5. لتكن مشيئة الرب
طال غياب الشيخ قرابة خمس وعشرين دقيقة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة والنصف ولما يصل بعدُ دمتري فيدوروفتش الذي عقد هذا الاجتماع من أجله. وكان يبدو أنهم قد نسوه، حتى إن الشيخ حين عاد إلى صومعته، وجد ضيوفه غارقين في مناقشة حامية جداً. إن المناقشة تدور بين إيفان فيدوروفتش والراهبين الكاهنين. أما میوسوف فهو يتدخل في المناقشة في كثير من الأحيان، بل وبكثير من الحرارة، ولكنه لم يحالفه التوفيق في هذه المرة أيضًا، فهو يظل في الدرجة الثانية، والمتناقشون يجيبونه بغير اهتمام، فكان هذا يزيد حنقه ويفاقم غيظه. لقد سبق له أن تنافس مع إيفان فيدوروفتش في ميدان سعة الاطلاع والمعرفة. فلم يستطع أن يطيق ذلك الازدراء الخفيف الذي أظهره له إيفان. كان يحدث نفسه قائلاً: «كنت أعتقد، حتى الآن على الأقل، أنني في مستوى كل ما يشكل التقدم في أوروبا، ولكن هذا الجيل الجديد يظهر أنه يتجاهلنا عامداً»، وأما فيدور بافلوفتش فكان قد آل على نفسه أن لا يتحرك من مكانه، وأن لا ينطق بكلمة واحدة، لذلك ظل صامتاً بعض الوقت، ملاحظاً مع ذلك جاره بيتر ألكسندروفتش، مبتسم ابتسامة هزء وسخرية، مبتهجاً بما يراه فيه من حنق وغيظ. إنه يفكر في أن يثأر لنفسه منذ مدة طويلة، ولا يريد أن يفوت فرصة جميلة كهذه الفرصة. وإذ أصبح لا يطيق صبرة، فقد مال على كتف جاره وعاد يمطره بسخرياته من جديد، متکلماً بصوت خافت:
- لماذا لم تنصرف منذ قليل، بعد تلك القصة التي رويت عن القديس الذي قطعت عنقه والقبلات التي طبعها على رأسه؟ لماذا رضيت أن تبقى في صحبة أناس يبلغون ما أبلغه أنا من قلة الاحتشام وسوء الأدب؟ سأذكر لك السبب: إنك قد بقيت لأنك شعرت بمذلة وإهانة، فأنت تنتظر اللحظة التي تثار فيها لنفسك بإظهار ذكائك، وإني لأراهن على أنك لن تبارح هذا المكان قبل أن تظهر ذكاءك لهم.
- استأنفت ثرثرتك؟ سوف أنصرف، بل سوف أتصرف فوراً.
حاول فيدور بافلوفتش أن يخزه من جديد قائلاً:
- دعك من هذا! لسوف تبقى إلى النهاية، ولن تنصرف إلا آخر المنصرفين! وفي تلك اللحظة نفسها تقريباً إنما رجع الشيخ إلى الحجرة.
توقفت المناقشة لحظات، ولكن الشيخ، بعد أن جلس في مكانه السابق، ألقي على المتناقشين نظرة لطيفة رضية كأنما ليشجعهم على مواصلة المناقشة. ولاحظ أليوشا الذي كان قد درس جميع تعابير وجه الشيخ، لاحظ فوراً أن الشيخ منهوك القوى وأنه يتحامل على نفسه ويكلفها من أمرها عسراً في سبيل أن يتغلب على تعبه. إن المرض قد أحدث للشيخ في الآونة الأخيرة عدة غيبوبات من شدة الضعف: وها هي ذي صفرة شبيهة بالصفرة التي تسبق حالات الغيبوبة هذه عامة، ها هي ذي تغشى وجه الشيخ الآن، وها هما شفتاه تبيضان. وكان واضحاً مع ذلك أن الشيخ لا يرغب في أن يختم هذا الاجتماع. لا بد أن هناك سبباً يدعوه إلى ذلك. ولكن ما هو هذا السبب؟ كان أليوشا يلاحظ الشيخ بانتباه شدید.
