الخروج قراءة الكتاب الإلكتروني

التعليقات التوضيحية

لا توجد تعليقات توضيحية بعد

-2- الساق المريضة

إن الأمر الأول الذي كانَ على أليوشا أن يهتم به، كانَ في منزل! السيدة خوخلاكوفا؛ فراح يسرع الخطى للوصول إلى هذا المنزل، ليفرغ من ذَلكَ الأمر بأقصى سرعة، حتّى لا يتأخر على ميتيا. كانت السيدة خوخلاكوفا مريضة منذ ثلاثة أسابيع لقد تورمت إحدى ساقيها لسبب مجهول، فهي تقضي أيامها في مقصورتها مضطجعة على كنبة، مرتدية غلالة جذابة لكنّها محتشمة، لأنها لمّ تضطر إلى ملازمة فراشها. كانَ أليوشا قد عبر بينه وبين نفسه، في يوم من الأيام، عن هذه الملاحظة المسلية البريئة، وهي أن السيدة خوخلاكوفا قد أخذت بالرغم من مرضها تتغندر منذ زمن: فهي تتزين بمناديل صغيرة أنيقة من الدنتيللا وأشرطة جميلة، وهي تتفنن في التجمل. ولقد أدرك أليوشا سبب عنایتها هذه بملابسها، ولكنه كانَ يطرد هذه الخواطر من ذهنه، وبعدها عبثاً لا طائل تحته. والواقع أن السيدة خوخلاكوفا قد أخذت، منذ شهرين، تستقبل، من بین من تستقبل من معارف وأصحاب، الموظف الشاب برخوتین في أحيان كثيرة.
حين وصل أليوشا الذي لمّ يزر السيدة خوخلاكوف منذ أربعة أيام، أسرع يتجه رأساً إلى غرفة ليزا. فمع ليزا إنما كانَ عليه أن يبحث الأمر الهام الذي أشرنا إليه، لأن الفتاة قد أوفدت إليه خادمتها بالأمس ترجوه ملحة أن يجيء إليها بأقصى سرعة ممكنة، الأمر خطير جداً، وذلك ما أقلق أليوشا لأسباب عدة. ولكن حين ذهبت الخادمة إلى ليزا لتبلغها بوصول أليوشا، علمت السيدة خوخلاكوفا بحضوره مصادفة، فأرسلت تطلب إليه فوراً أن يجيء إليها دقيقة واحدة، فرأى أليوشا أن من الأفضل أن يلبي رغبة الأم أولاً، وإلا فمن الممكن أن ترسل إليه من يستدعيه من عندَ ليزا كل خمس دقائق، أثناء انصرافه إلى الحديث مع ليزا.
كانت السيدة خوخلاكوفا مضطجعة على كنبتها، مهتمة بحسن ملبسها أهتماماً خاصًا، وكان واضحاً أنها مضطربة اضطراباً عصبيًا شديدًا، فاستقبلت أليوشا بصيحات حماسية.
- منذ قرون، منذ قرون ما رأيتك! أسبوع كامل، كيف يُمكن هذا؟ ولكن لا!... لقد جئت منذ أربعة أيام، جئت يوم الأربعاء الماضي. أأنت ذاهب إلى ليزا لا شك أنك كنت تريد أن تمضي إليها سائرًا على رؤوس الأصابع حتّى لا أسمعك. يا صديقي العزيز، یا صديقي العزيز جداً ألكسي فيدوروفتش، ليتك تعلم مدى القلق الذي تسببه لي حالة ابنتي! ولكنني سأكلمك عن هذا الأمر فيما بعد. ولو أن هذا أهم شيء، ولكن فيما بعد، فيما بعد! عزيزي ألكسي فيدوروفتش، إنني أعهد إليك بابنتي ليزا. إنني منذ موت الشيخُ زوسیما، رحمه الله «وهنا رسمت السيدة إشارة الصليب»، أعدك ناسکًا، رغم أنك ترتدي رداءك الجديد على أجمل زي.
أين عثرت علی خیاط بارع هذه البراعة؟ ولكن لندع هذا الآن، ليس هذا أهم شيء، سنتحدث عن هذا فيما بعد. سامحني إذَّا ناديتك أحياناً باسم أليوشا فقط. أنا امرأة عجوز، فكل شيء جائز لي «قالت السيدة خوخلاكوفا هذا وهي تبتسم في دلال وغنج».  
ولكن لندع هذا الآن. سنتحدث عنه فيما بعد. إنّ الشيء الأساسي هو أن لا أنسى الأمر الأساسي. ذكرني بذلك عندَ اللزوم، فإذا ثرثرت فابتعدت كثيرًا عن الموضوع، فعليك أن تقاطعني سائلاً: «والأمر الأساسي؟». ولكن أني لي أن أعرف الآن ما هو الأمر الأساسي! منذ نقضت ليزا العهد الذي قطعته لك - عهد الطفلة يا ألكسي فيدوروفتش، أعني عهدها بأن تتزوجك - فلا شك أنك أدركت أن ذَلكَ كلّه لمّ يكن إلا ثمرة خیال مضطرب عندَ بنت صغيرة مريضة طال سكونها وجمودها على کرسیها المتحرك. الحمد لله على أنها أصبحت قادرة على أن تمشي الآن! إنّ ذَلكَ الطبيب الجديد الذي استقدمته كاتيا من موسكو لأخيك المسكين الذي سوف يحاكم غداً... ولكن فيم الكلام على الغد! إني متى تصورت هذا الغد أوشك أن أموت جزعاً. ذَلكَ من الحشريّة خاصة. المهم أن هذا الطبيب قد جاء إلينا أمس وفحص لیزا ودفعت لهُ أجرًا قدره خمسون روبلاً. ولكن لا، ها أنذا ابتعد عن المسألة مرة أخرى... ليس هذا ما كنت أريد أن... لقد فقدت تسلسل أفكاري تماماً كما ترى. ذَلكَ أنني متعجلة. لماذا أتعجل هذا التعجل؟ لا أدري. أصبحت لا أعرف شيئاً ولا أفهم شيئاً. لقد اختلط كل شيء في ذهني، حتّى صار كالعقدة. إنني أخشى أن تفر من لحظة إلى أخرى ضجرًا وسآمة مما أقول مع أنني لمّ أكد أراك رباه! ما لي نسيت! نحن نثرثر هنا، بينما... ولكن يجب أن نشرب القهوة أولاً. یا جوليا، يا جلافيرا، هاتوا القهوة، هاتوا القهوة حالاً.
