-1- الخطوبة
- 1 - الخطوبة
إن السيدة خوخلاكوفا هي التي استقبلت أليوشا من جديد في الدهليز. كانت تبدو مُنهمكة جدًا، فقد وقع حادث خطير: إن نوبة الهستيريا التي أصابت كاترين إيفانوفنا قَدْ انتهت إلى إغماء أعقبه «ضعف فظيع وإعياء رهيب. لقَدْ رقدت كاترين إيفانوفنا، وأغمضت عينيها، وأخذت تهذي، وارتفعت حرارتها. واستدعي الدكتور هرتسنشتوبه والعمّتين، فوصلت العمّتان، ولكن الطبيب تأخر وصوله. الجميع مُحتشدون الآن في غرفتها. إنهم ينتظرون قلقين خائفين. ما عسى يحدث؟ إنها في غيبوبة. آمل ألّا تكون قَدْ أصابتها حمى دماغية!».
كانت هيئة السيدة خوخلاكوفا تدل على ذُعر حق. فهي تُصيح في كل لحظة قائلة لأليوشا من أجل أن تُطلعه على الواقع: «الأمر في هذِّه المرة خطير، خطير جدًا!»، كان كل ما جرى حتى ذلك الحين لم يكن على شيء من خطورة. كان أليوشا يُصغي إليها بمرارة. أراد أن ينهي إليها نتيجة المساعي التي قام بها، ولكنها كانت تقَاطعه مُنْذُ بدأ ينطق بأول كلمة قائلةً له: «ليس الآن» إن وقتها لا يتسع للاستماع إليه. وطلبت منه أن يتفضل فينتظر عند ليزا، واعدةً إياه أن تلحق به فيما بعد.
قالت له بما يُشبه الهمس في أذنه مُفضيةً إليه بسر:
- تصوّر يا عزيزي ألكسي فيدوروفتش! لقَدْ أدهشتني ليزا أشد الدهشة مُنْذُ قليل، ولكنها تبلغ من التأثير في قلبي أنني أغفر لها راضية. ما إن خرجت أنت حتى استبدّت بها ندامة صادقة جدًا، لأنها فيما تزعُم قَدْ سخِرت منك أمس واليوم. الحقيقة أنها لم تكن تسخر، فأنا أعرفها، وإنما هي مزحت مُزاحًا. ومع ذلك فقد بلغت من الأسف العميق أنها أوشكت أن تبكي، فما وسعني إلَّا أن أُدهش. لم يتفق لها أن ندمت يومًا حين كانت تسخر مني، سخرية لا خُبث فيها على كل حال. وهي تسخر مني بغير انقطاع كما تعلم. أما الآن فالأمر خطير. لقَدْ أصبح كل شيء خطيرًا. إنها تحرص كثيرًا على رأيك يا ألكسي فيدوروفتش، وما ينبغي لك أن تُؤاخذها أو أن تستاء منها. أنا شخصيًا أتساهل معها وأرأف بها لأنها ذكية جدًا... ليتك تعلم كم هي لطيفة وذكية! ولقد ذكرت لي مُنْذُ هنيهة أنك كُنت صديق طفولتها، أنك كنت «صديق طفولتي الأكثر شأنًا». الصديق الأكثر شأنًا، هل تفهم؟ فأين مكاني أنا من نفسها إذن؟ إن لها في هذَّا المجال عواطف عميقة وذكريات حيّه. وهُنالك خاصةً تِلكَ العبارات وتلك الكلمات التي تُجيد استعمالها، تِلكَ التراكيب التي لا يتوقعها المرء ذلك يخرج من فمها فجأة، ارتجالًا. قصة الصنوبر تِلكَ مثلًا. لقَدْ كان في حديقتنا شجرة صنوبر، أيام كانت ليزا صغيرة جدًا. أحسب أن هذِّه الشجرة ما تزال موجودة إلى الآن، فما ينبغي أن نتحدث عنها بصيغة الفعل الماضي، ليست الأشجار بشرًا يا ألكسي فيدوروفتش، إنها لا تتغير مدة طويلة. قالت ليزا مُنْذُ أيام: «ماما، إني أتذكر شجرة الصنوبر هذِّه كأنها حلم، أي sosna kak So sna». الحق أنها قالت لي ذلك بطريقة أخرى112. نسيت الآن كيف قالت لي ذلك. المهم أن كلمة الصنوبر كلمة سخيفة في ذاتها. ولكن ليزا بلغت من الطَّرافة والأصالة في لفظها أنني لا أستطيع أن أُقلدها. ثُمّ إن هذَّا كله قَدْ خرج من رأسي. والآن، إلى اللقاء. إن هذِّه الأحداث قَدْ قلبت نفسي رأسًا على عقب، حتى لأخشى أن تذهب بعقلي. لقَدْ أوشكت يا عزيزي ألكسي فيدوروفتش أن أجئ مرتين في حياتي. فاضطروا إلى مُعالجتي. اذهب إلى ليزا، وواسها كما تُجيد أنت ذلك أيما إجادة.
ثم صرخت تُنادي ليزا وهي تقترب من الباب:
- ليزا! جئتك بألكسي فيدوروفتش الذِّي تظنين أنك أسأت إليه إساءة كبرى. إنه غير غاضب منكِ ولا عاتب عليك، أؤكد لكِ ذلك، بل إنه ليدهشه أن يكون قَدْ خطر ببالك هذَّا الخاطر!