قال الراهب الكاهن يوسف، وهو قيم مكتبة الدير، قال يشرح وهو يشير إلى إيفان فيدوروفتش:
- کنا نتكلم عن المقالة الشائقة جداً التي نشرها هذا الشاب. لقد أورد آراء أصيلة في عدد من النقاط، غير أن بعض آرائه يبدو ذا حدين. والموضوع هو موضوع القضاء الإكليركي ومدى الصلاحيات التي يجب أن يُعطاها. كان أحد رجال الدين قد نشر كتاباً ضخماً في هذه المسألة46، فرد عليه هذا الشاب بمقالة نشرها في مجلة...
أجاب الشيخ وهو يلقي على إيفان فيدوروفتش نظرة طويلة متفرسة:
- يؤسفني أنني لم أقرأ مقالتك، ولكنني سمعت عنها.
استأنف الأب قيّم المكتبة كلامه يقول:
- إن هذا الشاب يدافع عن نظرية شائقة حقاً، وكأنه حين يعالج مشكلة القضاء الإكليركي، يدحض مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة.
قال الشيخ يسأل إيفان فيدوروفتش:
- هذه في الحق فكرة شائقة، ولكن بأي معنى تفهمها؟
فأجابه إيفان بعد بضع لحظات من صمت، فلم يصطنع في جوابه ذلك التعالي الذي يشتمل على احترام مهذب، وهو ما كان يخشاه أليوشا حتى الليلة البارحة، وإنما تكلم بلهجة فيها تواضع وتحفظ، وفيها تقدير واعتبار، ولا أثر فيها لأية فكرة مبيتة أو حكم سابق. قال:
- إن فكرتي هي أن الجمع الذي يفرضه هوانا بين العنصرين، أي بین جوهر الكنيسة وجوهر الدولة، سيظل قائما إلى الأبد ولا شك، رغم أنه مستحيل سويّة بين السلطتين، بل ولا إلى مصالحة تكون بقدر ما لها حظ من النجاح. ولا يمكن أبداً أن يؤدي إلى جعل العلاقات بينهما تتساوى. والواقع أن الكذب هو الأساس الذي تقوم عليه المسألة. وعندي أن تسوية بين الدولة والكنيسة في مسائل کمسألة القضاء مثلاً. أمر مستحيل ولا يمكن تخيله إطلاقاً. إن رجل الإكليروس الذي انتقدت نظرياته قد ذهب إلى أن الكنيسة تحتل في داخل الدولة مكاناً معيناً واضح الحدود. فأجبته بأنني، من جهتي، أرى أن الكنيسة يجب، على عكس رأيه تماماً، أن تستغرق الدولة كلها وأن لا تكتفي بمأوی بسيط نعتصم به في داخل التنظيم الاجتماعي. وأضفت إلى ذلك قولي إنه إذا تعذر الوصول إلى هذا الهدف في الظروف الحالية لسبب من الأسباب، فيحسن أن تنظر إليه على أنه الغاية الضرورية التي يجب على المجتمع المسيحي أن يتجه إليها بكل قواه أثناء تطوره المقبل.
قال الأب بائیسي الراهب الكاهن، العلّامة الشديد الصمت، قال بصوت قاطع جازم ولكنه لا يخلو من عصبية:
- هذا صحيح تماماً!
فصاح میوسوف يقول وهو يضع ساقاً على أخرى بحركة تدل على نفاد الصبر:
- ولكن هذا ليس إلا عقيدة اولترامونتانية47.
فانطلق الأب يوسف قائلاً:
- دعك من هذا الكلام! نحن ليس لدينا في روسيا حتى جبال! ثم استأنف بعد ذلك يقول متجهاً إلى الشيخ:
- إن هذا الشاب قد أورد الردود التالية، فيما أورد من ردود على آراء خصمه - ولاحظوا أن خصمه عضو من أعضاء الإكليروس - وهي آراء يعدها خصمه «جوهرية وأساسية»: الرأي الأول أو الموضوعة الأولى: «ما من رابطة اجتماعية يجوز لها أو يجب عليها أن تدعي لنفسها حق التصرف في الحقوق المدنية والسياسية لأفرادها» ؛ الموضوعة الثانية: «إن حق القضاء الجنائي والمدني يجب أن لا ينتمي إلى الكنيسة، لأنه يتنافى مع ماهيتها كمؤسسة دينية ويتنافي أيضًا مع صفتها كتنظيم إنساني وجد لتحقيق أهداف دينية»، الموضوعة الثالثة والأخيرة: «إن الكنيسة هي مملكة ليست من هذا العالم»...