أسرع أليوشا يشكرها قائلاً إنه قد شرب القهوة منذ قليل.
- عندَ من؟
- عندَ أجرافينا السكندروفنا.
- عندَ تلك... تلك المرأة؟ ولكنها سبب هلاكهم جميعاً. لست أدري على كل حال. يُقال إنها أصبحت أشبه بقديسة، وإن جاء هذا متأخرًا في رأيي... كانَ ينبغي أن يخطر ببالها ذَلكَ من قبل، يوم كانَ ذَلكَ ضروريًا ومفيدًا. أمّا الآن فما الفائدة؟ اسكت، اسکت یا ألكسي فيدوروفتش، لأن هناك أشياء كثيرة أريد أن أقولها لك، أشياء تبلغ من الكثرة إنني أخشى أن أفقد تسلسل أفكاري فلا أقولها أبدًا. وتلك المحاكمة الرهيبة... سوف أحضرها مهما كلف الأمر... إنني استعد لحضورها، سوف يأخذونني إلى المحكمة على كرسي. ثمّ إني أستطيع جداً أن أبقى جالسة وسيكون بقربي أناس يسندونني. لا شك أنك تعلم أني دعيت إلى الشهادة. ماذا أقول لهم، ماذا أقول؟! إنني لا أعرف البتة ما أستطيع أن أقوله لهم. سوف يكون علي أن أحلف يمينًا، أليس كذلك؟ قل لي...
- نعم، ولكنني أظن أنك في حالة لا تمكنك من المثول أمام المحكمة.
- أستطيع أن أبقى قاعدة. أوه... ولكنك تفقدني تسلسل أفكاري. تلك المحاكمة، تلك الجريمة البشعة، ثمّ ذَلكَ الرحيل إلى سيبريا التي سيذهبون إليها جميعاً. سيتزوج أناس آخرون أثناء ذَلكَ؟ ما أسرع ما تمضي الحياة! كل شيء يجري، كل شيء يتغير، ثمّ لا يبقى أخيراً شيء، لا يبقى إلا عجائز يتربص بهم الموت. ليكن، ليكن... إنني أشعر بإعياء. إنّ كاتيا هذه «الإنسانة الفتانة» - قد حطمت جميع آمالي: إنها تنوي الآن أن تلحق بأحد أخويك إلى سيبيريا. وسيلحق بها أخوك الثاني إلى هناك، فيعيش في مدينة مجاورة. وبذلك لا يزيدون على أن يعذب بعضهم بعضاً. إنّ ذَلكَ يفقدني صوابي، أؤكد لك... ولا سيما بسبب ما نشر في الصحف عن هذه القضية. إنّ جرائد سان بطرسبرج وموسكو مليئة بأخبار هذه القضية منذ أسابيع. آه... نعم... تخيل أنهم تكلموا في هذه الصحف عني أنا أيضاً، زاعمين أنني کنت الصديقة العزيزة جداً لأخيك! إنني لأشمئز من استعمال الألفاظ النابية. هل تستطيع أن تتخيل أمر كهذا الأمر، قل لي، هل تستطيع أن تتصوره؟
- مستحيل. أين وكيف نشر هذا الكلام؟
- سأريك الآن. لقد نشر في جريدة «الشائعات»217 التي تصدر في سان بطرسبرج، وقدْ وصلتني الجريدة أمس، فأسرعت أقرؤها. إنّ هذه الجريدة قد بدأ صدورها في هذه السنة وأنا أحبّ الشائعات حبًا شديدًا، لذلك اشتركت في الجريدة. هل كانَ في وسعي أن أتنبأ أن الشائعات ستتناولني أنا، ها هي الشائعات! اقرأ، اقرأ، الكلام هنا، في هذا الموضع.
قالت السيدة خوخلاكوفا ذَلكَ ومدت إلى أليوشا ورقة جريدة كانت قد أخفتها تحت وسادتها.
كانت السيدة خوخلاكوفا في حالة انهيار نفسي شديد. ليس الأمر في هذه المرة أمر نوبة من نوبات اعتكار المزاج، وإنما هو هزة قوية أصابت كيانها كلّه، ولعل أفكارها قد بلغت في هذه الساعة من الاضطراب والبلبلة والتشويش أنها أصبحت في رأسها أشبه بغيوم متكاتفة. إنّ الشائعة التي نُشرت في الجريدة المذكورة تتضمن غمزة واضحة وتعريضة ساخرة لا بد أن يحدث في نفسها أثراً أليمًا جداً. ومن حسن حظها، مع ذَلكَ، أنها كانت في تلك اللحظة عاجزة عن تركيز فكرها على موضوع واحد. فبفضل ذَلكَ إنما كانت تستطيع أن تنسي المقالة الفاضحة بعد دقيقة، وأن تنتقل إلى موضوعات أخرى