- شُكرًا ماما! أدخل يا ألكسي فيدوروفتش.
دخل أليوشا الغرفة. إن لیزا تبدو مُضطربة اضطرابًا شديدًا خجلي خجلًا قويًا، فقد احمر وجهها فجأة حتى الأذنين. كان واضحًا أنها تشعر بشيء من الخزي. وكما يحدُث دائمًا في مثل هذِّه الحالة، طفقت تتحدث في أمور لا شأن لها في نظرها، مُتظاهرة بأنها مهتمة بها في هذِّه اللحظة اهتمامًا كبيرً. قالت:
- حدثتني أمي مُنْذُ برهة يا ألكسي فيدوروفتش عن المائتي روبل، وعن المهمة التي كُلفت بها... لدى ذلك الضابط المسكين... وقد وصفت لي الإهانة الفظيعة التي أُلحقت به... رغم أن أمي لا تُحسن سرد قصة من القصص، وإنما هي تخلط الأمور بعضها ببعض، وتُسقط في جميع الأحيان تفاصيل هامة... لقَدْ تأثرت تأثرًا شديدًا، وبكيت. فقل إليِّ الآن: هل أعطيته المبلغ وكيف تصرف هذَّا الإنسان الشقي المُعَذَّب؟
أجاب أليوشا مُتظاهرًا هو أيضًا بأن إخفاقه في إعطاء النقود هو ما يشغل باله:
- المشكلة هي أني لم أعطه المبلغ، تِلكَ قصة طويلة!
وأدركت ليزا مع ذلك أنه يُشيح عينيه في ضيقٍ وحرج، ويُحاول مثلها تمامًا أن يتحدث في أمور ليست بذات بال. وجلس أليوشا قُرب المائدة وأخذ يروي الحكاية، فما إن قَال بضع كلمات حتى زال ارتباكه تمامًا، وحتى أسر انتباه ليزا. كان يتكلم وهو تحت وطأة الانفعال الذِّي ما يزال قويًا في نفسه، والتأثير الهائل الذِّي تركه الحادث القريب فيه. وقد عرف كيف يروي القصة رواية أمينة صادقة، جذابة أخاذة. كان قَدْ اعتاد في الماضي، بموسكو، أن يجيء إلى ليزا أيام كانت ما تزال طفلة صغيرة، فيقُص عليها حادثًا وقع له مُنْذُ وقت قصير، أو يُحدثها عن قراءاته، أو يُثير أمامها ذكرى من ذكريات سنينه الأولى، فكان يتفق لهما في كثير من الأحيان أن يُلفقا أحلامًا مُشتركة أو أن يخترعان حكايات هي في الغالب مُضحكة خيالية غريبة. وها هما يستعيدان الآن جو موسكو، ويشعران في نفسيهما باستيقاظ مُناخ الحياة التي قضياها هُنالك قبل سنتين. اضطربت ليزا من رواية هذِّه القصة اضطرابا قويًا. لقَدْ عرف أليوشا كيف يرسم للصبي إيليوشا صورة حارة. فلما فرغ من سرد جميع تفاصيل المشهد، ووصف كيف داس ذاك الرَّجُل المسكين الورقتين النقديتين، هتفت لیزا تقول وقد استبد بها انفعال عنيف:
- ألم تعطه المال إذًا؟ أتركته ينصرف؟ أوه! يا رب كان عليك أن تلحق به وأن تُدركه وتتكلم معه...
- لا يا لیزا، لقَدْ كُنت على حق حين لم أُحاول أن أُدركه. ذلك أفضل...
قَال أليوشا ذلك وهو ينهض من كُرسيه، وأخذ يسير مهمومًا في الغرفة.
- هذَّا أفضل؟ كيف يكون هذَّا أفضل؟ لسوف يهلكون الآن فقرًا!
- لن يهلكوا، لأن هاتين المائتين من الروبلات ستصلهما على كل حال. سيقبلهما في الغد حتمًا.
ثم تابع كلامه يقول وهو ما يزال يسير في الغرفة مُطرقًا مُفكرًا:
- نعم... لن يُعارض في الغد... هذَّا أكيد...
ولم يلبث أن توقف فجأة أمامها فقال:
- لقَدْ ارتكبت خطأ، ولكن هذَّا الخطأ ستكون له ثُمّرات طيبة.