فقال الأب بائیسي يندخل مرة أخرى وقد بدا عليه الاستياء واضحاً:
- ذلك لعب بالألفاظ لا يليق في رأيي بعضو من أعضاء الإكليروس! لقد قرأت الكتاب الذي رددت عليه، وقد أدهشني أن أرى مؤلفه يقول: «إن الكنيسة هي مملكة ليست من هذا العالم». ذلك أنها إن لم تكن تنتمي إلى هذا العالم فمن البديهي أنها لن يمكن عندئذ أن توجد في هذا العالم على أية صورة من الصور. وليس هذا هو المقصود إطلاقاً من التعبير «ليست من هذا العالم الوارد في الإنجيل المقدس»48. إن سیدنا يسوع المسيح إنما جاء ليقيم الكنيسة على الأرض. صحيح أن ملكوت السماوات لا ينتمي إلى هذا العالم، لأنه في السماء، ولكن دخول ملكوت السماء لا يكون إلا عن طريق الكنيسة التي أقيمت في الأرض. لذلك يجب أن نعد هذا التلاعب بالألفاظ المصطبغ بالروح العصرية أمراً لا يليق استعماله ولا يمكن قبوله في هذا المجال. إن الكنيسة هي في الواقع مملكة. وإن رسالتها هي أن تسود وأن تحكم، وستشمل مملكتها الأرض كلها أخيراً، وذلك ما جاء في النبوءة على كل حال...
قال الأب بائیسي ذلك ثم صمت فجأة كأنما هو يمسك عن الكلام عامداً. وكان إيفان فيدوروفتش يصغي إلى كلامه بانتباه فيه كثير من الاحترام، فاستأنف حديثه متجهاً إلى الشيخ قائلاً بهدوء عظيم ولهجة رصينة باشة طيبة:
- إن الفكرة الأساسية التي تجمل مقالتي كلها هي أن المسيحية كانت في الأزمنة القديمة، أي طوال القرون الثلاثة الأولى من قيامها، كانت کنیسة فحسب، وكانت لا تطمع في أن تصبح أكثر من ذلك. ولكن حين قررت الدولة الوثنية التي هي الدولة الرومانية أن تعتنق الديانة المسيحية49، فإن الذي حدث بالضرورة هو أنها حين أصبحت مسيحية قد احتوت الكنيسة واستوعبتها مع بقائها وثنية في كثير من النواحي. ولم يكن من الممكن أن يحدث غير هذا على كل حال. فإن روما من حيث هي دولة سياسية قد احتفظت بعناصر كثيرة مستمدة من الحضارة الوثنية والحكمة الوثنية، ولا سيما فيما يتعلق بأهداف الدولة وأسسها نفسها. وكان طبيعياً أن لا تستطيع الكنيسة المسيحية حين دخلت في الدولة أن تضحي بأي مبدأ من مبادئها، ولا أن تترك أي جزء من الصخرة التي بُنيت عليها. كانت الكنيسة المسيحية لا تستطيع إلا أن تتابع أهدافها الخاصة كما رسمها لها الرب نفسه، وهي امتصاص الكنيسة للعالم بأسره وللدولة الوثنية القديمة تبعاً لذلك. ويترتب على هذا (أي بغية بلوغ أهداف المستقبل) أن الكنيسة ليست هي التي يجب عليها أن تسعى إلى احتلال مكان معيّن في داخل الدولة، «ككل رابطة اجتماعية أخرى» أو «ككل تنظيم إنساني وجد لتحقيق أهداف دينية» (وذلك ما يقوله في موضوع الكنيسة مؤلف الكتاب الذي انتقدته)، بل العكس هو الصحيح، فإن كل دولة من الدول الأرضية يجب عليها أن تستحيل في خاتمة المطاف من تطورها إلى كنيسة، وأن لا تصبح إلا كنيسة، متنازل عن أهدافها الخاصة حين لا تتفق وأهداف الكنيسة. وهذا التحول لن يغضّ من قيمة هذه الدولة ولن ينتقص من شأنها، ولن يفقدها شيئاً من كرامتها ومجدها من حيث هي دولة كبرى، لا ولن يسيء إلى ما يتمتع به ملوكها وقادتها من بريق اجتماعي، وكل ما هنالك أنه سيخرج هذه الدولة من طريق الضلالة والوثنية الذي سارت فيه، وسيضعها في الاتجاه السليم الرشيد، الاتجاه الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الغايات الأبدية. لذلك أقول إن مؤلف کتاب «أسس القضاء الإكليركي في داخل المجتمع» كان عليه حين بحث عن هذه الأسس وحاول استخلاصها، أن لا يعدها إلا تسوية مؤقتة، تسوية لا بد منها ولا محيص عنها في هذا العالم الذي ما يزال في حالة الخطيئة ولمّا يبلغ بعد خاتمة المطاف من تطوره. أما أن يتورط مؤلف هذا الكتاب فيزعم أن هذه الأسس التي عرضها والتي عدّد لنا الأب يوسف بعضها منذ هنيهة هي بطبيعتها نفسها أبدية ثابتة كالكون نفسه، فإنه يناقض عندئذ حقيقة الكنيسة، ويعارض رسالتها المقدسة الأبدية التي يجب أن لا تُمس. ذلك كل ما قلته في مقالتي التي أوجزتها لكم إيجازاً وافياً.
