الفصل الثاني عشر
ولكن الشهر مضى، ورجع الأزهريُّ إلى القاهرة، وظلَّ صاحبنا حيث هو كما هو، لم يسافر إلى الأزهر، ولم يتَّخذِ العِمَّةَ ولم يدخل في جُبَّة أو قفطان.
كان لا يزال صغيرًا، ولم يكن من اليسير إرساله إلى القاهرة، ولم يكن أخوه يحب أن يحتمله، فأشار بأن يبقى حيث هو سنةً أخرى، فبقيَ ولم يَحْفِل أحدٌ برضاه أو غضبه.
على أنَّ حياته تغيَّرت بعض الشيء؛ فقد أشار أخوه الأزهريُّ بأن يقضيَ هذه السنة في الاستعداد للأزهر، ودفع إليه كتابين يحفظ أحدهما جملة، ويستظهر من الآخر صُحفًا مُختلفة.
وكم كان فرحًا مختالًا حين غدا إلى الكتَّاب يوم السبت، وفي يده نسخة من «الألفية»! لقد رفعته هذه النسخة درجات، وإن كانت هذه النسخة ضئيلةً قذرةً سيئة الْجِلْد؛ ولكنها على ضآلتها وقذارتها، كانت تعدل عنده خمسين مُصحفًا من هذه المصاحف التي كان يحملها أترابه.
المصحف! لقد حفظ ما فيه فما أفاد من حفظه شيئًا، وكثيرٌ من الشبان يحفظونه فلا يحفِل بهم أحدٌ، ولا يُنتخبون خلفاء يوم المولد النبوي.
ولكن الألفية! وما أدراك ما الألفية؟! وحسبك أنَّ سيِّدنا لا يحفظ منها حرفًا، وحسبك أن العريف لا يُحسن أن يقرأ الأبيات الأولى منها، والألفية شعر، وليس في المصحف شعر.
الحق أنه ابتهج بهذا البيت:
ابتهاجًا لم يشعر بشيء مثله أمام أيِّ سورة من سور القرآن.