- أي خطأ؟ ولماذا تتصور أنه ستكون له ثُمّرات طيبة؟
- اسمعي. إن هذَّا الرَّجُل له طبع ضعيف وجل. لقَدْ أرهقه القدر، ولكن له قلبًا طيبًا. حاولت أن أفهم لماذا شعر فجأةً بأنه أُهين فأخذ يدوس هاتين الورقتين النقديتين، ذلك أنه كان هو نفسه يجهل حتى آخر لحظة أنه سيتصرف هذَّا التصرف، ثقي بهذا وأحسب أنني استشف الآن الأسباب الكثيرة التي جعلت شعوره يجرح... وكان ذلك أمرًا لا بد منه. هكذا... فهو أولًا قَدْ أسرف في إظهار ابتهاجه بهذا المال أمامي، ولم يكتم سعادته في اللحظة الأولى. فلا بد أنه شعر بعد ذلك بذلة من استجابته تِلكَ السريعة التي لم يستطع أن يُسيطر عليها. فلو أنه اغتبط اغتباطًا أقل، لو أنه امتنع عن إظهار هذَّا الاغتباط، لو أنه اصطنع أوضاعًا واتخذ مظاهر كما يفعل كثير من الناس لأخذ المال، لقبل الوضع بسهولة أكبر، ولما رفض هذِّه المُساعدة. لقَدْ أسرف في الصدق والإخلاص، وذلك هو ما يجرح شعوره. آه يا لیزا! إنه إنسان طيب صادق، وهذا يُصعب الأمور دائمًا في مثل هذِّه الأحوال.. لقَدْ كان طوال مُدة حديثنا يتكلم بصوت ضعيف مُرهق معدود مُتعجل. وكان يضحك ضحكة صغيرة أيضًا... يضحك أو يبكي... لقَدْ كانت ضحكاته أقرب إلى البكاء... كان يبكي حماسة... حدثني عن ابنتيه... عن الوظيفة التي عُرضت عليه في مدينة أخرى... لقَدْ فتح لي قلبه، وأسرّ لي بذات نفسه، وأفاض في الإفصاح عن عواطفه فما لبث بعد ذلك أن شعر من ذلك بخزي وعار... ثُمّ إذا هو يشعر نحوي بكرهٍ على حين فجأة. إنه واحد من أُولئك الناس المساكين الذّين يسرفون في الإحساس بالخجل والعَار. لقَدْ شعر بالذُّل من أنه سارع يعدّني صديقًا، وأنه استسلم لي بغير مُقاومة. في بيته كان قَدْ هددني وتوعدني تقريبًا، ثُمّ ها هو ذا حين تلقى المال يُسارع فيوشك أن يرتمي على عُنقي. لقَدْ ودّ لو يُعانقني، وكانت يداه تُلامساني في كل لحظة، فلهذه الأسباب جميعًا أحسَّ أنه أذل نفسه أمامي؛ ومما زاد الطين بلةّ أنني ارتكبت تِلكَ الخطيئة، أنني اقترفت تِلكَ الغلطة الخطيرة: لقَدْ صرَّحت له فجأة بأنه سيُمنح مزيدًا من المال إذا كان ما يملكه لا يكفيه للهجرة إلى مدينة أخرى، حتى لقَدْ عرضت عليه أن أُسهم أنا في ذلك بمالي إسهامًا كبيرًا. ذاك ما فاجأه. لقَدْ تساءل: لماذا أُقحم نفسي في مساعدته أنا أيضًا؟ يجب أن تعلمي يا لیزا أن الذّين أمثاله لا يحبون أن يعتبر جميع الناس أنفسهم مُحسنين إليهم... سمعت هذَّا الرأي كثيرًا، ولا سيما من الشيخ زوسيما. لا أعرف كيف أُوضح هذِّه الحقيقة، ولكن أُتيح لي أن أُلاحظها بنفسي مرارًا. ثُمّ إنني لو كُنت في مكانهم لكان ردِّي كردّهم أشعُر بذلك في ذات نفسي. يجب أن نتصور خاصةً أنه رغم جهله حتى آخر لحظة بأنه سيدوس المال أخيرًا، كان يشعر بذلك شعورًا غامضًا مُبهمًا. هذَّا أكيد. ولم تكن حماسته فائضة ذلك الفيض كله إلَّا لأنه كان يُحسّ هذَّا الإحساس الغامض... على كل حال، مَهْمَا تكن هذِّه الخاتمة داعية إلى الأسف والحسرة، فما ينبغي أن نقلق منها، بل إنني على يقين بأن ما حدث كان هو الأفضل، وأن الأمور هي الآن عليِّ خير ما يرام...
- لماذا ليس هُناك ما هو أفضل منه، لماذا؟
كذلك هتفت ليزا وهي تُلقي على أليوشا نظرة دهشة. فقال أليوشا:
- لو أنه لم يدس الورقتين النقديتين بقدميه، لو أنه أخذ المال، إذًا لظل يبكي في بيته من الذِّل بعد ساعة أو ساعتين، ذلك أمر محتُوم، ولندم على ما فعل ولجاءني مع الغد حانقًا ساخطًا ليرمي بهما في وجهي، أو ليدوسهما بقدميه كما فعل مُنْذُ قليل. أما وقَدْ صنع ما صنع، فسيشعر بَعْد الآن بالكرَامة والكبريَاء، والظفر، رغم علمه بأنه قَدْ ضيع نفسه بفعلته». يترتب على ذلك أنه لن يكون هُنالك شيء أسهل من رده إلى قبول هاتين المائتين من الروبلات في الغدِ، ما دام قَدْ برهن على تمسكه بالشرف برفضِ المال ودوسه... ذلك أنه حين أخذ يدوس الورقتين بقدميه لم يكُن يتنبأ أنني سأردهما إليه في الغداةٍ من جديد. وهو في حاجة رهيبة إلى هذِّه المساعدة المالية، ومهما يبلغ من الشعور بالكبرياء، فإنه سيظل يُفكر طوال النهار في المعونة الكبيرة التي فقدها. وسيكون أمره في الليل أدهى، فإن الندم والحسرة سيقُضان مضجعه وسيعذبانه في أحلامه، فما أن يطلع الصُّبح حتى يكون ميالًا إلى المجيء إليِّ مُعتذرًا. وفي تِلكَ اللحظة إنما سأذهب إليه أنا، فأقول له مُعترفًا: «أنت إنسان كريم وشهم، وقد برهنت على ذلك، فاقبل الآن هذَّا المال، واغفر لي وأعف عني». وسوف يقبل المال عندئذ، ما في ذلك ريب!