قال الأب بائیسي يتدخل مرة أخرى مشدّداً على كل كلمة من كلماته:
- الخلاصة إذن أن بعض النظريات الشائعة كثيراً في قرننا التاسع عشر هذا تريد للكنيسة أن تستحيل إلى دولة، منتقلة من مرحلة دنيا إلى مرحلة عليا إن صح التعبير، وأن تذوب في الدولة، بعد أن أخلت المكان للعلم وروح العصر والحضارة، فإذا هي رفضت هذا مع ذلك، وقاومت هذا التحول، عُرض عليها عندئذِ مكان محدود تلوذ به وتأوي إليه، تحت رقابة الدولة، كما يحدث اليوم في أكثر البلاد الأوروبية. أما النظرة الروسية، أما عقيدتنا فهي ترى أن الكنيسة ليس عليها هي أن تستحيل إلى دولة كما يتم الانتقال من صورة دنيا إلى صورة عليا من صور الوجود، وإنما الدولة هي التي يجب عليها أن تحاول أن تصير أخيراً إلى كنيسة وأن لا تكون شيئاً غير ذلك. هذا ما هو الصحيح! ألا فلتكن مشيئة الرب!
قال میوسوف ساخراً وهو يضع ساقاً على ساق مرة أخرى، ولكن في اتجاه معاكس:
- أعترف لك بأنك قد رددت إليّ شجاعتي: إذا صح فهمي فأنت ترى أن المسألة مسألة مثل أعلى يجب الوصول إليه في زمن مقبل ما يزال بعيداً كل البعد، وربما امتد إلى يوم عودة المسيح. لك ما تشاء! ذلك حلم طوباوي جميل حول زوال الحروب والدبلوماسية والبنوك، إلخ، بل إن هذا حتى يذكّر بالاشتراكية بعض الشيء. لقد كنت أخشى في البداية أن يكون كل هذا أمراً جدياً، وأن الكنيسة ستقضي، منذ الآن، في الأمور الجزائية مثلاً فتصدر أحكاماً بالجلد والأشغال الشاقة وربما بالإعدام!
استأنف إيفان فيدوروفتش كلامه هادئاً بغير تعثر، فقال:
- حتى لو كانت المحاكم الإكليركية هي السلطة القضائية الوحيدة، فإن الكنيسة لن تصدر أحكاماً بالإعدام أو بالأشغال الشاقة. إن صفة الجريمة وطريقة معالجتها تتبدلان عندئذ حتماً، لا دفعة واحدة وفي الوقت الحاضر بطبيعة الحال، بل شيئاً فشيئاً وبسرعة كافية مع ذلك...
