة الحوادث، وتمثيل الأمة فيه أثناء التطورات الحربية أصح تمثيل، ثم استقرت الأمور وتعدَّل الدستور في العشرين من أبريل سنة ١٩٢٤، فزيدت مدة المجلس إلى أربع سنوات، ونصت المادة السابعة على أن «المجلس يباشر سلطته التنفيذية بواسطة رئيس الجمهورية الذي ينتخبه المجلس، وبواسطة الوزراء الذين يختارهم رئيس الجمهورية»، ولكن ليس لهذا الرئيس أن يحل المجلس الوطني الكبير، ولا أن يرفض القوانين التي أقرها النواب، وليس من حقه أن يشترك في المناقشات وإن كان يجوز له في حالات خاصة أن يحضر جلسات الوزراء، ويجوز للمجلس أن يُسقط الوزارة متى شاء.

قالت الكاتبة الإنجليزية جراس أليسون في كتابها الحديث «تركيا اليوم»:2 «إن القدر قد ارتفع به إلى أعلى ذروة في بلاده، ولكنك لا تلمح عليه أنه صاحب مطامع شخصية، أو خاضع لأية رغبة في المال أو الأسرة أو المنصب، ولو تسنَّى بقاء السلطان لبقي على عرشه، فقد رجاه هو مرة أن يتقدم بنفسه ليتسلم أزِمَّة الأمور، ولمَّا ألقَى إليه الشعبُ الشاكرُ مقاليدَ السلطنة والخلافة رفَضها بتاتًا على إخلاص الشعب وجدِّه في اقتراحه.»

وقد جهر مصطفى كمال بامتعاضه من سياسة أحمد زوجو، ملك ألبانيا الجديد، وأبى أن يعترف به؛ لئلا يكون في اعترافه تشجيع للذين يستخدمون ثقة الأمة لمثل هذه الأغراض، فليس لأمة من الحقوق الدستورية مثلما للأمة التركية في حكومة مصطفى كمال، وإذا أقدمَ هذا الرجل العظيم إقدام الجَسور في إصلاح قومه؛ فإنما يفعل ذلك بشفاعة عن حبهم إياه، وإعجابهم به، ورغبتهم في إرضائه وتسهيل عمله. وطوبى لأمة تجتمع لها حقوق الدستور، ونخوة الإعجاب، وترزقها العناية رئيسًا تثق به ويثق هو بأنها جديرة بين الأمم بأعلى مقام.

ومصطفى كمال بعدُ عالمٌ في فنه، مطلع واسع الاطلاع على سِيَر القواد والعظماء، خطيب فصيح، وكاتب أديب، وسائس موفق السياسة، ومصلح بصير بدخائل النفوس، ومواقع الإصلاح، ورجل اجتماع مستظرف الكياسة، وإنسان تشرف به الإنسانية، ويُعَدُّ في الذروة العليا بين الرجال العاملين.

إلى مثل هذه الزعامة تحتاج الأمم؛ لأن الأمم لا تطلب الزعماء إلا لينهضوا بها فوق ضَعْف الحرص والضرورة، وفوق ضَعْف الشهوات الباطلة والعروض الزائلة، ولو كان عمل الزعماء فيها أن يجنبوها كبار الآمال، ويوصوها بالحرص على الشهوات القريبة والعروض الميسرة لاستغنت عنهم أيما استغناء، ولكان لها الكفاية فوق الكفاية من ذلك الجشع المركب في دخائل النفوس، والذي ما وُجدت القوانين والأخلاق والأديان والزعامات إلا لأنه محمود الزوال والخفاء، وليس بمحمود البقاء والنماء.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.