استعداد الحملة للسير في فتح مصر
كانت إقامة نابوليون في الإسكندرية سبعة أيام فقط، وما كان ليقيم فيها هذه المدة على قصرها، لما جعله أساسًا لنجاحه من قيمة الزمن، لولا حاجته إلى أمور كثيرة: منها تدبير مسألة الأسطول، وإنزال ما فيه من المدافع الثقيلة، وآلات الحرب العديدة، ومنها حاجته إلى الخيول للخيالة؛ لأنه لم يحضر معه كما ورد في الجدول السابق نشره، سوي ٦٨٠ جوادًا، مع أن معه أربعة آلاف جندي من الخيالة، ولم ينس أن يحضر معه السروج، والأعنة والأدوات اللازمة لكل جواد.
إنك تتولى يا مواطني الجنرال قوموندانية الإسكندرية وأبا قير والصف المتحرك3 المخصص للبقاء في ساقة الجيش لتسهيل المواصلات فيه، وعليك مراقبة إنشاء الكورنتينة، وإعداد مستشفيين واحد للجرحى وآخر للمرضى، وأرجو أن تكون علاقاتك مع العربان، ووقوفك على حركاتهم، على غاية ما يرام، وأن تحافظ على احترام العلماء وأعيان البلد، وسيذهب الأسطول ليرسو في مياه أبي قير ويلزم أن يرسو في جهة بحيث يكون في مأمن من الطوارئ، تحت حماية الطوابي التي يلزم إقامتها هناك، ولعلك تدرك من هذا أهمية الإسراع في إنشاء تلك الاستحكامات، ومن المهم جدًّا أن يسارع الصف المتحرك الذي تحت قيادة الجنرال دومي (Dumay) إلى احتلال نقطة السكربون4 الواقعة بين الإسكندرية ودمنهور حيث توجد مياه كثيرة، وأن ينصح له بتنظيف الآبار الموجودة في جهة «البيضة» ومن الضروري جدًّا أن تبقى مواصلات الإسكندرية ورشيد على غاية ما يرام بواسطة القوارب في البحيرة، وسيبعث لك ديوان أركان الحرب بالنظام الذي وضعه لإدارة الأحكام في البلاد، فمن الواجب كثيرًا تعويد القوم تدريجيًّا على أخلاقنا وتصرفاتنا، وأن نترك في أيديهم مجالًا واسعًا من سلطة إدارة أمورهم الداخلية، وبالأخص يلزم عدم التدخل في شيء من المسائل التي لها مساس بالشرع والدين، وفوق ذلك كله أرجوك أن لا تفرط في إجهاد نفسك بحيث تضر بصحتك، التي هي أهم لدي وللجيش، من كل شيء، ولك السلام.بونابرت
إن القائد العام يريد منك اتخاذ كل الوسائل لإنزال كل ما يخص الجيش إلى البر، ويعتقد القائد العام أنك ولا بد قد جسست عمق البحر؛ ولذلك يود أن يدنو الأسطول من الميناء؛ لأن وجوده بعيدًا غير موافق لمصلحة مواصلاتنا.5
وقد أوضحنا هذه النقطة لعظيم أهميتها في مركز الفرنسيين بالقطر المصري، ولأن نابوليون طالما ندد بالأميرال برويس وشكا نتيجة تساهله وعدم الحيطة اللازمة، ولمؤرخي الفرنسيين مجادلات في هذه المسألة يطول شرحها.
المعسكر العام — ٧ يوليو ١٧٩٨ — إلى السيد محمد كريم6
لقد سر القائد سرورًا كبيرًا بحسن سلوككم منذ دخول الجيش الفرنسي فلذلك يمنحكم وظيفة محافظ دائرة الإسكندرية، وسنبعث لكم أوامرنا على يد الجنرال كليبر، قومندان عموم الجهة، وذلك لا يمنع السيد محمد كريم من أن يكتب للقائد العام في جميع الأحوال متى أراد، وعليكم أن تقدموا للجنرال كليبر كل ما يطلبه من مستلزمات الجيش الفرنسي وبوليس دائرة العربان.
بونابرت
ولكن السيد محمد كريم هذا، على الرغم من هذه المعاملة الحسنة، وتلطف نابوليون في مخاطبته وثقته به، لم يحفظ للفرنساويين حرمة، ولم يرع لهم عهدًا، وكان كعادة أبناء جنسه وزمنه، وكعادة أبناء وطنه، إلى وقتنا هذا لا يثبتون على رأي واحد؛ إذ بينما هم مع هؤلاء؛ إذ هم مع أولئك … وعذرهم في هذا قصر نظرهم من جهة، وخوفهم من التقلبات من جهة أخرى، زيادة عما ربوا عليه من أثر الذلة والمسكنة وضعف الإرادة، فقد وجد الفرنسيون معه بعد ذلك، مكاتبات بعث بها وراء ظهورهم إلى مراد بك، يحرضه على الغارة على الإسكندرية، فجاءوا به من الثغر ذليلًا ومثلوا به تمثيلًا، إلى غير ذلك مما سيأتي في مكانه مفصلًا …
ومما يجب ذكره هنا أنه كان أمام نابوليون طريقان لنقل جيشه إلى شاطئ النيل، أحدهما من رشيد والثاني من الإسكندرية إلى دمنهور فالرحمانية، والأول سهل لوجود الماء، ولكن رشيد كانت لا تزال في حوزة المماليك، وربما خشي مقاومة منهم فيها، وهو يريد الإسراع للاستيلاء على القاهرة، فلذلك اختار الثاني ووضع نظامه على ذلك.
وكنا في شهر يوليه وقد قرب النيل أن يغمر الأرض بمياهه، فأراد بونابرت أن يصل إلى القاهرة قبل الفيضان، ولم يكن بونابرت يجهل أن تحت ستار التقاليد القديمة تختفي الحقائق أحيانًا، وأنه يجب على الإنسان أن يدرس الأمور قبل أن ينشر نفوذه على البلاد التي يريد افتتاحها، وأن يفهم أن القوة المسلحة وحدها، ليست الضمان الوحيد، وكان يعرف طبقًا للتقاليد المألوفة، أن احتلال القاهرة بمثابة احتلال مصر كلها، فمن الواجب عليه أن يسرع في وضع يده على المدينة المقدسة ليقضي بقوة الذعر والخوف، على روح الخرافات والأوهام التي تسود الشعب، فيحرك جيشه ليصل إلى غرضه، وترك حامية مؤلفة من ثمانية أو تسعة آلاف رجل في الإسكندرية وسلم قيادتها، وكذلك قيادة الفرق التي كانت في عهدة الجنرال «ديموي» إلى «كليبر» الذي اضطرته جروحه للبقاء وعدم استطاعته السير.
وفي اليوم السادس من يوليو بدأت الحملة سيرها من الإسكندرية إلى دمنهور مما سنفرد له فصلًا خاصًا بعد أن ننتقل بالقارئ إلى القاهرة، ونروي له ما حصل فيها، وكيف كان وقع خبر احتلال الفرنسيس على أفئدة المماليك والأهالي.