قال میوسوف وهو يحدق إليه بنظرة نافذة:
- أأنت جاد فيما تقول؟
فتابع إيفان فيدوروفتش كلامه قائلاً:
- يوم تحتوي الكنيسة المجتمع بأسره فإنها سوف تحرم الخطأة والعصاة، ولكنها لن تقتل أحداً. قل لي: ما عسى يصير إليه المحروم، وأين عساه يعتصم؟ لسوف يكون عليه أن يقطع صلته لا بالبشر فحسب كما هو الحال اليوم، بل بالمسيح أيضًا . وستجعله جريمته عندئذ عدواً للإنسانية وعدواً لكنيسة المسيح. وإن الأمر لكذلك اليوم أيضًا، إذا نحن نظرنا في أعماق الأمور، ولكننا لا نعترف بهذا صراحةً. إن المجرم يجد اليوم، في حالات كثيرة جداً، سبيلاً إلى إرضاء ضميره، فهو يقول لنفسه: «صحيح أنني سرقت، ولكنني لم أناصب الكنيسة العداء... إنني لست عدو المسيح». هكذا يفكر المجرم في كثير من الأحيان في عصرنا هذا. أما يوم تحل الكنيسة محل الدولة فسوف يصعب عليه أن يفكر هذا التفكير وإلا كان ينکر سلطة كل كنيسة في هذا العالم، قائلاً: «البشر جميعاً على ضلال، هم جميعاً انحرفوا، إنهم الكنيسة الزائفة، وأنا وحدي أنا القاتل أو السارق أنا وحدي الكنيسة المسيحية الحق». وذلك موقف يصعب جداً اتخاذه، اللهم إلا بتضافر ظروف شاذة لا يعقل أن تتوافر. وانظر الآن من جهة أخرى إلى مفهوم الكنيسة للجريمة: أليس هذا المفهوم خليقة بأن يتغير من المفهوم الحالي، الوثني تقريباً، الذي يقضي بالبتر الميكانيكي لعضو المريض، كما يفعل اليوم لحماية المجتمع، وبأن يتجسد تجسداً تاماً وغير كاذب في فكرة خلق الإنسان خلقاً جديداً وبعثه وخلاصه...
قاطعه میوسوف سائلاً:
- إلى ماذا تريد أن تخلص من هذا؟ لقد أصبحت مرة أخرى لا أفهمك. إنه حلم آخر. شيء غامض لا شكل له، بل لا سبيل إلى فهمه. عن أي حرمان تتكلم، ما هذا الحرمان؟ إنني أتساءل ألست تسخر منا وتضحك علينا لا أكثر من ذلك، يا إيفان فيدوروفتش؟
هنا انبرى الشيخ فجاة للكلام، فالتفت الجميع إليه بحركة واحدة، قال:
- ولكن هذا هو ما يحدث في الواقع الآن أيضًا . ذلك أنه إن لم توجد اليوم كنيسة للمسيح فإن المجرم لن يرتدع عن جريمته، لا ولن يعاقب بعد جريمته، وأقصد بالعقاب هنا العقاب الحقيقي لا العقاب الميكانيكي فحسب، كما قيل منذ هنيهة. فذلك العقاب لا يزيد على أن يهيج النفس في أكثر الحالات، أما العقاب الحق، العقاب الذي يخيف ويهدئ في آن واحد، العقاب الوحيد الناجح المجدي، فهو حكم الضمير على صاحبه.
قال میوسوف يسأل باستطلاع حار عنيف:
- كيف هذا؟ هلا شرحته لنا؟
قال الشيخ:
- انظر. إن إرسال المحكومين إلى سجون الأشغال الشاقة، وما يضاف إليه قبل هذا الإرسال من تعذيب جسدي، إن ذلك كله لم يُصلح أحداً، وهو على وجه الخصوص لا يخيف المجرمين، باستثناء عدد قليل منهم. فعدد الجرائم لم ينقص، بل إنه ليزداد. لا تستطيع أن تعترض علي في هذه النقطة. يترتب عن ذلك أن هذه الأساليب لا تحمي المجتمع البتة. فالعضو الضار الذي يحذف من المجتمع بهذه الطريقة الميكانيكية فيرسل إلى مكان بعيد ويغيب عن الأنظار، ما يلبث أن يحل محله مجرم آخر أو مجرمان آخران. فإذا رأينا المجتمع مع ذلك محمياً حتى في الوقت الراهن، وإذا رأينا أن المجرم نفسه يملك اليوم أن يصلح نفسه وأن ينبعث إنسانة جديدة، فالفضل في ذلك إنما يرجع هنا أيضًا إلى قانون المسيح على نحو ما رسخ في قرارة ضميرنا. إن اعتراف المجرم بذنبه كابن من أبناء المجتمع المسيحي، أي كابن من أبناء الكنيسة، هو السبيل الوحيد إلى