نطق أليوشا هذِّه الكلمات الأخيرة وهو فيما يُشبه النشوة. وصفقت ليزا يديها إحداهما بالأخرى، وقالت:
- هذَّا صحيح جدًا هذَّا واضح جدًا فهمت كل شيء فهمًا تامًا! أوه أليوشا، كيف تستطيع أن تعرف هذِّه الأشياء كُلها؟ ما تزال في ريعَان الشباب ثُمّ تُدرك ما يجري في النفس الإنسانية هذَّا الإدراك العميق.... ما كان لي أنا أن أستطيع ذلك...
تَابع أليوشا كلامه يقُول وهو في غمرة الحماسة:
- الأمر الأساسي الآن هو أن نُقنعه بأننا سنُعامله على قدم المُساواة رغم أنه يقبل أخذ المال منا. يجب أن يشعر بأننا لا نُعامله على قدم المساواة فحسب، بل على قدم التفوق أيضًا...
- على قدّم التفوق، هذَّا تعبير رائع يا ألكسي فيدوروفتش،
ولكن هل شرحته لي!
- أقصد... الحق أنني لم أُحسن الإفصَاح... لا... ليس
الأمر أمر قدم التفوق... ولكن سيان...
- طبعًا... سيان... أنت على حق! اغفر لي يا أليوشا، یا
عزيزي أليوشا... لقَدْ كنت حتى الآن لا أكَاد أحترمك كثيرًا، هل تعلم؟ أقصد... كُنت أحترمك، ولكن على قدم المساواة، أما بعد الآن فسأحترمك على قدم التفوق...
أردفت تقول فورًا بحرارة:
- لا تُؤاخذني يا صديقي العزيز إذا أنا تفکهت وتندرت قليلًا. أنا فتاة صغيرة تُحب أن تضحك، ولكن أنت، أنت... قُل لي يا ألكسي فيدوروفتش، ألَّا تظن أن في استدلالاتنا، أو قُل في استدلالاتك أنت - لا في استدلالاتنا نحن - شيئًا من الاستخفاف بهذَّا المسكين، شيئًا من الاحتقارِ له؟ ألَّا نضع أنفسنا فوقه بتشریح عواطفه هذَّا وباقتناعنا مُنْذُ الآن بأنه سيقبل أخذ المال؟
فأجاب أليوشا بلهجة جازمة، كأنه كان ينتظر هذَّا السؤال:
- لا یا لیزا، ليس في هذَّا شيء من احتقارٍ البتة. لقَدْ ألقيت على نفسي هذَّا السؤال ذاته وأنا عائد إلى هُنا. فکري قليلًا: كيف يُمكننا أن نحتقره ونُحن جميعًا مثله، كيف يُمكننا أن نحتقره والبشر جميعًا مثله؟ ذلك أننا لسنا خيرًا من هذ المسكين، وهبينا خيرًا منه الآن، فإننا لن نبقي خيرًا منه إن وُضعنا في ظرف كالظرف الذِّي هو فيه... لا أستطيع أن أقطع برأي فيما يتصل بك أنتِ يا لیزا، ولكنني على يقين من أن نفسي صغيرة في كثير من النواحي. أما ذلك الضابط فليست نفسه صغيرة، بل بالعكس، مُرهفة جدًا... لا يا لیزا، صدّقيني، ليس في موقفنا هذَّا أي احتقار ولا ازدراء! هل تعرفين ماذا علمني شيخي مرة؟ قَال لي: يجب أن تُعامل أكثر الناس مُعاملتك أطفالًا وأن تُعامل بعض الناس مُعاملتك مرضی...
- قُل لي يا ألكسي فيدوروفتش، قُل يا صديقي! ما رأيك في أن نُنذر نفسينا أنا وأنت للاهتمام بالناس كما لو كانوا مرضى!
- أوافق يا لیزا، أتمنى. ولكنني لست مُتأهبًا بعد كل التأهب. إن صبري ينفد في بعض الأحيان فأضيق ذرعًا. وفي أحيان أخرى أراني غائبًا فما أُلاحظ شيئًا. أما أنت فشأنك شأن آخر.
- لا أُصدق من هذَّا الكلام شيئًا! آه يا ألكسي فيدوروفتش! ما أعظم سعادتي!
- ما أحلى أن أسمعك تقولين هذَّا يا ليزا.
- ألكسي فيدوروفتش، أنت طيب طيبة خارقة. ولكنك تتصرف في بعض اللحظات كمُتحذلق قليلًا... ومع ذلك، في واقع الأمر، فلست كذلك أبدًا... اقترب من الباب، في رفقٍ وهدوء، وتأكد من أن ماما ليست تتنصت علينا.
كذلك أضافت لیزا تقول بهمس سريع عصبي. فاتجه أليوشا نحو
الباب، فشقه قليلًا، ثُمّ عاد فقال إن أحدًا لا يتجسس عليهما.