يجري عليها الحديث. ولا شك أن أليوشا كانَ لا يجهل أن كلامًا كثيرًا قد نشر في صحف روسيا كلها عن هذه القضية الفظيعة ولا شك أنّه قد قرأ خلال هذين الشهرين كثيراً من الأنباء والمقالات الفظيعة التي تفتق عنها خيال المتخيلين والتي لا تمت إلى الواقع بصلة «إلى جانب المعلومات الصحيحة عن أخيه، وعن آل کارامازوف جملة، وعنه هو أيضاً. من ذَلكَ مثلاً ما نشرته إحدى الصحف من أن أليوشا قد بلغ من الذعر في أعقاب الجريمة الرهيبة التي اقترفها أخوه أنّه اعتصم بدير من الأديرة، ليعيش حياة الرهبان. وقدْ أيدت جريدة أخرى هذا النبأ، ولكنها أضافت إليه أنّه قد سرق صندوق الدير متعاونًا مع شيخه زوسيما، ثمّ لاذ الاثنان بالفرار معاً. أمّا الشائعة التي نُشرت في جريدة «الشائعات» فقد كانَ عنوانها ما يلي: مراسلنا في سکوتو بریجونيفسك يكتب إلينا عن قضية کارامازوف «ذَلكَ هو مع الأسف اسم مدينتنا الصغيرة التي لمّ أجرؤ أن أسميها حتّى الآن218 ». إنّ المقالة قصيرة، ولم تذكر فيها السيدة
خوخلاكوفا بالاسم. ولقد أغفل على وجه العموم ذكر جميع أسماء الأشخاص، واقتصر على الإشارة إلى أن المجرم الذي أحدثت جريمته ضجة كبرى، والذي سيحاكم قريبًا، هو ضابط جيش محال على التقاعد برتبة نقيب، متغطرس کسول من ملاكي الأقنان السابقين، هذا إلى أنّه زير نساء مستهتر، كانَ لهُ بعض التأثير في نساء عديدات أضجرتهن الوحدة، فمن هذه السيدات «أرملة عاطلة» كانت تتصابی وتحاول أن تبدو شابة مع أن لها بنتاً بالغة راشدة، وقدْ بلغت من الافتتان بهذا الرجل الدنيء أنها عرضت عليه قبل وقوع الجريمة بساعتين في أكثر تقدير، أن تعطيه ثلاثة آلاف روبل، ليوافق على اختطافها والسفر معها إلى مناجم الذهب فوراً. ولكن الشقي آثر أن يقتل أباه ليسلبه ثلاثة آلاف روبل، أملًاً أن لا تكشف جريمته، مفضلاً أن يتعرض لهذا الخطر على أن يرحل إلى سيبريا في صحبة السيدة العاطلة التي تنعم بمفاتن سنّ الأربعين. واختتمت المقالة على نحو ما يجب أن تختتم فعبرت عن أشد الاستنكار لهذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبها قاتل أبيه بنذالة ما بعدها نذالة ولم تنس في الوقت نفسه أن تدین نظام الرق الملغی.
قرأ أليوشا المقالة باهتمام واستطلاع، ثمّ طوى ورقة الجريدة وردها إلى السيدة خوخلاكوفا.
تمتمت تقول من جديد:
- هذا عني أنا، عني أنا، أليس كذلك؟ لا شك أبدًا في أنّه عني أنا. لقد نصحته فعلاً، قبل وقوع الجريمة بساعة أن يذهب إلى مناجم الذهب. فانظر ماذا خرج من ذَلكَ فجأة: مفاتن سنّ الأربعين! لقد فعل ذَلكَ عامدًا! أسأل الله أن يغفر لهُ «مفاتن سنّ الأربعين» هذه مثلما أغفرها لهُ أنا. ذَلكَ أن كاتب هذه المقالة هو... لا بد أنك تعرف من هو... إنه صديقك راکیتین.
قال أليوشا:
- هذا جائز جداً. ولكنني كنت أجهل ذَلكَ.
- إنه هو، هو. ليس هذا جائزة بل هو أكيد والسبب أنني طردته من منزلي. أظن أنك علمت بهذا الحادث.
- أعرف أنك طلبت منه أن لا يتردد إلى بيتك أمّا السبب الذي دفعك إلى هذا القرار، فأعترف أني لمّ أعلم به... لمّ أعلم به منك على الأقل.
- إذَّا علمت به منه هو؟ أهو حاقد علي كثيرًا، وغاضب مني جداً؟
- نعم، هو غاضب، ولكنه غاضب من جميع الناس. أمّا السبب الذي من أجله أغلقت بابك دونه، فإنه هو الآخر لمّ يذكره لي. وأنا على وجه العموم لا أراه إلا نادرًا. ليس هو صديقي.
- طيب. سأقول لك الحقيقة كلها. لا ضير. ثمّ إنني نادمة على شيء من الأشياء في هذه المسألة، إنّ هناك عنصرًا صغيرًا أنا مسؤولة عنه. هو أمر بسيط، بسيط جداً، أمر تافه لا قيمة لهُ، حتّى لقد لا يكون لهُ وجود إلا في خيالي. اسمع يا بني العزيز «هنا بش وجه السيدة خوخلاكوفا وارتسمت على شفتيها ابتسامة رائعة وإن تكن لا فهم فكأنها لغز»... اسمع... إنني أشتبه في أنّه... سامحني يا أليوشا، فإنما أنا أخاطبك كما تخاطب أم ابنها... أقصد... لا... إنّ عکس هذا هو ما أردت أن أقوله... إنني أخاطبك كما أخاطب أب... إذ لا مجال للحديث هنا عن أم... لا قيمة لهذا على كل حال... المهم أنني أكلمك كما كانَ يُمكن أن أكلم الأب زوسيما معترفة. ذَلكَ هو أحسن تشبيه هنا. ألم أصفك منذ قليل بأنك راهب ناسك؟... فاسمع إذن: إنّ هذا الشاب الشقي، صاحبك راکیتین... «أوه.. رباه! إنني لا أستطيع أن أغضب منه حقاً! أنا مستاءة وحانقة... ولكن على ضعف...» الخلاصة: إنّ هذا الشاب الطائش المسكين قد أولع بي فجأة... تصوّر! أنا لمّ ألاحظ ذَلكَ إلا فيما بعد، فيما بعد. أمّا في البداية أي منذ شهر فأصبح يكثر من زيارتي، وأصبح يجيء إليَّ كل يوم تقريباً، رغم أننا متعارفان منذ زمن طويل. لمّ أشتبه في شيء لمّ يخطر ببالي شيء. ولكن ها أنذا ألاحظ قبس من نور على حين فجأة، وها أنذا أخذ أنتبه إلى بعض الأشياء. أنت تعلم أنني أصبحت منذ شهرين أستقبل في كثير من الأحيان ذَلكَ الشاب الطيب الرائع المتواضع الرصين، بيتر ايلتش برخوتین، الموظف في مدينتنا. لقد التقيت أنت به عندي مرارًا على كل حال. إنه شاب جاد كل الجد، لائق كل اللياقة، ألاّ ترى ذَلكَ؟ إنه يجيء إلى بيتي مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، أقصد أنني لا أراه في جميع الأيام، «ولست أجدْ أي ضير في أن يجيء كل يوم على كل حال». هو دائماً حسن الهيئة جيد الهندام. أنت تعرف أني أحبّ الشباب يا أليوشا، الشباب المتواضعين الذين يملكون مواهب عظيمة، من أمثالك أنت مثلاً يا أليوشا. أمّا هذا الشاب فله ذکاء يجعله مساويًا لرجل دولة. وما أجمل حديثه! سوف أتوسط لهُ لدى الأوساط العليا، نعم، نعم، سوف أتوسط لهُ حتماً. سيكون في المستقبل دبلوماسيًا من الطراز الأول. وقدْ أنقذ حياتي تقريباً في ذَلكَ اليوم الرهيب. أنقذني من موت محقق حين جاء إليَّ في الليل. أمّا صديقك راكيتين، فإنه يجيء دائماً بحذاءيه الضخمين يجرهما على السجاد جرة. الخلاصة: أخذ راكيتين يسمعني تلميحات في أول الأمر، وفي ذات يوم شد على يدي شدّة قوية حين انصرف. فما إنّ شذ على يدي ذَلكَ الشذ حتّى شعرت بألم في ساقي. وقدْ التقى عندي ببيتر ایلتش مرارًا، ولكنه ما انفك يسفهه ويعيبه وينتقده دون سبب. واقتصرت أنا على أن ألاحظهما كليهما، فكان يسليني أن أرى كيف يعامل كل منهما الآخر. وإني وحدي في ذات مرة وكنت في تلك الآونة قد أصبحت مضطرة إلى الاضطجاع إذَّا بميخائيل إيفانوفتش يجيئني حاملاً إليَّ أشعارًا.... تصوّر!... هي قصيدة صغيرة أوحت إليه بها ساقي المريضة. انتظر. سأنشدك الأبيات:
كيف للساق الجميلة
كيف للساق اللذيذة
أن تعاني المًا
یاإلهي...
شيء من هذا القبيل... نسيت التتمة. يصعب علي دائماً حفظ الشعر. لا بأس على كل حال. لقد خبأت القصيدة في مكان قريب جداً. سوف أطلعك عليها فيما بعد. ولكنها رائعة، حقاً. هي لا تتحدث عن ساقي فحسب، بل تتحدث عن أكثر من ذَلكَ، لأنها تتضمن فكرة أخلاقية هامة جداً. يؤسفني أنني لا أتذكر الآن تلك الفكرة. الخلاصة: إنّ هذه القصيدة تستحق أن تحفظ في ألبوم. وقدْ شكرته طبعاً، فسر بذلك سرورًا عظيماً، كما يبدو. وما إنّ شكرته حتّى دخل بيتر ایلیتش فجأة، فإذا وجه ميخائيل إيفانوفتش يتجهم. أدركت أن وصول بيتر ايلتش قد أفسد عليه مشاريعه. ذَلكَ أنّه كانَ ينوي، ولا شك، أن يقول لي شيئاً بعد قراءة القصيدة. لقد أحسست أنا بذلك ولكن ها هو بيتر ايلتش يدخل في تلك اللحظة نفسها. أطلعت بیتر ایلتش على القصيدة طبعًا، ولكن دون أن أقول لهُ من الذي نظمها. على أنني واثقة، واثقة كل الثقة، من أنّه حزر، وإن كانَ ينكر ذَلكَ حتّى الآن. هو يدعي أنّه لمّ يحزر شيئاً. ولكنه يزعم ذَلكَ عامدًا. انفجر بيتر ایلتش ضاحكاً حين قرأ القصيدة ثمّ نقدها نقداً لاذعًا، فقال: «هي أشعار تافهة، جديرة بطالب من طلاب اللاهوت في أكثر تقدير». لقد ثار على رداءة القصيدة الصغيرة. وهذا صاحبك يستبد به حنق شدید علی حین فجأة وكأنما جن جنونه، بدلاً من أن يضحك، قلت لنفسي: «آه... یا رب! لسوف يتضاربان!». قال راکیتین؛ «أنا ناظم القصيدة لقد كتبت هذه الأبيات من باب المزاح لأنني أرى أنّه لا يليق برجل أن يضيع وقته في النظم. ولكن أشعاري جميلة مع ذَلكَ». إنّ في النية إقامة نصب تذكاري لشاعركم بوشكين219 لتغنيه بجمال سيقان النساء. وإن لأشعاري أنا اتجاهًا أخلاقيًا. أمّا أنت «قال ذَلكَ مخاطباً بيتر ایلتش»، فما أنت إلا رجل رجعي عاجز عجزًا تامًا عن فهم الصبوات العميقة للإنسانية. لقد ظللت غريبًا عن المشاعر النبيلة التي تهز قلوب أبناء الجيل الراهن. إنّ التقدم قد مرّ بقربك دون أن يلامسك، لأنك لست إلا موظفًا مرتشيا! أخذت أصرخ أنا أيضاً، ضارعة إليهما أن يسکتا ويهدءا. وليس بيتر ايلتش هذا بالرجل الهياب، هل تعلم ذَلكَ؟ ولكنه سرعان ما اصطنع لهجة رصينة وقورة رفيعة، فبعد أن أصغى إلى راكيتين ساخر الهيئة أخذ يعتذر لهُ قائلاً: «كنت أجهل أنك ناظم هذه الأبيات، ولو عرفت ذَلكَ لما قلت الكلام الذي قلته، بل لانبريت أطري الأبيات. يُقال إنّ الشعراء شديدو الحساسية سريعو الغضب... الخلاصة أنّه استهزأ به وسخر منه، ولكن بلهجة بدا ظاهرها على غاية اللباقة والكياسة. لقد شرح لي هو نفسه فيما بعد أن ذَلكَ كانَ تهكمة، لكنني ظننت في أول الأمر أنّه تکلم جادًا لا هازلاً ولقد كنت أثناء تلك المناقشة مضطجعة كاضطجاعي الآن أمامك، وكنت أتساءل: هل يليق بي أو لا يليق أن أطرد میخائیل إيفانوفتش لأنه أجاز لنفسه أن يصرخ في بيتي وأن يهين ضيفي. فهل تصدّق ما سأقوله لك؟ كنت مضطجعة وقدْ أغمضت عيني وأخذت أفكر: «أمن اللياقة أن أطرده أم لا؟ ولا أستطيع أن أجيب، فأعاني معاناة رهيبة، بينما قلبي يدق: أأصرخ طالبة إليه أن ينصرف أم لا؟». كانَ هناك صوت يهيب بي: «اصرخي!»، وكان هناك صوت آخر ينصحني بأن لا أصرخ. فما إنّ سمعت هذا الصوت الثاني الذي ينصحني بأن لا أصرخ حتّى أخذت أصرخ فجأة وسقطت مغشيًا علي فجأة. وقام البيت وقعد كما تقدر. ونهضت بعد لحظات فقلت لميخائيل ايفنوفتش: «يؤسفني أن أقول لك إنني لا أحبّ أن أراك بعد اليوم في منزلي». هكذا طردته من بيتي. آه يا ألكسي فيدوروفتش، إني لأعلم حق العلم أنني أسأت التصرف. ولقد كذبت من جهة أخرى، لأنني لمّ أكن غاضبة منه في الواقع. ولكنني تصورت فجأة، نعم فجأة، أن تدخلي سيكون فيه كثير من الرفعة والتميز، وأن هذا المشهد سيكون جميلاً جداً. وهل تصدّق لقد كانَ هذا المشهد طبيعيًا، إلى درجة إنني طفقت أبكي، وظللت أبكي عدة أيام. ومع ذَلكَ كنت قد نسيت فجأة بعد الغداء كل شيء. وقدْ انقطع راكيتين عن زيارتي منذ أسبوعين، فكنت أتساءل: «هل يعقل حقاً أن لا يأتي بعد الآن قطّ؟». وظللت ألقي على نفسي هذا السؤال حتّى أمس، حين جاؤوني عندَ المساء بجريدة «الشائعات» هذه، فلمّا قرأت المقالة أوشكت أن أنقلب على ظهري. من ذا الذي يُمكن أن يكون قد كتب هذه المقالة إلا راكيتين نفسه؟ لقد عاد إلى مسكنه غاضبًا حانقًا، فلا بد أنّه جلس إلى مكتبه فوراً ليدبج هذه الرسالة الصحفية، ثمّ أرسلها إلى الجريدة التي سارعت إلى نشرها. حدث هذا منذ أسبوعين تماماً. ولكنني ألاحظ یا أليوشا أنني اتخبط في الحديث هنا وهناك، ناسية الأمر الأساسي الذي كنت أريد أن أكلمك فيه. ماذا تريد؟ ذَلكَ أقوى مني!
حاول أليوشا أن يدسّ كلمة فقال في خرافة:
- أنا اليوم مستعجل جداً لأصل إلى عندَ أخي في الساعة المحددة.
- صحیح، صحيح. لقد ذكرتني بالأمر. قل لي: ما هو المس؟ سألها أليوشا مدهوشيا:
- أي مسّ؟
- المسّ القضائي. المس الذي من أجله يغفر كل شيء. فمهما يقترف المرء من جرم، يغفر لهُ على الفور.
- بأية مناسبة تسألين هذا السؤال؟
- إليك الأمر: إنّ كاتيا هذه... آه...... ما أروعها من مخلوقة! ما أجملها من إنسانة، ولكني لمّ أستطع أن أعرف أيهما تحب. لقد كانت عندي منذ مدة، وعبثا حاولت أن أفهم منها شيئاً. جهد ضائع، وعناء لا جدوى منه لا سيما وأنها اتخذت مني على حين فجأة وضعًا سخيفًا جداً. إنها لا تتحدث معي إلا عن صحتي، ولا شيء غير ذَلكَ. لقد اصطنعت في مخاطبتي لهجة بلغت من التقيد بالرسميات أنني قلت لنفسي: «لا بأس، لا بأس، أسأل الله أن يرعاك يا عزيزتي!...» آ... نعم... كنت أسألك عن المسّ. وذلك بمناسبة وصول الطبيب.. هل تعلم أن في مدينتنا الآن طبيبًا جديدًا؟ ولكن لا بد أنك تعلم ذَلكَ، فهو طبيب من أطباء الأمراض العقلية، وأنت الذي استقدمته... لا ليس أنت، بل كاتيا... كاتيا أيضاً! إليك المسألة إذن: هذا رجل ليس بمجنون، ولكنه يُصاب فجأة بمس: لقد احتفظ بوعيه، وهو يعلم ماذا يفعل، ولكنه مع ذَلكَ ممسوس. لعل هذا ما جرى في حالة دمتري فيدوروفتش... لا بد أن ما أصابه... هذه نظرية حديثة اكتشفت منذ إعادة تنظيم محاكمنا. إنّ إعادة تنظيم القضاء هذه قد أحسنت إلينا جميعاً، ولولاها لمّ تعرف الم. لقد زارني الطبيب الجديد، وسألني عما حدث في تلك الأمسية، أقصد مسألة مناجم الذهب تلك: كانَ يريد أن أصف لهُ الحالة التي كانَ عليها أخوك. حقاً لقد كانَ أخوك في حالة مسن واضحة. جاء إليَّ صارخًا: «أريد مالاً، مالاً، أنا في حاجة إلى ثلاثة آلاف روبل، فأعطني ثلاثة آلاف روبل» ثمّ مضى،
