تصدير
ويتفاوت الكُتَّاب والنقَّاد الغربيون في تعريف «المُفكر» بالمعنى الأول؛ إذ يقصره بعضهم، كما يُبين سعيد، على كبار الكتَّاب والفلاسفة، ويُوسِّع غيرهم من دلالة الكلمة حتى تشمل كلَّ من حصل على قدْرٍ من التعليم يؤهله لإطلاق تعبيرنا الشائع عليه أي «المثقفين» أو «المُتعلمين»، حتى وإن لم يبلغ علمه درجة التخصُّص الدقيق (بمعنى التعمُّق المُفضي إلى التأمُّل الذي قد يُفضي إلى الإتيان بنظراتٍ جديدة قد تُشكل وقد لا تُشكل مذهبًا خاصًّا به)، بل إنَّ نقادًا آخرين يزيدون من توسيع دلالة الكلمة بجعلها تدلُّ على كل من يتمتَّع بقدرٍ ما من «الوعي الاجتماعي» أو «الوعي السياسي». ويتطرَّف بعض اليساريين في هذه الدلالة بحيث تشمل كلَّ من يُفكر على الإطلاق. ولمَّا كان التفكير خصيصةً إنسانية أساسية، فقد تنتهي الكلمة إلى الدلالة على جميع الناس، وبهذا تفقد خصوصيتها ومعانيها الاشتقاقية والاصطلاحية الأساسية.
ولقد أصابني تداخُل الدلالات في العنوان بحيرة شديدة، حتى أعدتُ قراءة الكتاب بتمهُّل، فوجدتُ أن المحورَ الرئيسيَّ الذي تدور حوله هذه الدلالات جميعًا هو علاقة المثقف — بالمعنى العربي الذي سوف أتعرَّض له فيما يلي — بالسُّلطة، فذلك محور كلِّ فصلٍ من فصول الكتاب، وإن كان الموضوع يتشعب ويتفرع عند تناول الجوانب المختلفة لهذه الدلالات الكثيرة المتشابكة، وسوف يلمَح القارئ كيف يتوسع سعيد في تبيان «صور» المثقف المُتعددة في المجتمع وتعريفات كبار النقَّاد له، وهو التوسُّع الذي يتطلَّب من القارئ (الإنجليزي أو العربي) تركيزًا شديدًا في مُتابعة شعاب الفكرة وفروعها، ولكنه لن يصعُب عليه أن يُخرج بالفكرة الأساسية التي يَرمي سعيد إلى إبرازها، ألا وهي ضرورة استقلال كلِّ مُثقَّفٍ (أيًّا كان تعريفنا له) عن السلطة، بمعنى عدم الارتباط بقيودٍ تحدُّ من تفكيره أو تُوجِّهُ مسار أفكاره مَهما تكن هذه الأفكار. وأما إذا حصرنا صورة المثقف فيما يُوحي به سعيد مِن أن المثقف الحق في نظره هو مَن لدَيه أفكار يُعبر عنها لِغيره (أي للجمهور) في محاضرةٍ أو حديثٍ أو مقالٍ أو كتاب، فإن سعيد يؤكد ضرورة استمساك المُثقَّف بقِيَمٍ عُليا مثل الحرية والعدالة، له ولغيره، وعدم قَبوله الحلول الوسط فيما يتعلَّق بهذه القِيَم، خصوصًا حين يحسُّ أنه، ما دام قد أقدم على الكتابة أو على مُخاطبة جمهورٍ ما، قد أصبح يُشارك في «الحياة العامة» (كما يُسمِّيها) وأصبح «يُمثل» غيره مِمَّن لا يُمثلهم أحد في دوائر السلطة، وهي التي تتعدَّد صورها في الكتاب — من صورة صاحب العمل الذي يمارس المُثقف مِهنته لديه، إلى صورة الشركات التجارية التي تسعى للربح دون غيره ولا يَعنيها في سبيل ذلك ضحايا الربح من الفقراء والمحرومين، إلى صورة الحكومة التي تُسخِّر جهازًا بل أجهزةً كاملة للحفاظ على مواقعها، إلى صورة الأيديولوجيات الجذَّابة الخادعة التي قد لا يدري العامة ما وراءها. ويقع على المُثقَّف عبء «تمثيل» العامة في مقاومة أشكال هذه السلطة جميعًا، لا يدفعه إلا ما يؤمن به من قِيمٍ ومبادئ إنسانية عامة، لا حزبية ضيقة، أو فئوية مُتعصبة، أو مذهبية مُتجمدة، ومُصِرًّا على أن ينهض في هذا كله بدور الهاوي لا المُحترِف؛ أي الذي يَصدُر في أفعاله عن حُبٍّ لما يفعل، لا مَن يخدُم غيره، أو يعبُد «أربابًا» زائفةً سرعان ما تخذل عُبَّادها.
ولمَّا كان الكتاب يدور في فلك هذه القضايا، فإن كلَّ معنًى مُوحًى به في عنوانه يصبُّ في قضية منها، ولا يجمع بينها كُلها إلا العنوان الذي اخترتُه للنص العربي، أي «المُثقَّف والسلطة»، وتغيير العنوان حقٌّ مُعترَف به في الغرب من حقوق المُترجِم الذي يرمي إلى توصيل رسالة الكاتب بوضوحٍ إلى قارئه، بل هو حقٌّ تفرضه الأمانة العلمية؛ فمن حق القارئ العربي أن يفهم ما يرمي إليه الكاتب، ولم أتردَّد في اختيار ما أَمْلَتْهُ عليَّ أمانة النقل، وإن كان القارئ سوف يجد ترجماتٍ كثيرةً للكلمة الأولى في العنوان وفقًا لمُقتَضيات السياق، فقد يعني بها سعيد «التمثيل» فقط، وقد يعني «الصورة» وقد يعني «الاحتجاج» بل وقد يعني غير ذلك مما هو موجود في المتن.
ولقد توخَّيتُ الدقة إلى أقصى طاقتي في الترجمة، وكنتُ أُضيف أحيانًا كلماتٍ بين أقواسٍ لتوضيح المعنى وسوف يتَّضح ما أضفته بسهولة، فتغيير الجمهور يقتضي تغيير مُستوى الخطاب، وإن حرصتُ في هذا كله على الأمانة حتى تخرُج أفكار هذا المُفكر واضحة وكاملة. ويجب ألا ننسى أن الكاتب يخاطب جمهورًا عالميًّا يتكوَّن من كلِّ من يفهم الإنجليزية ويستمع إلى محطة الإذاعة البريطانية. وسعيد لم يُغير — كما يقول — إلا أقل القليل في «محاضراته» تلك، وكانت أهم ملامح التغيير إضافة الهوامش لتيسير الرجوع إليها عند قراءة الكتاب، ولذلك فالكتاب أيسر نسبيًّا في قراءته من كُتبه الأخرى، وإن كان أسلوبه لا يتغيَّر إلَّا قليلًا، فهو يلجأ أحيانًا إلى التوكيد بالتكرار، وصعوبة ترجمته لا تقلُّ إلَّا قليلًا عن صعوبة ترجمة كتبه الأخرى.
وأخيرًا أودُّ أن أتقدَّم بالشُّكر إلى صديقي الأستاذ مُحسن شعبان الذي تولَّى تصحيح التجارب الطباعية، وأفادني بمناقشاته معي في أهم المسائل الخلافية، فأنا لعَمَلِه مُقدِّر مَمنون.
وبعد فأرجو أن يكون هذا الكتاب خطوةً أخرى في سبيل تقديم روائع إدوارد سعيد إلى القارئ العربي.
القاهرة، ٢٠٠٥