وتابعت ليزا كلامها تقول وهي تزداد احمرارًا:
- اقترب مني يا أليوشا مزيدًا من الاقتراب... هات يدك... هكذّا... يجب أن أبوح لك بسرٍ كبير: إن الرسالة التي بعثت بها إليك أمس لم تكن مُزاحًا، بل جدًا...
قالت ذلك وغطت عينيها بيدها. كان واضحا أنها تشعر من هذَّا
الاعتراف بحياء شديد. وفجأة، أمسكت يد أليوشا فلثمتها ثلاث مرات بعنف وقوة وحرارة.
هتف أليوشا يقول:
- أوها ليزا! حسن منك هذَّا ولقد كنت مُقتنعًا كل الاقتناع بأنك كنت جادة في رسالتك.
- کنت مُقتنعًا؟ أهذا كلام؟
قالت ذلك وأقصت عنها يد أليوشا، ولكن دون أن تتركها، وقد احمر وجهها احمرارًا شديدًا مرة أخرى، وضحكت ضحكة خفيفة سعيدة.
- ألثم يده فيقول «حسن منك هذَّا»!
على أن هذَّا اللوم كان لا يخلو من ظُلم، فلقد كان أليوشا يشعر باضطراب شديد هو أيضًا.
تمتم يقول بخرافة، وهو يحمر أيضًا:
- لشد ما أحب أن أُرضيك يا ليزا، ولكنني لا أعرف كيف أصل
لهذا ولا كيف أتدبره.
- أليوشا، عزيزي، أنت فاتر ووقح. أليس هذَّا ما يمكن أن يتصوره المرء؟ لقَدْ تفضل فاختارني زوجة له ثُمّ ها هو ذا هادئ النفس! كان مُقتنعًا بأنني جادة في رسالتي، لا مؤاخذة! ولكن هذِّه وقاحة، وقاحة...
سألها أليوشا ضاحكًا: - أكان عيبًا إلى هذَّا الحد إذا أنني كنت مُقتنعًا بذلك؟
فقالت له ليزا وهي تُلقي عليه نظرة حنونة رقيقة سعيدة:
- أوه! أليوشا! بالعكس... كان ذلك منك حسنًا جدًا، حسنًا جدًا جدًا.
وكان أليوشا ما يزال مُمسكًا يدها بيده فما هي إلَّا لحظة حتى مال عليها فجأة فقبلها في فمها.
هتفت ليزا تسأله:
- ما هذَّا أيضًا؟ ماذا دهاك؟
كان أليوشا قَدْ انذهل تمامًا. قَال:
- اغفري لي... إن كنت قَدْ أخطأت... لعلني... حقًا إنها لحماقة رهيبة... لقَدْ أُخذت على أنني بارد، لذلك... قبلتك... ولكني أُدرك الآن أن هذَّا كان حماقة مني...
انفجرت لیزا ضاحكة، وأخفت وجهها بيديها. ثُمّ لم تملك أن تمنع نفسها من أن تقول له من خلال ضحكها:
- «وأنت في مسوح الراهب» ثُمّ توقفت عن الضحك فجأة، وقد اتخذ وجهها هيئة رصينة بل قاسية، وقالت:
- إن علينا أن ننتظر قليلًا فيما يتعلق بالقُبلات يا أليوشا. نحن لا نعرف حتى الآن كيف نفعل ذلك، لا أنا ولا أنت. لا بد لنا أن ننتظر زمنًا طويلًا أيضًا.
بهذا ختمت كلامها فجأة. ثُمّ أردفت بعد لحظة تقول:
- ولكن اشرح لي: ما الذِّي حملك على أن تختار بلهاء حقيرة مثلي هي فوق ذلك كسيحة، في حين أنك على هذَّا الجانب العظيم من الذكاء والتعقل والفطنة؟ أوه! أليوشا، أنا سعيدة جدًا، لأنني لا أستحقك أبدًا!
- لا تقولي مثل هذَّا الكلام يا لیزا. سوف أترك الدير تمامًا بعد بضعة أيام. فإذا عشت في الدنيا فسيكون عليِّ أن أتزوج، أنا أعرف ذلك. ثُمّ إنه هو الذِّي أمرني بهذا. فأين عسى أجد امرأة خيرًا منك... ومن عسى يُريدني سواك؟ لقَدْ فكرت في كل شيء.. أنت أولًا تعرفيني مُنْذُ الطفولة. وأنت ثانيًا تملُكين مزايا كثيرة لا أملكها. نفسك أقرب إلى المرح من نفسي. وأنت خاصة أكثر براءة مني. فأنا قَدْ عرفت حتى الآن أشياء كثيرة... أوه! أنت لا تعلمين هذَّا! أنا أيضًا کارامازوف! أي ضير في أن تضحكي وأن تمزحي دائمًا وأن تسخري حتى مني؟ بالعكس: اسخري ما شاء لك هواك أن تسخري.. إنني لأسعد بهذّا... إنك تضحكين كطفلة صغيرة، إنك شهيدة.