شعوره بأنه آثم في حق المجتمع أي في حق الكنيسة. فإزاء الكنيسة وحدها لا إزاء الدولة إنما يمكن أن يشعر المجرم الحديث بأنه مذنب. فإذا تمت ممارسة حق القضاء باسم المجتمع أي باسم الكنيسة، عرف المجتمع عندئذ من هم الذين يستحقون أن ينتهي حرمانهم ويستحقون أن يرجعوا إليه. إن الكنيسة التي لا تملك الآن أي سلطة قضائية فعّالة ولا تملك أن يكون لها تأثير أو نفوذ إلا بالإدانة الروحية، لا يهمها العقاب الفعلي الذي يتم إنزاله في المجرمين. إنها لا تطرد هؤلاء الجناة من حضنها، بل تظل تحدب عليهم حدب الأب على أبنائه، وأكثر من ذلك إنها تحاول أن تحافظ معهم على جميع الصلات التي تشد المؤمنين إلى الكنيسة وتربطهم بها؛ إنها تقبل أن يدخلوا الكنيسة ويشاركوا في الصلاة ولا تضن عليهم بتناول القربان المقدس. إنها لا تحرمهم من إحسانها، وتعاملهم كسبايا أكثر مما تعاملهم معاملة جناة. وما عسى يقع لهؤلاء المجرمين، يا رب، لو أن المجتمع المسيحي، أي لو أن الكنيسة نبذتهم كما نبذهم قانون الجزاء وفصلهم عن سائر البشر! ما عسی يحدث لو أن الكنيسة تعاقبهم هي أيضًا، فتحرمهم فورا كلما حكم عليهم قانون الدولة؟ من المستحيل تخيل انحدار إلى الدرك الأسفل من اليأس الكامل کالانحدار الذي يمكن أن يهوي إليه هؤلاء الجناة في مثل هذه الحالة، ولا سيما إذا كانوا من الروس، لأن الجناة الروس ما يزالون محافظين على إيمانهم! ومن ذا الذي يضمن أن لا يحدث عندئذ شيء رهيب، إلا وهو فقد الإيمان من قلوب الجناة اليائسة؟ ولكن الكنيسة تتصرف معهم تصرف أم حنون رؤوف، وهي تعزف عن معاقبتهم في الواقع، لأنها ترى أنهم، حتى دون أن تعاقبهم هي، قد نالتهم عدالة الدولة بعقاب قاس، فهم في حاجة إلى أحد تأخذه بهم شفقة على الأقل. وهي تمتنع عن معاقبتهم خاصة لأن عدالة الكنيسة هي العدالة الوحيدة القائمة على الحقيقة، فلا يمكنها والحالة هذه أن تتعاون معنوياً وعملياً مع أي قضاء آخر ولو على صورة تسوية مؤقتة. ولا سبيل إلى أي تنازل في هذه النقطة. إن المجرمين لا يشعرون في البلاد الأخرى بالندم والتوبة إلا نادرًا فيما يقال، لأن المذاهب الحديثة الرائجة هناك لا تستطيع إلا أن تعزز شعورهم بأن الجرائم التي ارتكبوها ليست جرائم، وإنما هي أعمال تمرد على القوى التي تضطهدهم ظلماً وعدوانًا، فالمجتمع ينبذهم من حضنه آلياً، ويغلبهم على أمرهم بقوته الظافرة، وهو يشفع هذا الإبعاد للمجرمين (هذا على الأقل ما يقوله في أوروبا کتاب تلك البلاد) يشفعه بكره لهم ولا يحفل بمصيرهم وينساهم نسیاناً تاماً مع أنهم إخوتنا على كل حال. فكل شيء يجري إذن دون أي عطف من الكنيسة، لأن الكنيسة أصبحت لا وجود لها في عدد من تلك البلاد التي لم يبق فيها إلا رجال الإكليروس ومباني دينية رائعة. أما الكنائس بالمعنى الحقيقي فقد سارت منذ زمن طويل في طريق يجب أن ينقلها من مرحلة يقال إنها دنيا، وهي مرحلة الجماعة الإكليركية، إلى المرحلة التي يُزعم أنها عليا وهي مرحلة الدولة، بغية أن تغرق فيها غرقًا كاملًا. تلك هي على الأقل حالة البلدان اللوثرية فيما يظهر. أما في روما فقد أقيمت الدولة مقام الكنيسة50 منذ ألف سنة. لذلك لا يشعر المجرم هناك بأنه عضو في الكنيسة، فهو حين ينبذه المجتمع يهوي إلى قاع اليأس. فإذا اتفق له أن يعود بعد ذلك إلى المجتمع، فإنه في كثير من الأحيان يظل يشعر نحو هذا المجتمع بكره يبلغ من القوة أن المجرم هو