وأصبح قاتلاً على حين فجأة. كانَ يقول: «لا أريد أن أقتل، لا أريد». ولكنه قتل. فلهذا السبب إنما سيغفرون لهُ، لأنه قاوم المس، ثمّ قتل بعد ذَلكَ.
قاطعها أليوشا يقول بلهجة فيها شيء من الضيق:
- ولكنه لمّ يقتل.
وأحس بتبرّم وقلق يستوليان عليه شيئاً بعد شيء.
قالت السيدة خوخلاكوفا:
- أعرف أنّه لمّ يقتل. إنّ العجوز جريجوري هو الذي قتل...
صاح أليوشا:
- جريجوري؟ كيف؟
- نعم، نعم، هو جريجوري. فبعد أن ضربه دمتری فيدوروفتش، لبث مغمي عليه مدة من الوقت، ثمّ نهض فرأى الباب مفتوحًا، فهرع ليقتل فيدور بافلوفتش.
- ولكن لماذا، لماذا، لأي هدف؟
- انتابه مسّ. لقد ضربه دمتري فيدوروفتش على رأسه، فلمّا أفاق من غيبوبته، كانَ المسّ قد استحوذ على عقله، فمضى يقتل. ولئن كانَ ينكر أنّه القاتل، فإن ذَلكَ لا يبرهن على شيء، لأن من الجائز جداً أنّه أصبح لا يتذكر. ولكن صدقني إذَّا قلت لك إنّ من الأفضل، من الأفضل كثيرًا أن يكون دمتري فيدوروفتش هو الذي ارتكب الجريمة. ثمّ إنه هو الذي قتل. إنّ القاتل هو دمتري فيدوروفتش في الواقع، رغم أنني أؤكد أنّه جريجوري، وذلك أفضل، أفضل كثيرًا. لا تسئ فهمي. أنا لا أدعي أن من الأفضل أن يكون الأب قد قتله ابنه. لست أثني على قتل الابن أباه. بالعكس: أنا أؤمن بأن على الأبناء أن يحترموا آباءهم. ولكن من الأفضل مع ذَلكَ أن يكون هو القاتل. ولن تكون في حاجة إلى أن تشكو وتندب وتستنكر، ما دام قد قتل بغير وعي. أقصد أنّه كانَ واعيًا، ولكنه لا يعرف ماذا يفعل. لا، لا، يجب أن يغفروا لهُ أنا أؤيد تبرئته. لسوف تكون تبرئته مثلاً إنسانيًا جميلاً، ولسوف تتيح لنا أن نفهم حسنات إعادة تنظيم القضاء. كنت أجهل مزايا هذا النظام الجديد الذي يُقال إنه وجد منذ زمن. فما إنّ علمت بهذا الأمر أمس حتّى أحسست بشعور بلغ من القوة أنني أردت استدعاءك فوراً. وفي المستقبل، متى برئ أخوك، سيجب عليه حتماً أن يجيء إلى الغداء عندي منذ خروجه من المحكمة. سأدعو جميع معارفي وأصحابي، وسنشرب نخبّ إعادة تنظيم القضاء. لا أظن أن أخاك خطر جداً. ثمّ إنني سأدبر الأمر بحيث يكون عدد المدعوين كبيرًا، فإذا حدث شيء كانَ في الإمكان إخراجه من البيت. وبعد ذَلكَ يستطيع أن يستقر في مدينة أخرى كقاضي صلح، أو أن يعين لوظائف من هذا القبيل، لأن الذين عانوا الشقاء بأنفسهم يكونون خير القضاة. وأي إنسان يستطيع من جهة أخرى أن يزعم أنّه مبرأ من المس؟ إننا جميعاً مصابون بالمس، أنت وأنا وسائر الناس. لیست تعوزنا الأمثلة على ذَلكَ: هذا رجل يبدو في الظاهر هادئًا ويغني أغنية عاطفية. وفيما هو كذلك إذَّا بشيء من الأشياء لا يرضيه، فيخرج مسدسة ويقتل أول قادم ثمّ يغفر لهُ كل شيء. لقد قرأت في الآونة الأخيرة قصة من هذا النوع، وقدْ أكد جميع الأطباء هذه الظاهرة. إنّ الأطباء في أيامنا هذه يؤكدون دائمًا، يؤكدون كل شيء. تصوّر أن ابنتي ليزا مصابة بمس. أمس اضطرتني إلى البكاء، وأمس الأول أيضاً. واليوم إنما اكتشفت الحقيقة، وهي أنها قد اعتراها مس. آه... ليتك تعلم كم تسبب لي ليزا من عناء! يبدو لي أنها فقدت عقلها. ترى لماذا استدعتك؟ أهي استدعتك أم أنت جئت من تلقاء نفسك؟
قال أليوشا وهو ينهض بحزم:
- بل هي استدعتني، وأنا ذاهب إليها. فصاحت السيدة خوخلاكوفا تقول وهي تبكي:
- ولكن يا صديقي العزيز، يا صديقي العزيز جداً ألكسي فيدوروفتش، الآن إنما وصلنا إلى الأمر الأساسي. شهد الله أنني أأكد إليك ليزا صادقة في ذَلكَ كل الصدق. لأن تستدعيك ليزا على غير علم أمها، فليس هذا بالأمر الخطير جداً. وما كانَ لي أن أوكل ابنتي بمثل هذه الطمأنينة إلى أخيك إيفان فيدوروفتش، سامحني إذَّا قلت هذا، رغم أنني أعده، حتّى اليوم، شابًا تفيض نفسه فروسية. هل تتصور مع ذَلكَ أنّه زار لیزا، من غير أن أعلم أنا شيئاً؟
قال أليوشا مدهوشًا كل الدهشة:
- ماذا؟ كيف؟ متي زارها؟
ومع ذَلكَ لمّ يُعد إلى الجلوس، بل استمع إلى شروح السيدة خوخلاكوفا واقفاً.
- سأقصّ عليك كل شيء: ومن أجل هذا إنما استدعيتك فيما أظن. على أنني أصبحت لا أعرف أنا نفسي لماذا استدعيتك.