- شهيدة؟ ماذا تريد أن تقول؟
- نعم يا لیزا. انظري مثلًا في ذلك السؤال الذِّي ألقيته مُنْذُ لحظات حين قُلتِ: أليس في نفسنا شيء من احتقار لذلك الضابط المسكين الذِّي نُشرح قلبه؟ تِلكَ فكرة جديرة بالشهداء يا لیزا... لست أعرف كيف أُفصح عما أريد أن أقول، غير أن من يشعر بمثل هذِّه الأنواع من القلق قادر في رأيي على أن يتألم كثيرًا... لا شك أنك قلبت معاني كثيرة وأنت قاعدة على هذَّا الكرسي...
قالت ليزا بصوت أوهنته السعادة:
- أليوشا، ناولني يدك! لماذا تسحبها دائمًا؟ قُل لي يا أليوشا: أي زي تنوي أن ترتدي حين تترك الدير؟ لا تضحك، ولا تغضب، ذلك أن هذَّا الأمر يهمني كثيرًا.
- لم أُفكر بعد في الزي الذِّي سأرتديه يا لیزا ولكنني أُريد أن ألبس ما يرضيك.
قالت ليزا:
- أُحب أن ترتدي سترة من مُخمل أزرق قاتم، وصديرة من بيكيهه بيضاء، وقُبعة رمادية من جوخ طري... قُل لي الحقيقة: لقَدْ صدقت في مساء أمس أنني لا أُحبك، حين تنكرتُ لرسالتي، أليس كذلك؟
- لا... لم أُصدق.
- أوها إلَّا إنك لفتي لا سبيل إلى إصلاحه! إنك لا تُطاق ولا تحتمل هل تعلم ذلك؟
- كنت أعرف أنك... تٌحبينني، ولكنني تظاهرت بأنني أعتقد بأنك لا تُحبيني... وذلك لأجعلك... أكثر ارتياحًا...
- هذَّا شر وأدهى! ولكن لا...
هذَّا أدهى وأفضل معًا، في آن! إنني أحبك حبًا رهيبًا يا أليوشا! قلت لنفسي في هذَّا الصباح وأنا أنتظر زيارتك: «سأطلب منه مرة ثانية أن يرد إليِّ رسالتي، فإذا أخرجها من جيبه بلا مقاومة فمدَّها إليِّ (كما يمكن توقع ذلك منه) فإنه يكون فتى أبله لا يحبني إطلاقًا ولا يشعر بشيء ولا يستحق حبي... وأكون أنا قَدْ هلكت». غير أنك تركت الرسالة في الدير، فرد هذَّا إليِّ شيئًا من شجاعتي. إنك لم تحملها لأنك كنت تُحس سلفًا أنني قَدْ أطلبها منك، وأنت لا تريد أن تردها، أليس كذلك؟ قل! نعم؟
- أوه! ليزا! كلا... الرسالة معي الآن، ولقد كانت معي من قبل، هي هنا، في هذَّا الجيب. انظري!
قَال أليوشا ذلك وأخرج الرسالة من جيبه ضاحكًا، وأظهرها عليها من بعيد، ثُمّ أضاف:
- اعلمي مع ذلك أنني لن أردها إليك. انظري إليها من بعيد.
- كيف هذَّا؟ أكذبت إذا حين طالبتك بها؟ أتكذب وأنت راهب؟
فقال أليوشا نعم أكذب وهو يضحك:
- مُسلمًا باتهامها! لقَدْ أبيت أن أقول الحقيقة حتى لا أرد إليك الرسالة.
- ثُمّ أضاف يقول بانفعال شديد وقد احمر وجهه من جديد: - هذِّه الرسالة عزيزة عليِّ إلى أقصى حد. سأحتفظ بها ما حييت، ولن يستطيع أحد أن ينتزعها مني!
كانت ليزا شاخصة إليه ببصرها مأخوذة مفتونة. ثُمّ قالت له هامسة:
- أليوشا! هيَّا انظر ألَّا تتنصت علينا ماما وراء الباب؟
- طيب يا ليزا، سأنظر ما دُمتِ تُريدين ذلك. ولكن أليس الأفضل أن لا نحاول التثبت من هذَّا؟ لماذا نظن في أمك هذَّا الظن؟ لماذا نتصور أنها يمكن أن ترتكب سماجة كهذه؟
فقالت ليزا مستاءة وقد احمر وجهها احمرارًا شديدًا:
- أي سماجة؟ فيم الكلام عن السماجة؟ هل من السماجة أن تراقب أم ابنتها وأن تحاول سماع أحاديثها؟ إن من واجب الأم أن تفعل هذَّا مع ابنتها. وليس في عملها ذاك أي إخلال بقواعد اللياقة وأصول الأدب. كن على يقين يا ألكسي فيدوروفتش من أنني حين سيكون لي ابنة أنا أيضًا، فلن يفوتني أن أتجسس عليها في كل مناسبة!
- صحيح؟ ولكن هذَّا شر يا لیزا!
- لماذا يكون هذَّا شرا؟ أي ضير فيه؟ لو قَدْ تجسست هذَّا التجسس على حديث عادي يجري في المجتمع، إذًا لكان ذلك مني ضعة وحقارة بدون ريب. أما هنا فالأمر مختلف كل الاختلاف. هنا فتاة مُختليه بشاب... اسمع يا أليوشا: أُحب أن أقول لك مُنْذُ الآن إنني سأراقبك أنا أيضًا متى تمت خطوبتنا، وسأفض بريدك، وأقرأ جميع رسائلك... اعلم هذَّا. ها أنا ذا أُبلغك مُنْذُ الآن...