الذي ينبذ المجتمع في هذه المرة. وفي وسعكم أن تتخيلوا إلى أين يؤدي هذا. قد يتراءى أن الأمور تجري على هذا النحو غالبًا في بلادنا أيضًا . ولكن الفرق بين بلادنا والبلاد الأخرى هو أن بلادنا ما يزال فيها، عدا المحاكم النظامية، کنیسة لا تفقد اتصالها أبداً بالمجرم، لأنها تعده ابنًا عزيزًا لها ما يزال جديرًا بالحب. هذا إلى أننا احتفظنا بالعدالة الإكليركية ولو فكريًا، ولئن أصبحت هذه العدالة الآن غير فعالة، فهي ما تزال موجودة للمستقبل ولو كحلم فقط، والمجرم نفسه يعترف بسلطتها في قرارة نفسه حتمًا. وإنه لصحيح كل الصحة أيضًا، كما قيل هذا منذ هنيهة، أنه إذا استطاعت عدالة الكنيسة أن تؤكد نفسها في الواقع بكل قوتها، أي إذا استحال المجتمع كله إلى کنیسة، فإن المحاكم الإكليركية ستساهم في إصلاح المجرمين مساهمة لا وجود لها الآن إطلاقًا، بل ربما نقص عدد الجرائم كذلك نقصًا كبيرًا. إن الكنيسة نفسها - وهذا أمر مؤكد - ستستطيع عندئذ أن تنظر إلى الشخص الذي سيرتكب الجريمة في المستقبل، وإلى الجريمة القادمة، نظرة مغايرة في كثير من الأحوال عن نظرتها إليهما اليوم، وسيكون في وسعها أن ترجع بالمنبوذين إليها، وأن تهدي الضّالّین، تمنع أولئك الذين ينوون أن يرتكبوا عملًا سيئًا عنه، وأن تُنهض أولئك الذين سقطوا.
وأضاف الشيخ يقول وهو يضحك ضحكة صغيرة:
- صحيح أن المجتمع المسيحي ما يزال حتى الآن غير مهيأ، وأنه غير باقِ إلا بفضل الصالحين السبعة، ولكن هؤلاء لا يمكن أن يزولوا، والمجتمع المسيحي يقوم عليهم قيامه على أعمدة راسخة وطيدة بانتظار أن يتحول تحولًا كاملًا، فلا يبق مجتمعًا أي تنظيمًا إنسانيًا يشبه أن يكون وثنيًا حتى الآن، وإنما يصیر کنیسة واحدة شاملة كلية تحكم الجميع. هذا ما يجب أن يكون وهذا ما سيكون، ولو في آخر الزمان، لأنه قد أريد وحُدّد منذ الأزل. وما ينبغي أن يقلقنا طول الانتظار وبطء الزمن، ما دام مفتاح العصور بيد الرب، وما دام الرب يرتب تعاقبها بحكمته وطيبته. وسابق علمه. ذلك أن ما يبدو أنه ما يزال بعيدًا جدًا في تقدير البشر قد يكون بحكم المشيئة الإلهية على عتبة باب ظهوره يوشك أن يعبرها. هذا ما سيكون، فلتكن مشيئة الربّ.
قال الأب بائیسي مؤيدًا في رصانة ووقار:
- فلتكن مشيئة الربّ!
قال میوسوف بحرارة يغلب عليها استياء مكتوم:
- هذا غریب، غريب إلى أبعد حدود الغرابة!.
فسأله الأب يوسف قائلًا بحذر:
- ما هو الشيء الذي تراه في هذا الكلام غريبًا هذه الغرابة كلها؟ فهتف میوسوف يقول منفجرًا على حين بغتة:
- شيء عجيب كل العجب. يزيلون الدول القائمة ليشيدوا في مكانها الكنيسة كدولة! ليس هذا عقيدة أولترامونتانية فحسب، بل هو تطرف في هذه العقيدة! إن البابا جريجوري السابع نفسه ما كان له أن يحلم بشيء من هذا القبيل51!.
قال الأب بائیسي بصوت خشن:
- الأمر نقيض ما ترى تمامًا! نحن لا نعتقد أن الكنيسة هي التي يجب أن تستحيل إلى دولة، فافهم رأينا حق فهمه. إن ذلك الحلم هو حلم روما حقًا، وهو ثالثة غوايات الشيطان! وإنما رأينا عکس هذا الرأي، فالدولة هي التي يجب أن تتحول إلى كنيسة، هي التي يجب أن ترتقي إلى حيث تصبح الكنيسة الكلية الشاملة على الأرض، وذلك نقيض ما تراه روما، نقيض العقيدة الأولترامونتانية، نقيض التأويل الذي تؤوله أنت، وهو بعينه الرسالة الكبرى التي تحملها الأرثوذكسية إلى الأرض. في سماء الشرق ستطلع هذه النجمة.