إليك الأمر: لقد زارني إيفان فيدوروفتش مرتين منذ عودته من موسكو. فأما في المرة الأولى فقد جاء من قبيل اللباقة بصفته صديقًا لا أكثر. وأما في المرة الثانية، وهي حديثة جداً، فقد كانت كاتيا عندي، فعلم بذلك، فجاء هو أيضاً. لست أطمع طبعاً في أن يشرفني بالمجيء إلى منزلي كثيرًا، لأنني أعرف مدى انشغاله في هذه الآونة... اعتقد أنك تفهم بسبب ميتة أبيك الفظيعة تلك220.
... ولكن ها أنذا أعلم على حين فجأة أنّه عاد إلى منزلي لا لیزورني أنا، بل لیزور ليزا. حدث ذَلكَ منذ ستة أيام. حضر إليها، ومكث خمس دقائق، ثمّ ما لبث أن انصرف. لمّ أعلم بهذا إلا بعد ثلاثة أيام من جلافيرا، فدهشت دهشة شديدة. أسرعت أنادي ليزا، ولكنها لمّ تزد على أن ضحكت. وقالت تشرح لي: «كانَ يظن یا ماما أنك نائمة فجاء إليَّ يسأل عن صحتك». أغلب الظن أن هذا صحيح.
ومع ذَلكَ ليتك تعلم مدى ما تسببه لي ليزا من قلق! آه... یارب!... تصوّر أنها في ذات ليلة - حدث هذا منذ أربعة أيام، عقب زيارتك الأخيرة فوراً - قد انتابتها نوبة عصبية على حين فجأة: فكانت تصرخ وتئن كأنها مصابة بهستيريا. لماذا لا أصاب أنا بنوبات عصبية؟ فأنعم بهذا الترف؟ وتكرر ذَلكَ في الغد، وتكرر أيضاً في اليوم الذي تلاه وأمس، وفي نحو المساء بدأتْ تظهر عليها أعراض المس. صرخت تقول لي بغتة: «أنا أمقت إيفان فيدوروفتش. يجب أن لا تستقبليه يا ماما، يجب أن تمنعيه من دخول بيتنا!». ذهلت، وأجبتها بأن من المستحيل علينا أن نعامل على هذا النحو شابًا مثله کریم النفس رفيع الثقافة، شقيًا هذا الشقاء كلّه فوق ذَلكَ. ذَلكَ أن هذه القصص كلها إنما هي شقاء لا سعادة، ألاّ ترى هذا الرأي؟ فلم يكن من بنتي إلا أن أجابت على كلامي بقهقهة مجلجلة أحسست أن فيها إهانة جارحة لي. ومع ذَلكَ قلت لنفسي: «لا بأس، ما دمت قد استطعت أن أفرحها، فلعل نوباتها العصبية ستزول الآن». وكنت أنوي أنا نفسي، من جهة أخرى، أن أمنع إيفان فيدوروفتش من دخول بيتنا بسبب زياراته الغريبة هذه لابنتي بدون إذني. حتّى لقد كنت أريد أن أطلب منه شرحًا لذلك. ولكن ها هي ذا ليزا تثور على
جوليا ثورة عنيفة في هذا الصباح منذ استيقظت، حتّى لقد بلغت من ذَلكَ أنها صفعنها، هل تتصور هذا؟ أليس هذا شذوذًا غريباً؟ لاحظ أنني أنا لا أخاطب خدمي أبدأ بصيغة المفرد. وما انقضت على ذَلكَ ساعة حتّى كانت لیزا تعانق جوليا وتقبل قدميها. وفي مقابل ذَلكَ بعثت تبلغني أنها لن تجيء إليَّ، لن تجيء إليَّ قطّ، هل تستطيع أن تتصور مثل هذا؟ فلمّا جررت نفسي إلى غرفتها يائسة، ارتمت علي وغمرتني بقبلاتها وهي تبكي، وفيما هي تقبلني دفعتني إلى خارج الغرفة دون أن تنطق بكلمة واحدة، فلم أعرف آخر الأمر شيئاً. أضع آمالي فيك يا عزيزي ألكسي فيدوروفتش، ولا شك أنك تدرك أنك تمسك بيديك مصيري وحياتي. أضرع إليك أن تذهب إلى ليزا، وأن تكلمها كما لا يستطيع غيرك أن يكلمها. ثمّ عد إليَّ لتشرح لي ما يحدث في نفسها، ولتقص علي كل شيء، أنا أمها. ذَلكَ أنني سأموت، نعم سأموت إذَّا استمرت تجري الأمور على هذه الحال زمناً طويلاً أيضاً، وإلا فسأهرب من هذا البيت تاركة كل شيء. لقد نفدت قدرتي على الاحتمال، وخارت قوتي. صحيح أن صبري واسع، ولكن لهذا الصبر حدودًا، فإذا بلغت هذه الحدود أمكن أن تقع أمور فظيعة... آه... یا رب!...
وفيما كانت السيدة خوخلاكوفا تقول هذا الكلام، إذَّا هي تلمح الموظف برخونین داخلاً إلى الغرفة، فصاحت تقول وقدْ أشرقت أساريرها على حين فجأة:
- هذا بيتر إيليتش يصل أخيرًا! لقد تأخرت عن المجيء، تأخرت! هیه! اجلس، تکلم، قرر مصيري. ماذا قال المحامي؟ إلى أين تذهب يا ألكسي فيدوروفتش؟
- أنا؟ إلى ليزا...
- ها... نعم... صحيح... لن تنسى أن تفعل ما طلبته منك، أليس كذلك؟ على هذا يتوقف مصيري، نعم مصيري...
دمدم أليوشا يقول وهو يستعجل الخروج:
- لن أنسى، هذا إذَّا وفقت إلى أن... لكنني تأخرت..
- لا، لا... إنّ عليك أن تعود إلى حتماً. لا أريد كلمة «إذَّا وفقت».... وإلا مت!...
كذلك صاحت تقول السيدة خوخلاكوفا، ولكن أليوشا كانَ قد خرج.

