نابليون بونابرت
تعبت فرنسا من الثورات والفتن والحروب، وشعرت بأعدائها يناوئونها ويتربصون بها، فسهل عليها أن تنقاد لنابليون الذي عوَّدها النصر وحسن البلاء.
وشغلها نابليون بالمجد والإعجاب، وأحاديث الأخطار والجهاد، فنسيت الحرية قليلًا، ولكنها لم تنسها طويلًا، فرأى آخر الأمر أنه لا بد له طوعًا أو كرهًا من الديمقراطية، وأنه حين أخذ الحرية وأعطى المجد قد دخل في صفقة لا دوام لها؛ لأن المجد يغري الشعب بطلب الحرية، وهو غير مستطيع أن يعطي الشعب مجدًا في كل حين.
ولما عاد من ألبا ومثل بين يديه الوزير الديمقراطي كونستان قال له: «قل لي ما هي أفكارك؟ حرية الكلام وحرية الانتخاب ووزراء مسئولون وصحافة حرة؟ إنني موافق على كل ذاك وبخاصة حرية الصحافة؛ فإن محاولة سحقها بعد الآن لَسخف … إنني أنا رجل الشعب، فإذا كان الشعب يريد الحرية حقًّا؛ فلا بد لي من إعطائه الحرية … لست بالفاتح ولا طاقة لي أن أكونه بعد اليوم. إنني أعرف ما يمكن وما لا يمكن، وكل قصدي الآن أن أقِيم فرنسا مرة أخرى على قدميها، وأمنحها دستورًا يلائم مزاج شعبها … إنني لا أكره الحرية وإن كنت قد بسطت لها مرقدًا واسعًا حين وجدتها في طريقي، وإنني لَأفهم الحرية وبهذا الطعام اغتذيت. لقد ضاعت جهود خمس عشرة سنة، فلو أردت البدء من جديد لَلزمتني عشرون سنة واحتجت أن أضحي بمليوني رجل، فأنا أريد السلم، ولكني لن أناله إلا بنصر، ولن أنال النصر إلا بتأييد من الشعب، وسيطلب الشعب الحرية ثمنًا لتأييده. حسن جدًّا، سيأخذ الشعب الحرية … إن موقفي لموقف جديد، فإنني أشيخ، وفي الخامسة والأربعين لا يكون الرجل كما كان في الثلاثين، فسلام الملك الدستوري يلائمني جد الملاءمة، ويقيني أن هذه الحالة ستلقى الرضى والقبول من ولدي.»
فنابليون بقوانينه وإصلاحاته وأكاليل المجد التي على تاجه لم يستطع أن يظل حاكمًا بأمره في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يرج النصر الذي يسبغ السلام على مملكته إلا برضوان شعبه، وقد شاءت المقادير أن تجزيه واحدة بواحدة، فخلع برلمانًا، وخلعه برلمان، ولولا أن نواب الشعب دعوه إلى اعتزال الملك لَما جسرت الدول على طرده؛ لأن ملوكها المطلقين كانوا قد عرفوا معنى الحرب التي تقودها إرادة الشعوب.
نعم، إن فرنسا عادت إلى الاستبداد باسم نابليون جديد هو نابليون الثالث ابن أخي نابليون الكبير، ولكنها عادت إليه للدفاع عن حقوق الشعب لا لاهتضام تلك الحقوق، فقد كان الرجعيون في البرلمان هم الذين ضيقوا على الشعب، وحرموا العمال حق الانتخاب، وعطلوا حرية الصحافة وحرية الاجتماع، وأسرفوا في الحَجْر على جميع الحريات في قانونهم المعروف بقانون مارس سنة ١٨٥٠، فجاء لويس نابليون يلغي ذلك القانون، ويعيد إلى الشعب جميع تلك الحقوق، ثم آل أمره إلى إعلان الديمقراطية التامة في سنة ١٨٦٩، وتجديد الحكومة النيابية في أوسع نطاق، إلا أن دسائس الحكم المطلق بقيت مع جراثيم السنين الماضية لتقضي عليه آخر قضاء، فلما شجر الخلاف على وراثة العرش الإسباني تصدت له الإمبراطورة أوجيني — وكانت إسبانية لها مطامع خاصة في بلادها، ومن رأيها أن الحرب توطد دعائم عرشها — فعرفت كيف تستميل إليها المعجبين بها من القواد الظرفاء والساسة المتأنقين، وعرفت كيف تصم مسامع الإمبراطور المتردد عن نصائح تيير وأصحابه الأحرار الذي كانوا يذادون عن البلاط، ولا يُقبلون فيه إلا على جفوة وغضاضة، فكانت الحرب مع بروسيا، وكانت الهزيمة العاجلة، وكانت نكبة فرنسا التي لم ينقذها منها إلا تيير وأصحابه الأحرار.