الزم میوسوف صمتًا وقورًا. كان شخصه كله يعبر في هذه اللحظة عن شعور خارق بمهابته وكرامته. وارتسمت على شفتيه ابتسامة كبرياء تصطنع التواضع. وكان أليوشا يشهد هذه المناقشة ويتابع جميع تفاصيلها، خافق القلب. لقد هزت هذه المناقشة جميع جوراحه. ووقع بصره عرضًا عل راكيتين الذي لم يكن قد تحرك من مكانه والذي كان ما يزال واقفًا قرب الباب يسمع كل شيء بإصغاء، ويلاحظ كل شيء بانتباه، رغم أنه غاض بصره. ومع ذلك فإن أليوشا إذ لاحظ لون خديه أدرك أن راکیتین لم يكن أقل منه اضطرابًا لهذه المناقشة، وحزر الخواطر التي كانت تبث فيه هذا الاضطراب.
قال میوسوف فجأة بلهجة فيها سلطة، وهيئة فيها تعاظم:
- اسمحوا لي أيها السادة أن أقص عليكم حكاية قصيرة. حين كنت في باريس منذ بضع سنين، بُعيَد الانقلاب الذي وقع في شهر ديسمبر52، حدث أن زرت في يوم من الأيام أحد معارفي، وهو شخصية ذات نفوذ، ذات نفوذ عظيم، كانت تتولى في ذلك الوقت وظائف حكومية. فالتقيت عند تلك الشخصية بسيد عجيب أمره. لم يكن هذا السيد من رجال المباحث بمعنى الكلمة، ولكن يظهر أنه كان يدير جهازًا كبيرًا من أجهزة الشرطة السياسية - ومعنى هذا أنه شخصية كبيرة في ذاتها. انتهزت الفرصة فدخلت في حديث مع هذا الرجل، تدفعني إلى ذلك رغبة قوية في الاطلاع. وإذ لم يكن عند رب الدار عندئذ بصفته زائرًا بل بصفته مرؤوسًا يقدم تقريرًا، فإنه وقد لاحظ حفاوة رئيسه بي، قد شرفني بأن تحدّث معي بنوع من الصراحة. طبعًا لم ينفتح لي إلا إلى حدّ، وكان أقرب إلى الملاطفة منه إلى المصارحة، وهي تلك الملاطفة المعهودة في الفرنسيين، ولا سيما مع الأجانب. ولكنني استطعت أن أرى ما يقصده. لقد دار الحديث على الاشتراكيين الثوريين، الذين كانوا يضطهدون في ذلك الوقت على كل حال. ولست أحب أن أتعرض الموضوع الحديث الذي دار بيني وبينه، أقتصر على أن أذكر لكم فكرة عجيبة جدا أفلتت من لسان هذا السيد الصغير على حين فجأة، قال يسر إلي:
الحق أننا لا نخشاهم كثيرًا، هؤلاء الاشتراكيين من الفوضويين والملحدين والثوريين. نحن نراقبهم عن كثب ونعرف أعمالهم وحركاتهم. غير أن بينهم رجالًا من طراز خاص، وإن لم يكن عددهم كبيرًا جدًا: أولئك هم المؤمنون، المسيحيون، والاشتراكيون في الوقت ذاته. نحن نخشى هؤلاء اكثر من أي أحد آخر. هؤلاء أناس خطرون جدًا! «إن رجلًا يجمع بين الاشتراكية والمسيحية معًا لهو أخطر كثيرًا من اشتراكي ملحد». لقد فجأتني هذه الفكرة كثيرًا آنذاك، وقد تذكرتها الآن هنا، أيها السادة، لا أدري لماذا...
سأله الأب بائيسي فجأة بغير لف أو دوران:
- هل تريد أن تقول إن هذه الفكرة تصدق علينا وإننا في نظرك اشتراكيون؟
ولكن قبل أن يهتدي بيتر الكسندروفتش إلى جواب يقوله، فُتح الباب وظهر دمتري فيدوروفتش بعد تأخر طويل جدًا. كان الجميع قد أوشك أن يكف عن توقع وصوله، حتى إن ظهوره المفاجئ هذا قد أحدث فيهم شيئًا من دهشة.