مرحباً بك في القارئ التفاعلي

جدول المحتويات

تنقل بين الفصول والأقسام من الشريط الجانبي.

البحث في الكتاب

ابحث في محتوى الكتاب بالكامل باستخدام Ctrl+K.

أدوات القراءة

تحكم بحجم الخط وارتفاع السطر والتباعد.

تبديل المظهر

بدّل بين الوضع الفاتح والداكن. اضغط مطولاً لخيارات إضافية.

الإشارات المرجعية

احفظ مواضع القراءة وارجع إليها لاحقاً.

التعليقات التوضيحية

حدد نصاً لتمييزه وإضافة ملاحظات خاصة.

المحادثة الذكية

اسأل أي سؤال عن الكتاب عبر المحادثة الذكية.

أدوات تحديد النص

حدد أي نص للتوضيح أو الترجمة أو الاستماع أو الاقتباس.

المشغّل الصوتي

استمع إلى الفصول بصوت عالي الجودة.

المشاركة

شارك الفصل أو اقتباساً على وسائل التواصل الاجتماعي.

قارئ الكتاب الإلكتروني

انتقل إلى قارئ EPUB لتجربة قراءة مختلفة.

أدوات الإبداع بالذكاء الاصطناعي

منشور اجتماعي

أنشئ صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي من اقتباسات مع صورة المؤلف وهوية المنصة.

صورة اقتباس

أنشئ بطاقات اقتباس جميلة مع صورة المؤلف، جاهزة للمشاركة أو التحميل.

قصص مصوّرة

حوّل مشاهد الكتاب إلى لوحات قصص مصوّرة بالذكاء الاصطناعي عبر المحادثة الذكية.