- موافق... ما دُمت تريدين ذلك... ولكن هذَّا ليس حسنًا، صدقيني...
بهذا تمتم أليوشا. فقالت ليزا:
- أوه! هذَّا الاحتقار! أليوشا، صديقي، لن نتشاجر مُنْذُ أول يوم. إنني أُؤثر أن أعترف لك بالحقيقة: أنا أعرف أن التجسس على الناس معيب جدًا. لقَدْ أخطأت أنا طبعًا، وأصبت أنت. ولكنني سأُراقبك مع ذلك.
فقال أليوشا ضاحكًا:
- راقبيني، راقبيني.. ولن تكتشفي أشياء كثيرة، أقول لك ذلك مُنْذُ الآن.
- أليوشا، هل ستطيعني؟ تِلكَ أيضًا مسألة يجب أن نسويها سلفًا.
- سأُطيعك يا ليزا، سيسُرني جدًا أن أُطيعك، ولكن ليس في الأمور الأساسية. في الشؤون الهامة، سأعمل بما يمليه عليِّ ضميري، حتى ولو خالفتني.
- هذَّا مفهوم، وأنا أيضًا، ألَّا فاعلم يا أليوشا أنني مستعدة من جهتي لأن أُطيعك لا في الشؤون الأساسية فحسب، بل في كل شيء، وفي كل وقت، مدى الحياة.... أُعاهدك على هذَّا مُنْذُ الآن. وإذا خضعت لك، فإنني أخضع راضية سعيدة فرحة! (كذلك هتفت لیزا تقول بحرارة). وإني لأحلف لك أيضًا أنني لن أُراقبك أبدًا، لن أُراقبك مرة واحدة، لا ولن أقرأ رسائلك قط، في يوم من الأيام. ذلك أنك على حق، وأنني على خطأ. أعرف أن رغبة رهيبة في مُراقبتك سوف تتأجج في نفسي، ولكنني سأحبس هذِّه الرغبة، لأن هذَّا معيب في نظرك. ستكون لي بمثابة العناية الإلهية... اسمع يا ألكسي فيدوروفتش: لماذا أنت حزين هذَّا الحزن كله في هذِّه الآونة الأخيرة، أمس واليوم؟ أنا أعرف أن هُناك أنواع من الهم والقلق تملأ جوانب نفسك، ولكني لاحظت فيك حزنًا خاصًا... أهو ألم سري؟
قَال أليوشا بصوت مكبوح:
- نعم يا لیزا، هو حُزن سري. إنني أرى أنك تُحبينني حقًا ما دُمت قَدْ أدركت ذلك.
سألته ليزا بلهجة فيها رجاء وضراعة:
- ما سبب حُزنك؟ هل أستطيع أن أعرفه؟
فأجابها أليوشا مُحرجًا:
- سأذكره لك يا لیزا... ولكن فيما بعد. إذا حدثتك الآن عن سبب حزني، فلن تفهمي. ثُمّ إنني لن أُحسن شرحه كما ينبغي
قالت ليزا:
- أحسب أن موضوع أخويك وأبيك هو الذِّي يُعذبك علاوة على آلام أخرى، أليس كذلك؟
قَال أليوشا حالمًا مُفكرًا:
- نعم، هناك أخواى أيضًا.
قالت ليزا فجأة:
- أنا لا أُحب أخاك إيفان يا أليوشا.
استقبل أليوشا هذَّا التصريح بشيء من الدهشة، ولكنه تابع كلامه يقول:
- أخواي يسيران إلى الضياع، وكذلك أبي. وهُم يجرُّون إلى الشقاء كائنات أخرى. إنها «القوة الغامضة الخفية الكامنة في أفراد آل کارامازوف»، كما قَال الأب بائيسي في الآونة الأخيرة... هي قوة عارمة، أصيلة لا يُمكن السيطرة عليها، حتى إني لست واثقًا من أن روح الله تُحلق فوق هذِّه القوة... ولكنني لا أعلم أنني واحد من آل کارامازوف، أنا أيضًا... أنا في الظاهر راهب. فهل أنا راهب حقًا يا ليزا؟ لقَدْ قلت مُنْذُ هنيهة إنني راهب...
- نعم قُلت ذلك..
- راهب... ومع ذلك قَدْ لا أكون مؤمنًا بالله...
- أأنت لا تؤمن بالله؟ ماذا دهاك؟ - كذلك سألته ليزا مُحاذرة بصوت خافت. ولكن أليوشا لم يرد. إن هذَّا القول الذِّي أفلت من لسانه يُعبِّر عن فكرة غامضة تثوي قرارة قلبه ولعله لا يستطيع هو نفسه أن يستبينها، ولكنها كانت تعذبه ما في ذلك ريب. وتابع أليوشا كلامه:
- وفوق ذلك كله، هذَّا هو يموت... إن الإنسان الذِّي أعده خير إنسان في هذَّا العالم سيُبارح الأرض. آه! ليزا! لو علمت مدى تعلقي بهذا الإنسان، ومدى شعوري بالارتباط به ارتباطًا لا انفصام له!... سوف أكون بعد اليوم وحيدًا... سأجيئ إليك كثيرًا يا لیزا... لن نفترق بعد الآن...
- نعم سيظل كل منا قُرب الآخر. سنكون مُتحدين مدى الحياة، مُتحدين إلى الأبد... أليوشا، قبِّلني الآن... أسمح لك الآن بأن تُقبلني.
قبلها أليوشا.
- والآن اذهب. كان المسيح معك! (قالت ذلك وهي ترسم عليه إشارة الصليب.) أدركه هو قبل أن يموت. الآن أفهم أنني أضعت لك وقتا ثمّينًا. سأصلي له ولك اليوم. أليوشا، سنكون سعيدين، سنكون سعيدين، أليس كذلك؟
- أعتقد يا لیزا
لم ير أليوشا، حين خرج من عند لیزا، أن من الضروري أن يذهب أولًا إلى السيدة خوخلاكوفا، وإنما تأهب لمغادرة المنزل دون أن يُودعها، ولكنه ما إن فتح باب البيت وخطا خطوة على السُّلَّم حتى انبجست السيدة خوخلاكوفا أمامه. فأدرك أليوشا فورًا أنها كانت تترقب انصرافه.
- هذَّا فظيع يا ألكسي فيدوروفتش! هذِّه أمور صبيانية، هذِّه سخافات وحماقات. آمل ألا تحمل أقوال ابنتي على محمل الجد، وألا تُهدهد أوهامًا وأحلامًا! يا للحماقة! يا للحماقة! يا للحماقة! كذلك انهالت عليه مُرددة. فقال لها أليوشا:
- لا تقولي هذَّا الكلام لها على الأقل، وإلا اضطربت اضطرابا شديدًا وساءت حالها كثيرًا.
- هذَّا أخيرًا كلام مُتزن يُبرهن لي على أنك شاب عاقل. هل أفهم من كلامك هذَّا أنك إنما وافقتها إشفاقًا على حالتها، حتى لا تُثير بمعارضتك حنقها؟
قَال أليوشا بلهجة قاطعة:
- لا، إطلاقًا بل كنت جادًا في حديثي معها كل الجد.
- لا شأن للجد هنا. هذَّا شيء لا يمكن تصوره، لا يمكن تخيله! اعلم أولًا أني لن أستقبلك بعد اليوم في منزلي، واعلم ثانيًا أنني سأسافر من هذِّه المدينة مُبتعدة بابنتي. هل فهمت؟
قَال أليوشا:
- لمَ هذا كله؟ إنما الأمر أمر مشروع ما يزال تحقيقه بعيداً جداً.
لا بد أن ننتظر سنة ونصفاً على الأقل.
- لعلك على حق يا ألكسي فيدوروفتش. فإلى ذلك الحين يتسع الوقت للتشاجر معها والانفصال عنها مائة مرة. آه... ما أشقاني! ما أشقاني! صحيح أن هذا كله صبيانيات، ولكنني صعقت حقاً. أنا الآن في موقف فاموسوف في آخر مشاهد المسرحية الهزيلة. أما تشاتسكي فأنت، وأما صوفيا فهي113. انظر إلى هذا التطابق. لقد رابطت على السلَم لأنتظرك. وفي تلك المسرحية الهزلية حدثت جميع المصائب على السلم أيضاً. سمعت كل شيء. وتجلدت تجلداً شديداً حتى أستطيع أن أسيطر على نفسي. هذا هو إذاً سر الأرق الرهيب في الليل وسر نوبات الهستيريا بالأمس! البنت عاشقة. ولم يبق للأم إلا أن تموت! هو قبري إذاً يهيًأ ! أجب عن سؤالي الثاني الآن وهو أهم: ما تلك الرسالة التي كتبتها إليك؟ أرنيها فوراً؟ اصرّ على ذلك فوراً !
- لا داعي لذلك، لا تلحّي، والأفضل من هذا أن تقولي لي كيف حال كاترين إيفانوفنا الآن؟. إنني أحرص على معرفة ذلك.
- ما زالت تهذي. لم تستردَ حواسها بعد. وعمّتاها معها، ما تنفكان تتفجعان وتئنان وتصطنعان مظاهر الأبهة. أما الدكتور هرتسنشتوبه فقد وصل، ولكنه بلغ من الذعر أنني أصبحت لا أعرف ماذا يجب علي أن أعمل لأهدىء روعه. حتى لقد خطر ببالي أن أستدعي طبيباً له. قد نقلوه إلى بيته في عربتي، ثم ها أنذا الآن أمام مشكلتك ومشكلة هذه الرسالة، تتمة للشقاء والبلاء! صحيح أن هناك سنة ونصف... ولكنني أستحلفك بكل ما هو عزيز عندك مقدس لديك، أستحلفك بشيخك المحتضر، أن تريني هذه الرسالة يا
ألكسي فيدوروفتش. أرني الرسالة، أرنيها أنا، أنا، أم ليزا! امسكها بأصابعك إذا شئت، فلن آخذها، وإنما أقرؤها من بعيد.
- لا یا کاترين أوسيبوفنا، لن أريك الرسالة. لا جدوى من الإلحاح. لن أريك الرسالة حتى لو أذنت لي هي بذلك. سأعود غداً، فإذا شئت ناقشنا جميع المشاكل. أما الآن فإلى اللقاء.
قال أليوشا ذلك، وهبط السلَم راكضاً، فخرج إلى الشارع.